وضع القراءة:

الفصل الثاني

بعد آلاف المكالمات ليلة امس عرفنا جدول ابي لآخر يوم قبل ان يدخل السجن، وكان قد التقى بإحدى اصدقائه في رحلة عمله لصربيا، وكان من المفترض ان يعودان سوياً إلا انه عاد وحده بدون والدي.
هذا يعني اننا سنبدأ البحث من عند هذا الشخص، ولحسن الحظ كانت امي تعرفه، لذا خرجت مع البرت للعنوان الذي وصفته امي، الذي من المفترض ان يكون مكان عمله.
لم يكن بعيداً جدا عن قريتنا لذا وصلنا بسرعة، كان مكان عمل تقليدي، مبنى شركة قديم نوعا وبعض الموظفين في ردهة المبنى.
مباشرة عرفنا بانفسنا للسكرتير الذي تواصل مع مديره اي صديق والدي، و فورا سمح لنا بالدخول.
اخيراً دخلنا لمكتبه و وجدته واقفا خلف مكتبه بابتسامة ترحيبية، وعندما تقدمت مد يده ليصافحني وقبل ان انطق باي شيء قال: "انسة نارا، كبرت منذ آخر مرة رأيتك فيها، فقد كنتي تنطري للجميع بحدة وتختبئي خلف والدك، كنتي في هذا الطول، قال و أشار بيده الاخرى على ارتفاع نصف متر ، والان انتي هنا لإنقاذه من ورطته" كان يتحدث وابتسامته لازالت عالقة على وجهه.
رددت الابتسامة، "اما انت فلا يبدو لي انك تقدمت بالسن حتى، فلازلت اذكر السيد موزرات الشاب وفي الحقيقة لم تختلف عنه كثيرا"
قهقه على مجاملتي يدعوني للجلوس بعد ان صافح البرت ايضاً
"الان أنا ارى الفتاة الذكية الذي يتحدث عنها والدك طوال الوقت وفي الحقيقة يبدو انه قصر في مدحك"
ابتسمت اشكره على مجاملته الاخيرة، ثم مباشرة فتحت الموضوع الذي اتيت لاجله، "سيد موزرات اظن انك تعلم لمَّ جئت لهنا، بالتالي أحتاج مساعدتك، وارجو ان لا تبخس باي معلومة مهما بدت تافهة"
صمت قليلاً ثم تحدث، "اعلم انك في عجلة من أمرك وانك بحاجة إلى اي معلومة لكن لا اعلم كيف سأخبرك،… في الحقيقة لا احد يعلم بما تورط والدك او بماذا ورط نفسه، لذا ان كنت ساوضح لك الفكرة والدك تورط مع ما يشبه السراب.
ابديت تعابير استغراب وقبل ان اتحدث قاطعني يوضح اكثر، "وان كنتي عرفتي ان والدك في السجن فهذا لانهم يريدونك ان تعرفي ومن خبرتي المتواضعة اظهنم سيتواصلون معك قريبا لعقد اتفاق ما، واعتذر لانه ليس لدي ما افيدك به" تحدث بنبرة جدية لدرجة اني لم اصدق انه كان يتحدث بود قبل لحظات.
صمت لا اعرف بماذا أجيبه.
كان لدي امل بالوصول لأي شيء سيفيدني لكنه الان تحطم كلياً، فاغضبني هذا وكانه يقول انه يتمّ التلاعب بنا
وان كان تورط والدك معهم فلن يمر هذا مرور الكرام على عائلتك، هذا ما كان يعنيه لكنه قالها بشكل الطف.
والان لا اعرف ماذا سأفعل، او كيف سأخرج من هذه الورطة.
عندما طال الصمت تنهد وفتح الدرج ليخرج منه بطاقة يضعها امامي وينقر عليها
عنوان افضل شركة محاماة بالبلاد، اذهبي اليه و اخبريه انني من ارسلتك، سيكون الشخص المناسب للمساعدة في هذه الحالة فهو ليس مجرد محامي، و اعذريني هذا كل ما استطيع مساعدتك به، لا استطيع الذهاب اكثر من هذا، أتمنى ان تتفهميني، على الاقل في المستقبل.
نظرت للبطاقة قليلاً قبل ان اسحبها و أغادر دون ان أقول شيء.
في الواقع لقد وضعني على مفترق طرق وكانه يقول اما ان تتفاوضي معهم، او ان تسبقيهم بخطوة بالتواصل مع هذا الشخص و الاتفاق معه.
وبما ان صبري قد نفّذ ساخذ انا الخطوة الأولى.
ركبت بجانب البرت الذي كان صامتا ينتظر أن اخبره وجهتنا، لذا وضعت البطاقة على صندوق السيارة خلف عجلة القيادة واخبرته، "سنذهب اليه"
صمت قليلاً وبدلا من ان يشغل السيارة قال، ويبدو انه فهم تلميح موزرات ايضا، "هل انتي متأكدة؟".
اخرجت نفس التردد الذي كان يحوم بصدري، "لا يمكننا الانتظار اكثر من هذا، اظن ان الوقت ينفذ منا، فان كان ما قاله موزرات صحيح فيبدو انهم يتأخرو عمداً، حتى يحشرونا في النهاية وان لا يكون لنا خيار سوى الموافقة على شروطهم، لهذا متأكده من انهم عندما يعرفو انني أخذت الخطوة الأولى سيتواصلو معنا"
نظر لي يفهم ما اقوله، "لكنك تعلمين مجرد ذهابك لهذا الرجل لن يكون دون ثمن، و بالتأكيد يريد مقابلا، في النهاية هو ليس محاميا عاديا" كرر تحذير موزرات، "اعلم، و ربما اتفق معه، و الامر ليس مجرد طعم للذين اعتقلو ابي"
.
.
.
بعد ان وصلنا للعنوان المذكور في البطاقة، دخلنا للمبنى الشاهق لكن ليس بقدر ناطحة سحاب، لن اكذب ابهرتني التفاصيل المعمارية فيه، وكان كل شيء فيه صمم بعانية ليعطي المكان جو القوة الصامتة، التي لا تعرف اين هي بالضبط لكنك متأكد من انها في مكان ما هنا لأنك تشعر بها.
بعد ان قابلنا السكرتيرة تبين بان السيد موزرات تواصل معهم يعلمهم عن مجيئنا، وهذا كان جيد لانهم لم يكونوا ليدخلونا لولا ان هذا الاتصال سبقنا.
"كما يسمح لشخص واحد بالدخول" انهت جملتها وهي تبدل نظراتها بيني وبين البرت.
تبادلت النظرات مع البرت وفهمت من نظرته ماذا كان سيقول لي، فاومأت له اخبره باني فهمت ما يريدون، يريدون جري عميقا لوحدي لتَسهُل مفاوضتي، لكني قضيت معضم حياتي في دراسة علم النفس و مقابلة المختلين المتلاعبين، وانا الان اتخصص في علم النفس الجنائي، لذا فهذه الخدع السطحية لا تنطلي علي.
اشارت لي تدلني على طريق مكتب السيد ريتشارد، الرجل الذي من المفترض أن يملك حلا لمشكلتي.
تركتني بعد ان طرقت الباب تخبرني بان لديه علم بزيارتي.
بعدها جاء صوت من الداخل يسمح لي بالدخول، ففعلت.
اول شيء رأيته كان هو، السيد ريتشارد يقف خلف النافذة الزجاجية ينظر لدوامات الرياح بالاسفل.
فاليوم عاصف نوعا ما، والهواء لا ينفك إلا ان يعبث بأوراق الشجر ليلحن حفيف اوراقها.
التفت لي يقف باستقامة يرحب بي ويدعوني للدخول.
عندما تقدمت اكثر حتى صرت مقابلة له وهو خلف مكتبه مددت يدي لاصافحه، فبادلني بأخرى، قوية وثابتة احتضنت كامل كفي.
"تفضلي بالجلوس انسة نارا" قال يشر للكرسي المقابل له بعد ان فصل المصافحة، فجلست اضع حقيبتي بجانبي ببطء لأهدأ نفسي قبل ان ابدأ الحديث، فالبتاكيد لن تكون هذه الزيارة بدون مقابل، لذا علي ان اكون جاهزة.
قبل ان ابدأ حديثي بدأ هو،"إذا انسة نارا، انت هنا بتوصية من السيد موزرات، لهذا سأحاول مساعدتك بكل ما استطيع، لذا اخبريني بماذا استطيع مساعدتك؟"
ابتسامة شكر مجاملة ظهرت على وجهي، "اقدر وقتك الذي اقتطعته لاجلي، واظن انك عرفت سبب مجيء من السيد موزرات، الذي نصحني بمؤسستك كافضل مكان استطيع طلب المساعدة منه في ظرفي هذا لذا …" صمت قليلا استجمع افكاري قبل ان اتحدث مرة أخرى، "مشكلتي كالاتي، قبل أسبوعين تقريبا سافر والدي في رحلة عمل لصربيا، وبعد فترة وجيزة انقطعت اخباره ومنذها ولم يتواصل معنا حتى ليلة امس فقد تبين انه في احد سجون صربيا مشددة الحراسة ولا يسمحون له بالتواصل معنا او مع محاميه…"
"بماذا تورط؟"، قاطعني بجملة وهو يشبك يداه معا فوق المكتب.
"عفواً…!"
"والدكُ انسة نارا، بماذا تورط؟"
"أخشى انه ليس لدينا معلومة كهذه"
"هل أنت متأكده؟" على الرغم من نبرته الرسمية إلا انه تخللها نوعاً من السخرية.
"أرجو المعذرة يبدو انني جئت للعنوان الخاطئ"، نهضت فورا احمل حقيبتي في طريقي للخروج من هنا، ومن هذا الموقف المزري، يظن انه يستطيع تنفيذ الاعيبه علي، الوغد.
صوت طرق حذائي هو الشيء الوحيد المسموع قبل ان ينطق ليوقفني، "انسة نارا، لم اقصد ما قلته بالطريقة التي فهمتها".
التفت له اجده قد وقف باستقامة يضع يديه على المكتب، علامة على التراجع، لا ايتها الغبيه، توقفي عن تحليله، فيبدو انه يعرف كيف يتحكم بنفسه اكثر من شخص عادي.
اكمل حديثه، "ربما لان اغلب من يطرق هذا الباب بالفعل متورط بقذارة ما"
"و ربما لأنك الوحيد الذي يملك الوقاحة لفعل ما يرفضه الآخرون، و ربما لهذا يطرقون بابك" رددت عليه بنفس سياق جملته.
صمت كلانا، أوبس يبدو انني، زدت العيار قليلا، ولا اعرف لماذا ابتسم او كأنه بدا لي انه ابتسم.
"حسنا، اعتذر عن وصف والدك بالمجرم" تحدث وهو يرفع يديه باستسلام، "ان كنتِ قبلت اعتذاري تفضلي بالجلوس" واشار للمقعد الذي كنت اجلس عليه قبل قليل.
تقدمت أعود لمكاني و أعيد حقيبتي لمكانها السابق، ثم نظرت له بجدية.
كلانا يعلم ان النقاش الحقيقي سيبدأ الان، اما بالنسبة لما كان قبل قليل فهو اختبار؛ لمعرفة لأي مدى يمكنه الضغط علي.
"إذا هل سنتحدث بصراحة الان؟"، سالته بجدية لاني لست في وضع يسمح لي بمناورته باستمرار
"بالطبع"، اجاب سؤالي بجدية مماثلة ثم اكمل، "اظن انك تعرفي مع من تورط والدك"
"لا اعرف ان كنت ستصدقني لكن كل ما اعرفه انه تورط مع جماعة ما، لكنني لا اعرف اي شيء عنهم او ماذا يريدون من والدي، ولم آتي لهنا لادخل في حرب او ان اكون مع طرف معين، كل ما اريده هو التأكد من سلامة والدي، و اخراجه من هناك، اما الباقي فسيتكفل به والدي"
أكملت، "واعلم ان لديك القوة لهذا، لذا هل ستساعدني في طلبي هذا؟"
تحدث واصبحت نبرته الان اكثر جدية وكانه دخل في مرحلة المفاوضات، "بالطبع، بالنسبة لطلبك الاول فأستطيع جعلك تتواصلين مع والدك و تتأكدين من سلامته، اما الثاني فسيأخذ وقتاً، وهذا يعتمد عليك، على تنفيذ دورك من الاتفاق"
والان بدأ يلمح للمقابل، "حسناً، لكن لن اقدم على فعل اي شيء غير قانوني، ولن الطخ يدي في عمل قذر"
"على العكس تماما، أنا لا أريدكِ أن تخالفي القانون، بل أريدكِ أن تمارسيه بأقصى درجات الدقة.. لصالحي"
"ماهو دوري في هذا الاتفاق؟"
"أريدك ان تفتحي ملفات تخص الشخصيات التي تورط والدك معها"
بالطبع، فالاستضافة اللبقة هذه لم تكن بسبب توصية السيد موزرات، بل لانه يضع عينه على رخصه التحقيق خاصتي.
"أي انك تريد تجنيدي لتصفية حسابات معهم، لقد قلت لك سابقاً، لن اقوم بأي عمل غير قانوني"
جاء رده بسرعة وكانه يعرف اني سأعترض "نحن لا نخالف القانون، هذه ملفات فساد حقيقية تورط فيها خصوم والدك، و خصومي.
عدل جلسته ينحني قليلاً باتجاه المكتب "أنا أنقذ والدك وانتِ توفرين لي المعلومات اللازمة للقضاء على خصومي، مقايضة عادلة، أليس كذلك؟"
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.