وضع القراءة:

3.فصل شاذ

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته؛
لنا لقاء آخر والحمدلله أما بعد....
**"أعدك أن يكون وجهي آخر ماستحفظه ذاكرتك"**
______________________________________
في جانب آخر من العالم ...
في مكان حيث الطبيعة تتكلم أكثر مما تفعله المشاعر.
انعكست أشعة شمس العصر على المجرى المائي العذب ليتحول لونه لأبيض ساطع، تتراقص على ضفتيه أعشاب برية وأزهار جميلة ملونة. هذا الأخير يشق هضبة خضراء زاهية ألوانها عبقة أزهارها.
مكان طبيعته وفنه موسيقى تُنسجُ ألحانًا صافية عذبة تُسكِرك بأول جرعة من طرف عينيك... كيف لا وهي الهضاب الجزائرية...
لكن لاشيء يدوم طويلا...
إذ عبرت بدراجتها ناثرة الغبار في ذاك الطريق الترابي....
حسناء اكتست العاجي في لباسها... سمراء بعيون تحاكي أشعة شمس ربيعية... لكن ملامحها ليست أفضل شيء الآن، فمن يراها يظنها تهرب من وحش عملاق سيصلها إن توقفت لثانية....
اهتزت عجلاتها قليلا حتى انحرفت عن مسارها قبل أن تنزلق قرب الحديقة الحجرية التي تؤدي لبيت من التصاميم القديمة لسكان الريف....
سقطت بقوة على وجهها وتلون لباسها بالترابي من الأرض؛ سمعت خبط الدراجة للسور القريب ولن تجزم أنها قد تضررت...
نهضت فورًا، دون أن تنظر خلفها أو حتى تنفض ملابسها ؛
أنفاسها تتسارع عُنوَة، ودموعها شقت مجرى السيل في خديها المحمرين وإن كان سمارها يخفي منه القليل.
_"نانَّا...نانَّا جوهرة.... "
خطواتها غير متوازنة بسبب جروح ساقيها من السقوط السابق... تلون حجابها بالأحمر عند ركبتها وتمزق قليلا أيضا، أما خمارها فهو الآخر راح جزء منه لاتدري متى تمزق وتمردت منه لوالب خصلها الذهبية باحترافية.
دفعت الباب النحاسي القديم بقوتها الهزيلة ودخلت الحديقة الداخلية ثم من الباب الخشبي بعدها، لتجد جدتها تحيك قطع الصوف وهي جالسة على كرسيها الهزاز في آخر جزء ظهر لها في مجال رؤيتها...
انتفضت حواس الجدة، إذ أنها نطقت اسم حفيدتها باستنكار... فالمنظر أمامها يوحي لمئة سؤال وسؤال.
هل حدث شيء سيئ لها؟اعتداء ربما؟
تمنت أن يكون مافي بالها وساوس شيطانية لاغير؛
_"سيرينا !!! وشبيكي بنتي ؟"
«سيرينا! ماذا حل بك ابنتي؟»
أما عن سيرينا فغلبتها شهقاتها، لم تنطق بحرف مفهوم... لم تنهض الجدة من مكانها إذ أن الأخرى وصلت لها وارتمت في حضنها بهشاشة... رمت جوهرة ماكان بيدها وربتت على ظهر حفيدتها بحنية محاولة تهدئتها بقراءة المعوّذتين وكلام آخر عله يهدئها ...
_"بسم الله عليك بنتي ... بسم الله (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ...
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلٰهِ النَّاس مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ)بسم الله بسم الله..."
_"وشكاين بنتي قوليلي قلبي راه يخبط... شكون دنا ليك..."
«ماذا حدث يا ابنتي أخبريني قلبي يؤلمني... من عبث معك؟»
احتضنتها الجدة بقوة مهدهدة عليها وهي في قمة أعصابها... تسمي الله وتقرأ ما تحفظ من سور قليلة ،حتى شعرت أن أنفاس حفيدتها قلت وتيرة سرعتها، ودقات قلبها كذلك.
أغمضت سيرينا عينيها، تلتصق أكثر بحضن جدتها تحاول جمع كلمات متناثرة تعبر بها وعن حالها؛
رغم أن شهقاتها حلفت اليمين بأنها لن تفارقها ...
ازدردت ريقها بعنف محاولة التنفس بوتيرة محددة لكن بقي صدرها يرتفع وينخفض كأن الأكسجين لا يجد سبيلا لرئتيها ...
تسلل الخوف لفؤاد جوهرة... فالحالة التي تراها في التي أمامها تعيد لها مشهدا قديما تخشى تكراره... شدت على ذراعيها تحاول فهم ولو كلمة مما تقوله سيرينا...
_"بابا خدعني... قرايتي حبست... منزيدش نشوف ريتا... بابا قال... عمي وبابا تفاهمو... نتزوجو... معاه... فاروق رجع... منيش حنقرى...ضاعت حياتي... ضاعت ضيعوني... يما وراكي معايا ....علاه...."
كلمات خرجت تفرقها شهقات....
صحيح أنها تنهدت براحة لأنها استبعدت توقعاتها لكن هذا لا يغفر بالحقيقة التي مرت كرصاص على جوف جوهرة فما كانت تخشاه منذ زمن حصل...
_"بسم الله الرحمان الرحيم !! بلعقل على بنتي ..."
رغم صدمتها الجليَّة إلى أن تركيزها كان على سلامة فتاتها الصغيرة الآن... وقفت وأخذت بكتفي سيرينا وأدخلتها أكثر بحضنها...
فكت عنها المشدّ لتنزع لها حجابها... لوّحت على وجهها وهي تردد أسماء الله...
أمسكتها ساحبة اياها إلى الحمام لتغسل وجهها المحموم ... حثتها على الوضوء فتغسل أطرافها بطريقة أحسن ... وأحضرت لها كوب ماء بسكر .
راقبتها وقد بدأت أنفاسها تعود رويدا رويدا...
أمسكت بيدها كأنها إن تركتها ستختفي منها كما حدث في زمن ما... اتجهت بها لاحدى الغرف التي بهذا البيت الفسيح شكله...
ما إن فتحت الباب الخشبي حتى انبعثت رائحة عبقة لزهرتها المفضلة... الياسمين
تنهدت سيرينا إذ أن شذا الياسمين لا يفشل في جذب مستقبلاتها الحسية
_"راكي تبهدلي بهذو الحوايج تقول غول جرا موراك..."
خطت أمامها وفتحت الخزانة لتخرج منها ملابس بيتية خفيفة إشارة لكي تغير التي ترتديها...
"هاكي بدلي حوايجك وصلي ركعتين دك نولي"
_"نانااا جوهرة ..." نطقت وسط دموعها ،وهي تمسك بما قدمته لها جدتها...
_"نزيد أنا نبدلك؟ هيا لالة العارم هذاك وش خص؟"
شعور الدفء تسرب إلى وجدانها وتعليق جوهرة الأخير جعلها تفلت ترسيمة غيرت ملامح الوجم رغم انتفاخ عينيها.
خرجت جوهرة تاركة الأخيرة تغير ملابسها وعادت للمطبخ تفكر بحل باستخدام حدسها الحكيم...
حملت هاتفها النوكيا ذا اللون الداكن وبقيت تنظر له...
مرت مدة وجيزة، وقبل أن تُقدم على الاتصال، فاجأها طرقٌ على الباب النحاسي، أعقبه صوتٌ رجوليّ رخيمٌ يستأذن بالدخول.
«نانا، هذا أنا فاروق وراهي هذيك المونڨول ؟ندخل؟؟»
بقيت مدة تستوعب الوضع وبعدها اتجهت عند المدخل لتراه يقف هناك ينتظر جوابها
_"فاروق! واش جابك؟"
ابتسم تلقائيا رافعا حاجبا واقترب ليسلم عليها ممزاحا إياها كعادته ثم قادته للصالة حيث استقر هناك يستفسر عن التي دخلت قبله .
_"عيطيلها نهدر معاها دخلتني فحيط بالمشاكل لي جيبهملي كسرت الڤيلو تع وليد نجيب راه برا ينوح كي لمادامة وليت أنا خلصتها من جيبي "
ضحكت الجدة واضعة يدها على فمها واستمرت بالنظر له هل حقا لايدري مايحصل أو هناك أمر ما ؟
_"فاروق... سيرينا راهي راقدة دك دخلت في حالة الله لايشوفك فيها"
تغيرت ملامحه في لحظة وأشاح بنظره وفي عقله عدة أسئلة لكن تنهد وقرر سحب كل شيء بعيدا .
_"لقد... أخبرها عمي ؟"
لم ينتظر ردا منها بل وأسرع ليتكلم مقتربا من جدته واضعا يديه على كتفيها تحت اندهاشها من حركته المفاجئة.
_"جدتي...ليست لي صلة بالموضوع، فأنا أيضا اتصل بي والدي صباحا يخبرني ولم أجد نفسي إلا مسرعا إليك لأنهما قررا حتى متى الحفل والاجراءات... لم أستطع نقاشه البتة...أيضا مهما كان قرارهت فسأحترمه... سواء زوجة أو أخت سيرينا ستبقى هي بالنسبة لي... كما اعتدنت دائما "
لاحظت جدته تناقضا في كلامه لكن لم تلق بالا عليه بل أرادت طمأنته كما فعلت للأخرى
_"والدك يفعل هذا عمدا... لكي يغيضني بأفعاله مثلما فعل سابقا لكن لن يتكرر نفس الخطأ مع أحفادي فلديكم مستقبل يجب تحقيقه... أما عن محمود ابني فأنا أخطأت بتربيته رغم كونه الآن رجلا بأبناء لكن يجب أن أعلمه درسه مرة أخرى..."
مرت نصف ساعة وأخذ فاروق من الباب مخرجا بعد أن أكمل حديثه مع جدته...
لم تتدخل سيرينا في الحديث بينهما لأنها تعلم أن الأخير سيوبخها على الدراجة التي دفع ثمنها وهي لاتقوى على النظر بعينيه بسبب الحادثة السارية البتة، بعدما خرج هو فتحت باب الغرفة وتوجهت للصالة حيث كانت جوهرة تشد على رأسها...
_"جدتي... أ أنت بخير؟"
تنهدت وهي تناظر النافذة المطلة على الحديقة الخارجية قائلة
_"بخير حبيبتي... فقط أفكر، سيرينا؟ "
انتبهت لجدتها واقتربت لتجلس حذوها
_"هل تعرفين خالتك نادية؟حسنا ربما حكيت لك عنها مرة أو مرات عديدة..."
ابتسمت سيرينا وأومأت لجدتها لتكمل الأخرى حكايتها...
_"حسنا نادية هي أصغر ابنة لي لقد كانت أمنيتها هي دراسة ريادة الأعمال بروسيا... حققتها كما تعلمين وتزوجت هناك وهي أم ماريغا أو نسيت اسمها، صعب نطقه "
ضحكت سيرينا وهي تصحح لجدتها"مارغريتا جدتي قولي ريتا فقط"
_"اه نعم ريتاج هكذا أجمل..."
وضعت يدها على وجهها بقلة حيلة وهي تضحك بينما أكملت الجدة
_"حسنا لا أظنني مثل خالتي نادية جدتي... حتى الدراسة هنا وسيتم منعي قريبا... لو كانت أمي هنا... أتساءل ماذا كان ليحصل معي"
تناقصت الروح بصوتها حتى انكتمت بتشاؤم ويأس جعلا الجدة تنطق بما يخالج صدرها بعد أن كانت ستتجاهله.
_"سيرينا... أليس حلمك هو أن تدرسي الطب هناك؟"
توقفت سيرينا وتجمدت ملامحها تستقرئ بين أحرف ما قالته جدتها، لكن الأخرى قاطعت وريد فكرها مكملة ...
_"فاروق سيكمل دراسته في إيطاليا كما تعلمين... هو ليس أذكى أو أفضل منك، دائما ما كنتِ أنت أشطر وأكثر دهاء، لذا أعلم أن روسيا ستكون أحسن وجهة كما أنك ستكونين مع ابنة ناديا لذا ستحبين الأمر و....
_"مهلا... جدتي؟! هل تعرفين ماتقولين؟ أقصد انها موسكو ووالدي ليس فقط لن يسمح بل سيتبرأ مني... هو لم يسمح لي بالدراسة في فرنسا رغم أنه يعيش نصف حياته هناك... ما أدراني بما سيفعله بي إن سمع هذا... هذا جنون..."
أصابتها رجفة بانت في اهتزاز شفتيها... إذ لم تمر ساعة على آخر صدمة وها هي جدتها تلقي عليها أخرى تضرب بها صميمها
_"هل ستكونين كوالدتك وتتخلين عن حلمك من أجله؟ هو والدك نعم لكن في بعض الأحيان لايقرر الآباء مستقبل أبنائهم فقط لأنهم آباء... هذا في النهاية راجع لك ولما تريدين... استخيري أولا وبعدها نكمل الحديث... رأسي يؤلمني من هذه القضية، الحمدلله أن والدك في فرنسا الان إذ كان سيشرفني هو الآخر بزيارته."
دخلت الجدة غرفتها تاركة حفيدتها وحدها تفكر...
سيرينا تعلم أن هذه فرصتها وإن ضاعت منها ستكون هي الخاسرة ليس إلا خاصة لما يحدث من تشتت في هذه العائلة...
_"لو كانت أمي هنا... هل كانت لتوافقها حقا؟ هل يجب علي هذا ؟ أقصد نعم سأكون بجانب ريتا أخيرا وألتقي بها... مر على لقائنا دهر... لماذا أخفت أمر سفرها عني....".
أفكار كثيرة جابت بها حتى اندست أشعة الشمس في الأفق...
______________________________________
بقيت جوهرة عند باب غرفتها، مستندة على الجدار قربه،
تعبت... ليس من رأسها الذي يؤلمها ولا من مشكلة حفيدتها بل من شيء أقدم بكثير...
ذكريات مرت عليها كشبح آخر الليل، جلست على سجادتها المفروشة ممسكة بالمصحف الشريف تقرؤ منه ما استطاعت من آياته لكن… على من تكذب الذاكرة أبت النسيان وأبت أن تتركها وشأنها بل وتناجيها كل ليلة تذكرها بفقيدتها.
______________________________________
_"ناديا!! كون يسمعوا بيك خاوتك والله يقتلوك وأنا معاك "
تنهدت ناديا وأتبعتها بصوت خافت مليء بالعصبية
_"وشنو يما؟! وشدخلني فيهم هما كل واحد فيهم عندو حياتو وأنا حرام عليا؟؟ نورمالمو هوما لي يقولو ختنا حبت تقرى نستقبلوها عندنا وكي ولاو هكذا نروح للروس وخليهم يتخبطو "
جلست الأم بقلة حيلة على كرسي المطبخ واضعة الابهام والسبابة بين حاجبيها ونظرت للتي تجلس أمامها مردفة
_"أمال يا بنتي وشراهي تقول هذي؟!"
أما عن أمال فتقدمت لتجلس في الكرسي الذي بجانبها ووربتت على ظهرها مطمئنة إياها
_"يما عندها الحق حتى أنا حابة نروح معاها باش نتوانسو… وبابا قالي روحو هو يتكفل يالمصاريف الباقية…"
مشاعر ذلك اليوم لا تخبو، كلما عادت إليها...
رؤية ابنتها وهي تحكي لها عن ذلك البلد، ورؤيتهما تتحدثان بتلك اللغة وهما سعيدتان، تحاولان كسب رضاها بكل الطرق الممكنة لهما...
كانتا تتحدثان عن روسيا كأنها لا تبعد عنهما إلا خطوات، كأنها تقبع عند الباب الثالث من بيتهما، وما عليهما إلا أن تفتحاه لتجدا نفسيهما هناك.
ابتسمت جوهرة بحزن.
كم كانت الحياة تبدو بسيطة يومها...
انتهى الفصل .
4 قراءة
2 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.