مِيامُور
مِيامُور
جزء 4 من 4
وضع القراءة:

[3] خارِطةٌ!

ميامور.
الفصل الثالث،
بعنوان: خَارِطةٌ!
--------------------------
قرطبة، الساعة التاسعة صباحًا.
**بياتريس نافارو:**
أشعر بالحماسة تشتعل في عروقي، وازدياد تدفق الأدرينالين في دمي، إنه صباح الأربعاء الأخير من شهر أغسطس وهذا يعني....
«لا توماتــــينــــا!»
صرخت بها نوريا بحماسةٍ وهي تقتحم الغرفة فضحكتُ بمرحٍ وسعادةٍ، إنه يوم مهرجان التراشق بالطماطم، صحيح أنه يُقام في بلدة بونيول شرقي إسبانيا، لكن بما أن معظم الشبان والمراهقين لا يتمكنون من السفر، تقوم بعض الأسر بتجهيز المهرجان لهم، حيث يقومون بهرس الطماطم الغير صالحة؛ وذلك ضمانًا لعدم الإصابات، ويرتدي المشاركون نظارات الغوص؛ لحماية أعينهم من أحماض الطماطم، ويتراشقون مهروس الطماطم لمدة ساعة بكل سعادة، رغم أن الأسر لا تتمكن بالطبع من توفير الكمية الحقيقية من الطماطم المستخدمة في المهرجان، طن من الطماطم!!
كنت أذهب مع لوكاس كل عامٍ لنحضر المهرجان، لكن منذ خمسة أعوامٍ وأنا أمارس طقوس المهرجان هنا مع نوريا، منذ أن تركني تحديدًا.
يبدو أنني شردت طويلًا ولم أنتبه لاختفاء نوريا، أظن أنني أعرف مكانها!
----------------------------
**نوريا مونتكادا:**
كانت تلك الفكرة فكرته منذ أعوام، لم أصدق أنه فعلها، وحينما جاء اليوم تذكرت صاحب الفكرة؛ لذلك جئت إلى لنهر الذي كرهته من أعماق قلبي!
جلست على حافة النهر وأنا أتخيل نفسي مكان تلك الفتاة التي لطالما روت لي بياتريس عاشقة الأساطير والتاريخ قصتها، تلك الفتاة التي كانت تحادث حبيبها الواقف على ضفة النهر المقابلة لها ويفصل النهر الواسع بينهما، لكن قلوبهما كانت قريبة ومترابطة، وفي يومٍ انهمر السيل الهطول وفاض النهر في وقتٍ كان يحاول فيه الشاب الوصول إلى الضفة حيث توجد حبيبته فغرق قبل أن يصل إليها، وكأن الحياة كانت تصر على أن تبقى فقط قلوبهما مترابطة، ألا يبصر كل منهما عيوب الآخر، فإذا نظر الحبيب إلى محبوبته بعينه لا بقلبه سيموت الحب!
أمسكتُ باقةً من زهور الياسمين، وألقيتُ بها على صفحة الماء، هذه الزهور اشتُهِرت هنا بأنها رمز الوفاء والإخلاص بعدما انتَشَرت أسطورة الفتاة التي كانت تترُك زهرة الياسمين لحبيبِها كل يومٍ عند نافذتِها، حتى أن الأهالي كانوا يرَونَ الزهرة كل يومٍ بعد وفاتها، وهذا ما أخبرتني به بياتريس ذات مرةٍ!
«أتيتِ لأجله؟»
التفتُّ عندما سمعتُ صوت بياتريس التي وضعت يدها على كتفَي ضامَّةٍ إياي إلى صدرها فاغرورقَت عيناي بالدموع وقُلتُ بشجنٍ:
«لماذا تركني بمفردي؟ لا أصدقاء لي عداكما! لماذا؟!»
عانقتني بياتريس دون تعليقٍ، على الأرجح لأنها تكره تلك الأفعال الهوجاء كالانتحار، لكن ان عناقها لي يكفيني!
------------------------
مدريد الساعة الثانية عشرة ظهرًا.
**لوسيا جراسيا:**
كان العمل مزدحمًا لدي اليوم، الكثير من الممرضين والممرضات أخذوا عطلةً لأنهم حجزوا تذاكر لحضور المهرجان، في الواقع لست من المهتمين بتلك الأمور، بل على العكس، أشعر بالاشمئزاز منها، فأنا - كما يقولون - مهووسة بالموضة وأمور الفتيات السخيفة كالبشرة، ومنتجات ومساحيق التجميل، والشعر، وغيرها، لا أحد يقدر هوايات الآخرين على أي حالٍ!
مررت مرورًا خفيفًا على غرفة لوكاس هذا الصباح، لكن لم تكن لدي الرفاهية لأمكث وأتحدث إليه مطولًا، أشعر بالسوء كثيرًا، أخشى أن يكون غاضبًا!
هذه السنة تعد الخامسة منذ قدوم لوكاس إلى هذا المشفى، في بادئ الأمر كان يأتي ليقوم بالفحوصات لا أكثر ثم يغادر على قدميه إلى حيث لا أدري أنا، وبعد مرور عامٍ على هذا، لاحظ الطبيب تدهور حالة قلب لوكاس والذي كان يعاني قصورًا متقدمًا في القلب لا يمكن علاجه إلا جراحيًّا باستبداله قلبه بقلبٍ جديدٍ، لكن لا أدري لماذا يرفض لوكاس إجراء تلك الجراحة!
فتحت ستائر الغرفة الفارغة ونافذتها لتجديد تهويتها قبل انتقال امرأةٍ تُجرى لها عملية زراعة فص كبدٍ إلى الغرفة، قُمتُ بتعقيم الغرفة جيدًا وتبديل الملاءة بأخرى نظيفةٍ ومعقمةٍ، وقُمت بمسح جميع الأسطح التي قد تكون الميكروبات ملتصقةً بها، أنهيتُ عملي سريعًا وخرجت من الغرفة أحث الخُطَا إلى غرفة لوكاس.
دخلت إلى غرفته فوجدت الستائر مغلقةً ويبدو أنه غط في النوم منذ ساعاتٍ، معدل نبضات قلبه وتنفسه يشيران إلى أنه في مرحلة السُّبات العميق، يجب أن أوقظه على أي حالٍ؛ فهذا موعد دوائه.
فتحتُ الستائر بعنفٍ وقد كان داخلي حنقٌ داخلي أرغب في صبه عليه فلاحظتُ تملمُلَه واعتصارَه لأجفانِه فذهبت إليه وربت على كتفه مناديةً باسمه فنظر إليَّ نصف نظرةٍ من بين أجفانه الشبه مغلقةٍ وهمهم بضيقٍ فقلتُ بحنقٍ:
«انهض يا لوكاس، إنه وقت دوائك، هيا لتأكل، وهناك أمرٌ أرغب في الحديث معك فيه!»
استقام متضجرًا حانقًا وتناول مني طبق طعامه وبدأ يأكل منه ببطءٍ مملٍّ فتململتُ في وقفتي وقلتُ دون مقدماتٍ:
«لماذا ترفض خوض الجراحة؟»
لم يجب على سؤالي بل وقاحةٍ واستمر في لَكِّ الطعام وهو ينظر نحوي بوجومٍ شديدٍ فتأففتُ بغضبٍ وقُلت من بين أضراسي:
«ما بالك لا تجيب؟ أبتلع القط لسانك أيها الوقِح؟»
«لــــــوسيا!»
انتفض بدني بارتعادٍ عندما زمجر بها بغضبٍ مسدِّدًا نحوي نظرةً حادةً، غاضبةً فابتلعتُ لساني وصمتُ بينما أكمل هو:
«لا أحب أن يحشر أحدٌ أنفه في شئوني الخاصة، أنا لم أحب يومًا البقاء هنا، وأنا مجبرٌ عليه، لكن لا يستطيع أحدٌ إجباري على خوض جراحةٍ لا أرغب بها فهمتِ آنسة جراسيا؟!»
تبًّا! لقد علمنا جميعًا أيها المتحذلق الوغد أنك محامٍ بارع مُلِمٌّ بجميع الحقوق والواجبات والقوانين، حتى قوانين أخلاقيات المِهن، سحقًا لك!
وضعتُ أقراص الدواء بعنفٍ على الطاولة جواره وأعطيته التعليمات بجفاف ثم غادرتُ مغلقةً الباب خلفي بعنفٍ وقوةٍ، تبًّا!
-------------------------
قرطبة، الساعة الواحدة بعد الظهر!
**بياتريس نفارو:**
لم تكن عادتي الاستمتاع بقذف مهروس الطماطم دون سخريةٍ، في الحقيقة السخرية من الآخرين ومن نفسي تحديدًا هي هوايتي المفضلة، وإذا سألني أحدهم عن هواياتي فتكتشف تناقضًا غريبًا بينهم، بين رقص الفلامنكو والطبخ وسماع الموسيقى وقراءة التاريخ والأساطير ولا ننسى أفضل هوايةٍ عندي السخرية والتنمر!
اكتشفت مؤخرًا أن لدي ذكاءً موسيقيًّا بمعنى آخر وُهِبت تلك الهِبة المسماة بالأذن الموسيقية، أستطيع تمييز الألحان بسهولة، لا أدري لماذا لم أكتشف هذا سابقًا ورغم أن لوكاس كان يقول لي ذلك على الدوام لكنني كنت أستهزئ بقوله فقط قائلةً أنه يبالغ لا أكثر.
رميت معجون الطماطم على أحد الأولاد الذي بدا في الخامسة عشرة من عمره فضيق عينيه وألقاني أنا الأخرى بها ليكمل اللوحة الفنية التي ارتسمت على ملابسي وجسمي وشعري، شعرت لوهلةٍ أنني معكرونة اسباجيتي بصلصة البَنَدورة، حسنًا أخيرًا انتهت الساعة وحان وقت الاستحمام والتخلص من هذه اللزوجة والحموضة الحارقة، المؤلم في الأمر أنني كنت كنت قد جرحت يدي جرحًا بليغًا أثناء تقطيع الخضر هذا الصباح، الآن أشعر بالنيران تشتعل من جرحي ذاك لكن حتى الأنين بخلت به على جسدي المسكين!
توجهت إلى منزل عائلة نوريا وأمسكت بدلو المياه الباردة وسكبت محتوياته من أعلى رأسي فأشعرني ذلك بانتعاشٍ لحظيٍّ وضيقٍ من البندورة الملتصقة بجسدي فوجدت والدة نوريا تفتح النافذة قائلةً:
«ادخلي يا بياتريس، لقد أزلت السجاد عن الأرض.»
عبرتُ بوابة المنزل وجاءت نوريا من خلفي التي كانت تضحك بشدةٍ، نوريا تعشق تلك الأمور الغريبة، تعشق الفوضى كعشق روميو لجولييت في مسرحية شكسبير!
أخذت وقتًا طويلًا في الاستحمام بالمياه الباردة حتى أزيل كل تلك العصارة عن جسدي، أخشى أن تحدث بعض التهيجات في بشرتي خاصةً أنني أعاني حساسيةً من البندورة!
أخيرًا أنهيت إزالتها من على جسدي، وما خشيت تمامًا قد حدث، تكونت بقع حمراء على بشرتي الزيتونية، زفرت بحنقٍ واضطرُرِت لارتداء سروالٍ طويلٍ وقميصٍ ذي أكمام حتى أخفي الأثر؛ فلا أرغب بأن يعرف أحد عدا نوريا وأمها بأمر تلك الحساسية!
«بياتريس، لقد أتت جدتي!»
صاحت بها نوريا بسعادةٍ فابتسمت تلقائيًّا بحماسةٍ، وصلت تلك العجوز اللطيفة المرحة، يبدو أن هذه الليلة ستكون ممتعةً، فخرجت سريعًا أدندن اللحن بسعادةٍ:
«وفي الشرفات التي تتبادل الضوء
فوق رءوس العابرين
إذا وصلتِ إلى حيث يلتقِ الملح بالحجر
واتبعتِ الطريق الذي تعانقه النوارس
هناك بابٌ أزرق»
نظرت لي الجدة بعجبٍ أثناء انتظارها صولي إليها وعانقتني بحنانٍ ثم مسحت على خصلاتي البنية وتساءلت برفقٍ:
«ما هذا الذي تغنينه يا ابنتي؟»
صمت لبرهةٍ وأنا أنظر إلى عينيها العسليتين كعيني نوريا ثم قُلتُ بصبابةٍ:
«إنها أغنيةٌ تركها لي شخصٌ عزيزٌ قبل رحيله يا جدتي!»
ربتت على كتفي وجذبتي إلى صدرها قائلةً بتساؤلٍ حنونٍ:
«وكأنه يحكي عن قرطبة؟!»
قرطبة! مهلًا! تذكرت حين كنت في القطار تلك الأغنية التي كنت أسمعها، حيث يذوب الأزرق في الأزرق، إن قصد البحر المتوسط من شاطئ برشلونة، فهذا يعني...تلك القائمة لم تكن سوى خريطة تحمل الأماكن التي حفرنا فيها ذكرياتنا، وأغنية قرطبة هذه كانت أول أغنية في القائمة التي حملت اسم ميامور: "Mi Amor"!
------------------------------
وتلك كانت أولى البقع على الخارطة، وكانت بداية طريقي إلى المجهول!
دمتم سالمين.
روان داود.
1 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.