الفصل الأول
"فعندما يلقي المجرم باللوم على الضحية هذا يعد اعترافاً بالجريمة، وهنا يأتي دورنا لكشف هذا التكتيك النفسي…"
"ماذا سنستفيد من كشف هذا التكتيك، اعني ان لوم الضحية او عبارات مثل اضطررت لفعلها، او هو من اجبرني، بالفعل تعد اعتراف و إدانة للمجرم، فلم سنضيع المزيد من الوقت باستجواب المجرم ؟"
قاطعني سؤال من المدرجات، فأومأت للطالب الذي سأل لأجيبه
" في هذه الحالة الاعتراف بالواقعة لا يعني نهاية التحقيق. اي ملف كهذا لن تقبله المحكمة او القاضي من الأساس، لان ما ينقصه هو درجة الجريمة التي على اساسها سينال المجرم عقوبته.
مثلا إذا كنت تستجوب قاتل فعليك ان تحدد القصد الجنائي سواء كان القتل العمد مع سبق الاصرار ام القتل العمد دون سبق الاصرار ام دفاعاً عن النفس، فلكلٍ عقوبة مختلفة.
وايضاً عليك ان تقيّم الخطورة الاجراميه فإذا قال شيئا مثل 'اضطررت لفعلها او هو (الضحية) السبب' بدلاً من 'أنا اخطأت و أتحمل المسؤولية' فهو شخص بالغالب سيكرر الجريمة لانه لم يواجه خلله النفسي بل اسقطه على غيره، وهذا التقييم سيفيد لجنة الإفراج المشروط و خبراء الإصلاح النفسيين في السجون.
واخيراً استكمال التحقيق سيساعد في حماية سمعة الضحية؛ ففي قضايا معينة يحاول المجرم تشويه سمعة الضحية ليجعلها تبدو وكانها تستحق ما حدث، بالتالي نمنع المجرم من الفوز بمعركة الرأي العام او التأثير على هيئة المحلفين "
.
.
كان هذا اخر موضوع طرحته في محاضرة اليوم، و الآن أنا في طريقي للمنزل، فاليوم احاول تجنب كل ما يمكنه تأخيري، حتى انني ألغيت فترة استفسارات الطلاب و طلبت منهم ان يرسلوا استفساراتهم في بريد الكتروني و سأرد عليهم لاحقاً.
وهذا لانه ليس لدي وقت لأضيعه، فلايزال علي ان ادرس، وبالفعل قد بدأت ببرنامج الدكتوراه، بالإضافة إلى عملي كمحاضرة.
.
.
.
في طريقي للمنزل الذي في قرية بعيدة عن مركز المدينة، اي مكان عملي ودراستي، يستغرق الطريق تقريباً ساعة من القيادة.
هذا الوقت الوحيد الذي اقضيه بهدوء ودون ضغط اي مسؤوليات، بالنتيجة كل ما علي فعله هو القيادة وبنفس الوقت الاستمتاع بالطبيعة في طريقي للمنزل، لذلك اشعر بان الوقت مرَّ بسرعة، كما انه الوقت الوحيد الذي ارتب افكاري فيه وسط زحمة المهام التي يجب ان انجزها.
سيبدو هذا الوضع مرهق لكنه في الحقيقة يروق لي.
كما انني اريد التذمر لانني وصلت، والان علي مواجهة كومة الدراسة التي قررت ان انتهي منها اليوم.
دخلت للمنزل وكان هادئ، فيبدو انني الوحيدة التي عدت باكراً، فأمي في اجتماع نساء القرية الاسبوعي، ولم يعد احد من البقية سواي، لذا اغلقت الباب خلفي و وضعت المفتاح على المنضدة في ممر الدخول، وهذا اصدر صوتاً مألوفاً لقطي لذا رأيته يركض نحوي، فانحنيت لاحمله واحضنه لاني اشتقت اليه في الساعات القليلة التي قضيتها خارج المنزل.
شددت ذراعاي حوله وقربته لي اكثر لاقبله عشرات القبلات، والان هو يحاول الإفلات مني فارخيت قبضتي وابعدته عني مسافة قليلة لانظر له وهو يحدق بي بحقد.
كم هذا لطيف، لذا قبلته لاخر مرة قبل ان ارمي نفسي على الأريكة و أضعه في حضني لأمسد فرائه، الفقرة المفضلة لكلينا.
"أتعلم، لقد طال الأمر هذه المرة والجميع قلق، اسبوع كاملاً ولم نتمكن من الاتصال به، حتى أن أهالي القرية بدأوا بالتهامس فيما بينهم عن مكروه قد حل به، وهذا الأمر يزيد من توتر أمي وهذا ليس جيداً لها، الامر كله ليس جيدا على الاطلاق، أتمنى لو اني اعرف شيئا عنه، اي شيء، فانعدام الأخبار هذه مقلقا جداً، حتى السفارة لا يوجد منها خبر حتى الان وهذا يعني انها لم تستطع التواصل معه، تخطر لي الكثير من الأشياء السيئة، لكنني لا اريد التفكير بأي منها."
تنهدت انظر للقط وكانه الوحيد الذي يفهمني
في اي جحر لعين انت يا ابي، وفي اي مصيبة وقعت.
ارجوك كن بخير، وعد للمنزل فالمسؤولية التي تركتها لي ثقيلة، و غيابك انت الاثقل، فأنا لا استطيع التفكير بشيء اخر سوى انك ستعود وستراني عندما انتهي من دراستي و اصبح الاستاذه الجامعيه التي لا طالما حلمت انك ستفتخر بها.
ستعود لانه لا خيار اخر سوى هذا .
.
.
.
مرّ اليوم بشكل طبيعي لانه ما الذي سافعله سوا هذا، والان لا استطيع التركيز بكلمة واحدة من الكتاب في حضني، وكل ما افعله هو الشرود فاللية ماطرة بغزارة حيث صوت ارتطام قطرات المطر بالزجاج اكثر حدة من المعتاد، نقلت نظري من النافذة الى الجلسة التي تبدو دافئة ولكنني اعلم ان كل منا يداري قلقه بطريقة ما.
السنة لهب المدفأة تعكس جو المنزل الدافئ، الجميع مجتمع في غرفة الجلوس وكل يشغل نفسه بشيء ما، فوالدتي تجلس امام التلفاز تعيد مشاهدة احدى الحلقات من مسلسل مبتذل قديم وبحجرها يسترخي قطي لويس، أما اخواتي كل منهن منشغل بهاتفه، و أنا لففت البطانية حولي وتمددت على الأريكة و في حجري كتاب لم استطع استيعاب كلمة واحدة منه لان راسي بالفعل مشغول بالكثير من الأشياء ومنها الشخص الناقص في هذه الجلسة المعتادة، لذا حين لم ينفع الكتاب في تشتيتي قررت مشاهدة القصة المبتذلة التي تتابعها أمي بتركيز كانّها لم تعيد مشاهدتها مئة مرة.
و وسط هذا الهدوء القاتل بدأ طرق همجي على الباب جعلنا نتفاجأ، حيث وضعت أمي يدها على قلبها تنظر لنا تشاركنا نفس الفكرة 'لربما مكروه قد حدث'
"سأفتح أنا " قلت انهض من مكاني بخطوات سريعة للممر المؤدي للمخرج.
عندما فتحت الباب ظهر ألبرت وهو يتكأ على طرفه و يتنفس بسرعة، "ما الذي يحدث البرت، هل انت بخير؟" سالته وانا ادعوه للداخل لان هيئته لا تبشر باي خير فقد كان مبلل من رأسه لاقدامه.
وهو ما زال يلتقط انفاسه، نظر لي بتلك النظرة التي اعرف ان ما سيتبعها ليس جيد بتاتا "السيد ويلسون تم اعتقاله من قبل الشرطة الصربية، ولا يسمحون له بالتواصل مع اي شخص، وقد هرب هاتفا برشوة احدى موظفين السجن ليوصل الخبر، و قال انك المسؤولة الان عن أعمال القرية، ويريد لقائك باي طريقة " قال تلك الجمل بين انفاس متقطعة و أنا لم الحق باستيعاب مصيبة حتى ارى الاخرى، وضعت يدي على راسي من المصائب التي هطلت علينا.
"ماذا يعني انه في السجن" صوت والدتي فاجأني عندما جاء من خلفي، استطيع تحمل كل المصائب الان إلا هذه فلا استطيع الانقسام بين والديّ الان.
أمسكتها قبل ان تسقط على الارض، قلبي انتفض لرؤية هذا المشهد، فقد علمت انها لن تتحمل صدمة كهذه، اسندها معي البرت حتى ننقلها للصالة وهرعت أختاي لإحضار جهاز فحص السكري وبعض الأشياء الحلوة .
لا اعلم كيف لكن قسته لها وكان منخفضا، فعلت كل هذا وانا اشعر بانفصال عن الواقع، لذا سالت بالحاح "كيف يحدث شيء كهذا، ما علاقة والدي بهذه الأمور، كيف يقع بخطأ كهذا؟"
"لا اعلم، كل ما وصلنا هو هذه الرسالة منه فقط "
"ماذا يعني انه ممنوع من التواصل مع اي احد، هل هو تحت التعذيب او شيء كهذا، كيف يتجاهلون حقّ كهذا بكل بساطة؟"
"يجب ان نجد طريقة للتواصل معه في اسرع وقت، علينا ان نعرف ان كان بخير على الاقل.
"سأذهب لصربيا "
لم انتهي من جملتي حتى جرتني والدتي من طرف ثيابي "لا زلنا لا نعرف شيئا عن صحة هذا الأمر و وجودك هناك ليس آمن" جلست على ركبتي أمامها وامسكت يديها في يدي اضغط عليهما، "لن يحدث لي شيء سأتحرى عن الأمر قبل ان اذهب لا تقلقي سأكون بخير"
"سأذهب معك" قال البرت و أومأت له
"قلت لن يذهب احد لأي مكان قبل ان نتأكد من الخبر"
"إذا سنترك والدي يواجه مصيره وحيداً؟" استنكرت ما قالته، فمسكت يدي "اولا ستبحثين في صحة الخبر، وان كان صحيحا ستتواصلين مع من أوقع والدك في هذا الفخ اللعين ثم ستتفاوضين معهم، وعلى هذا الأساس سأسمح لك بالسفر"
صمتُ قليلا استوعب "انت تعرفين من هم؟"
"اعرف "
كلمة واحدة منها صدمت الجميع، و أما أنا فشعرت بخيانة نوعا ما، فلم سيخفون شيئا كهذا عن الجميع وعني، أنا التي أتولى جميع مهام والدي، فلا مبرر لهذا
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!