الفصل الثالث
لم يضيع دقيقه واحدة حتى، فبمجرد أن وافقت على عرضه بدأ باتصالاته للتواصل مع ابي، فقد اتصل مع بعض الأشخاص من صربيا وطلب منهم أن يؤمنوا له تواصل مع السجن المركزي هناك.
في داخلي سخرت من طريقته بالبداية و ظننت انه يحاول استعراض بعض القوة بالطريقة التقليدية، لكن كنت مخطئة، فكل اتصال اجراه كان يقابل بالموافقة السريعة ودون تردد، حتى ان الامر لم يستغرق منه ساعة حتى اعطاني الخبر الذي انتظره منذ أسابيع، "لقد تم الامر، بضع دقائق وسيتصلون بنا وستتمكني من رؤية والدك"، لم اقل شيئا وحينها خطر لي ان مجيئي لهنا هو القرار الصحيح الذي اتخذته، وربما الأصح حتى.
عندما لاحظ صمتي تحدث "ماذا تريدي ان تشربي" سألني ليجذب انتباهي وهو يضغط زر الهاتف المكتبي ليطلب لكنني لا اشعر بشهية لشرب او تناول اي شيء، "شكراً لك، لكن لاشيء".
"فهمت"فهم انني لست بمزاج جيد لأي شيء، ولم يتحدث بنبرة متعالية لانني رفضت اقتراحه، وهذا جيد.
ثوانٍ قليلة حتى صدر صوت مكالمة من الحاسوب امامه، وعندها ازدادت نبضات قلبي. اخيراً سأراه و اسمع صوته.
ادار الجهاز باتجاهي بعد ان ضغط زر القبول, واخيرا رأيت وجه أبي لاول مرة منذ اسابيع.
دون ان اشعر تسلل مني نفس راحة, وبعدها لم اعرف ماذا ساقول فقد تجمعت الكلمات كلها مرة واحدة ولم اعرف بايها سابدأ.
حينها تحدث ابي "ابنتي, نارا علمت بانك ستجدين حلا ما, كنت واثقا بهذا".
"هل انت بخير؟, هل فعلو لك شئ؟",انتظرت جوابه بفارغ الصبر امل ان يخبرني انه بخير و يطفأ نار القلق بداخلي.
"لا تقلقي, انا بخير, حتى انني اصبحت افضل عندما رأيتك", طمأنني تصريحه هذا, وكأن هموم الاسابيع الماضية سقطت عن كتفي وعادت لي بعض القوة لأستجمع شجاعتي و انهي الامر.
"بقي القليل, فقط اصبر قليلا و ساخرجك من هناك, اعدك"
"اعلم, ابنتي الذكية بامكانها فعل اي شيء تريده, لا تنسي ان توصلي سلامي لوالدتك و أخواتك, انا متأكد اننا سنلتقي قريبا".
انتهى الوقت المسموح للمكالمة وعاد الصمت الثقيل لقلبي, محملا بجدية المسئولية التي ازدادت الان.
نفسا عميقا كل ما كان في وسعي ان افعله في هذه اللحظة لتهدئة نفسي قبل ان اتخذ قراري.
"حسنا, ساساعدك في فتح الملفات التي تحتاجها, لكن يجب علينا انهاء امر السجن في اسرع وقت"
"على هذا الحال فاليوم يجب ان ارتب بعض الامور قبل ان نذهب غدا الى صربيا"
"غدا؟"فاجئتني سرعة انجازه للامور مرة اخرى
"ان كان مناسبا لك بالطبع"
"بالتاكيد, مناسب جدا بالنسية لي, و الان ان لم يبقى شيئا مهم يجب ان اغادر"
"لا تقلقي ساتولى الباقي بنفسي, لكن احتاج الى التواصل معك مسائا لاطلعك على تفاصيل رحلة الغد"
اخرجت بطاقة معلومات التواصل الخاصة بي من حقيببي و مددتها له "هنا كل شئ يمكن ان تحتاج اليه.
.
.
.
اخيرا, هواء منعش يجعلني اشعر انني بخير.
رأيت البرت يلوح بيده من بعيد لانتبه له.
وعندما مشيت باتجاهه رن هاتفي لاخرجه من حقيبتي, اجبت بسرعة بعد ان رأيت اسم المتصل؛ فقد كنت انتظر هذه المكالمة "الياس, هل وجدت شيء؟" سالت على استعجال, امل ان يكون قد امسك ولو بطرف الخيط.
"مع الاسف نارا لم اجد شيئا مهما لكن كما توقعتي الرقم الذي اتصل منه والدك كان لاستخدام واحد, وهذا النوع من الارقام يكثر استخدامه في محيط السجن لاغراض الرشوة, لكن حصلت على تسجيلات الكاميرا للمتجر الذي تم شراء الخط منه, وكما اخبرتك يبدو انه احد موظفين السجن الذين يتعاملون بالرشوة, لكن سارسل جميع التسجيلات لك على اي حال"
"فهمت, ساتكفل بالباقي. ممتنة جدا لمساعدتك الياس, تاكد من انني ساردها لك, واتمنى ان لا تحتاجها من الاساس"
"لا داعي للمبالغة يا عزيزتي فهذا اقل ما يمكنني فعله لك و ان احتجتي شيئا اتصلي بي. كوني متأكدة من انك ستعيديه للمنزل, انا واثق بهذا"
انهيت المكالمة اوجه انتباهي لالبرت بعد ان صعدت السيارة, الذي كان ينتظر بصبر لاخبره عن ما دار بيني وبين السيد رافائيل, لذا بدون ان اطيل عليه اكثر اخبرته "ساسافر مع السيد رافائيل غدا الى صربيا, بصفته محامي والدي" اضفت الجملة الاخيرة لانه نظر لي باستفهام.
" لا يعقل, بهذه السرعة وافقتي!"
"البرت, لقد جعلني اتواصل مع والدي مكالمة فيديو, ونحن لاسابيع لم نستطيع الوصول اليه. فان كنت ستسألني ان كنت اثق به, جوابي لا, لكنني اثق بقدرته, لانني و اخيرا ساخبر عائلتي ان ابي بخير, بفضله"
"نارا, انا لا اسال عن هذا, بل اسال عن المقابل الذي يريده, بالتأكيد لم يطلب المال؛ لانه لا يبدو انه بحاجة اليه, بل بحاجة لشيء اغلى من حفنة مال, وهذا الشيء انت من تمتلكينه"
"طلب مني ان اعمل كمحققة لصالحه"
"اخبريني انك لم توافقي"
"بل وافقت"
"هل جننتي, والدك لن يوافق على هذا ابدا", اوقف السيارة على طرف الطريق بعد ان تحدث بغضب.
قابلته بصراخ مكتوم"حاليا ما سيوافق عليه والدي ليس مهما بقدر اهمية اخراجه من الجحر اللعين الذي سقط فيه"
"نارا, هل انت مدركة لما ستقدمي عليه, هل نسيتي سنين الاجتهاد و الدراسة التي بذلتها للحصول على رخصتك, و الان ستقدميها له على طبق من ذهب, على الرغم من انك لاتعلمين بماذا سيستخدمها حتى", تحدث بهدوء يشرح لي حجم المصيبة التي ساقدم عليها.
"وهل ظننت اننا سنخرج من هذه الورطة ببساطة ونحن نلوح بايدينا هكذا. كان لا بد من دفع المقابل"
"لن يروق هذا لوالدك, و ستخرج المشاكل ان علم"
"اعلم, ولهذا لن تخبر احد عن هذا السر"
"تتحدثين وكان بامكاننا اخفاء أمر كهذا عن والدك"
"لا تقلق سأحل هذه المشكلة في طريقتي, لكن يكفي انك لن تخبر احدا بها"
"وكأنني استطيع فعل شيء اخر" قالها وهو يشيح ببصره عني و يعيد تشغيل السيارة.
ابتسمت اضربه على ذراعه لاخفف من حدة الجو "هيا البرت, لا تعبس هكذا على الاقل سنعود بخبر جيد, ولا اريد تعكير مزاج اي احد بتفاصل مزعجة"
"بالطبع، فالمصيبة التي تورطتي بها لا تستحق تعكير مزاج احد"
عبست بسبب عناده، "حسنا، لن اخبر احد بشرط ان تخبريني بكل شيء يحصل معك، وان تتعاملي معه بحذر، ولن ت…"
"حسنا حسنا لا تقلق، سأتعامل معه بحذر، لكن اولا علينا اخرج والدي من ذلك الجحر حتى اخرج من تحت اي ضغط يقرر ان يستخدمه".
أوما لي يوافقني، وبعدها استمر بالقيادة حتى وصلنا المنزل بعد مدة طويلة ارهقتني، فكل ما اريده الان هو النوم براحة، لكن علي حل بعض الامور اولاً لرحلة غد.
كانت امي تنتظرنا في حديقة المنزل وعندما رأتنا، خرجت تستقبلنا، وعلى وجهها ملامح التوتر والأمل بخبر جديد.
لذا لم ادعها تنتظر اكثر واخبرتها فوراً "والدي بخير".
لا اعرف كيف لكنني أخبرتها بكل ما حصل في الساعات القليلة الماضية دفعة واحدة ونحن واقفون خارج المنزل.
ولم اجد نفسي إلا في أحضانها، اسعدني هذا كثيرا، وخفف عني حجم الورطة التي أوقعت نفسي به، فيكفي ان تبقى امي بخير، وان لا يقترب منها مكروه.
بالطبع بعدها اختنقت بعناق اختاي ايضا، والان جاء دور البرت ليعانقوه، وانا دخلت مع امي للمنزل.
رميت حقيبتي على الأريكة وسقطت معها، لأدع الأريكة تسحب كل تعب اليوم، لكنني لم أتمكن من إغماض عيناي حتى سمعت صراخ سارا "احزرو ماذا؟" صرخت في اذني وهي تجلس بجانبي وتمسك كتفاي بيديها الاثنتين.
"لا تصرخي في اذني"صرخت بوجهها لكنها تجاهلتني واكملت حديثها "لدينا اليوم جمعة لنساء القرية، ولكن هذه ليست المفاجأة بل ان المنزل يشبه كهف خفافيش، ولم يتبقى على الغروب إلا ساعتان، وسيمتلأ المنزل بالحشود"
نظرت لامي، واتمنى انها اعتذرت عن هذه الجمعة فالوقت ليس مناسباً بتاتاً، لكنها هزت كتفيها واكدت كلام سارا "تعلمين الجميع بدأ يتهامس عن غياب والدك، وان اعتذرت سأؤكد لهم نميمتهم، بل ساعطيهم سبب لنشر الاشاعات اكثر، لذا كان علي التصرف بطبيعة وتأكيد الموعد عندما سألتني النساء في الجمعية"
رميت ذراعاي بالهواء يتذمر على هذا الخبر، فلم يكن ينقصني إلا هذا، اخر ما اريد فعله الان هو مسايرة تلك النساء البغيضات.
"لن يتحدث احد بموضوع والدك، وان سألت احداهن سنجيب انه بخير و مازال في رحلة عمل، مفهوم ؟"ها قد بدأنا بفقرة التعليمات وماذا يجب ان نقول او نتصرف.
نهضت لكي لا اضيع المزيد من الوقت "مفهوم يا امي، سأستحم و ارسل إيميل لأطلب عطلة يوم غد، ثم سأنزل للمساعدة"، انهيت جملتي وانا اصعد الدرج.
وفور دخولي للغرفة ارسلت الايميل، اظن انهم سيوافقون بسرعة؛ فمنذ بدأ العام لم اطلب اي اجازة.
أتمنى ان يكون الرد سريعا لأعتذر لطلابي باكراً.
.
.
.
وبعد ساعتين من التنظيف والترتيب وتحضير المأكولات والمشروبات بدأت نساء القرية بالحضور.
بالبداية كانت الأجواء غريبة لكن بفضل امي واقناعها لهن بان الشائعات غير حقيقية، وان ابي بخير وكل مافي الامر أن رحلة عمله طالت قليلا، ثم استرمت الجمعة كالمعتاد.
اهتمامهم هذا بابي ليس لمجرد نميمه عابرة بل لانه رئيس القرية وهو القائم على شؤون السكان هنا بالطريقة التقليدية، فرغم التطور الذي حدث بالمدن إلا ان الوضع هنا بالقرى مختلف والسكان حتى الان متمسكون بالكثير من العادات القديمة.
بذلت الكثير من الطاقة لإنهاء هذه الليلة، فحقاً لم أكن بمزاج يسمح لي بالانخراط معهم، فاكتفيت بالمجاملات والأحاديث العابرة.
والان واخيراً سأذهب لظلام غرفتي وادع هموم اليوم تتبدد في السرير.
لكن قبلها علي كتابة كل شيء حدث اليوم لارتب عقلي وبالطبع التخطيط ليوم غد.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!