الفصل الأول: قِطعةُ شِطْرَنْج
"أنَا والرمَادُ ذَاته نستطِيعُ تدمِيركَ يَامن تغطْرسَ عَلى
من لا نية لأذيتك ! "
في ليلةٍ مظلمة، كانت ليلى تتقن فن الاختباء.
أنفاسها تتقطع، قلبها يعلو ويهبط، ووجهها شاحب كأن الضوء رفض البقاء عليه.
توقفت أمام بابٍ منسيّ بين الأزقة، رفعت يدها المرتجفة، ثم تراجعت... وكأنها تنتظر من يوقظها من وهمٍ تجسّد.
أغمضت عينيها، شهقت طويلًا... ثم تقدّمت نحو هيئةٍ تنزف صمتًا وآهات.
هل يمكنني النجاة؟
همستها لنفسها قبل أن يطفو كل ما ظنّت أنها نسيته.
فزّت من نومها... أو من تفكير يشبه النوم.
الفرق بين الحلم والوعي؟ صار لا يهم.
رجعت برأسها للخلف حتى توقف الدوار الذي أصابها ... ثم أغلقت عينيها مجددًا.
في الجهة الأخرى، كان مراد ينفث دخان سجارته...
الدفء حوله لم يكن سوى وهم خانق.
أمسك بهاتفه، يتفحّص ملفًا وصل إليه منذ دقائق.
"جيدة... لكنها ليست من..."
توقف.
هل يُقال عنها هذا؟
نقل عينيه بين الأوراق الممتلئة باسمها، ثم عاد إلى الشاشة.
ابتسم... بخبث.
حين لمح وصفًا نادرًا عنها، لم يسبق أن قرأه.
الثانية فجرًا:
استيقظت ليلى على صراخٍ في الخارج، تجاهلته.
أغلقت الأضواء بعادة .. تبلّدت ثم
رن هاتفها.
"أنتِ ليلى؟ مخفر الشرطة بانتظارك.
الموقع مُرسل."
فتحت الخريطة...
ارتفع حاجبها:
"مقهى فاخر؟ هذا ليس مخفرًا."
همست:
"كلا، لن أذهب."
وضعت الهاتف، نظرت إلى المرآة، وقالت بهدوءٍ قاتل:
"لا أحد يملكني... إلا كلماتي.
وأنا من يلقيها على الطاولة، لا هم."
نهضت.
تقدّمت نحو الزجاجة التي تملأها أزهار باهتة من حبيبٍ سابق.
أمسكتها... وقذفتها أرضًا.
تحطّم الزجاج.
لكن ليلى؟
استقامت.
لهثت ليلى، والغضب يتصاعد في صدرها كألسنة لهبٍ بلا دخان.
ابتسمت بتوعّد، وهمست بهدوءٍ يشبه السُم:
"حثالة... أولئك الذين يظنّون أنهم فوق القانون،
لكنهم في الحقيقة، لا يتبعون سوى قانون أفواههم القذرة."
سكتت لحظة، ثم تابعت بعينين تلمعان بالثبات:
"وإن لم يروقوني...
سأصنع قانوني الخاص،
وسيسقط فوق رؤوسهم...
رأسًا بعد رأس."
مراد مرّر نبيذه اللاذع لمساعده، بنبرةٍ من الذلّ الناعم... كأن الطاعة تُشرب، لا تُطلب.
رفع الكأس بخفة، وعيناه ترصدان كل حركة.
شرب المساعد بصمت... يدرك أن الرفض ليس خيارًا.
ببطء مدروس، سحب مراد الكرسي وجلس مقابله.
انحنى قليلًا، واقترب من وجه مساعده حتى كاد أن يلمس أنفاسه،
ثم رمقه بنظرةٍ حادة... باردة... قاطعة.
"مَن هي؟"
قالها بنبرة غاضبة،
لكن الغضب عند مراد لا يصرخ...
الغضب عنده يخنق.
بدأ جسده بالارتجاف...
كأن ظل مراد يلتفّ حوله، يخنقه بصمته، لا بكلامه.
رفع عينيه بتردد، وقال بصوتٍ متكسّر:
"لا... لا أفقه القانون يا سيدي."
ثم سكت.
لكن عرقه لم يسكت...
يقطر وكأن الخوف يتصبّب منه، كلمةً لم تكتمل.
"إمّا أن ترمِ ما في جعبتك...
أو أخرجها أنا، وأمزّقها لأشلاء، حتى يلتهمها شبلي الظريف بتلذذ."
قالها بنبرة تشبه فحيح الأفعى،
كلماتها تتقطّر سمًّا، لا تحتاج إلى أنياب.
"أ... أنا لا أملك شيئًا، سيدي!"
قالها بصوت متقطّع، يكاد لا يخرج من صدره.
ثم هوى على ركبتيه...
كأن جسده انحنى يطلب الغفران من الأفعى التي تقف أمامه،
بعيونٍ لا ترمش، ولسانٍ يقطر سمًّا.
"وهكذا... سقط أول ضحية للرماد، قبل أن تشتعل النار."
انتهى الفصل الأول
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!