وضع القراءة:

/02/

إيطاليا - روما
كانت الغرفة تضجّ بطاقةٍ مشتعلة.
إيلا تدور بخفّة في أرجائها، تقذف ثيابها داخل الحقيبة باندفاعٍ طفولي، وضحكتها تتناثر في المكان كأغنيةٍ خفيفة لا تهدأ.
"هل تصدقين? بعد كل هذه السنوات... أخيرًا سنخرج!"
ابتسمت بيانكا بهدوء، والتقطت سترةً كانت على السرير، ثم وضعتها بعناية داخل الحقيبة.
"لو واصلتِ رمي أغراضك بهذا الشكل، ستنسين نصفها قبل أن نغادر."
استدارت إيلا ضاحكة، ورمت وسادة نحوها بلا مبالاة:
"دعيها تُنسى! لا يهم إن نسيت نصفها... المهم أننا سنخرج أخيرًا. أريد أن أرى المدينة كلها، أتناول الطعام في كل مطاعمها، أن أسهر حتى الصباح بلا أوامر، و أمشي على الشاطئ عند الغروب..."
رفعت بيانكا حاجبها بابتسامة خفيفة:
"قائمتك لا تنتهي، أليس كذلك؟"
فُتح الباب ببطء، وظهرت ماري، مديرة الميتم، تراقبهما بصمتٍ يحمل مزيجًا من الحزم والحنين.
"فتيات... اخفضن أصواتكن قليلًا."
ابتسمت إيلا سريعًا:
"اعتبريها آخر فوضى نصنعها هنا... بعدها سيسمعنا العالم كله."
تنهدت ماري، وانعكس في عينيها فخرٌ خافت يختلط بالحزن:
"أتمنى ذلك... لكن تذكّرا، الحياة خارج هذه الجدران ليست سهلة كما تتصوران."
ساد صمتٌ قصير، قبل أن تنظر بيانكا نحو الخارج، ثم إلى إيلا التي لم تهدأ حماسها:
"نحن مستعدتان، أليس كذلك؟"
"بكل تأكيد."
تحركتا نحو الأبواب الكبيرة، وقلوبهما تخفق بسرعةٍ غير مألوفة.
فتحت ماري الأبواب ببطء، فانسكبت نسمة باردة كأن العالم يفتح ذراعيه لهما.
خرجا معًا، وارتدّ صدى ضحكتهما على الجدران للمرة الأخيرة.
كانت كل خطوة تبتعد بهما عن الماضي، وتقترب من مستقبلٍ مجهول... مفعمٍ بالاحتمالات.
قالت ماري لهما قبل الرحيل إن سيارة ستنتظرهما لنقلهما إلى بيوتهما الجديدة.
بعد مسافة من الابتعاد عن الميتم، توقفت إيلا فجأة:
"أين السيارة؟ لا أرى شيئًا... وقد ابتعدنا كثيرًا."
أجابتها بيانكا بهدوء:
"لا تقلقي... اتبعيني فقط."
"تعرفين الطريق؟ ومن أخبرك؟"
"لا وقت للأسئلة... فقط اتبعيني."
سارتا بضع دقائق حتى وصلتا إلى الجهة المقابلة من الطريق،
وهناك كانت سيارة سوداء تقف بصمت، كأنها جزء من الظلال.
ما إن رأت إيلا السيارة حتى أدركت أنها المقصودة.
لكن ما إن وقعت عينا بيانكا على المكان توقفت فجأة.
شيءٌ ما انكسر داخلها للحظة.
خفق قلبها بعنف، ارتجف جسدها، ثم اجتاحها ألمٌ حاد في رأسها.
سقطت على الأرض، واضعة يديها على رأسها،
بينما تسارعت أنفاسها، واشتدّ الطنين في أذنيها، ولم يبقَ سوى الألم.
ألقت إيلا حقائبها وركضت نحوها بفزع.
كانت تعرف هذه النوبات منذ طفولتها، لكنها هذه المرة كانت مختلفة... أقسى، وأشدّ قسوة.
"هل أنتِ بخير؟ ماذا يحدث؟ أين دواؤك؟ تكلمي!"
قبل أن تجيب، جاء صوتٌ هادئ من خلفهما:
"هل أنتما بخير؟"
رفعت إيلا رأسها بسرعة، فوجدت السائق يقف أمامهما بهدوءٍ مطمئن.
"نعم... نحن بخير. ضع الحقائب في السيارة فقط، من فضلك."
انحنى الرجل دون تعليق، وحمل الحقائب باتجاه السيارة بخطواتٍ ثابتة.
وبمساعدتها، جلست إيلا قرب بيانكا، التي بدأت تستعيد أنفاسها شيئًا فشيئًا حتى خفّ الألم تدريجيًا.
عندما وصلت السيارة، ساعدتها على الجلوس في المقعد، ثم جلست بجانبها.
أدار السائق المحرك بهدوء،
وانساب صوته كأنّه بداية طريقٍ جديد لا رجعة فيه.
كلما ابتعدت السيارة، شعرتا أن شيئًا ثقيلًا يُترك خلفهما،
وأن عالمًا أوسع ينتظرهما أمامهما... مليء بالفرص والخوف في آنٍ واحد.
استندت بيانكا إلى النافذة، تحدّق في الطريق الممتد،
حين عادت كلمات ماري إلى ذهنها:
إيجار الشهر الأول سيكون مدفوعًا، وبعده عليهما الاعتماد على نفسيهما.
التفتت إلى إيلا وقالت بنبرةٍ حاسمة:
"حان وقت العمل. علينا أن نؤمّن حياتنا بأنفسنا."
تنهدت إيلا:
"وماذا عن الجامعة؟ كيف سنجمع بين الاثنين؟ لن يكفينا الوقت حتى للنوم... نعود عند الخامسة!"
"الخامسة وقت كافٍ. يمكنك العمل من السابعة حتى منتصف الليل، أو أكثر. المهم أن تعتمدي على نفسك. نحن خرجنا أخيرًا... صحيح أنه كان بيتنا، لكنه كان سجنًا أيضًا. ولدينا عطلتان أسبوعيًا."
سكتت إيلا، غير مقتنعة تمامًا، لكنها لم ترد.
توقفت السيارة فجأة.
"إيلا، هذا منزلك... لقد وصلنا."
ابتسمت:
"شكرًا لك."
ثم التفتت إلى بيانكا، وعانقتها بقوة:
"اعتني بنفسك. أراك غدًا في الجامعة. ولا تنسي أن تراسليني."
"لا تقلقي..لن أنسى"
نزلت من السيارة واتجهت نحو منزلها متنهدة لا تكف عن التفكير عن حياتها الجديدة
■■■■■■■■■■■
(داخل السيارة)
"منزلك يبعد حوالي عشر دقائق سيرًا عن منزل صديقتك."
"جيد... ليس بعيدًا."
وبعد دقائق، توقفت السيارة أمام منزلها.
شكرت السائق، ثم دخلت بهدوء.
عينها تتفحص المكان كأنها تلمس مستقبلها للمرة الأولى.
وضعت حقائبها بصمت،
وأدركت أن ما بدأ اليوم ليس مجرد انتقال...
بل بداية حياة تُبنى خطوةً خطوة، بلا عودة...
بداية نحو جحيمها الذي ينتظرها.
■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■■
ما زلنا في البداية ينتظركم الكثير والكثير من الصدمات التي ستبدأ فورا بعد هذا الفصل💀💀💀
رأيكم كبداية؟🎀✨
أعزائي لا انصحكم بأن تتعلقوا بالشخصيات كثيراً، لقد حذرتكم وأعذر من أنذر!!!
2 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.