وضع القراءة:

1_مدخل البداية

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
أما بعد ...
"لَا مَـلْجَأَ لِـي بَـعْدَكـِ يَـا رُوحَ الرُّوحِ"
⁦^⁠_⁠_⁠_⁠_⁠_⁠_⁠_⁠_⁠_⁠^⁩
_"ريتا ...هل ستذهبين حقا ؟"
استدارت لتجد مجموعتها كلهم مجتمعين في الرصيف يناظرونها ...
تقدم لوكا بخطى بطيئة واكتفى بضمها لصدره ،وكأن هذا كان إشارة لهم جميعا ،اندفع إنزو أولًا، ثم تبعته زوي وهي تضحك، أما نايلا فاحتضنتها بصمت...
_"خنقتوني ! خلوني نتنفس شوي "
ضحك الجميع.
حتى نايلا التي كانت تحاول إخفاء احمرار عينيها.
ربت نوح على رأسها وضحك قائلا
_"ريتا ... غادي نتوحشوك نتيا القائدة ديالنا متنسايش"
أما إنزو فابتعد وجمع يديه إلى صدره وقال
_"لا تخوني عصابتنا مع مجموعة مافيا ...وسأعتبر الأمر خيانة إذا لم تجلبي معك بعض المشاكل "
_"لاتقلق ...سأحضر لك زعيمهم كهدية ..."
تعالت الضحكات مجددًا .
ابتسمت رغمًا عنها، ثم نظرت إلى الوجوه المحيطة بها.
وجوه لم يجمعها بها الدم ...لكن الحياة فعلت.
_"صايي بركاونا دراما وبكا وخرطي ...حتى اذا مت ونبعتلكم ونخبركم ...متخافوش خباري مينقطعوش عليكم .."
_"ريتااااا !!!"
هز الجميع رؤوسهم بيأس
_"متعرفوش الزعاقة نتوم ! لن أمازحكم مرة أخرى "
أما ماتيو ...
فكان واقفًا بعيدًا ،صامتًا كعادته.
تقدمت نحوه بخطوات ثابتة ووقفت أمامه ...مد يده ليصافحها لكن هي تجاهلتها وعانقته ليبادلها هو الاخر بابتسامته ...
_"حسنا ريتا ...أظنك في النهاية قررتي تركنا "
نظرت له بحاجبين مقطوبين بعد أن ابتعدت قليلا .
_"مهلا مهلا هل تطردني وأنا القائدة ؟هل هذا مايسمى بالديموقراطية؟"
اكتفى بهز رأسه تحت ضحك باقي الفتية وربت على رأسها ليقول .
_"لاتنسي ما اتفقنا عليه ...الملف الذي بين يديك ثمين جدا ...سيحميك مؤقتا"
أدارت ظهرها لهم قبل أن تطول لحظة الوداع أكثر مما يجب ولوحت بدون أن تجيب على ماتيو .
ركبت دراجتها الياماها ،وأطلقت محركها.
ثم غادرت دون أن تلتفت ...
لأنها كانت تعرف ...أنها إن التفتت هذه المرة
قد لا ترحل.
وجهتها الآن العاصمة باريس ...أين يقطن خالها الوحيد لتودعه هو الأخير أيضا ...
⁦^⁠_⁠_⁠_⁠_⁠_⁠_⁠_⁠_⁠_⁠^⁩
بعد ساعات قليلة ...
كانت تجلس في المقعد الخلفي في سيارة خالها ...
بينما محمود خالها يقوم بالبحث عن اسم يعرفه ...
_"مالكوف ...هاهو "
رفعت حاجبها
_"يَبدو أنَّه شَخصِية مهِمة في روسـيا ... إنّه يَتصدر المقالات هناك ...شركات طيران ،موانئ ...لاحدود لنفوذه ... "
زفرت وهمهمت متفكرة ...
_"أرَى هَذَا خَالي محمود ... "
أضافت وهي تنظر من زجاج النافذة
_"لا عَليك منه ،فَمن وَضع مِصْيدة للفِئرَان عَليهِ تَوقُّع وُجودِ أَفاعي سَامَّة تَسعى خَلفَها ..."
ساد الصمت لثانيتين قبل ان يستدير لها متنهدا بتعب
_"ريتا ...متقدريش تكوني سيريو ديريكت نتي!؟"
تنهد عائدا لمكانه
_" دايمن تخلطي فالهدرة هك ...خافي شوي تعيشي ..."
نَظَرَت له بتَمَلْمُلٍ و لَوَّحَت بِيَدِها مُبَرِّرة
_"دير روحك فهمت وسلكنا خال ،نخاف من لي خلقني برك "
ضحك محمود رغمًا عنه، وأكمل القيادة حتى بانت مباني المطار من بعيد ...
08:00 a.m ...
ركن السيارة جانبا لكنه لم ينزل ...
ظلَّ ممسكا بالمقود لهنيهات قبل أن ينادها
_"ريتا ..."
لم يستدر لها ...
_"لقد جهزت لك كل شيء تحتاجينه في سفرك ، لكن ..."
استدار لها يناظرها بعينين متعبتين ...
_"هذا ليس آخر قرار ،اسحبيه أرجوكِ ...لماذا انت ذاهبة هناك ...ذاك ليس مكانا للعيش وحدك عزيزتي ...أرجو..."
_"خَالي ..."
أشاحت بنظرها لكي لا تقابله وأردفت بصوت واثق
_"لَقد سَاعَدتني طوال سَنواتي المَريرة ... بالرّغمِ من كَونِي من أَجلِبُ المَشاكِل ... لكِن لا أنتَ ولا أَهلُ بَيتِك أَظهَرتم لي أي ذرّة عدَم تَرحِيب ... اِستَقبَلتُموني حَتَّى في مُنتصَف اللَّيالي و أَوَيْتُم وَحشَتي عِند ... تسلّلي خارِج المَيتم عشَراات المرَّات "
نظرت له بابتسامتها التي كلما رآها تذكر أخته الراحلة
_"بفَضلكم ...أحسَستُ بأَجواء العَائِلة التي افتَقَرت لَها ... استَطَعت الوُصولَ لما أَكونهُ الآن ..."
أشارت له بسبابتها وقرنت حاجبيها بغضب مصطنع
_"لا تكُن عاطِفيا هنا بحقك ..."
ضحك محمود بخفوت وهو يهز رأسه.
أما هي ...
فلم تجرؤ على النظر إليه طويلًا.
لأنها كانت تعلم أن هذا الرجل ...عانى أيضا بعد موت أخته التي هي جزء منه ...
وهي تعلم أنها ...ستضره إن أصابها مكروه ...
نزلت من السيارة وأخذت حقائبها للمكان المخصص للأمتعة ...
وأخيرا صعدت الطائرة ...
وجهتها الآن موسكو ...إمبراطورية الثلوج ...المدينة التي لم تكن تعلم أنها ستغيّر حياتها إلى الأبد.
______________________________________
مرت تلك الساعات بسرعة فقد كانت نائمة بعمق حتى حان موعد النزول ...
رمت أول خطواتها في أرض موسكو المتجمدة بهذا الفصل وهي تحاول تذكر بعض الأشياء من غبار ذكرياتها ...
أوقفت سيّارة أُجرةٍ ،دخلتها وجلست متنهّدة بعدما قدّمت للسائق الورقة التي تحمل عنوان البيت التي ستسكنه ...رَمقها متفحِّصا ،لم تفهَم نظَراتِه بل وتجاهلته ...
_"آنسة ...هل هذا العنوان لمنزل أقربائك ؟"
نظرت له بحاجب مرفوع ،فمنذ متى هناك أناس متطفلون هكذا كانت ستسبه وتخرج لكنه أكمل
_"عذرا لم أقصد التطفل لكن هذا الحي لا يقصده السياح عادة لذا... فقلت ربما هناك خطأ ما ..."
هي تعلم أنها إن تكلمت سوف تجعله يندم على أم أمه التي أنجبتها ...لذا قررت التفكير هذه المرة قبل أن تجعله يتذكرها كلما نظر للمرآة ...
رمت ببصرها نحو النافذة وفي داخلها آلاف الأسئلة التي بدون أجوبة ...لكن تنهدت وهي تشاهد المناظر الخلابة التي ستمر من خلالها ....
سمَاء رمَاديَّة تُضفي لَمسةً من الغُموض على المبَاني الشَّاهقَة القَديمة والمَنازل الملوَّنة اللَّطيفة ...
و مرّت بها سيّارة الأجرة بجَانب الكرملين، أَحمر الجدران عال كالحصن... مُجرد رؤيته تجعَلك تغُوص في زَمن غَابِر ...
الآن اِنعَطف نَحو السَّاحَة الحَمراء حَيث قُبب كاتِدرائِية سانت باسيل تَتلألَأ تَحت قَطرات المَطر بألوَان تزهُو للنَّاظِر ...
نظَرت لِساعتها وأغلَقت رماديَّتيها طَلبا الرَّاحة ...
بعد مدة قرر السائِق تشغيل الراديو لتخفيف الجو المكهرب ...
_"وفي الشأن الأمني، أعلنت وزارة الداخلية عن فتح تحقيق موسع في حادثة سرقة بنك 'سبيربانك' بموسكو. المؤشرات الأولية ووسائل الهجوم تشير بأصابع الاتهام إلى منظمة لتهريب الأسلحة تسمى..."
حرّكت رأسها ببطء نحو النافذة، وطلبت اغلاق الراديو ...
_"هذا ما ينقصني ..."
لكن لم يدم الاستقرار طويلا، إذ أن سيارة جي كلاس توقفت أمامهم وكادت تصدم هيكل سيارة الأجرة ليتوقف السائق بعنف جعل ريتا ترطم رأسها لشدته ...
_"مابك يا هذا ؟أتريد قتلي"
_"لست أنا... إنه صاحب المرسيدس تلك !"
لم تنتظر منه كلاما خرجت مباشرة لتطرق زجاج نافذته بكل أدب ...
_"هل أنت أعمى ؟ هل نسيت رُخصة السياقة عند أمك ...تكلم معي !!"
نزل الزجاج المعتم ببطء شديد، لتصطدم عيناها الرماديتين بخاصته، وجهه يحمل قسوة عاتية .
شعرت بقشعريرة مرت في كامل جسمها ...أمعنت النظر بوجهه للحظات ثم تراجعت خطوة للخلف لكن حافظت على رباطة جأشها ...
_"يبدو أن موسكو أصبحت تستقبل ضيوفًا غير معتادين ..."
توقفت عيناه عليها لثانية أطول مما ينبغي...
_"هذا العجوز... سامحك الآن لوقاحتك ...لكن لن تكون هناك مرة قادمة صغيرتي "
ارتفع الزجاج الأسود مجدداً ببطء، تاركاً خلفه هالة من الغموض .
تحركت سيارة الجي كلاس ببطء ، تاركة ريتا متسمرة في مكانها و الهواء البارد يلفح وجهها، لكنها لم تكن تشعر بالبرد بقدر ما كانت تشعر بتلك القشعريرة الغريبة التي رفضت مغادرة جسدها. يدها التي كانت تطرق الزجاج منذ ثوانٍ انقبضت الآن في جيب سترتها بقوة.
ساد صمت غريب في الشارع، كأن حركة المرور وأصوات أبواق السيارات تلاشت فجأة. تلك النظرة... ذلك الجرح القديم فوق عينه اليسرى... وتلك الهيبة التي تجبرك على تذكرها.
أخرجها صوت السائق من شرودها وهو يترجل من سيارته .
"أوه يا آنسة... لقد نجوتِ بأعجوبة ..."
التفتت إليه بملامح جامدة وقالت بنبرة خفيضة تخلو من أي مشاعر
_"مَن يكون هذا الرجل؟"
هز السائق رأسه بقلة حيلة وهو يفتح لها باب السيارة مجدداً:
"لا أحد يملك الجرأة ليوجه له السؤال، اركبي يا ابنتي ... دعينا نغادر قبل أن يغير رأيه ويعود."
ركبت التاكسي مجدداً، وأسندت رأسها على المقعد، بينما كانت أصابعها تتخلل شعرها الأسود الطويل . في تلك اللحظة، ارتبط في ذهنها شيء ما لكن، أجبرت نفسها على التوقف عن التفكير.
_"سحقا أظنني سأحتك كثيرا بأمثاله" .
أكمل السائق قيادته لساعة كاملة حتى وصلت للبيت المقصود ...تأكدت من المكان في صور من خالها ودفعت أجر السائق ...
تقدمت للمنزل وهي تتفحصه من الخارج، كان منزلا متواضعا وجميلا بالوردي الفاتح من طابقين وبه مرآب وحديقة جميلة يغطيها الثلج جزئيا ...
الباب خشبي لكن صلب، أما المقبض فكان يبدو نحاسيا .
مررت المفتاح الذي قدمه لها خالها قبل سفرها وفتحت الباب... أشعلت الإنارة لترى داخله...
وصلتها رائحة المكان وشعرت بانقباضة في صدرها...
_"ليس سيئًا."
تقدمت نحو النافذة المطلة على الحديقة الخلفية وفتحتها قليلًا ليدخل هواء نقي...
خلعت حذاءها بإهمال، وأسندت حقيبتها إلى الجدار، ثم نزعت معطفها وارتمت على أول كنبة وجدتها أمامها...
لم تتأكد حتى إن كانت الكنبة نظيفة. ألقت معطفها جانبًا... وأغمضت عينيها.
لو لم تجد هذه الكنبة... لنامت فوق الأرض.
______________________________________
أما في مكان آخر ...
_"شكرا لك محمود على السماح لها بالقدوم... أعلم أنه صعب عليك "
_"لاتشكريني فليس لدي سلطة عليها كما تعلمين آنسة فاليريوف ...فقط اعتني بها جيدا أرجوك ."
أغلقت الخط من جهتها بعد أن أكمل الحديث وجلست على الكرسي أمامها متنهدة .
توقف صوت النقر على الأزرار ونظرت إليها.
_"مابكِ؟"
_"لقد وصلت... مارغريتا، هل يجب أن أزورها ؟"
_"السؤال هو... إذا لم تقوديها أنتِ، فمن سيعتني بها ؟"
قطبت حاجبيها بتململ وأراحت ظهرها على الكرسي أكثر
_"أكره تحمل مسؤولية شخص لاأعرفه ...خاصة هي الآن"
_"ليست مشكلتي "
قالتها رافعة يديها باستسلام قبل أن تعود لعملها على الحاسوب
_" واو عزيزتي لقد حللتِ مشكلتي "
نهضت مصفقة بيديها بملل وخرجت مباشرة من تلك الغرفة وهي تحاول الاتصال برقم ما ...
«انتهى الفصل.»
6 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.