وضع القراءة:

حمى مستعرة

"أين أنا؟"، صرخت بكل ما أوتيت من قوة، يجب أن أخرج من هنا وإلا ستلتهمني النار مرة أخرى.
" أقسم أنني لم أفعل شيء" صرخت بقوة اكبر عندما بدأت حلقة النار بالاقتراب مني.
لم يجبني أحد. المكان مظلم وصامت، الضجيج الوحيد هو صوت النار وهي تلتهم المكان، وقريبا ستلتهمني.
اقتربت مني لدرجة أنها بدأت بأطراف ثوبي، ولا يوجد شيء لفعله سوى الاستسلام لها.
والآن تساءلت ربما للمرة الألف ’كيف هو شعور الموت حرقاً؟’، هل سأصرخ بزعيق مثلما فعلت أمي.
"أمي... ألن تأتي لتأخذيني معك؟ انظري إلي، سآتي إليك بذات الطريقة التي ذهبتِ بها، ألا يعني هذا أننا أخيراً سنلتقي أخيراً؟"
"حذاري أن تأتي إلي، المكان هنا ليس جيداً أبداً!"، صراخ كالزعيق جاء من لا مكان فجأة.
وعلى الرغم من حدته عرفت لمن يعود؛ الصوت الذي حفظته في روحي ولم أكن لأخطئه أبداً حتى وإن مرت سنوات منذ آخر مرة سمعت نبرته الدافئة.
التفت حولي بهستيريا ابحث عن مصدر الصوت.
خفت من أن يختفي مرة أخرى.
لكن الخوف تبدل الى أمل عندما شعرت بيدين تمسك اكتافي.
التفت لها لأرى ذلك الوجه الذي مر عليه سنوات، لكنها صرخت بي، "استيقظي وأهربي من هنا، اهربي من قدرك، قبل أن يكتشفوا أمرك".
لا، ليست نفس العيون، ليست عيونها.
إنهما باردتان، ميتتان.
لم تتوقف عن الصراخ بنفس الجملة وهي تهز كتفاي.
استيقظت.
لكنني لم استيقظ حقاً. لا أشعر بجسدي كما لا استطيع فتح جفناي مهما حاولت.
الكثير من الأصوات المتداخلة حولي، لكنني لا استطيع استيعاب اي منها.
لحظات حتى بدأت استعيد السيطرة على جسدي، أشعر بأنفاسي ودقات قلبي تتسارع بجنون؛ الان فهمت لما حدث لي كل هذا الجنون، يبدو ان جسدي بدأ بالانهيار.
يجب أن أحصل على الترياق بأسرع وقت ممكن، وإلا فإن السيطرة ستفلت من يدي وسأفسد كل شيء.
الصوت البعيد الذي كان ينهش عقلي بدأ يتضح ويتحول الى واقع أخيرا، لكن الدوار ضرب رأسي عندما حاولت النهوض كما أن رؤيتي لا زالت مشوشة.
"سمو الأميرة، هل أنتِ بخير؟"، صرخت الخادمة بقوة وهي تهزني بهلع، وعندما رأت ترتعاشة جسدي و عجزي عن الاستجابة لها التفتت بذعر نحو الأخرى وأمرتها بنبرة مرتبكة، "اركضي فوراً وأخبري السلطانة الوالدة بسرعة".
في هذه اللحظة، دق جرس إنذار في رأسي؛ إذ
كشف أمري هذا يعني موتي المحتم.
اجبرت جسدي المتهالك على النهوض، لكن الخادمة حاولت منعي متوسلة، "لا تنهضي سموكِ، جسدكِ يغلي كالجمر، أنتِ تحترقين من الحمى ويجب أن ترتاحي".
أيتها الحمقاء! لو تركتني وشأني في لربما نلتُ راحتي، لكنكِ نشرتِ خبري الذي سيؤدي بي للموت، احتفظت لهذه الكلمات لنفسي وابعدتُ يدها عني بنفضة عنيفة انهض بصعوبة بالغة وأنا أثبّت أقدامي على الأرض الرخامية الباردة بكل ما بقي لي من قوة.
"أحضري ماءً كالثلج"، أمرتُها بجفاء وتركتُها واقفة في مكانها امشي بترنح نحو الحمام. لحقت بي مسرعة وحاولت الإمساك بي لتسندني، فابعدتها عني بنفاذ صبر وصرخت في وجهها "أحضري ماءً بارداً... قلت لكِ"، فانحنت بارتباك وذهبت على عجل.
دخلت الحمام بصعوبة وتجردت من ثيابي الفاخرة التي خنقتني، ولم يطل انتظاري حتى عادت وبيدها ما طلبت.
أمرتها بسكبها فوقي. فتوقفت بذهول، وعيناها مليئتان بالتساؤلات والخوف.
نظرت لها بنفاذ صبر و صرامة حتى تخلت عن ترددها وبدأت صب الماء البارد فوقي.
اللعنة... لابد وأنني جننت حتى أتجرع هذه البرودة، ولكن لم يكن أمامي أي خيار آخر لتهدئة النيران المستعرة في دمي باسرع وقت.
ضممتُ ذراعيّ حول جسدي المرتجف، أحاول التقاط أنفاسي الضائعة بسبب البرد، وعندما هدأت قليلاً، التفت نحوها وأمرتها بنبرة جافة، "اخرجي الآن".
"ولكن سموك... دعيني أساعدكِ، أنت لستِ بخير على الإطلاق".
"قلت اخرجي"، صرختُ بها بغضب حتى تركت ما بيدها وفرت خارجة تغلق الباب خلفها.
وعندما تأكدت من خلو المكان وسماع تكة الباب، فتحتُ بأصابع مرتجفة القلادة المخبأة في ملابسي التي الخفيفة التي بقت على جسدي والتهمت ما تبقى فيها من السم بمرارة.
على هذا ان يبقيني على قيد الحياة يومان إضافيان
والآن... نفدت مني الكمية تماماً، ويتحتم عليّ حل هذه المعضلة خلال اليومان القادمان، وإلا فإن اللعنة ستحدث.
أكملتُ الاستحمام، بينما رجفة جسدي بدأت تخف شيئاً فشيئاً، والسم بدأ يسري في عروقي ليعيد إليّ قناع القوة الزائف.
بالكاد انتهيت حتى سمعت ضجيجا في الخارج، ويبدو أن السلطانه اقتحمت الجناح، ولحسن الحظ بدأت استعيد السيطرة على نفسي.
"اين هي الاميرة"، فور أن دخلت بدأت بالتحقيق مع المسكينة التي تنتظرني بالخارج وعندما اجابتها نهرتها بقسوة، " كيف تسمحي لها بالاستحمام وحدها، بتلك الحالة، ماذا لو حصل لها شيء؟ هل كنت ستتحملي المسؤولية؟".
خرجت بسرعة لتدارك الوضع بعد أن لففت جسدي برداء قرمزي فاخر لم يفلح في إخفاء شحوب وجهي، وشعري المبلل كان منسدل فوق كتفي.
قابلتني عيناها الحادتان تمسحان وجهي بدقة، تبحثان عن أي تفصيل مريب يفسر حالة الهلع التي نُقلت إليها.
"انا بخير ايتها السلطانة، انها فقط حرارة خفيفة لا داعي للمبالغة".
اقتربت مني على غفلة ووضعت كفها على جبيني تتفحص حرارتي.
تصلبت في مكاني على هذه الحركة المباغتة فلم اعتد ان يلمسني احد دون اذني، كما لم اتوقعها منها.
عندما تأكدت بنفسها أخذت خطوة للوراء بهدوء وقطعت الصمت المربك بصوتها الرخيم، "أعلم أن هواء العاصمة يختلف عن هواء مملكتكِ المحاصرة، أيتها الأميرة...لكنني لم أتوقع أن جسد ابنة الإمبراطور ينهار بهذه السرعة أمام حمى عابرة".
أجبرت شفتاي على الابتسام برسمية متقنة رغم أن الحقد تسلق اطرافي، "جسدي لم ينهر بعد، أيتها السلطانة...انها فقط أعراض عابرة، تحدث عندما اتعرض للهواء الفاسد لمدة أطول من اللازم".
ارتفع طرف شفتها بابتسامة وقلصت الخطوة بيننا، "أتمنى ذلك حقاً..."، قالت ببطء شديد، ونبرتها تحمل قذارة مبطنة، "لأنك ورقة رابحة بيد الشيهزادة ضد والدك الامبراطور، وأنا لا أحب أن يخسر ولدي أوراقه بسبب... ضعف طارئ" .
أنهت حديثها وهي تنظر بداخل عيناي تتأكد من أنني فهمت رسالتها جيدا.
بلعتُ الاهانة بصمت ولم أرد؛ فماذا عساي ان اقول، هي لم تفعل شيء سوى أنها صفعت الواقع بوجهي.
وعندما حصلت على صمتي التفتت للمغادرة، وقبل أن تخرج قالت، "جهزي نفسك سنتناول الفطور معا".
وغادرت بعد ان اخذت خادماتي معها للتحقيق معهم كالعادة، لكنها ابقت على بعض خادماتها معي، لمساعدتي على الأغلب.
………..
’في غرفة السلطانة’
خادمات الاميرة يقفن بصف واحد ونظرهن للأسفل.
سمحت السلطانة لرئيستهن بالحديث "اقسم لك ايتها السلطانة أنني لم أكذب بشيء، كانت تتلوى من شدة الحمى،كما أنها كانت تهذي بوالدتها.
وعندما حاولتُ لمس جبهتها، شعرتُ وكأنني ألمس جمراً مستعراً.
كانت عيناها جامدتان وكأنها لا ترانا، بل كانت تنظر إلى الفراغ برعب كأنها ترى الموت"، سردت الخادمة ما حدث بسرعة تتداخل بالاحداث من التوتر والخوف.
"حسنا، هذا يكفي" رفعت السلطانة يدها واشارت لهن بالخروج، "حذاري ان اسمع همسات في القصر عن هذا الموضوع والا لن اكتفي بقطع السنتكن".
……..
"تفضلي ايتها الاميرة" فالت السلطانة وهي تشير لها لتجلس بجانبها حول المائدة.
ترددت الاميرة وكأنها تحمل باقي الحقد من المواجهة قبل قليل، ولم يخفى هذا عن السلطانة فتنهدت، "ان كان هذا سيجعلك تشعرين أفضل فأعتذر عن كلامي قبل قليل. تعمدت أن اظهر بعض العداء لك لان هذا الأفضل لكلينا.
تعلمين ان حتى الجدران لها اذان"
مازالت واقفة مكانها، " هيا تعالي فقد طلبت صنع أطباق من مملكتك".
" هل استطيع ان اعرف سبب هذه اللطافة جلالتك"
بدلا من ان تجيبني اشارت للمكان بجانبها.
تنهدت بنفاذ صبر وجلست على مضض، "لماذا استدعيتني جلالتك؟".
"استدعيتك للحديث معك وسؤالك ان كنت تحتاجين شيئا على وجه التحديد"
"لست…" رفعت يدها تقاطعني وتكمل حديثها، "حضرة الاميرة انت لست بخير اطلاقا وهذا واضح من حمى الصباح، انت لا تتأقلمين مع العيش هنا"
" انا لا احتاج الى التأقلم هنا جلالتك"
"لا تغضبي فورا، برأيي انت بحاجة ماسة للتأقلم، فكما تعلمين لا خروج من هنا، قدرك مكتوب هنا، لذا سيكون من الافضل ان تتوقفي عن العناد وتبدأي بتعلم كيفية العيش هنا.
لطالما انا هنا ساحرص على ان لا تحتاجي شيئا، بالتاكيد لن نستطيع تعويضك عن موطنك لكن سنفعل ما بوسعنا لترتاحي هنا، اعلم ان هذا يحتاج لبعض الوقت، لكن ارجو منك بذل المزيد من جهدك"
"جلالتك هل انتي مدركة انك تطلبين مني الخضوع للعيش بسلام هنا، لكنني اميرة ولم اعتاده ولن اعتاده"
"اعلم، وانا لم اقل شيئا كهذا، ما اريده منك هو العكس تماما، اطلب منك ان تحافظي على روح الاميرة ما دمت هنا، ما اطلبه منك هو التخلي عن غضبك ورؤية الامور بواقعية اكثر والتصرف وفقا لها كأميرة، ان تحكمتي بغضبك قليلا ستجدين فرصتك هنا، لهذا عليك ايقاظ الاميرة وتنحي المحاربة جانبا لكن لا تقتليها فقد تحتاجينها."
خرجت ضحكة صدمة قصيرة مني، هل افهم معنى الفرصة التي تتحدث عنها بشكل صحيح." ايتها السلطانة هل انتي مدركة لما تقولينه، هذا مستحيل لاذكرك نحن اعداء، يوجد دماء بيننا "
وضعت يدها فوق يدي " قلت لك لاتفكري كمحاربة، في السياسة الدماء تنتهي بهذه الطريقة، علاوة على عدم وجود مستحيل بالسياسة.
نظرت لها بصدمة لا بد وانها جنت.
الان فهمت لماذا لاتريد اظهار هذا الود لي امام الجميع؛ تريد سبق الجميع بخطوة.
نهضت لاخرج من هذا المكان" لاتقكري بشيئ كهذا مرة اخرى" قلت وخرجت بخطوات ساخطة الى غرفتي واغلقت الباب بوجه الخادمة التي تبعتني.
وضعت ظهري على الباب اغمض عيناي احاول فهم نيتها لكن فور ان خطرت فكرتها لي مرة اخرى اغمضت عيناي لابعدها بسرعة، وضعت يدي على صدري اعطي نفسي القوة لمحو هذه الفكرة من رأسي والتركيز على مصيبتي والا ساموت بغضون ايام معدودة.
ببطء وألم.
1 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.