وضع القراءة:

قفص ذهبي

بعد رحلة طويلة أخيرا بدأت ملامح العاصمة بالظهور أمامها.
المدينة التي لا طالما حاربتها.
كانت ضخمة، باردة، ومهيبة.
تماما مثل صاحبها. ألقت عليه نظرة من خلف النافذة المصفحة.
وقعت عيناها على ظهره المنتصب فوق الخيل، وضعية فارس بإمتياز.
أغلقت الستارة بعنف بررت سببه بالتوتر الذي اصابها بسبب الايام الماضية؛ تعرض قواتها للمباغتة من قبل فرق الشيهزادة بعد أن كانت على وشك الانتصار، مقايضتها لحياتها مقابل حياة المدنيين، والان هي وحدها أمام مستقبلها المجهول.
قبل عدة ساعات كانت تستعد للعودة إلى مملكتها بالظفر الذي حققته. لكن الوضع انقلب رأسا على عقب، وهي تدخل مملكة الأعداء كأسيرة…
قطع سلسلة افكارها توقف العربة بعنف ادى إلى اختلال توازنها،وكادت ان تحطم أنفها لولا لم تتدارك الموقف بسرعة وتتمسك جيدا.
فجأة بدأت جلبة في الخارج، والضوضاء ملأت المكان
همت بفتح الستارة لترى ما الذي يحصل لكن أصابعها تصلبت قبل ان تلمسها بإنشات قليلة؛ سمعت إسمها وسط الضوضاء.
نُطق بنبرة غاضبة، نبرة حاقدة كانت متاكدة انها لو كانت امام الذي يتحدث الان لممزقها إربا.
أصغت جيدا للحوار الذي يدور في الخارج، وقد فهمت انهم يطالبون بها، برأسها.
في الخارج، تقدم الشيهزادة الموكب الذي توقف بسبب اعتراض مجموعة من فيالق جيشه له.
فرقة كبيرة لمعت دروعها أمام بوابة القصر الشاهقة. يتقدمهم قائدهم ذو العين الواحدة، الذي كان يطالب بمن تسببت له بهذه الخسارة.
تحدث وعيناه لا تفارق عربة الأميرة "نسأل اميرنا المظفر أن يسلمنا تلك الأفعى المسمومة ل…"
قطع كلامه الشيهزادة الذي تقدم بحصانه تماما ثلاث خطوات حتى أصبح امامه بالضبط، خطوة اخرى وسيتم دهسه.
ساد صمت من النوع المقلق بين الجنود، أما قائدهم فقد حنى رأسه، وثبت نظره بالأرض ينتظر حكم الشيهزادة.
بسخرية هادئة تحدث "امرأة بنصف عدد جنودك ألحقت بك الهزائم وجعلت جنودك يتساقطون كالذباب" صمت الشيهزادة ليرى صدى حديثه بعيون الجنود.
أراد القائد التبرير لكن الشيهزادة اكمل حديثه "والان تجمع جيشا و تطالب بها وهي محاصرة، عاجزة، بدون إمدادات" نبرته ساخرة لأبعد حد؛ استطاعت أن تظهر دنائة المطالبة.
احمرّ وجه القائد من الإهانة أمام رجاله.
حاول الكلام، لكن الشيهزادة قاطعه بنبرة تغيرت فجأة.
أصبحت حادة كالسيف "الأميرة تابعة لي، و أي خطوة أخرى نحو العربة، سأعتبرها عصياناً عسكرياً صريحاً، وتعدٍ على شرفي العسكري والقسم الذي قطعته لها".
"لكن الثأر لدماء..."
"العصيان عقابه الموت فوراً." أنهى الشيهزادة جملته ويده تستند على مقبض سيفه.
التقت عيناه بعيني القائد كتهديد أخير.
فرجع خطوة إلى الوراء يفسح الطريق على مضض، يتبعه الجنود.
أمسك الشيهزادة بلجام حصانه بإحكام. وقبل أن ينطلق، التفت بنظرة أخيرة، وقال بنبرة متهكمة قاسية: "إذا كنت تريدها بهذه الدرجة... كان عليك الإمساك بها بنفسك في أرض المعركة، لا أن تنتظرني لأجلبها لك."
ضرب بطرف حذائه بطن الحصان وانطلق لداخل القصر والموكب من خلفه.
اما داخل العربة فقد انهت الأميرة صلاتها بخوف راجية ان لا تغادر روحها جسدها في هذا المكان، فقد تقبلت ان تنتهي حياتها بسيف يمزق احشائها وسط إحدى المعارك بشرف، او ان تنتهي حياتها بسبب مؤامرة دبرت لها في قصرها، في مملكتها، وليس ان تمزق داخل عرين اعدائها ثم لا تستطيع ان تتخيل ما الذي سيحدث لجثتها بعد ان تسقط هامدة، بدل من ان تدفن في قبرها الذي جهزته بجانب قبر والدتها.
انهت صلاتها وشعور مزعج بالإمتنان يزاحم الكراهية في صدرها تجاهه.
انه يصعب الامر عليها، فقد كان من السهل كرهه قبل ان تلقاه، اما الان فهو يسلب منها حتى حقها في كرهه.
النبل الذي يتعامل به معها يغيضها الى درجة تتمنى خنقه الان.
نظرت له من خلف الشباك وهو يترجل من حصانه، وبخطوات هادئة يمشي نحو امرأة تظهر عليها الهيبة بكل وضوح، خمنت انها والدته السلطانة عندما ضمها بشوق ولمدة طويلة وكأنه يعوض الفترة التي غاب عنها.
أشاحت ببصرها بعيدا عن المشهد لا تريد ان تعلق فيه، لكنها فشلت فقد داهمها سيل الافكار التي كانت تدفنه في كل مرة، ولم تدرك حتى انها بدأت تغرق بأفكارها حتى اخرجها من دوامتها الحارس الذي فتح باب العربة وهو ينحني ويمد يده لها.
وبعيدا قليلا رأت وجه المرأة التي حضنها الشيهزادة تعلو وجهها ابتسامة رسمية باردة.
تنهدت وهي تمسك بيد الحارس و تحشو برأسها فكرة ان لا مفر من هذا لذا من الافضل عدم تأجيل مواجهة مصيرها أكثر.
"مرحباً بكِ في عاصمتنا، أيتها الأميرة." بادلتها الاميرة نفس الابتسامة، فقد كانت متعبة لقول اي شيء اضافي او حتى المجاملة، ومن حسن حظها ان السلطانه فهمت الموقف فأشارت نحو الجناح الذي ستمكث فيه ووجهتها نحو الطرق.
لكن قبل ان ترحل القت نظرة على الشيهزادة الذي كان يتحدث مع رجل يرتدي نفس طابع ملابس الحراسة التي لاحظتها منذ دخول القصر لكن باختلافات تبرز انه القائد، واستنتجت من نظرات اشيهزادة للمكان انه يتحدث عن الحراسة؛ فهذا سجنها الجديد وان كان قصر ملكي، وهؤولاء حراسها الان.
للحظة التقت نظراتهما بتواصل قطعته فورا لتتبع والدته.
قادتها السلطانة الى الجناح الذي ستمكث فيه.
حتى وإن أنكرت فقد كان اجمل من القلاع الرطبة التي لا تشرق عليها الشمس التي كانت تعيش فيها، عكس هذا المكان الذي يتسلل إليه ضوء الشمس من كل صوب، ناهيك عن جودة الهواء المنعش هنا، والزهور الفواحة التي تملأ المكان.
نظرت مطولا للمكان قبل ان تلتفت للسلطانة وتسألها: " لماذا تعاملونني هكذا، ان كنتم لا تتذكرون انا اسيرتكم"
ابتسمت السلطانه وقالت: " الشيهزادة قطع عهدا، ونحن خلف كلمته مهما حصل"
أرادت أن تعترض لكن السلطانة اوقفتها بوضع يدها على كتفها "الترحال الطويل يفسد العقل ومن الواضح انك تحتاجين للراحة ايتها الاميرة، لذا فقط استريحي الان، وبعدها سيأتي النهار كما ستأتي الأيام وان كانت لك جاجة فستُقضى مع مرور الوقت"
ثم غادرت وتركتها وحدها، مع وحش الاسئلة التي يلتهم ما تبقى من عقلانيتها، الذي على وشك الدوس على اخر شعرة تفصلها عن الجنون وقطعها.
النهاية
1 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.