الفصل الثاني: دهمَ الشِتَاء
**"أحيانا لا نقبل الدعوات بدافع الفضول...بل بدافع الحذر " **
ارتَعدت مِن رعشَة هَالة المكَان التِي تلامس فستَانها الزنبَق القرمزِي ترافقهَا وردة رُوحها لِتنفِض أفكار خارجة عن إرادتهَا لِتأخذ مضجعًا لهَا بأحد المقاعد ببرُود ،نقَلت نظرها للأعلى لِتقابل جواهرها عيناه الحادة لِتبتسم بخِفة
"أهلا، أطلتَ عودتِي كشطرنج؟"
ارتفَعت شفَتاه السفلى لتلتمس علياها بمكر
"همم .. لم تتأخري أنتِ بالموعد عزيزتي "
أقترب من مقعدها بخطى محسوبة بدقة ليرمق كوبها الرقيق الذي على يسارها لِيأخذ كوبها ساكبًا بعضًا من مشاريب التقديم على طريقته
اختنَقت ليلى من هَالته الغرِيبة متعمدًا قربه منهَا لهذَا الحد كَحدة سيفٍ يريد تَكسير جوهرٍ مَا ،استقّامت من مكانها محتضنه انفها بِكمِ فستَانهَا أثر تحسسها من تلكَ الرائحة القوية ، دوى صوتِ سقوط كرسيٍ مَا لِتهرع نحو مكان المغاسل .. مهلًا لحظة!سحقًا حاولت امتلاك أنفاسها .. نوبات الهلع قادمة .. كَموجٍ يريد إغراق سفينة مَا ..
سحقًا أوقتهَا الآن؟
همست ليلى بعد أن هدئت العاصفة التي بداخل أحشائها
أيعقل يعلم ؟... قاطع شريط أفكارها صوت طرقات على الباب .. سحقًا رمَت قلادتهَا متعمدة إظهار صوت سقوط اللؤلؤ تجاهلت أصوات العامة لِتَخرج بهدوء بعد أن رمقت العقد المرمي على أرضية رخامية يحوزها قطعة صغيرة من الذهب دوَى كعبهَا مرة أخرى لكن هذه المرة نحو الخارج .. غارقة بأفكارها بقلق .. لِيسحبها شخصًا بطريقة فجائية ارتطَم جسدها بالجدار البارد خلفها، لا بعنف، بل بتملّك.
رفعَت حاجبها بإنكار، كأنها ترفض تصديق الحدث أكثر من رفضها له،
نظرت إليه بنظرة حاولت أن تكون حادّة، لكنها انكسرت بطرف ارتعاشة في رمشها.
"ابتعد."
قالتها بنبرة باردة، لكن بردها كان يهتز...
كأن الصوت خرج من بين شقوق الخوف المتماسك.
اقترب أكثر، لا جسديًا... بل بحضوره الذي يأكل المسافة بينهما.
همس بصوت خافت، كمن يتلذذ بوجعها:
"لو كنتُ أؤمن بالابتعاد... لما عدت."
أغمضت عينيها للحظة...
ثم فتحتها، لكن شيئًا ما تغيّر:
الدمعة التي كانت ترتجف على طرف عينها،
لم تسقط.
تمردت، مثلها.
بدّأت ليلى فجأة بالقهقهة، بصوتٍ عالٍ يهتز له جبل إيفرست،
ضحكة لم تُولد من فكاهة،
ارْتدّت ضحكتها على الجدران... كأنها تسخر من اللحظة،
منه
من نفسها
من كل شيء ظنّت يومًا أنه يستحق الصمت.
رمقته بعين دامعة لا من البكاء، بل من فرط الضحك المُر،
وقالت بتهكّم ناعم:
"تعود؟ بعد كل هذا؟
يا لك من مُصِر... على الانتماء لما لم يعُد يخصك."
مرَتْ من جانبه بدون الالتفاف له لِتردف بنبرة ساخرة :أجَل فقَد كُنتَ رفِيقي بالجَامعة وبالأفكَار لكنَك نَاقضت عهودنَا وكَتمت صوتك لِتنضم لِلنظام لِلصوت الأعلى وَتلتهِمُ كلماتِي بِنفُوذك القذِرة .. حَاولت الابتعَاد لكنها بدأت بالتقاط انفاسها
.. ليلى؟
همس بخبثٍ قرب أذنها، يراقب تقطّب ملامحها كمن يتلذذ بانهيار لبؤةٍ متمرّدة... يقطر منها الكبرياء كما يقطر الدم
توقّف لبرهة، وقطّب حاجبيه بعدما لاحظ تغيّر حالها.
ولتستعيد اتزانها، نقلت نظرها نحوه، محرّكةً ديناميكية المواجهة دون تراجع ،ونظرت إليه بثقة... رفعت حاجبيها بتحدٍّ، وأعادت خصلات شعرها الملتصقة بجبهتها إلى الخلف، كأنها تُعيد ترتيب كبريائها.
"Catch me if you can"
همست وهي تبتعد بنظرة ساخرة:
ثم تابعت سيرها بخطى ثابتة
غادرت إلى الجهة الأخرى، ثم توقّفت، أمالت رأسها قليلًا وقالت بسخرية:
"أخرج ما بداخلك... ياهذا."
وأعادت تعديل جلستها كأنها تُعيد ترتيب سلاحها الخفي.
عاد إلى مكانه بتهكم، اقترب قليلًا، ثم نطق ببرود:
"أنصتي... من أنتِ؟"
نظراته كانت مطوّلة، تبحث خلف حدود وجهها عن ثغرة.
رفعت عينيها نحوه، كانت قبل قليل تلتمس له العذر... الآن؟
أعادت برمجة نظرتها، وقالت بسخرية ملساء:
صديقتك المغوارة السابقة التي قتلت الذئاب في وسط حشائش البهتان
لم يُجب.
مدّ يده بهدوء، وأخرج سيجارته كما لو أن الزمن كله يُمهله للتفكّر،
أشعلها بنفَسٍ طويل، ثم نفث الدخان في الهواء كأنّه يُفرغ عبث العالم من صدره.
عيناه... لم تَزِغ عنهَا، بل كانت تُراقبها كأنها لغز لم يُحَل بعد.
قال بنبرة منخفضة، تقطر سخريًة خفيفة:
"قتلتِ الذئاب؟"
صمت لحظة، ثم ابتسم ابتسامة مائلة لا تشبه الفرح، بل تُشبه التهديد المُتأنّي:
"جميل...
لكن، من قال إن الذئب يموت؟"
نظرت إلى ابتسامته، لم تهتز.
بل رفعت ذقنها بثبات، وقالت بهدوء:
"الذئب لا يموت؟
ربما...
لكنّه ينزف،
وأنا أجيد تعقُّب الدم."
ثم التفتت عنه، كأنها أنهت الحوار من طرفٍ واحد.
صوت كعب حذائها على الأرض كان كافياً ليذكّره أنها ليست عابرة...
بل ندًّا لا يُنسى.
وقفت عند الباب، دون أن تلتفت له.
نطقت بجملة، بصوت خافت... لكن وقعها كان كالرصاص:
"ما أُحبّه... لا يُحبّك، أيها الذئب النازف."
ثم رحلت
صرّ مراد على أسنانه، يحاول تمالك أعصابه من سهامها التي رمَتها بلا رحمة... بلا دفء.
خوفها من أبسط الأشياء؟ اعتاد عليه
لكن اليوم، شيءٌ فيها انكسر... أو كسره
أمسك سجارته مجددًا، ونفث ما تبقى من سمّها بين شفتيه
ثم همس، كأنّه يُقنِع نفسه قبل أن يُقنِع أحدًا:
"هرّة... فرّت من مالكها."
بتلكَ اللحظة رمَشت ليلَى أثر تذكرها بالمصعد لِهاتفهَا
الذِي وضَعته عَلى الطَاولة .. مثلًا أكَانت صورته معها قبل الأحداث .. مهلًا أكانت ترى جوانبه الخفية التي يخفيها عن العامة ...
صدى خطواتها السريعة تردّد بين الجدران،
تقودها نحو الركن المُتخم برائحة الفانيلا...
وفستانها القرمزي كان ينزف قهرًا،
كأن كل غرزةٍ فيه تحمل انكسارًا صامتًا.
عينا مراد تراقب ظلالها من الخلف،
ثم التفت بنظرة هادئة... هدوء ما بعد العاصفة.
كأن المطر انتهى لتوه.
توقّف الزمن،
وتلاقت الأعين،
وجسديهما وقفا كتمثالين من صمت،
لا كلام بينهما...
لكن آلاف الجمل قيلت في تلك النظرات."
مدّ مراد يداه ببطء،
يرتجف كأن داخله عاصفة خفية لا تراها سوى روحه.
عيناه مسمّرتان على هاتفها الموضوع فوق الطاولة...
الخلفية؟
صورتهم.
نعم... صورته معها، رغم كل شيء.
تجمّدت أنفاسه لوهلة،
وكأن تلك الصورة صفعة من زمن لم يعترف به يومًا.
أحقًا أبقتها؟
رغم الحجر الذي قذفه فوق قلبها؟
أكانت تلعب لعبتها الأخيرة؟
أم أن الأمر... حقيقة؟
لكنه يعود إلى منطقته البَاردة .
لا حبّ بينهما.
هو المال، والجاه، وتلك الحروف اللاذعة...
هي مَن تؤمن بالكلمات.
وهو؟ لا يؤمن بشيء إلا السيطرة.
لكنها فعلتها.
أربكته.
وجعلته يرتبك أمام خلفية هاتف...
كأنها شقّت جدار العرش.
نظر مراد إلى الفراغ، كأن غيابها فجّر صمتًا لا يُسمع،
أطفأ سيجارته فوق صورة جمعتها به يومًا...
ثم نهض ببطء، كمن يحمل حربًا في صدره.
بصوتٍ لا يسمعه إلا قلبه، همس:
"رمادُ الشتاء لا يبرد...
بل يُخبئ جمرًا، ينتظر مَن يخطو عليه"
أنتهى الفصل الثاني .. نرَاكم بالفصَل القَادم .
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!