وضع القراءة:

فراغٌٌ مُتسِع

فتحت ڤيور عينيها ببطء، كأن وعيها يحتاج لحظة إضافية كي يلحق بما سبقها من واقع. كان أول ما أدركته هو خفة الضغط فوقها، ثم فراغٌ مفاجئ حلّ مكانه، لتلمحَ ظهرَه يتلاشىْ بسرعةِ رَكضِه.
لم تمضِ سوى ثوانٍ، حتى اخترق السكون النسبي موجة أصوات حادة صراخٌ متداخل، نداءات مرتفعة، وأصوات ارتطام وركضٍ في كل اتجاه. لِترفعَ جزئها العُلوي ماسِحةً بعينيها تلك الفوضى العارِمة.
أُنيرتْ الأضواء ، كُتلٌ بشرية مُرتعِبة تتجمع عند كوشة العروس ،أكتفٌ ترتجف،أصواتٌ متداخلة ،إرتباكٌ وبكاء.
لِما الجميعُ يَصرخْ؟!
وسطَ الضجيج ، إلتقطَ سمعُها صوتاً مألوفاً، صوتٌ إعتادت أُذنيها على سماعه كل يوم ، ولكن هذه المرة لم يكن نداءً بل كان عويلاً ممزقاً.
عمتها التي كانت مُحاطةً بأيدٍ كثيرة ، لا لِتهدئتِها فقط بل لِمنعها عن الطروحِ أرضاً، كان جسدُها يتهاوى وصوتُها يرتجفُ كأن شيئاً قد أقتُلِع من صدرِها.
كانت أطرافها مُرتخية كأن جسدها استوعب ما عجز عقلها عن قبوله،أفلتت نفسها من الأيادي التي كانت متشبثةً بها لتسقط على رُكبتيها تصيحُ بإسمه.
إندفعتْ فيور بخطواتٍ مُتعثرة خطوةٌ ثم أخرى، غير واعية لطريقة عبورها بين الناس، حتى شقت طريقها نحو المشهد الذي كانت تقترب منه دون أن ترغب حقًا في الوصول إليه.
لكن ما رأته هناك لم يكن شيئًا يمكن لعقلها أن يقبله بسهولة
دِماءْ!!
دَمهُ في كلِ مكانْ!!
تلكَ البُقعة على يسارِ صدره..تنبعُ منها تحديداً تياراتُ الدمِ المتدفِقة.
كان مغمضاً العينينْ منفَرجَ الثغرينْ. جسدهُ مسجيّ بلا حِيلة..كأن الزمنَ اختار أن يتوقف عنده وحده ..تراجعت الاصواتُ في إدراك ڤيور لتبيت حَولها باهِتة..في هذه اللحظة شعرتْ بأقصى درجاتِ الوهنْ..والضعفُ يعتري جسدها بالكامل.
إنتقلتْ عَيناها بدونِ إدراكٍ عَلى سالي ..فستانُها الأبيض..الذي إنخرطَ بياضُه بنقاءِ دَمه كأن الأبيض لم يعد لوناً بل صار شاهداً عليهما.. كانت تلتمسْ وجهه وترتَجِفْ..كأنها فقدتْ روحَها..لم تبكِ ، كانت تبتَسم إبتسامة مشقوقة ،بإرتجافٍ تناديِ حروفَ إسمه بِصوتٍ منفرد.
إِدواردْ
وقعتْ العمة فجأةً بين الأيدي المحيطة بها، كأن جسدها قد انطفأ دفعةً واحدة، فتبدّل الصراخ من حولها إلى حالةٍ من الفزع العشوائي.
"إفتح عينيك يا أخي.. أرجوك"
اندفعت أنديلا نحو الجسد الممدد، وانحنت فوقه وهي تهزّه بعنفٍ مرتبك، ودموعها تنهمر بلا انقطاع، بينما كانت كلماتها تتكسر قبل أن تخرج مكتملة.
"اطلبوا الاسعاف، بُني ...سينهض لابد أن يكونَ بخير "
رددتْ العمة مُغمضةً عينيها بين الوعي واللا وعي، جسدها كان يميل مع كل نفس ثقيل، يتهاوى ببطء، أنفاسها كانت متقطعة تتلاحق بلا انتظام حتى خفت تدريجياً متحولاً لهمهمةٍ غير مفهومة قبل ان يستسلم جسدها أخيراً وتغيب عن الوعي.
أما فيور فكانت تقفُ بِذهول ، كمن يُسحب منها الإحساس ببطءٍ واضح ،عيناها لم تستعب المشهد دفعة واحدة..كان الإدراك يتسرب إليها على مراحل، كجرحٍ يُفتح طبقةً بعد أخرى دون توقف.
كان ساكِناً
ارتجف صدرها ارتجافة خفيفة أولًا، ثم تبعتها أخرى أعمق، كأن الهواء نفسه انقلب ضدها، يضيق داخل رئتيها كلما حاولت أن تتنفس. لم تعد القاعة مكاناً، بل فضاءً خانقًا يتكاثف فيه الصمت والضجيج في آنٍ واحد.
"لا..."
خرجت الكلمة من بين شفتيها منكسرة،صوت هشّ لا يحمل إنكارًا بقدر ما يحمل محاولة يائسة لإعادة ترتيب المشهد في ذهنها ،رفعت يدها قليلًا في اتجاهه، حركة غير مكتملة،لتسقط يداها أرضاً.
عقلُها كادَ أن يختلَّ تحت وطأةِ ما ترى، كأنَّ الإدراكَ نفسهُ قد انكسرَ في داخلها.
لِما؟!! لِما بحقِ خالِقِ الكونِ يُقتَلُ من كانَ يحلمُ بهذا اليومِ في كُلِ لحظةٍ تمرْ عليه؟!..لِما يُقتَلُ من كان يُعطي أعماقَ البِحارِ مِنَ الحُب؟!لِما يُقتلْ أكثرُ الملائكةِ رحمةً؟! وأكثرُ القلوبِ مَغفِرة؟!!لِما ليومْ؟!
أيُّ عدلٍ هذا... وأيُّ معنىً يُترَكُ للحياةِ حين يُمحى الأكثرُ نقاءً دفعةً واحدة؟
لِمَا تُحرَمُ حبيبَتُه مِن تقبيلهِ بِعُمقْ؟! مِنْ مراقبةِ أنفاسِهِ نائماً بينَ أحضانِها،كيفَ تُوقَدُ نيرانُ إشتياقِها وهي بعمرٍ صغيرٍ لِزمنٍ لا نهايةَ له؟!
أكان كلُّ ما يُبنى يُكتبُ ليُؤخذ دفعةً واحدة؟
أكان الفرحُ مجرّدَ استئذانٍ قصيرٍ قبل الغياب؟
إنَّ كلَّ ما هو حقيقيٌّ في هذه الحياة، لا يُمنَحُ لنا إلا مرةً واحدة.
الميلادُ... لا يُعاد.
الوقوعُ في الحبِّ... لا يُستنسَخ.
الموتُ... لا يُؤجَّل ولا يُستبدل.
ثلاثُ حقائقٍ عاريةٍ من الرحمة، لا يُعطينا القدرُ فيها فرصةَ التجربة...
ولا مهلةَ التدريب...
ولا حقَّ الإعادة
.———————-—.
.—————-.
.———.
مرّت دقائق ثقيلة، بدت في إحساس الحضور كأنها امتدادٌ مشوَّهٌ لزمنٍ فقد انتظامه. سيارة الإسعاف كانت قد بدأت تقترب من المكان، وأصوات صفاراتها تشقّ الطريق قبل وصولها، بينما كانت أطراف القاعة قد امتلأت بسيارات الشرطة، وأضواؤها المتقطعة ترسم على الجدران مشهدًا لا يمت للأعراس في شئ.
في الداخل، كانت الفوضى قد بلغت ذروتها أصوات متداخلة، أوامر تُطلق بلا ترتيب، وحركةٌ مضطربة بين الإسعاف والأمن، بينما ظلّ الجو الإنساني كله منحسرًا تحت ثقل الصدمة.
العمة ديلان التي تنهض لحظة، ثم تسقط أخرى. كلما استعادت وعيها، لم يلبث أن ينكسر مجددً، فتغيب مرة أخرى في موجة بكاءٍ وانهيار.
كان حولها عدد من الأقارب يحاولون الإمساك بها، تهدئتها، منعها من الانهيار الكامل، لكن الكلمات لم تكن كافية، ولا الأيدي كانت قادرة على احتواء هذا القدر من الفقد.
أما فيور، فكانت واقفة إلى جوار أنديلا، تمسك بها رغم أنها بالكاد تمسك بنفسها. جسد أنديلا كان يرتجف بلا توقف، وعيناها لا تكفّان عن الدوران في المشهد كأنهما ترفضان تثبيت الصورة، بينما كانت فيور تحاول أن تكون نقطة ثباتٍ واحدة وسط كل هذا التفتت.
المنظرُ مرعِبْ برؤيةِ جُثة هامِدة وسطَ دِمائِها.. فقط عيناها ظلتا مفتوحتين مجبرتينِ على حفظِ المنظرِ للأبد.
إنها ذِكراها المُؤلمة للمرةِ الثانية بعد وفاةِ والدها.. تذكرتْ مقولةَ عمتها  بأنها وجهُ الشُؤم..
الجملة التي كانت تظنها نكتةً قاسية من الماضي، عادت الآن لا كذكرى، بل كصدى يتكرر داخل رأسها بلا توقف.
فقدت أمّها يوم ولادتها... ثم والدها... وها هو إدوارد الآن.
لم يكن الأمر مجرد فقدٍ متكرر... بل سلسلة تتقدم نحوها هي وحدها، كأن كل من يقترب منها يُسحب من الحياة بصمتٍ لا تفسير له.
والآن...لم تعد تملك ما يمكن تسميته بوجودٍ مكتمل،لم يعد هناك "نحن" لتتكيء عليه،ولا  "أمان" يمكنه أن ينهض بها من هذا السقوط.
كان إدوارد هو النقطة التي يتوازن عندها كل شيء داخلها... وعندما سقط، لم يسقط شخصٌ واحد،بل سقطت معه كل فكرة الاستقرار التي كانت تتشبث بها،والآن أصبحتْ بكل ما تحملهُ الكلمة ،وَحيدة فقد رحلَ الآمانُ آخذاً آخرَ قطعةٍ منه،الجزءُ المكنونْ لنهايةِ ذكرى فراقِه.
أقبلَ فوجٌ من الرجال إلى الداخل، تتقدّمهم خطواتٌ ثقيلة وقد حملوا جثته ملفوفةً بإحدى أغطية الطاولات.
"إتركوه..لا تَمَسَ أيديكم القَذرة جسدَ حَبيبي الطاهِر"
صرخت سالي، وانفلت صوتها شاقاً المكان  وهي تندفع نحوهم رغم ارتجاف ساقيها، تجرّ فستانها بصعوبة، وتتعثر بخطواتٍ لا تكاد تحملها، فيما دموعها تنهمر بين آلامها الوجيعة.
اندفعت ڤيور نحوها فورًا، قبضت على ذراعها بقوةٍ حانية، محاولةً احتواءها ومنعها من السقوط أو الانهيار
"إتركي..ينييي..إبتع...ددي..أريدْ....أريدُ زوجي"
كانت تصرخ وهي تحاول الإفلات لتجذبها ڤيور ضامةً إياها
"أرجوكِ ساليِ.."
خرج صوت ڤيور منخفضًا، متهدّجًا، محمّلًا بما تبقّى من تماسكٍ يتداعى.
لكن سالي لم تكن تسمع، أو ربما كانت تسمع من مكانٍ بعيدٍ جدًا داخلها.
"كل شئ تبدد كل شئ إنتهى"
"أرجوكِ لا تقولي ذلك "
اقتربت ڤيور أكثر، وارتفعت كفّاها إلى وجه سالي، تمسحان دموعها المرتجفة كأنها تحاول جمع شتاتها قبل أن يتفتت تمامًا. ثبتت ملامحها عليها للحظة.
"إستعيدي وعيكِ سالي..يجبُ أن تكوني قوية كما يريدكِ أن تكوني"
ارتجف فكّ سالي، وتكسّر صوتها بين شهقةٍ وأخرى
"قُوت..تي ذهبتْ مَءء..معه"
"أعتذُرُ لكِ"
ما إن خرجت الجملة من فمها حتى انهارت ڤيور تمامًا.
لم يعد في صدرها متّسعٌ لاحتواء هذا المشهد. انكسر شيءٌ عميق فيها، شيء لم يكن يُرى لكنه كان يمسكها من الداخل طوال الوقت. جذبَتها نحوها فجأة، عانقتها بقوةٍ كأنها تحاول أن تمنعها من السقوط في الفراغ ذاته، أو كأنها تحاول أن تُبقيها حيّة ولو للحظة إضافي.
عانقتها بقوة..عانقتها تحاولُ مواساةَ روحِها،بكتْ بحرقةٍ شديدة وهي تضُمُها مراقِبةً هيئةَ الإسعافِ أمامها وهو بداخِلها.
وفي الخلف، حاول بعض الأقارب التدخّل، أصواتٌ متداخلة، أيدٍ تمتد لتثبيت سالي وإبعادها برفقٍ قسريّ عن الفوضى، كلمات تهدئةٍ تُقال بلا جدوى، ووجوهٌ مشدوهة لا تعرف كيف تُرمم هذا الانهيار المفتوح أمامها.
"بِسَببي..."
تردّدت الكلمة على لسان سالي كأنها تخرج من انكسارٍ كاملٍ يتشظّى داخلها. تنفّسَت ببطءٍ مرتجف، ثم رفعت رأسها قليلًا، تحدّق في الفراغ أمامها كأنها ترى فيه ما لا يراه الآخرون. وفي تلك اللحظة، التقطت ڤيور لمعةً خافتةً في عينيها... لم تكن دمعةً ولا رجاءً، بل شيءٌ أشبه ببذرة أملٍ مشوّه، أملٍ بدأ يولد في قلب الظلام
"ما الذي بسببكِ..سالي؟!"
انتصبت سالي فجأة، وكأن شيئًا ما داخلها انقطع، ثم اندفعت نحو الخارج دون أن تنظر خلفها. كانت تتحرّك بلا وجهة، بلا وعيٍ يُوجّه خطواتها؛ فقط جسدٌ يهرب من نفسه.
تجاوزت سيارات الشرطة، ورفعت طرف فستانها الملطّخ بالدم دون أن تدرك حتى أنه صار علامةً أخرى للفاجعة
"تمهلي سالي"
صوت ڤيور لحق بها مسرعًا، يختلط بخطواتٍ متلاحقة، بينما خرجت خلفها سيدةٌ أخرى من بوابة القاعة، تحاول أن تواكب المشهد المرتبك
لم تلتفت سالي وراءها ،كانت تركض بلا وعي، كل ما تشعر به أن الهواء صار أثقلَ مما تحتمله، كأن كل نفسٍ يطالبها بالبقاء وهي لا تريد سوى الهرب ،تتمنى لو تستطيع اقتلاع ذاكرتها من جذورها ، أن تطفئ ذلك الشريط القاسي الذي يتكرر بلا رحمة ، لو كان بوسعها أن تعود بالزمن خطوة واحدة، خطوة تسبق لقاءه بها كي تدفع القدر بعيداً عنها وعنه، أن تغير ذلك المصير الذي إلتصق به.
كانت افكارها تُحدثها داخلياً.. احست بطنينٍ في أُذنها ، أصواتٌ تُوبخ ضميرها،كان صدرها يعلو ويهبط كأن الرياح تهددُ أنفاسها .
لم تكن تهرب من المكان ..
كانت تهرب من سؤال واحد يخنقها.. ماذا لو كنتُ أنا السبب!!
توقفت سيارةٌ داكنة على بعد خطواتٍ منها ، زجاجها  مُعتم،إنخفض الزجاج الامامي قليلاً رفعت سالي عينيها ببطء ليظهر وجهٌ إعتادت أُلفه.
"آنسة سالي"
قال تِباعاً
"تفضلي السيد ينتظرك"
توقّفت سالي لجزءٍ من الثانية،لم تكن نظرتها عادية. التفتت خلفها ببطءٍ شديد، وكأن رقبتها لا تتحرّك بإرادتها، بل تُساق تحت ثِقلٍ داخليٍّ لا يُرى. وفي تلك اللحظة، لم تكن لمعة عينيها ضوءًا عابرًا، بل شرارةً عميقة... لهيبًا مكتومًا يتأجّج خلف جفونٍ بالكاد تصمد.
في تلك اللمحة القصيرة، تلاقت عيناها بعيني ڤيور.
صرخت ڤيور باسمها، صوتها خرج متهدّجًا، مكسورً، لكن قد فات الأوان عند ركوبها السيارة تنطلق بزخمٍ فاصلةً بينها وبين الواقفة كل ما تركته خلفها.
انتصبتْ فيور راكزةً يديها على رُكبتيها تلهثتْ بشدة، إلتفتت خلفها لترى السيدة تركضُ نحوها فقد كانت كبيرة في السنِ نوعاً ما وقد سبقتها فيور.
"سيدتي.. هل تمتلكين أدنى فكرة عن السيارة التي اصطحبتها؟"
تمتَمت السيدة وسط دموعها وهي تشقُ أنفاسها.
"لا... يا ابنتي... لا أعلم..." تمتمت السيدة، وهي تمسح دموعها بكفٍ مرتجف. "أنا خائفة عليها... خائفة جدًا... أخشى أن يصيبها مكروه... أو أن تفعل شيئًا مجنونًا بنفسها..."
"لا تقلقي سيدتي.. سأ.."
لم تكد تُكمل جملتها حتى تسَنتْ أمامها سيارةٌ حمراء مكشوفة السقف.
"هيا إركبي بِسرعة"
إستدارتْ لِتجد شاباً مالَ بجسدهِ خارج نافذة السيارة، خصلات شعره الأشقر الداكن إنسدلتْ بلامبالاة فوق جبهته وعيناه التي لم تستطع فيور تحديد لونِهما بدقة كانتا ثابتتين عليها اكثر مما ينبغي.
هزتْ رأسها رمزاً لِتساؤلها أمامَ ترصُدهِ حَرْكاتها.
"إستعجلي إذا أردتِ اللحاقَ بِها"
"جاكنون.. بني كن حذراً أرجوك "
أوصت تلك السيدة ليومئ لها.
تِباعاً لم تمنح فيور نفسها فرصةً للتردد،سُرعانَ ما رَكبتْ بجانِبه لِينطلقَ بِسيارتهِ لأقصى سُرعة، تجاوزَ بِضعةَ طُرقٍ مُحاولاً ترصد السيارة الهدف.
"أرجوك أسرع لا تفقدها"
"إطمئني.. التتبع هوايةٌ قديمة"
إبتسم إبتسامةً جانبية مُردفاً وشد قبضته على المقود.
كان خلفها ببضعةِ سياراتٍ مترقباً كل حركةٍ في المسارالذي تسلكه.
"تمسكي جيداً فنحن على مشارف الولوجِ للطريقِ السريع"
دفع ناقل الحركة للأمام،واخترق صفوف السيارات أمامه لينبثق خلالها، لتلمح فيورالسيارة التي تبعدهم بمسافةٍ قليلة.
"تلك هي السيارة"
أومأ لها يخترق السيارات في كلتا الجهتين.
قاطع رنينُ هاتفه الإضطراب الذي يلحفُ كلاهما،إلتقطه موالياً ثبات عينيه للطريق،لِترتسم ملامح الإختلاجِ على وجهه بينما صرخ قائلاً
"ماذا قلت !!"
إنتفضتْ فيور لصراخه تراقب ملامحه التي تحولت من حماسة عارمة إلى رهبةٍ مفاجئة.
أنهى المكالمة والقى هاتفه جانباً،إلتفت اليها بعينين فقدتا بريق الجرأةِ التي إنتحلها منذ لحظات.
"سأطلب منكِ شيئاً ولكن لا ترتعبي وافعلي تماماً ما أقوله "
نطق بصوتٍ خافت يُخفي إضطرابه
"ما الذي يجري، هل حدث مكروه"
حدقتْ به فيور بترقبٍ خانِق
"لا.. إستمعي إلي جيداً..ولا تُظهري ذُعرك"
أكمل تباعاً تحت نظراتها
"أميلي بنظركِ إلى أسفل المقاعد الخلفية..وأخبريني جيداً هل ترين شيئاً لا ينبغي أن يكون هناك؟"
عقدت حاجبيها بعدم فهم ولكن امتثلتْ لطلبه على مضض، أمالت برأسها ببطئ جديد، انزلقت عيناها تحت المقاعد الخلفيه وفي اللحظة التالية تجمد كل شئ.
لم تكن تتوهم،كتلة معدنية صغيرة موصولة بأسلاكٍ متشابهة، تومض بينها لمعة حمراء نابِضة،كأنها قلبٌ إصطناعي يستعدُ للأنفجار.
إتسعت حدقتاها وانسحب الدم من وجهها دُفعة واحده،شعرت برجفةٍ عنيفه تسري في أطرافها، إنطبقتْ شفتاها دون وعي محاولةً كتم صرخةٍ كانت على وشك التمزقِ داخل صدرها.
رفعت نظرها إليه ببطء وعيناها لا تحملان سؤالاً هذه المرة بل يقينا مرعباً
لتهمس بصوت منكسر بالكاد يُسمع.
"هناك قنبلة"
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.