[2] قلبٌ يناضل!
ميامور.
الفصل الثاني،
بعنوان: قلبٌ يناضل!
-------------------------------
مدريد، الساعة السادسة مساءً.
**لوكاس ريبيرا:**
صباحٌ مرَّ ككل صباحٍ، يوم آخر مضى ومازلت على قيد الحياة، مازال قلبي ينبض بنضالٍ مثيرٍ للإعجاب، قال الأطباء أنه قد يتوقف عن النبض بعد عامٍ أو عامين، لكنه استمر في النبض خمسة أعوامٍ، وكل ليلةٍ أغمض عيني وأنا أتساءل متى سيخذلني هذا القلب البائس ويتوقف عن النبض، ما الذي ينتظره؟!
«مرحبًا لوكاس!»
التفتُّ إلى صاحبة ذلك الصوت المَرِح، فتاةٌ في منتصف العشرين ذات عينين بنيتين وبشرةٍ فاتحةٍ وشعرٍ بنيٍّ داكنٍ، ترتدي ثياب طاقم التمريض، تلك الفتاة أصبحت صديقتي منذ أن تخرجت من كلية التمريض وأتت للعمل هنا، في الحقيقة هي ممتعة ومرحةٌ!
رسمتُ بسمةً صغيرةً على فمي، لطالما كان الهدوء سمتي المميزة ثم قلت بهدوءٍ:
«مساء الخير يا سينيوريتا، كيف حالك؟»
رأيت كيف انتفخ خداها كالعادة ووضعت صحن الطعام على طاولتي بعنفٍ وعنفتني رغم صوتها المنخفض حتى لا تزعج المرضى:
«أخبرتك أن تكف عن مناداتي بسينيوريتا أو حتى جاراسيا، نحن لسنا غريبين، نحن صديقان، هيا نادني لوسيا!»
«آنسة جاراسيا ما الذي تفعلينه!»
سمعنا ذلك الصوت الحاد فانتفضت لوسيا وابتعدت عني سريعًا فضحكت بخفةٍ من ارتباكها أمام الطبيب الذي بدا غاضبًا منها للغاية، أتساءل أي كارثة فعلتِ يا لوسيا!
اقتربت مني وبدأت تراقب نبض قلبي وتفحص ضغط دمي وتقوم ببعض الإجراءات الروتينية دون كلمةٍ واحدةٍ ثم بدأت تتحدث مع الطبيب أمامي وتملي عليه بعض المصطلحات التي لا أفهمها لكنهما يفهمانها بلا شكٍّ.
ألقيت نظرةً عبر النافذة البعيدة عني بعض الشيء، كم تبدو مدريد صغيرةً من هنا!، اشتقت إلى البحر في برشلونة، حيث كنت ألتقيها هناك، أجلس على الرمال قربها أعزف على القيثارة وأغني بصوتٍ قويٍّ أتى من صميم قلبي وكانت تضرب الأرض بقدميها وتدور برشاقتها حولي تؤدي رقصتها المميزة، دائمًا ما كنت أقول لها أنها راقصة فلامنكو مميزة!
لم أخبرها أغنيتي الأخيرة بعد، ربما ما زال قلبي ينبض لأنه ينتظرها حتى أهمس لها بأغنيتي الأخيرة!
-----------------------------
صباح يومٍ جديدٍ في قرطبة، الساعة الرابعة فجرًا!
**بياتريس نافارو:**
نهضت من جوار نوريا بهدوءٍ حتى لا تستيقظ، بدلت ملابسي سريعًا وارتديت قميصًا ذا حمالتين عريضتين تظهران كتفي، بالكاد يغطي معدتي، وارتديت سروالًا ضيقًا قابلًا للتمدد ليسهل حركتي، أخذت هاتفي والسماعة السلكية وخرجت من المنزل دون أن تلاحظ نوريا أو أمها شيئًا.
مشيت بخطواتٍ عاديةٍ وأنا أراقب المنازل القديمة ذات الجدران البيضاء والبُنِّية، والشرفات ذات الأسوار المعدنية التي تتدلى منها الزهور الوردية والحمراء والبيضاء بتنسيقٍ بديعٍ، والطريق الحجري أسفل قدمي يعطي إحساسًا بالعراقة والقِدم.
عندما تخطيت الشارع بدأت أركض بسرعةٍ وحيويةٍ أثناء سماعي للأغاني، كانت هذه عادتي كل صباحٍ، أستيقظ فجرًا وأبدأ بالركض ومشاهدة جميع المعالم واسترجاع أحداثٍ تاريخية عنها أثناء سماعي للموسيقى الخاصة به، كانت هذه مادتي المفضلة والآن علمي المفضل، وموسيقاه هي حياتي أجمع!
لو أخبرني أحدهم أن مزحتي السخيفة ستتحقق لقلت أنه أحمق، والآن أقول ليتني لم أمزح يومًا ولم أقابله يوم قلت له:
«ماذا لو افترقنا؟»
لا أعلم حقًّا كيف ومتى وأين تركني، لكنني أعلم أن حياتي انتهت ها هناك، حيث ودعني.
وقفت على جسر قنطرة قرطبة كي أتأملها قليلًا هذه القنطرة التي كانت أول ما شيده المسلمون بعد دخولهم إلى الأندلس التي كانت تقبع على جبل قرطبة أو جبل العروس فكانوا يحتاجون إلى عبور النهر وفي عهد السمح بن مالك الخولاني تم تشييد هذه القنطرة العظيمة لتكون شاهدةً على ماضي وحاضر ومستقبل الأندلس.
أقواسها الكثيرة كانت تعجبني، والنهر أسفلها مازال يأسرني بجماله!
أغلب الناس هنا يتشاءمون بالأنهار، لكنني لا أفعل، صحيح أنني أحب الخرافات والأساطير لكنني أعشق الطبيعة أكثر، سمعت عن قصة العاشقين اللذين فرق النهر بنيهما بقساوةٍ، صديقتي نوريا تكره النهر، لقد فرق بينها وبين صديقها الذي انتحر قبل خمسة أشهر، قفز عن سور القنطرة، أحمق ربما!
سمعتُ صوت نوريا العالي تناديني فأدرت وجهي نحوها ولوحتُ لها، لا أدري كيف سيكون رد فعلها إذا أخبرتُها أنني سأعود إلى برشلونة الأسبوع القادم، حسنًا، من حقها أن تغضب؛ فأنا من تأخرت في القدوم حتى انتهت عطلتي وأوشك العام الدراسي الجديد على البدء!
«نوريا، ألا تظنين الأمر غريبًا؟!»
تساءلت بشرودٍ وأنا أنظر إلى النهر من الأعلى فسألتني نوريا بعجبٍ:
«عن أي أمر تتحدثين يا بياتريس؟»
أدركت حماقتي عندما رغبت في سؤالها هي، لقد لاحظتُ كثرة الشباب الذين يقبلون على رمي أنفسهم في مياه النهر فلقد رأيته غريبًا، لكنني تذكرت كونها متضررةً هي الأخرى، لذلك ابتسمتُ بتكلفٍ وأجبتُ باستدراكٍ:
«لا شيء، كنت شاردةً فقط، هيا لنعد حتى نُعِد الإفطار ونبدأ في التجهيز للمهرجان!»
سرنا معًا في طريق العودة رويدًا رويدًا ونوريا تثرثر وتثرثر فقط، أما أنا فكنت شاردةً، ربما لم أسمع حرفًا مما قالت وفجأةً قلت ودون مقدماتٍ:
«نوريا، أنا سأعود إلى برشلونة الأسبوع القادم!»
«أعلم! ولست غاضبة!»
تعجبتُ للغاية عندما سمعت ردها فرأيت ابتسامةً متحمسةً شقت وجهها وأمسكت بذراعي العاري تعانقه بشدةٍ صارخةً بحماسةٍ:
«لأن أمي وافقت على أن أذهب معكِ!»
تنحنحتُ بحرجٍ عندما رأيت الناس يلتفتون إلينا ولم أتمكن من الاعتذار إليهم بسبب عقدة الاعتذار السخيفة التي أعاني منها فسحبت نوريا سريعًا لنبتعد عن المكان قبل أن يأكلونا بأعينهم الكثيرة!
كانت الكثير من الأسر تخرج، لا أحد يخرج وحده تقريبًا، أفواجٌ من العائلات، الأسر هنا مترابطةٌ برباطٍ لطيفٍ رقم قوته، يعتقدون أن الأسرة شيءٌ مقدسٌ منذ القدم، حتى أن أوروبا في العصر الروماني كانوا يعتقدون أن الآلهة الرومانية أسرة تسكن فوق جبل الأوليمبوس وهم في رعاية الإله زيوس، تلك الخواطر جعلتني أهمس بكآبةٍ:
«جميلة هي الأسرة!»
في الحقيقة ليست لدي عائلةٌ، تربيت في ملجأ، كانت مديرة الملجأ تخبرني دائمًا أنني ابنة عاهرةٍ وولدت بعلاقة غير شرعية ورمتني أمي أمام بابهم، كنت أتساءل حينها من أين عرفت تلك العجوز الشمطاء؟ ربما لم أصدقها ولكنني كنت أتساءل أيضًا لماذا لم ترعني أمي؟ لماذا لا أسكن حضن أمي وفي أمان أبي؟ أين أسرتي؟ لكن الآن لا أحد، فقط نوريا وأسرتها، و...كان...هو!
------------------------------
مدريد، الساعة الثالثة عصرًا.
**لوكاس ريبيرا:**
أشعر الآن بصوتها داخل قلبي،
أشعر بها تناديني،
تعاتبني،
تهمس أنني خذلتها،
لكن ما باليد حيلةٌ سوى الأسف،
المرض ينهش جسدي نهشًا،
وأنا أتمنى فقط أن تعثري على ذلك السر المخبأ،
ذلك الرباط الذي بيننا،
علِّي أراكِ وأهمس إليكِ بما يضطرب بين ضلوعي!
أخيرًا بعد إلحاحٍ طويلٍ، خرجتُ من مبنى المشفى لأجلس في الحديقة، لوسيا رفضت رفضًا قاطعًا أن أسير على قدمي متدعيةً أنني قد أُصاب بهبوطٍ في الدورة الدموية، لقد أخرجتني دون إذن الطبيب، ربما سأجلب لها المشكلات فقلت لها بقلقٍ:
«لوسيا، إذا كان فعلك سيجلب لكِ مشكلاتٍ مع الطبيب فأعيديني إلى الداخل!»
دفعت لوسيا الكرسي المتحرك بي إلى خارج المصعد في طريقها إلى الباب الخارجي ثم قالت بمرحٍ:
«لا تقلق يا صديقي، أنا معتادة على هذا، رغم أنني أعاقب دومًا، أحب أن أحقق أماني الجميع، فلربما....»
صمتت ولم تكمل حديثها ففهمت ما ترنو إليه، هي تحقق أماني المرضى، لعلها تكون آخر أمانيهم، ربما هي كذلك بالنسبة لي!
«لــــــــوسيــــــــا!»
انتفض كلانا عندما سمعنا تلك الصيحة كالرعد، وفي تلك اللحظة تمنينا لو أنه كان الطبيب، لقد كان مدير الطاقم الطبي، يبدو أن لوسيا وقعت في ورطةٍ كبيرةٍ لن تفلت منها، رأيت كيف ضحكت ببلاهةٍ وأمسكت بيدي تقبض عليها بتوترٍ فتقدم منها مدير الطاقم وقال بصرامةٍ بالغةٍ جعلتني أشعر بالضيق:
«أعيدي المريض إلى حجرته ومري على مكتبي!»
نظرت بعيدًا عنه بضيقٍ ثم قلت بجمودٍ:
«أحب أن أبقى هنا!»
«لكن....»
التفتُّ إليه بحدةٍ وقُلتُ بحنقٍ:
«تلك حريتي الشخصية كإنسانٍ يتحمل مسئولية نفسه، اتركاني وشأني، ولا تُقْدم على فعل شيءٍ للوسيا، أظن أنها كانت تنفذ أحد بنود أخلاق المهنة، حرية المريض!»
نظرت إلى حدقتي لوسيا فرأيت بهما اهتزازًا يوحي بارتباكها الشديد من غضب ذلك الطبيب الواقف أمامي فابتسمتُ ببرودٍ وقُلتُ:
«أو من الأفضل أن تترك لوسيا هنا، لربما حدث أمرٌ طارئٌ»
ظل الطبيب ينظر لكلينا لدقيقةٍ ثم ابتسم بخفةٍ ورحل وفور أن اختفى من أمامنا اندفعت لوسيا تعانقني بتناغم الصداقة صائحةً بفرحٍ:
«أنت رائعٌ يا لوكاس!»
ضحكت بخفةٍ على مرحها وعفويتها فابتعدت عني وتركتني لأراقب الأشجار والأزهار في حديقة المشفى، قدمت لوسيا إليَّ زهرة ذات لونٍ أزرق فاتح فنظرت إلى الزهرة وابتسمت، تذكرت يوم لبسَت فستانًا بهذا اللون قائلةً أنها لبسته لأنه بلون زهرتي المفضلة، فأخبرتها حينها أنها زهرتي المفضلة، كان غزلًا رخيصًا مبتذلًا لكنها أحبته، وهذا ما يهمني!
«في الثانية صباحًا
كانت المدينة ترتدي ضوءً أزرق
يشبه الحلم أكثر مما يشبه الحقيقة
وأنتِ...
كنتِ تسيرين بجانبي
كأن الليل خُلق ليمنحنا وقتًا إضافيًّا
لم نتحدث كثيرًا
كنا نصغي إلى وقع خطواتنا
وإلى البحر
وهو يروي أسراره للحجارة
أتذكرين؟
حين ضاعت منا الطريق
فاتبعنا صف المصابيح
حتى انتهى عند تمثال
ينظر إلى الأفق
منذ سنواتٍ طويلةٍ
قلتِ إن المدن تشبه البشر
وأن بعضها
يخفي قلبه خلف الضجيج
لكن هذا المكان
كان مختلفًا
كان يحتفظ بروحه
في الأزقة التي لا تتشابه»
صمت قليلًا ولوسيا كانت تستمع إليَّ بهدوءٍ ومتعةٍ ثم أكملتُ:
«وفي الشرفات التي تتبادل الضوء
فوق رءوس العابرين
إذا وصلتِ إلى حيث يلتقِ الملح بالحجر
واتبعتِ الطريق الذي تعانقه النوارس
هناك بابٌ أزرق
ليس أجمل الأبواب
ولا أكبرها
خلفه تركت شيئًا
شيئًا صغيرًا جدًّا
حتى أن العالم كله
قد يمر بجواره
دون أن يراه
لكنني أعلم
أنكِ ستفعلين
لأنكِ الوحيدة
التي كانت تسمع
ما بين النغمات»
حينما انتهيتُ قالت لي لوسيا بهدوءٍ:
«وكأنك تحكي قصةً في أغنية، أهي لبياتريس؟»
أومأتُ وعلى شفتي ابتسامة حنينٍ فسألت لوسيا بفضولٍ:
«وأين هي الآن؟»
كنت واثقًا من مكانها؛ فهي حبيبتي التي تسكن قلبي فقُلتُ بثقةٍ:
«إنها حيث يلتقِ الملح والحجر!»
-------------------------------
يتبع....
تلك كانت المحطة الأولى التي سينطلق منها القطار، استعدوا فالرحلة بدأت الآن!
دمتم سالمين.
روان داود.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!