لكل شيء مقابل
خرجت للشرفة القي نظرة للمرة الاف على الحديقة العملاقة امامي، لا فرصة لوجودها هنا فقد راقبت الحديقة لأيام واعلم جيدا كيف يعتنون بكل تفصيل بها بدقة فائقة، تنهدت بخيبة اتقبل مصيري المحتوم.
كنت سالتفت لادخل لكن حركتي تجمدت بمنتصفها عندما لمحته.
كان في اخر الحديقة، يقف بثبات يسند يديه على سيفه ونظراته موجهة لهنا، الي.
ينظر وكأنه يبحث عن شيء لكن مهما نظرت له لم استطع معرفة ما يريد.
طال الوضع على هذا الحال لبرهة من الزمن حتى طأطأ رأسه للأسفل والتفت ليغادر بهدوء وكأنه اخذ ما يريد وانتهى الامر.
وأنا بدوري تركت الشرفة اللعينة التي دخلتها اقصد بعض الراحة والتخفيف عني، لكن بدلا من هذا زادت همي.
لا اعرف إن كنت جننت ام ان الجميع يتصرف بغرابة اليوم.
مسحت على صدري لا خفف عني قليلا، "اهدأي فلير، انت في وكر الثعالب، لاتتوقعي شيئا أكثر من المصائب هنا، فلتعتادي على هذا"، قلت اوبخ نفسي.
لم تمضي لحظات حتى اقتحم خلوتي صوت طرق الباب.
كانت خادمتي فسمحت لها بالدخول.
دخلت وكان معها أحد فرسان الشيهزادة الذين حفظت وجوههم عن ظهر قلب.
عقدت حاجباي باستغراب؛ لانه لا يجب عليه التواجد هنا لأن أعراف القصر الصارمة هكذا، إلا إذا كان لديه سبب اقوى من هذا، وهذا لا يبشر بالخير أبدا.
خطرت لي نظرات الامير قبل قليل بشكل عابر، يبدو ان هذا لا يبشر بالخير حقا.
"ماذا يوجد؟"، حمحم وخرج من جموده عندما نطقت بنبرة تخللها الحقد على الرغم من محاولتي الجادة لإخفائه، "سموك، الشيهزادة يطلب حضورك".
انتظر اجابتي لبرهة، "وهل لي خيار آخر؟"، كان سيرد لكني قاطعته، "لاتتعب نفسك فلم اطلب جوابك"، زم شفتيه وابتلع اي من الهراء الذي كان سيقوله.
"جيد، أرني الطريق"، قلت اقترب منه، وهو بدوره تقدم يرشدني للطريق.
قطعنا مسافة لا يستهان بها داخل ممرات القصر، وبالفعل بدأت الممرات تضيق بطريقنا للأسفل.
أعلم أن هذا ليس بعلامة جيدة، "إلى أين نذهب؟" سألت بجدية هذه المرة.
"ستعرفين بعد قليل سموك".
توقفنا أمام باب حجري ضيق وأخذ مدة حتى فتحه.
كان داخله مظلم، فناولني شعلة كانت معلقة بالداخل كما حمل هو أيضا واحدة وعاد ليقود الطريق.
وضعت يدي فوق قلبي اثبت نفسي، واجهزها لأي حركة مباغتة.
الطريق كله عبارة عن درج ضيق مستدير يتجه للاسفل وكأننا ندخل دهاليز قلعة قديمة و متهالكة، والرائحة اقل ما يمكن وصفها به انها كالجثث المتعفنة.
واخيرا عند آخر درجة اتضح انه سجن تحت الأرض، فظلال القضبان على الأرض بسبب الإضاءة الخافتة كشفت الأمر.
عندما تقدمنا قليلا اكثر قابلنا الأمير اخيرا.
أشار إلى الفارس ليتركنا وحدنا.
نفس النظرة التي كانت على وجهه عندما نظرت له من شرفتي تعتلي وجهه الان.
نظرته هذه جلبت الشك الى قلبي فحثثته على الحديث لأن الأمر طال أكثر من اللازم، "لماذا نحن هنا سموك؟".
نطق اخيرا، "لدي شيء يتعلق بك ويجب ان اريك اياه".
جميع انواع المشاعر السيئة داهمتني مرة واحدة، "وما الذي يتعلق بي ومتواجد في هذا المكان" قلت بحذر.
تنهد واستدار يتجه نحو آخر الممر الذي نحن فيه.
تبعته وفي سري دعوت أن اخرج من تحت ركام هذا الأمر مع أنني فهمت أن هذا مستحيل.
توقفت عند الزنزانة الكئيبة التي كان يقف عندها، أشار للداخل.
وليتني لم انظر، انحسرت انفاسي فجأة ولم اعد قادرة على أخذ واحد.
لا اعلم كم بقيت أحدق في المنظر الشنيع امامي، حتى امتلأت عيوني بالدموع التي أبت أن تنزل أمامه.
"افتح الباب" خرج صوتي متحشرج مكتوم بسبب محاولاتي لمنع نفسي من البكاء.
ففعل وافسح لي الطريق لادخل.
فورا ركضت لها اجثو أمامها وأسند جسدها المرمي على الارض بتعب، كانت فاقدة للوعي، والجروح تملأ جسدها المنهك حتى انني بالكاد تعرفت على وجهها من قوة التشوه، الرب وحده يعلم ما الذي فعلوه لها.
بصيص أمل عاد إلي عندما حاوت تحريك شفتيها فحاولت ايقافها فورا، "اشش لا تتعبي نفسك، حافظي على طاقتك لاستجماع نفسك".
لكنها اصرت وتحدثت وكأنها المرة الأخيرة التي سنلتقي بها، "من الجيد انك هنا، على الأقل تمكنت من رؤيتك قبل ان ارحل" قالت بصوت متقطع من الارهاق وهذا داس على وتر الجنون في عقلي.
"لا تتحدثي هكذا، لا يزال لدينا الكثير من الوقت لنقضيه معا"، لم اتحمل اكثر من هذا وضممتها الى صدري ودموعي تنهمر بدون إذن مني.
ولم استطع تحديد لأي سبب ابكي، على الحال الذي وصلت له، على حالنا هذا، أم على الكذبة التي تفوهت بها قبل قليل.
شعرت بها، ارادت البكاء ايضا لكن لم يتبقى لديها الطاقة لفعلها، اللعناء تركوها في هذه الحالة.
فصلت عناقنا على الرغم من عدم رغبتي، "سأعود، اياك ان تتركي نفسك، عليكِ ان تعيشي" همست لها اعدل وضعيتها بحذر وابتعدت عنها ببطء.
خرجت من الجحر اللعين هذا لاقابله بنظرات الحقد التي لم احاول اخفائها.
الان، لا يدور في رأسي شيء غير كيف ساقتلك.
"ماذا فعلتم لها، الهذه الدرجة انتم متوحشين…"، توقفت عن الكلام لبرهة انظر له بخيبة امل واحاول ان اجمع افكاري التي ضاعت مني وقريبا سيتبعها عقلي، "ظننتك رجل يلتزم بما يفرضه عليه شرف الفارس" يبدو انني دست على وتر حساس بديه بهذا الكلام؛ فهمت بسبب تعابير وجهه التي تجهمت فجأة.
اغمض عينيه لوهلة يحاول التحكم بنفسه، "لا تؤاخذينا ايتها الأمير لم اكن اعرف انك تستقبلون الجواسيس برحابة صدر هكذا…علاوة على انني لم اكن الذي قبض عليها وهي تتسلل للقصر كما ان أحدا لم يعرف انها حارستك التي فضلت قضاء أيام تحت التعذيب على الاعتراف؛ ولهذا تم اطلاعي على الامر ظننا منهم أنها تشكل خطرا جديا…وانا تعرفت عليها لانني رأيتها في الدير ذلك اليوم، وفهم انها حارسك ليس بالأمر الجلل الان" شرح بصبر يحاول أن يمتص غضبي.
اسلوبه هذا يغضبني أكثر، ارجوك كن حقيرا لمرة واحدة، دعني اللعنك مرة واحدة وأخرج مافي جعبتي، "لماذا ناديتني الى هنا اذا؟ ماذا تحاول ان تفعل؟ أتحاول اهانتي؟"
أخذ وقتا قبل أن يجيبني وكأنه يفكر مرة اخرى قبل ان يتحدث، "ناديتك الى هنا لأعطيك فرصة رؤيتها للمرة الاخيرة؛ فبحكم القوانين عقاب الجواسيس الاعدام، وكان من الصواب اخبارك قبل تنفيذ العقوبة؛ لاحافظ على الوعد الذي قطعنه لك" قال يشيح ببصره للأسفل.
اما انا لم استوعب ماقاله. اساسا ما قاله هو أكثر شيء بديهي ممكن أن يحدث لكن وقعه كان ثقيل جدا علي، ثقيل لدرجة أن توازني اختل للحظة وعندما حاول مد يده لمساعدتي تسلق جلدي الف شيطان، رأيت الجحيم في لمسته هذه.
قبل أن يتمكن من لمسي ضربت يده بعنف ابعدها عني، "اياك حتى ان تفكر مرة اخرى في لمسي، واعلم هذا جيدا انك ستسلبني روح وانا سأسلبك ألف، كن متأكد من انني ساحافظ على وعدي هذا حتى وان كلفني حياتي" التفت اغادر المكان وانا احاول ابتلاع دموعي في داخلي، اريدها ان تبقى في داخلي لتكون وقود لحقدي".
"من الافضل ان تقتلني أيها الأمير بما أن الفرصة في متناول يدك الان، صدقني ان التخلص مني الان في صالحك اكثر من اي سخافة تخطط لها بشأني" نطقت أؤكد على التهديد الذي تفوهت به قبل قليل دون أن ألتفت له.
اتبعت الطريق المؤدي الى غرفتي، والقرف من نفسي يتملكني.
اساسا كل الذي يحدث بسببي، الجميع يدفعون ثمن أخطائي أنا، جميع الذين يقتربون مني يدفعون الثمن بحياتهم، وعندما يحين الوقت ويحتاجونني اكون بلا حيلة لانقذهم، اللعنة علي.
خرجت السلطانة في وجهي، اختارت الوقت المناسب تماما.
لم احاول اخفاء اي من ملامح الحقد التي انا متاكدة انها تظهر لى وجهي بوضوح وأكملت طريقي لغرفتي اللعينة.
………..
في جانب السلطانة
"ماذا يحدث لها، لماذا هي غاضبة لهذه الدرجة، حتى الصباح كانت تتصرف ضمن قواعد الادآب" سالت السلطانة خادمتها لعلها تعرف السبب.
"مولاتي، كنت سأخبرك بهذا بالفعل. أخبرتني خادمتها أن الأمير قد استدعاها، ولم تعرف شيئا اخر"
"يا الهي هذا الولد لا يتوقف عن افساد الأمور على نفسه" قالتها وهي بطريقها لغرفة الأمير بخطوات سريعة حاولت جاهدة أن تبقيها ضمن المدى المسموح به في قواعد الآداب لكن قلقها فاق محاولتها هذه.
اقتحمت غرفة الأمير دون طرق الباب حتى، ولحسن حظه كان موجود في غرفته فقد وفر على نفسه التعرض للمزيد من التوبيخ.
"ليتك طرقت الباب على الاقل" قال يعطيها ظهره ويكمل خلع الدرع الذي اصبح لا يفارقه هذه الفترة.
"لأذكرك بأني والدتك لذا لاداعي لهذه الرسميات. على اي حال لم اتي الى هنا لاتجادل معك بشأن هذا.
لماذا أحزنت الفتاة؟ الم احذرك من هذا؟ ألم تعدني بأنك لن تتعرض لها؟"
"ولا تقلقي انا لم افعل شيء يخالف الوعد الذي قطعته لها أو لك، فعلت ما يجب فعله فقط"
"بني، انا لم اطلب منك ان تفعل ما يجب فعله، لم أطلب منك أن تتصرف كالمسطرة معها، كالرجل العسكري. فقط اردت منك ان لا تحزنها"
"لماذا انتي مهتمة لهذه الدرجة بأمرها؟"
تجاهلت سؤاله واكملت طرح اسئلتها والتحقيق معه، "هيا اخبرني ماذا حدث بينكما، واياك ان تتجاهل شيئا" قالت وهي تجره من يده كأنه طفل ليجلس بجانبها على سريره.
تردد قليلا لكنه استسلم امام اصرارها، " لقد أمسكنا بحارستها وهي تتسلل للقصر وبالطبع لم يتعرف عليها احد من الحرس، كما أنها لم تعترف فتعرضت لتعذيب شديد. وعندما رأى الحراس جدية الوضع تم اطلاعي على الأمر وعندما رأيتها عرفت انها حارسة الاميرة".
"وانت ركضت فورا لتخبر الاميرة، لترى حارستها بهذا الشكل" قالتها بعد أن ضربته على كتفه كأم تعاتب طفلها على اخطائه.
فركت السلطانة العظمة بين حاجبيها تفكر كيف ستصلح خطأ ولدها، تحت نظرات الأمير المستغربة.
لم ينتظر وزاد الطين بلة عندما اخبرها، "غدا ستنفذ عقوبتها وسيتم اعدامها"، نظرت له وكانها تنظر لمصيبة "ماذا قلت؟".
"القوانين هكذا" قالها وكأنها ابسط جملة في الكون، لا يدري انه يدمر خطط والدته التي ستعرض لسكتة قلبية عما قريب.
"فورا ستطلق سراحها" قالتها ببطء وجدية لا نقاش بها.
"امي، هل انتي مدركة لما تقولينه؟ القوانين…"
"لاتهمني القوانين، قلت انك ستطلق سراحها وستغلق فم اي شخص يعرف بأمرها ولا تهمني الطريقة، وهذا أمر من السلطانة"
"لا يمكن…"
امسكت بكفيه تضغط عليهما "فقط ثق بي، لا يجب عليك ارتكاب هذا الخطأ".
كانت تتحدث بغموض طوال الوقت، حتى تمكنت بصعوبة من إقناع ولدها بالتراجع عن قرار الاعدام و تسيلم الحارسة لأميرتها.
ووعدته بوضع عينيها عليهما طوال الوقت.
لم يمر الكثير من الوقت حتى أصبحت الحارسة بيد السلطانة، ولم تضيع لحظة واحدة واصطحبتها الى غرفة الاميرة.
بنظر السلطانة انها بهذه الحركة ستضرب عصفورين بحجر، التخلص من حقد الاميرة وضغينتها تجاههم، والآخر كسب ودها للايام القادمة.
……..
في جانب الاميرة
كانت في غرفتها وفي كل ثانية تمر تشعر بأن الجدران تتقلص من حولها.
كانت تدور بجنون بسبب شعور العجز الذي يتملكها؛ صديقاتها على بعد أمتار منها ولا تستطيع انقاذها.
طرقات الباب التي سمعتها زادت من غضبها، وعندما دخل الطارق دون إذن صرخت به دون ان تنظر له كي لا ترتكب ما لايحمد عقباه، كي لاتفسد فرصة ممكنة لانقاذ صديقتها بسبب غضبها "اخرج" خرجت الكلمة كالسم منها.
"ايتها الاميرة" عندما سمعت صوت السلطانة التفتت لها بعيون تشتعل حقدا، لكنها حاولت تمالك نفسها وعضت شفتها السفلية بقهر قبل ان تتحدث "ماذا تريدين؟ خل جئت للشماتة؟".
لم ترد عليها السلطانة فكان واضح ان الاميرة تريد استدراجها لهذا الحديث لتفريغ غضبها، بدلا من هذا التفتت خلفها وأشارت لخادماتها بالدخول، "احضرنها".
دخلت خادمتان وهما يسندان جسد مرهق، لم تأخذ الاميرة الكثير من الوقت للتعرف على هذا الجسد.
لم تفكر واسرعت تساعد في اسناد صديقتها وجعلها تستلقي على سريرها.
وعندما تأكدت مكن راحو وضعيتها رفعت نظرها للسلطانة تطالب بتفسير.
فاغمضت السلطانة عينيها تطمئن الاميرة "عليكِ ان تكوني شاكرة للامير الذي قرر إطلاق سراحها، أصبحت الآن مدينة له؛ فهذا اطلاقا لم يكن ضمن القسم الذي قطعه لك".
توقفت قليلا ثم اكملت قبل ان تغادر وتسحب خادماتها معها الا اللواتي جئن للعناية بالجريحة، "الان اعتني جيدا بصديقتك وعندما يحين الوقت سنكمل الحديث الذي بدأناه".
كما توقعت فلكل شيء مقابل.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!