مِيامُور
مِيامُور
جزء 2 من 4
وضع القراءة:

[1] أريج البرتقال!

ميامور (Mi Amor).
الفصل الأول،
بعنوان: قرطبة: أريج البرتقال.
------------------------------
برشلونة، صباحًا، الساعة التاسعة وخمسٌ وأربعون دقيقةً!
**بياتريس نافارو:**
في هذا الصباح، لم أكن أعلم ما أنا مُقبِلةٌ عليه، لكنني وجدت نفسي أحزم حقائبي وأضع كتبي وملابسي في حقيبة كبيرة وآخذ تذاكر القطار وأنطلق إلى المحطة، ربما لم يكن الأمر غريبًا لأنني كل عامٍ أذهب لقضاء العطلة في قرطبة، لكنني أحسست به كذلك هذه المرة!
جلست على مقعدٍ في المحطة أعد أنفاسي بمللٍ أثناء استماعي للأغاني التي ألفها بنفسه، أدندن معها تارةً وأصمت تارةً باكتئابٍ، ربما أحس أن هذا اليوم أكثر إشراقًا لكنني كنتُ أكثر انطفاءً!
صوت القطار يقترب،
لطالما كَرِهْت القطارات، منذ طفولتي أخبرتني جدتي أن العاشقين اللذين يفترقان دون سببٍ واضحٍ يلتقيان في قطارٍ ما،
في قطارٍ لا يظهر له موعدٌ في جداول رسمية،
يمر مرةً واحدةً في العمر،
لكنني منذ ذلك اليوم أيقنت أن ذلك القطار قد مر بي ولم ألحقه،
لقد أصبتني لعنة الاشتياق الأبدي وذلك كان عقابي لأنني تخلَّفت عن القطار!
توقف القطار وتوقف تدافع الناس، وهذه كانت فرصتي للنهوض واستقلال القطار قبل أن ينطلق،
دخلت بخطواتٍ هادئةٍ وعاديةٍ، لست آبه إذا غادر القطار دوني، عندها سأعود إلى المنزل وأُنهك نفسي بصنع حلواي المفضلة: حلوى التورون¹.
هاتفي يهتز مجددًّا، هذه المرة السابعة التي يرن فيها خلال الساعتين الماضيتين، أكاد أقسم أنها صديقتي نوريا تنوي الصراخ في وجهي لأنه كان من المفترض أن أكون في قرطبة منذ أسبوعين لكنني لم ألحق بالقطار طوال الأربعة عشر يومًا الماضية، بالتأكيد لم أكن لأكلف نفسي عناء انتظار القطار المسائي، وأيضًا لم أكن لأخاطر وأجيب اتصالاتها طوال تلك الأيام لأنني أعلم أنها ستوبخني بشدة والآن سوف تبرحني ضربًا بدلًا من أن تعانقني شوقًا!
تحرك القطار ببطءٍ في بادئ الأمر، لماذا يتردد في التحرك؟ وكأنني لست مترددة!
أخذت أراقب البحر الأبيض المتوسط بلونه الأزرق وهو يلوح على مرمى بصري، يودعني راكضًا في عكس الاتجاه وصوته يتردد في أذني يرافقه صوت قيثارته العذب:
«كلُّ مساءٍ أجيءُ إلى البحرِ وحدي
وأتركُ للريحِ ما عجزَ القلبُ عن قوله
أراقبُ الموجَ وهو يعودُ
إلى الشاطئِ ألفَ مرة
وأتساءلُ:
لِمَ لا يعودُ الغائبونَ مثله؟
كان البحرُ يعرفُ اسمَكِ
قبل أن أنطقَه
وكان يحتفظُ بخطواتِكِ
فوق الرملِ
أطولَ مما فعلتُ أنا
في الأفقِ البعيد
حيثُ يذوبُ الأزرقُ في الأزرق
تركتُ أمنيةً صغيرة
فإن رأيتِ نورًا
يرتعشُ فوق الماءِ عند الغروب
فاتبعيه
فبعضُ الطرقِ لا تبدأُ من اليابسة
بل من ذكرى
وبعضُ الرسائلِ
لا تُكتبُ على الورق
بل تتركها الأمواجُ
على هيئةِ أغنية
وإذا سألكِ البحرُ يومًا عني
قولي له:
إنني ما زلتُ أبحثُ
بين المدِّ والجزر
عن ذلك الجزءِ من روحي
الذي رحلَ معها
وما عاد.»
كنت أستمع إليها بسماعة الهاتف السلكية فوجدت لسان حالي يقول:
«إنني ما زلتُ أبحثُ
بين المدِّ والجزر
عن ذلك الجزءِ من روحي
الذي رحلَ معها
وما عاد.»
وداخلي أقول:
«ليس البحر وحده من يسأل عنك يا لوكاس، فماذا أقول لنفسي وداخلي يموج كموج زبد البحر؟!»
قرطبة: الساعة الثانية بعد الظهر.
أخيرًا وصل القطار إلى المحطة في قرطبة، وكم تمنيت في تلك اللحظة ألا أقابل نوريا، ولكن ما كل ما يتمناه المرء يدركه، والأمور تجري بما لا تشتهيه النفس.
تسلل أريج البرتقال إلى أنفي، كم أحب رائحة قرطبة الدافئة، وهدوء النفوس هنا!
«بيــــــاتريس!»
هدوء جميع النفوس عدا نفس تلك الفتاة المجنونة المُقبلة، فتاةٌ في العشرين حملت ملامحها دفء الجنوب، بشرتها أخذت سُمرةً خفيفة من قبلة الشمس الحانية، وداخل عينيها يضيء العسل الدافئ، يموج داخل حدقتيها بمرحٍ، وعلى جانبي كتفيها يتناثر شعرها الذي اكتسب لون القهوة، ترتدي فستانًا صيفيةً أخذ ألوان المروج وأشجار البرتقال.
«نوريا، رجائي أن تؤجلي الشجار حتى نعود للمنزل وآخذ حمامًا باردًا وأتناول الغداء ثم آخذ قسطًا طويلًا من الراحة، وغدًا نتحدث!»
قلتها رغم أنني أدرك استحالة الأمر وأنها ستصرخ في وجهي هنا في المحطة وستلفت الأنظار الفضولية إلينا لكن هذا لم يحدث!، فقط أومأت وقالت لي ببرود:
«فقط حتى نصل!»
حسنًا، يبدو أنها غاضبةٌ مني وبشدة! ربما تماديت قليلًا، قليلًا! لكنني -ومع الأسف- أستصعب لفظ الأسف ومعاني الاعتذار!، ولذلك وجدت نفسي أقول فقط:
«اشتقت لرقص الفلامنكو² معك ولصنع حلوى البستي³!»
وسرعان ما شقت ابتسامة واسعةٌ وجهها واشتعلت الحماسة في عينيها وأنا داخلي أحمد الله على أن طريقتي الغير مباشرة في الاعتذار قد نجحت، وغدًا سأبدأ في تنفيذ الغرض الأساسي من قدومي إلى قرطبة!
--------------------------
يتبع.........
معلومات بسيطة:
1 حلوى التورون (Turrón): هي نوع من حلوى "النوجا" المتوسطية الشهيرة، تصنع أساساً من العسل، السكر، بياض البيض، واللوز المحمص أو المكسرات الأخرى. تشتهر بكونها حلوى احتفالية تقليدية تُقدم في فترة الأعياد وموسم عيد الميلاد في كل من إسبانيا وإيطاليا.
2 تُعد رقصة الفلامنكو (Flamenco) فناً إسبانياً عريقاً نشأ في منطقة الأندلس بالقرن الثامن عشر. تمزج بين الموسيقى، الغناء، والرقص الانفعالي. تعتمد الرقصة في أدائها على الشغف، تعابير الوجه، حركات اليدين الانسيابية، وإيقاع سريع وقوي للقدمين، وتستمد جذورها من تداخل الثقافات العربية، والأندلسية، والغجرية.
3 حلوى البستي أو حلوى البيستينيوس (بالإسبانية: Pestiños) هي معجنات إسبانية تقليدية مقرمشة تُشبه في شكلها قطع الدوناتس الصغيرة المطوية أو الفيونكات، وتعود أصولها إلى العصر الأندلسي في جنوب إسبانيا.
2 قراءة
2 إعجاب
1 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (1)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول
منذ أسبوع
بالتوفيق♥️

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.