زِفافٌ أحمرْ
مُذكراتي للرابعِ والستون بعدُ الثلاثِمائة.
'الحبُ والحرمان لُعبتي'
'أُدعى فِيورْ أُورليانْ'
"الضوءُ الذي طالما ترنمتُ لصوتِ هدوءهِ،أمسى كعُتمةٍ مُزجاةٍ،يابِسْةٍ،مَقيتْة، أمسيتُ وحدي أهربُ مِني ومِن حقيقتي إلى ظلالِ ما قبل النهاياتِ،هل سيعودُ لأراه؟!،صورتُه عالِقة ولكن اركانُها ضبابية،سرتُ في دربي بعيداً عنهم،صاحبتني وحدتي ولكن أسلَمُ منْ آلمي،أُجاري كَدْمَتي بعناقِ فراشي،كتبتُ حتى إكتئبتْ،ولكن أملي كهالةٍ لأنفاسي،ما زلتُ أريد التماسُكْ لربما عادَ الضوءُ ورحلَ الضجيجُ المزعج"
إستَقمتُ ماسِحةً دموعَ وجهي..
أوشكَت الشمسُ أن تَغْرُبْ..ودَعتُه وبجانِبهِ الأزهارُ التي قطفتُها من حديقةِ المَنزِلْ..
كانَتْ هوايتُه المُفضَلة زراعةُ الأقحوانْ ،فكان يخبرني دائماً أن الأقحوان لا يموت وأن جذوره تعرف طريق الرجوع مهما طال الغياب،لذلك كانت هي زهرته المفضله التي تُذكره بِوالدتي.
إبتسمت رغم إنكساري لامسةً التراب البارد.
'بعض الرحيل وعدٌ بالصبر وبعض الغياب بقاءٌ لا يُرى'
لم تفارق وجداني تلك الكلمات التي طالما رددها لي أبي بعد وفاة والدتي التي لم أراها.
نفضطتُ الرَمادَ عن حِجري،وأضمرتُ دقائقي الأخيرة في تأملِ مدفنهِ قِبالَتي،لمعتْ مُقلتاي لِما مرَ من شريطٍ طويلٍ لذكرياتِنا أمامَ مرمى فِكري.
القيتُ بنورِ نَظري بجانبي لأصبَهُ على طفلينِ يحملانِ الزهور والتي لِخبرتيِ بها علمتُ أنها أزهارُ الروزِ الورديِ الفاتِحْ.
صبيٌ وفتاة في عمرِ الأزهار التي يحملانِها بِوهن،كانت الفتاةُ إثر كتمانِها لدموعِها،توردَ وجهها بصبغةٍ حمراء،لِتُذَكرني بإحداهن في صغرِها.
إبتسمتُ تلقائياً حين إحتضنَ الصبيُ الفتاة وكأنه الآن يتمتمُ لها ببعض الكلماتِ التي لم تستطع أُذني إدراكها،حينها حسدتُ الفتاة حقاً.
تمنيتُ لو كان بجواريِ مسندٌ لِدموعي،مأوى أهربُ إليه حين يشتدُ كِتماني.
أقبلتُ عليهما منحنيةً قِبل الصغيرة أخذتُ شالي القُرمزي لأضعه حول عنقها مبتسمة.
" آمل أن يدفئك جيداً "
ما إن انهيتُ جُملتي حتى قبضه الصبي مُلقياً إياه أرضاً.
"نحن لسنا بِحاجةٍ لأحد"
احتد قائلاً بِتعابير تتشكلُ ما بين الرهبة تارهً والغضب تارهً أخرى.
رأيت نفسي في حِدته،ذلك العناد الذي نتخذه دِرعاً.
يبدو أن الحياة أرغمت ذاك الصبي على التموه بالمسؤولية تجاهها،هو بعمره الذي لم يتعدى العاشرة يحاول حماية شقيقته ، لا اعلم ما مر به ولكن تلك التشققات في يديه والندبات في وجهه كأن العالم مر فوق هذا الطفل دون أن يعتذر.
تصنمتُ داخل مُقلتيه التي تُشبهان نقاء المحيط،إلتمست يديه بِلطفٍ تحت نظراته الممتعضة مُحاولاً إفلاتها.
"أعلم أنكما قويان بما يكفي"
حرّكتُ أنفي حركةً طريفة مبالغًا فيها، ثم وسّعتُ عينيّ بمرحٍ طفولي
"ربما أنا من أحتاجكما"
إرتسمت تعابير التعجب على كليهما لأسترسل مُكملة.
"أتعلم يا صغير كم أشتاق لإحتضان شخصٍ ما"
"هل عساني أحتضنك"
تمتمت الصغيره متلعثمة لأبتسمَ وأضُمُها لي ،كانت تقبض على معطفي بِشدة.
دحجرتُ نظري نحوه لِألاحظ في زُرقته ذاتَ الرغبة.
أملتُ برأسي نحوه ممدة ذراعي، اقترب في تلجج لأعانقه هو الآخر.
شعورُ الاحتياج مؤلمٌ، خاصةً حين يتعلّق بأولئك الذين يتغافلون أصلًا عن كونهم في حاجةٍ إلى أن يُحتاج إليهم.
ولعلّ المسألة ليست تجاهلًا بقدر ما هي اعتيادٌ على ارتداء القوّة؛ حتى صار الاعتراف بالاحتياج يبدو في نظرهم كأنّه انكسار، وكأنّ التمسّك بالآخرين يُنقص من هيبتهم أو يخلخل ما بنوه من صورةٍ صلبة.
لكن الحقيقة أن الاحتياج ليس ضعفًا كما يُصوَّر، ولا هو عيبٌ ينبغي إخفاؤه.
إنه فقط وجهٌ آخر للإنسان، وجهٌ نكابر عليه كثيرًا حتى لا يراه أحد.
نحتاج أحيانًا إلى عناقٍ لا يُفسَّر، إلى بكاءٍ بلا مبرّر، إلى يدٍ تُطمئننا دون أن تسأل لماذا انهار كل شيء.
نحتاج إلى أن نعترف، ولو في لحظةٍ صامتة، أننا لسنا بخير دائمًا.
غير أنّ الحياة، كما يبدو، لم تترك لنا رفاهية هذا الاعتراف بسهولة؛
فدفعت الكثيرين إلى التظاهر بالصمود، وإخفاء التشققات تحت طبقاتٍ من التجاهل، وإلقاء المشاعر جانبًا وكأنها عبءٌ زائد لا مكان له في معركة البقاء.
وحتى الأطفال... أولئك الذين يُفترض أن تكون احتياجاتهم أوضح وأبسط، تعلّموا باكرًا كيف يُخفونها؛ كيف يبتسمون بينما في داخلهم ما لم يجد طريقه إلى الكلام، وكيف يصمتون حين كان يجب أن يطلبوا. كأن العالم علّمهم سريعًا أن إظهار الحاجة ليس دائمًا آمن
انسالت دموعُ الفتى بصمتٍ، لكنني تظاهرتُ بعدم ملاحظتها، كأنني لم أرَ شيئًا، حتى لا تتهاوى آخر خيوط تماسكهما أمامي.
وحين شعرتُ به يمسح وجهه بسرعةٍ خجِلة، انزلقت ابتسامةٌ خفيفة على شفتي، ثم فارقت عناقهما
"كان هذا أدفئ عناقٍ اليوم "
إبتسما لأقابلهما بِخاصتي.
"لا أعلم أي غيابٍ طرقَ قلبيكما باكراً ولكن إعلما أن اجساد أعزائنا هنا ، أرواحهم مُعلقةٌ في السماء ، إبكيا قليلاً إن شئتما فالدموع رحمة ولكن حينما ترفعا أعينكما
إبتسما وأذكرا عزيزكما فهو يلوحُ لنا الآن من الأعلى"
تلك كانت كلماتُ والدي لي ذات يوم.
وأدركتُ حينها أن المواساة ليست طريقًا باتجاهٍ واحد، وأن الحياة لا ترسلنا دائمًا لإنقاذ الآخرين، بل أحيانًا تضعنا في طريقهم لنتعلّم كيف ننجو معهم.
ودعتهما بعد إطمئناني عليهِما تواعدنا بأنها لن تكون المرة الأخيرة التي سأراهما فيها.
تأهبتُ للعودة إلى المنزل، والسماء تميل بثقلها نحو الغروب، بينما قرصُ الشمس يوشك أن يذوب في آخر خيوطه الذهبية.
قاطع تفكيري رنينُ هاتفي لأسرعُ بالرَدِ عليها..
(أينَ أنتِ يا فاجِرة؟!)
(أنا..قادمةٌ عمتي )
(أسرعي فلقد تراكمتْ عليكِ واجباتُكِ يا كسول)
(حاضِرة)
زفرتُ واضعةً هاتفي في الحقيبة وسرعانَ ما إستقمتُ مودعةً إياه لألقي نظرتي الأخيرة عليه.
"سأزوركَ في القريبِ العاجِلْ يا والدي،لن أتأخر عليكَ كالمراتِ السابِقة"
حملتُ أغراضي وسرتُ بخطى هادئة، فيما كانت نسماتُ الهواء الباردة تمرّ على وجهي برفق. شددتُ معطفي حولي أكثر، بعدما أعرتُ شالي لـ"لورندا"، تلك الصغيرة التي وجدتُ فيها ملامحَ تشبهني.
تابعتُ طريقي عائدةً إلى المنزل، فيما كنتُ أراقب السماء التي بدأت غيومها تثقل وتكتسي لونًا داكنًا، كأنها تعانق حبالها بصمتٍ قبل حلول الليل
ما إن خطيتُ أمامَ عتبةِ المنزِل حتى فُتِحَ قِبالتي لِتخرجْ عمتيِ بوجها المُعتادِ الغاضِب،جَرَتْني من شَعري حتى أدخَلتني لتدفعني مُلقاةً على الأرضِ وسطَ تَؤوهَاتي.
أيتها الفاسقة الوغدة لأبصقْ على تربيتكِ القذِرة،أين كنتِ منذ الصباحِ الباكر؟!!
استندتُ إلى كفي محاولة النهوض وجمعتُ شتاتَ نفسي لألقي ردي عليها..
إشتريتُ الأغراضَ كما طلبتي و...
كتمتُ قهري داخلياً ليرتدَ صوتُها مجدداً..
أذهبتِ وقابلتي ذلكَ الوغد؟!!
رمقتُها وأبعدتُ نظري خِلسةً ومررته على أنديلاَ الواقِفة تنظرُ لي بعينيها الجاحظتينْ.
أردفتْ العَمة تُرددُ إهاناتِها المتتالية لي..
اللعنة على فتاةِ مثلك.. أشكرُ الرب بأنه آخذ مايكِلْ قبل أن يعاشِرْكِ يا وصمةَ العار.
خرج صوتي مرتجفاً رغم محاولتي الثبات
كيف لك أن تتفوهي بذلك عمتي لقد كنتُ أزور والدي!!
هل تنتظرين أن أصدق ذلك أيتها الفاسقة اللعينة!
طفحَ الكَيلْ!!إستدرتُ لأتوجهْ إلى غُرفَتي وسرعانَ ما جذِبَتني مِن ذراعي.
توقفي أنتِ..ت..تُؤلميني.
هل مغفلةٌ تَقِفُ أمامك!!،أتذهبين لمقابلة قاطع الطريقِ ذاك بدونِ علمي؟!!
إقتربتْ أنديلا تنتشلُ ذراعي من مخالبِ تلك المُشتظية..
أتركيها يا أمي..أنا طلبتُ منها إحضار بعض الأشياء..لذلك..لذلك تأخرتْ في الرِجوع.
لا تدافعي عنها أمامي أنديلا
أستسمحك أمي هذه المرة، ثم لا تتركيها تُفسد مزاجنا السعيد
اعلمُ سبب محاولةِ دفاعِها عني ولم أعد آبه لحديثهمْ ونعتهم المستبدْ لي.
أفلتُ ذراعي لأستديرَ متوجهةً إلى غرفتي مُتحاشيةً كلامهمْ المقيتْ الذي أسمعهُ يومياً وفي كلِ وقت،ولكنْ ماذا يفعلُ المُضطر؟!
يرتدي رداءَ الصمتِ ويضعَ عُصبة العينين،وسِدادةَ الأُذنْ.
إلى متي؟!!
إلى أن يأذنَ الربُ بغيرِ ذلك.
نزلتُ إلى غُرفتي التي في الأصل تقعُ في القبو.
جلستُ على حافة فراشي أتحسس ذراعي بصمتٍ ثقيل، بينما كانت آثار أصابع عمتي ترتسم فوق جلدي كظلالٍ داكنةٍ كأنها توقيعٌ متجددٌ لا تملّ الحياة من إعادته ،تأملتُها لبرهة، لا بدهشةِ من يراها للمرة الأولى، بل بألفةِ من اعتاد وجودها حتى غدت جزءًا من تفاصيله اليومية.
مددتُ يدي نحو المرهم القابع فوق الطاولة المجاورة، ثم بدأت أوزعه على المواضع التي حفظتها أصابعي كما تُحفَظ الطرقات القديمة؛ عند الكتف حيث استقرت كدمةٌ شاحبة، وإلى الزرقة الملتفة حول المعصم الذي لم يكد يتعافى من سابقتها، وبينهما آثارٌ أخرى تناثرت فوق جسدي حتى غدوتُ أعجز عن تمييز بداياتها من نهاياتها.
ولعل أكثر ما يؤلم في تلك العلامات أنها لم تعد تُثير استغرابي، فقد فقدت مع الزمن قدرتها على إدهاشي، وصرتُ أمرّ عليها كما يُمرّ على ندوبٍ قديمةٍ استوطنت الجسد حتى كادت تُقنع صاحبها بأنها خُلقت معه منذ البداية.
تألمتُ متبنيةً تلك الذكرى فمنذ أن وارى التراب والدي وأنا في الحادية عشرة من عمري، بدا العالم وكأنه أعاد ترتيب نفسه دون أن يترك لي موضعًا فيه. الأقارب الذين ازدحمت بهم المجالس يومًا، وتبادلوا مع والدي كلمات الود والوفاء، اختفوا واحدًا تلو الآخر حين أصبحتُ عبئًا ،حتى لم يبقَ لي سوى عمتي ديلان؛ المرأة التي كانت تقطن بلدةً صغيرة على أطراف المدينة الكبرى التي شهدتُ فيها آخر ما تبقى من طفولتي السعيدة.
انتقلتُ إلى منزلها آنذاك حاملةً حقيبةً يتيمة وقلبًا مثقلًا بفقدٍ أكبر من أن تستوعبه طفلة. لدى عمتي ابنة تُدعى أنديلا، تصغرني بعامٍ واحد، وإدوارد، الابن الأكبر الذي يستعد للزواج غدًا في الليلة الأخيرة من هذا العام،وهو أكثر من الأخ بالنسبه لي.
ثلاثة عشر عامًا مضت بين جدران هذا المنزل، ثلاثة عشر عامًا كافية لأن يشيخ فيها الحنين ويبهت فيها الانتظار، لكنها لم تكن كافية لأن أشعر بأنني أنتمي حقًا إلى هذا المكان. ففي وقتٍ كان أقراني يتقدمون في مقاعد الدراسة، كانت كتبي تُطوى الواحدة تلو الأخرى بأمرٍ من عمتي، لتُستبدل بأعمال المنزل التي رأت أنها أولى بوقتي من الأحلام. يومها شعرتُ وكأن نافذةً واسعة كانت تُفتح أمامي قد أُغلقت دفعةً واحدة، لكنني لم أجادل، ولم أحتج، بل ابتلعتُ خيبتي بصمتٍ ظننته فضيلة كنتُ أؤمن أن الصمت هي لغة الإمتنان وأن القيام بذلك هو أقل ما يُمكنني تقديمه.
ومع مرور الأعوام، لم يبقَ من ماضيّ سوى لقبٍ كانت عمتي تحرص على تذكيري به كلما سنحت لها الفرصة لقبٌ التصق بروحي أكثر مما التصق باسمي، حتى خُيّل إليّ أحيانًا أنني وُلدت به.
ابنة الفقد
وكأن خسارة والدي هويةٌ كُتب عليّ أن أحملها أينما ذهبت.
بدّلتُ ملابسي وربطتُ شعري إلى الخلف، ثم هززتُ رأسي كمن يحاول نفض الذكريات العالقة بين خصلاته. لم يكن لدي متسعٌ للغرق في الماضي؛ فالواجبات المتراكمة كانت كفيلةً بابتلاع ما تبقى من ساعات النهار.
تنقلتُ بين الغرف بخطواتٍ اعتادت هذا المسار منذ أعوام. جمعتُ الأغطية المبعثرة، وأعدتُ المقاعد إلى مواضعها، ثم أخذتُ أزيح طبقات الغبار المتسللة إلى الأسطح الخشبية وكأنها تحتل المكان ببطء. كانت آخر أشعة الشمس المنسابة عبر النوافذ تكشف كل ذرةٍ غبارٍ أغفلتها عيناي، فأعود إليها مرةً أخرى حتى يرضى عنها هوسي بالنظام.
بعدها جثوتُ على ركبتيّ لأكنس الأرضيات الممتدة عبر أرجاء المنزل، أدفع عناء يومٍ كاملٍ نحو الباب . ثم انتقلتُ إلى النوافذ، أمرر قطعة القماش فوق زجاجها حتى عاد يعكس السماء بوضوحٍ كمرآةٍ صافية، فيما كانت برودة المساء تزحف تدريجيًا من خلفه.
وفي المطبخ، أشعلتُ النار تحت القدور وبدأ الماء يهمس قبل أن يغلي، بينما كنتُ أرتب الرفوف وأعيد الأواني إلى أماكنها، وأمسح آثار الاستخدام المتراكمة على الطاولات والجدران. امتزجت رائحة المنظفات ببخار الطعام الصاعد، حتى بدا المكان غارقًا في دفءٍ خادع لا يشبه شيئًا من دفء البيوت.
ومع اقتراب المساء، كنتُ قد طهّرتُ زوايا المنزل كلها تقريبًا الأرضيات، النوافذ، الأرفف، والممرات الضيقة التي نادرًا ما ينتبه إليها أحد. ورغم الإرهاق الذي بدأ يثقل أطرافي، واصلتُ عملي بصمتٍ اعتدته منذ سنوات، كأن الحركة المستمرة هي الطريقة الوحيدة التي تمنع أفكاري من التهام ما تبقى مني.
زفرتُ أخيرًا ومسحتُ جبيني بظاهر كفي بعد ساعاتٍ طويلةٍ من العمل المتواصل. كان الإرهاق قد بدأ يتسلل إلى أطرافي، غير أن شعورًا خفيًا بالرضا رافقني وأنا أتأمل المطبخ وقد عاد إلى نظامه المعتاد
سلمت يداكِ كعادتكِ
وصلني صوته قبل أن أراه.
التفتُّ نحوه لأجد إدوارد واقفًا عند مدخل المطبخ، مستندًا إلى إطار الباب بابتسامته المألوفة تلك الابتسامة التي لطالما جعلت المكان يبدو أخف وطأةً مما هو عليه.
أهلاً بالعريس المنتظر
أفلتَ قهقهةً من ثغريهِ مقترباً يُداعِبُ شعري وأضافَ قائلاً..
أحتاجُ عروسيِ الآن وفوراً
لا تستعجلْ باتَ الأمرُ أقرب من أي وقتٍ مضى
هز رأسه مبتسمًا، إلا أن الخجل الذي لمحته في عينيه فضحه على الفور لم أُفوت الفرصة فأملتُ نحوه قليلًا وغمزتُ بمشاكسة
إذاً أخبرني أيها العريس..كيف يبدو الشعور وأنت على بعد ليلةٍ واحده من الاجتماع بحب حياتك؟...
وللمرة الاولى منذ بدء الحديث ..صمت.
لم يكن صمت الحرج أو التردد، بل صمت رجلٍ حاول أن يجد كلماتٍ تليق بشعورٍ أكبر منها.
رأيته يشيح ببصره نحو النافذة للحظة، ثم عاد ينظر أمامه،وفي تلك اللحظة تحديدًا، أدركتُ أنني لم أره يومًا بهذا القدر من السعادة.
كان بريقٌ غريب يلمع في عينيه بريقٌ لا تصنعه الأحلام وحدها، بل اليقين بأنها أوشكت أن تتحقق،ابتسم أخيرًا، ابتسامةً بدت أهدأ من أن تحوي ما يشعر به مردفاً
صدقيني لو أمتلكتُ حياة ضِعف حياتي لما إستكفيتُ من شرحِ ما أشعر به فيور.
أما هو فتابع وقد ازداد دفء صوته كلما استحضر صورتها في ذهنه
"أتعلمين ذلك الشعور حين تقضين سنواتٍ تتمنين شيئًا واحدًا فقط؟ ثم تستيقظين فجأة لتجدي أن الغد سيمنحكِ إياه؟"
أضاف بامتنان
"الأمر أشبه بالحلم... إلا أنني للمرة الأولى متأكدٌ أنني لست نائمًا"
اتسعت عيناي وأنا أستمع إليه، لا لروعة كلماته فحسب، بل لذلك الضوء الخفي الذي كان يتسلل إلى ملامحه كلما مرّ اسمها على خاطره. كانت ابتسامته مستقرةً على شفتيه كمن وجد أخيرًا المكان الذي أضاع عمره باحثًا عنه، فيما امتلأت عيناه ببريقٍ صافٍ يشبه انعكاس القمر فوق صفحة ماءٍ هادئة بريقٌ لا يُمكن اصطناعه، ولا يُولد إلا من شعورٍ بلغ من الصدق مبلغًا جعله مرئيًا.
حينها وجدتني أتساءل بصمت
أهذا هو الحب الذي يتحدث عنه الجميع؟ أم أن إدوارد كان استثناءً نادرًا، وتجسيدًا حيًا لما ينبغي أن يكون عليه الحب لو لم تفسده الحياة؟
عادت بي الذاكرة إلى السنوات الماضية، إلى الطريق الطويل الذي قطعه قبل أن يبلغ هذه اللحظة. لم تكن الحياة كريمةً معه يومًا، بل أثقلته من الأوجاع ما كان كفيلًا بأن يطفئ قلب رجلٍ آخر، لكنه ظل يمضي رغم ذلك، حاملاً تعبه فوق كتفيه ومخفيًا شروخه خلف ابتسامته المعتادة.
ورغم أنني لم ألتقِ بالكثيرين في حياتي، إلا أنني أجزم أنني لن أرى قلبًا يشبه قلب إدوارد ما حييت. كان من أولئك الأشخاص الذين يمنحون الدفء للآخرين بينما يرتجفون بردًا في الخفاء، يرممون ما تكسر في أرواح من حولهم فيما يتركون جراحهم مفتوحة دون شكوى.
ولطالما كان إدوارد كذلك بالنسبة لي. ففي الأيام التي بدت فيها الحياة أكثر قسوةً مما أحتمل، كان هو أول من يقف إلى جواري، لا ليقدم حلولًا خارقة أو وعودًا مستحيلة، بل ليقنعني ببساطة أن الغد لا يشبه اليوم، وأن الخير لا يتأخر إلا ليأتي في وقته الصحيح. كان يؤمن بذلك إيمانًا يكفي لشخصين، وربما لهذا لم أفاجأ حين رأيته يتمسك بسالي بكل ذلك العناد الجميل. لم يكن حبًا وُلد في ظروفٍ مهيأة، ولا طريقًا فُرشت أرضه بالورود، بل كان أشبه بشجرةٍ نبتت بين الصخور، قاومت الرياح والجفاف ومحاولات الاقتلاع المتكررة، ثم أصرت رغم كل شيء على أن تزهر.
كانت سالي تنتمي إلى عالمٍ مختلف عالمٍ تحكمه الأسماء الكبيرة والمكانة والنفوذ، بينما كان إدوارد يومها مجرد شابٍ يعمل في الميناء، يعود كل مساءٍ بيدين متعبتين وقلبٍ ممتلئ بالأمل. ومع ذلك لم يسمح للفارق بينهما أن يتحول إلى حاجز، بل جعله دافعًا يدفعه إلى الأمام. رأيته يعمل حتى استنزفته الأيام، ويحلم حتى كاد الحلم نفسه يعجز عن مجاراته، ثم يبدأ من جديد كلما ظن الآخرون أنه بلغ حدّه الأخير. لم يكن يحارب من أجل أن يثبت شيئًا للناس بقدر ما كان يحارب ليصنع مستقبلًا يستطيع أن يضعها فيه دون أن يخجل من ضيق يده أو قلة حيلته.
ورغم أن الطريق لم يخلُ من الخذلان، وأن الاعتراض جاء أحيانًا ممن كان ينتظر منهم السند قبل الغرباء، إلا أنه لم يتراجع خطوةً واحدة. ظل متمسكًا بها كما يتمسك المؤمن بدعائه الأخير، وظلت هي متمسكةً به بالقدر ذاته،.
سنواتٌ من الانتظار، والخذلان، والمحاولات التي انتهت بالفشل، قبل أن يلين القدر أخيرًا ويمنحهما ما استحقاه منذ البداية.
وها هو الغد يقف على أعتابنا، حاملًا معه الليلة التي ستُختتم فيها ملحمة حبهما، الليلة التي ستشهد اجتماع قلبين حاربا طويلًا ليبقيا معًا.
شعرتُ بحرارةٍ خفيفة تتجمع في عيني وأنا أستعيد كل تلك التفاصيل. فقد كنت شاهدةً على الحكاية منذ أول فصولها، رأيت انكساراتها الصغيرة، وخيباتها المتكررة، ورأيت أيضًا ذلك الأمل العنيد الذي ظل يقاوم حتى النهاية. وليس في الدنيا ما هو أندر من أن يرى المرء حلمًا نجا من كل ما كان كفيلًا بقتله، ثم وقف أمامه أخيرًا حيًا، كاملًا، ومضيئًا كما تخيله صاحبه لأول مرة.
ابتسمَ إبتسامةً خافتة تفضح ارتباك القلب حين يعجز عن احتواء ما يفيض به مُشرعاً في الحديث
لا أعلم فيور كيف أصف لك ما أشعر به أشعرُ فقط بأن أغلى امنياتي تحققت وأني سألبثُ من الغد لأنام مُطمئناً ولأول مرة منذ ثلاث سنوات ، أشعر أنني إن مِتُ معها سأخلُد في الجنة ، هي أصبحت قريبة لقلبي،كأنها تخللتني فيور،تخللتْ أعماقي، ولو أني لسببٍ ما رجعتُ للوراءْ،لتمنيتُ يومياً إقترابَ لقائِيِ بِها في كلِ مرة،وحتى دقائقي الأخيرة دَعيتُ أن أكونُ مَعها حتى آخر نفسٍ في صدري.
ابتسمتُ رغم ما كان يتكسر داخلي، ابتسامة مثقلة بدهشة القلب أمام هذا الصدق العاري، وقلتُ بصوتٍ خفيضٍ يخرج من بين ارتباكٍ ولينٍ لا يُقاوم
أبكيتني أيُها الولدُ العاطفي،لقد خدعتنا جميعاً ولم تُظهر حقيقتك إلا في النِهاية أيها المُحبُ الرومانسي.
رفع نظره إليّ، وقد حاول أن يضحك ليتخفف من وطأة ما قال، لكن ضحكته خرجت مشوبة بارتجافٍ خفيف فضح ما يحاول ستره، فتابعت
آملُ أن تنعَمَ معها بزواجِ النَعيمْ وأن تكون لكما بداية لا يشوبها ما مضى من تعب
آملُ أن تقابلي يوماً شخصاً يستحقُ قلبكِ فيورْ،فأنتِ رغم كل شئ الشخصُ الوحيد البَرئُ بيننا وأنا متأكدٌ بأن الرَبْ يُخبئ لَكِ قدراً كجمالِ وَجهكْ.
فَكرْ في نفسكَ أولاً أيها الولدُ العاطفي،أنظرْ إلى أنفِكْ الذي تحولَ لِحمرةِ الطماطم.
هز رأسه مُردفاً..
"إذًا هذا هو مصيري معكِ يا ڤيور..بعد كل ما تفوّهتُ به من اعترافاتٍ مصيرية، تختصرين اللحظة في تشخيصٍ طبيٍّ دقيقٍ لحالة أنفي؟"
أردفتُ بنبرةٍ مازِحة
"وما ذنبي إن كان قلبك يعقد مؤتمرًا صحفيًا، وأنفك هو المتحدث الرسمي باسمه؟"
رمقني مُشيراً إلى أنفه بإصبعه ليكمل بنبرةٍ جادّةٍ زائفة
"أُعلن أمامكِ أنني لستُ مريضًا، بل ضحية تفاعلٍ عاطفيٍّ حادّ، لم تُدرَج أعراضه بعد في كتب الطب"
تعالت ضحكاتنا في أرجاء الغرفة حتى بدت وكأنها تُعيد ترتيب الهواء من حولنا، قبل أن تُقاطعها طرقاتٌ خفيفة على الباب.
خرجَ كِلانا لغرفةِ الإستقبالْ لنجدَ عمتي وأنديلا تحملانِ العديدَ من الأكياس والأغراضْ.
خُذي الأغراضَ عني يا عاقة
لم أتحرك فورًا، إذ سبقني إدوارد بخطوةٍ سريعة، مومئًا إليّ أن أترك الأمر له،
بنيُ الوسيم،متى قَدِمْتْ؟
أجابها إدوارد بهدوءٍ يشي ببقايا انشغالٍ داخلي، وهو يلتقط بعض الأكياس منها
منذُ عدة دقائق ثم ما كل هذه الأغراضْ،أمي؟!
تنفست عمتي بصعوبةٍ خفيفة، كأنها خرجت للتو من معركة تسوقٍ طويلة، ثم قالت وهي ترتب كلماتها بين أنفاسٍ متقطعة
بِضعةُ مستلزماتٍ للمنزل.. وكذلك فساتينٌ لأختك التي لم تقرر بعد أيها سترتدي
بِضعة؟!
فما كان من عمتي إلا أن رفعت رأسها بثقةٍ لا تهتز مجيبة
وهل يتزوج إبني العزيز كل يوم؟!!،بالطبعِ سأبتاعُ كل ما تراهُ عيناي أمامي.
وجهتْ نظرها لي تأمُرَني بترتيب الحاجيات فقاطعها إدوارد متسائلاً
لا بأس أمي،هل إشتريتي فستاناً آخر لِفيور
ساد لحظة صمتٍ قصيرة، توقفت فيها يد عمتي في الهواء كأن السؤال أصاب نقطة حساسة، ثم رمقته بنظرةٍ تحمل شيئًا من الاستفهام قبل أن تجيب ببساطةٍ مصطنعة
ولِما لأشتري لها فستاناً يا بني؟!
رفعَ حاجبيهِ لنفاذِ صبرهِ وأردفَ مُعللاً..
لأن بالصدفةِ يا أمي العزيزة زفافي غداً وأنتِ الأدرى بمناسبة شرائكِ لكل هذهِ الأغراض.
فضحَ التوترُ وجهها ، بينما التفتُّ أنا إليه بسرعة، بنظرةٍ تحمل رجاءً صامتًا أن يخفف من اندفاعه
خِزانةُ فيور مليئة بالفساتين، لترتدي ما تشاء منهنْ.
قاطعها إدوارد بحدة
خزانة أنديلا مليئة بفساتينٍ مضاعفةٍ لخاصةِ فيورْ.
بِئساً لم يتبق المال الكافي بُني
ردتْ متصنعةً الخيبة
قاطعتُ ذَلكَ الجو الملئ بالشحناتِ الكهربيةِ من الطرفين..
لا بأس إدواردْ،عندي ما ينُاسبني.
قلبَ عينيهِ بغضبْ بينما زمجرتْ لي عمتي من تحتِ ثَغْريها.
أما أنا، فرفعتُ الأكياس إلى المطبخ ، وأغلقتُ المشهد كما يُغلق بابٌ على فوضى مؤقتة، ثم توليتُ إعداد العشاء، قبل أن أنسحب بهدوءٍ إلى غرفتي، تاركةً خلفي صدى ضحكاتٍ، واعتراضاتٍ، وشحنة عاطفية لم تُحسم بعد.
_________________________
_____________
استيقظتُ عند السابعةِ واثنتين وأربعين دقيقة، على ذلك الصوت الذي صار جزءًا من صباحاتي دون استئذان؛ حنجرة عمتي، الذهبية حدّ الإزعاج، توقظ البيت كأنها تُعلن بدء الحياة لا مجرد بداية يوم.
جلستُ للحظةٍ قبل أن أستوعب أن النوم قد انسلّ من بين أصابعي دون مقاومة، ثم رفعتُ بصري ببطءٍ نحو الغرفة، فوقع نظري على كيسٍ كبيرٍ موضوعٍ فوق مكتبي، لم يكن في مكانه بالأمس،تقدمتُ نحوه بخطواتٍ مترددة، كأن في الاقتراب منه اعترافًا ضمنيًا بأن شيئًا ما قد أُعدّ لي بعناية.
انتشلتُ الكيس بين يدي، أزحتُ أطرافه ببطءٍ، وما إن انكشف ما بداخله حتى توقّف الزمن لحظةً عند أول نظرة فستانٌ قاتمٌ بلونٍ يشبه حمرة الكرز الناضج.
أخرجته بالكامل، وانسابت ثقله بين يدي كشيءٍ أكثر من مجرد قطعة قماش، كان ملمسه مختلفًا، قماشًا لم أعرف اسمه لكنه بدا وكأنه صُنع ليُلامس الضوء، أكمامه أرِفة تنسدل برهافة، وصدره مفتوح بتوازنٍ محسوب لا يجرؤ على تجاوز حدّ الأناقة إلى الجرأة، وطوله ينتهي عند قياسي.
وضعتُ الفستان أمامي للحظة ممرةً أطراف أصابعي على القماش ببطءٍ،
قبل أن أعود للكيس مجددًا، أفتشه بلهفةٍ هادئة، فإذا بورقةٍ صغيرةٍ مطوية بعناية تستقر في قاعه، ورقةٌ لم أحتج لقراءتها طويلًا لأعرف يد من كتبتها
'ابهريِ الجَمعَ بجمالِكِ أيتها العاطفية الصغيرة'
إبتسمتُ مُتمتمةً
شكراً إدواردْ
.——————.
.————.
.———.
.——.
2:25 pm
انتهيتُ تواً من مهامي، وقد انسحب الوقت من بين يدي بهدوءٍ مألوفٍ في صباحاتٍ تمتلئ بالحركة، بينما بدأ الجميع من حولي في التهيؤ لليوم وكأنه مشهدٌ جماعيٌّ يُعاد ترتيبه.
جنحتُ إلى غرفتي أبحث عن لحظةِ سكونٍ قصيرة، غير أن تلك اللحظة لم تُمهلني كثيرًا، إذ شقّ صوت أنديلا هدوء المكان منادياً باسمي بنبرةٍ تحمل إلحاحًا لا يحتمل التأجيل.
توقفتُ في مكاني لوهلة، أطلقتُ شهقةً خفيفةً ممزوجةً بنفاذ صبرٍ مكتوم، ثم استدرتُ ببطءٍ عائدًة نحو مصدر الصوت، وكأنني أستعدّ نفسيًا لمواجهةٍ صغيرة لا تخلو من استنزافٍ معتاد، قبل أن أقول بنبرةٍ متعبةٍ ممزوجة بالاستفهام
ماذا الآن أنديلا!!
لم تردّ مباشرة، بل وقفت في منتصف الغرفة كمن ينتظر لحظة انبهارٍ مقصودة، وعيناها تتقدان بثقةٍ لا تخلو من التحدي، قبل أن تسألني بسلاسةٍ واثقة
ما رأيك؟!
ارتفعت عيني تلقائيًا إليها، كانت ترتدي فستانًا أبيض أحادي الكُم، ينسدل برقةٍ محسوبة حتى يغطي ركبتيها، بينما رُفِع شعرها بدبوسٍ فضيٍّ لامع، تخللت خصلاته بعضُ اللمسات الفاتحة التي أضفت على ملامحها إشراقًا غير متكلف
لم تمنحني فرصة طويلة للتأمل، إذ دارت حول نفسها بخفةٍ واضحة، وثغرها منفرج عن ابتسامةٍ واثقة، لتردف بنبرةٍ لا تخلو من الزهو
أبدو جميلة أليس كذلك
نعم تبدين جميلة
أعلمُ ذلك
هل ناديتني فقطْ لِتتابهي أمامي؟
بالطبعِ لا يا فَطينة،لا يُهمني التباهي أمامكِ لأني بالفعلِ طاغيةٌ عليكِ بجمالي.
قلبتُ عيني ببطءٍ واضحٍ ممزوجٍ بالملل، ثم تنفستُ بعمق قبل أن أعود للسؤال من جديد، محاولةً إنهاء هذا الاستعراض
إذاً ماذا؟!
ساعديني في وضعِ مستحضراتِ التجميل وكذلك طِلاءَ الأظافِرْ.
تنهدتُ في صمتٍ طويل، كأنني أُحاول عبره تهدئة ذلك العبث المتصاعد في الغرفة، ثم أطلقتُ استسلامًا خافتًا قبل أن أساعدها فيما طلبت، أُمرّر الأدوات بين يديها وأضبط لها التفاصيل الصغيرة دون تعليقٍ يُذكر.
وحين انتهيتُ، تراجعتُ خطوةً إلى الخلف، بينما كانت هي تُكمل لمساتها الأخيرة على مظهرها بعنايةٍ مبالغ فيها، ثم ثبتت نظرتها في المرآة طويلًا.
بالتأكيدْ سيُعجَبْ بي
لمْ أفهمْ مقصدها فَقد ظهرَ شبحُ إبتسامةٍ غريبٍ عل فاهها لِتكملَ قائلة..
أوسمُ شخصٍ قَد تراهُ الأعينْ
حسناً يبدو أنها الآن في عالمٍ آخر تبتسمُ ببلاهة وتتخيلْ نفسها ترقصُ.
سيكونُ في الحفلْ.. سأراه أخيراً عن قربْ
جذبني الفضولُ للتساؤل حول ما تتحدثُ عنه..
عن من تتحدثين أنديلا؟!
إلتفتتْ لي غيرُ مدركةٍ لوجوديِ لِتعيدَ ترتيبَ كلامِها قائلة...
لن تعرفينه..يتطلبُ عليكِ الوصولُ لأعلى قِمامِ الشرفْ حتى تعرفيهِ أصلاً.
لقدْ طار عقلكِ تماماً
لم تتأثر، بل رفعت ذقنها بثقةٍ أشد، وكأنها وجدت في كلمتي تأكيدًا إضافيًا.
بالطبع سيطير عقلي عند التحدث عن صهرك
تجمدتُ لحظة، ثم أطلقتُ سؤالًا تلقائيًا
صهري؟!
نعم زوجي المستقبلي كلاديوُسْ أنْدريوسْ
أهذا شخصٌ جديد؟!! ماذا عن ذلك ال..
قاطعتني بعلوِ نبرتِها..
اصمتي..لا تتحدثي عنه مرة أخرى كان ذلك حدثاً عابراً في الماضي
تصلّب الهواء بيننا لحظة، ثم جاء صوتي هذه المرة أكثر حدة
ستوقعينَ نفسكِ في المشاكل أنديلا
بل سأوقعكِ أنتِ فيورْ إن تفوهتي بِترهاتٍ كالمرةِ السابِقة،أأجبِرُكِ على التذكر؟!
زمجرتْ بآلمٍ لأتذكرَ ما آلَ إليه الوضعُ في سابِقِ مَرة،حين إكتشفتُ مواعدة أنديلا لأحدِ الشُبانِ السَيئين الذي يُعدُ من قطاعِ الطرق في البلدة، وكيف أنكرت الأمر حين واجهتها، بل وكيف انقلبت الرواية رأسًا على عقب حينما علمت عمتي بالامر لتجدني أنا المتهمة الوحيده في قصة لم أكن فيها سوى شاهدةٍ عاجزة، بينما لم يكن لأحدٍ قدرةٌ على كسر هذا الاتهام الملتف حولي
نفضتُ غبارَ تلك الذكرى كأنني أزيح عن ذاكرتي غلالةً من غبارٍ قديم قبل أن أتجه نحو غرفتي، إذ لم يتبقَ سوى ستون دقيقة فقط تفصلنا عن موعد الانطلاق،
.——————.
.————.
.———.
.——.
وقفتُ أمام المرآة، أُحدّق في انعكاسي كأنني أراه للمرة الأولى، وبالكاد كنتُ أُمسك بملامحي حتى لا تنفلت مني ابتسامةٌ أوسع من اللازم، ، كان الفستان أجمل مما اعتدتُه على جسدي؛ ليس لأنه مبهرٌ في ذاته فحسب، بل لأنه بدا وكأنه اختارني أنا تحديدًا.
أسدلتُ شعري المموجَ بطبيعتِه كما هو ورفعتُ خصلتينِ لأشبكهُما بِدبوسيِ الفِضيِ من الخلف،وضعتُ أحمرَ الشفاه الذي أخذتُه خِلسةً من أغراضِ أنديلا وبعضاً من ظلالِ العيونْ الذي برزَ عيناي بشكلٍ أجمل،ها أنا الآن جاهزة وراضيةٌ جداً عن مظهَري.
خرجتُ ملبيةً نداء إدوارد، وفي اللحظة نفسها كانت أنديلا وعمتي تسبقانني إلى الخارج ، توقفتُ عند العتبة للحظةٍ قصيرة، وما إن ظهرتُ حتى انقلب اتجاه النظرات نحوي بالكامل؛ ثلاثُ أزواجٍ من العيون ثبتت عليّ دفعةً واحدة
أمي ما ذلكَ الفستان؟!
قالتْ الواقفة تحمل حقيبتها الأنيقة بحباتِ اللؤلؤ البيضاءْ،نظرتُ إلى عمتي التي كانت ترتدي فستاناً قاطِمْ بلونِ الزيتون يَصلُ لِكعبِها بينما رفعتْ شعرها بالكامِلْ وزينتْ ملامحها الحِدية بِمُستحضراتِها.
من أينَ حصلتي عليه؟!
وجهتْ سؤالها لي وما كدتُ أن اتكلم حتى قاطعني إدوارد الذي كان مظهرهُ في غايةِ الوسامة كان يرتدي بدلةً سوداء بربطةِ عنقٍ داكِنة وصففَ شعره ببراعة ليظهِره بمظهرٍ أرقى وسامة.
انا من أشتريتهُ لها،هل لأحدكُنَ مانِع؟!
رمقتهُ عمتي ثم إنطقلتْ بنظرها تماماً لي
لا يا بني..فقط لأن..
فيورْ أختي..هي وأنديلا في نفس المكانةِ ولن أرضى بتألقِ إحداهنْ وإنبذالِ الأخرى.
قالَ الأخيرة ليغمزنيِ فأبتسمُ لَهُ في المقابِل.
أطلَقَتْ ضَحكاتِها الساخِرةَ لتنظِرَ لي ثم تنقِله تِجاهه وأردفتْ بنبرةٍ حازِمة..
وهل ستصرفُ مالَكَ القيمَ عليها أم على زوجَتِك؟
في الحقيقة... لا مانع لدي من الإنفاق على كليهما.
عَبسَتْ مرفوعةَ الحاجِبْ رامِقةً إيايْ لأبتَسِمَ لها وتقدمتُ بجانِبْ إدواردْ،خرجنا على الفورِ لننطلقَ في طريقنا.
وصلنا إلى قاعة العرس في المدينة الكبرى، حيث تقيم عائلة سالي، وبدأت خطواتنا داخل المكان كأنها تدخل مساحةً مختلفة تمامًا عن العالم الذي نعرفه.
كانت هذه أول مرة أعود فيها إلى المدينة منذ وفاة والدي. مجرد الفكرة مرت بخاطري بهدوء، لكنها تركت أثرًا خفيفًا في صدري، شعورًا بالانقباض لم أستطع تفسيره بالكامل. رفعتُ أنفاسي ببطء، أحاول استعادة توازني، خصوصًا أننا وصلنا بالفعل إلى مدخل القاعة.
عند الدخول، انفتح أمامنا مشهد واسع ومهيب دون مبالغة قاعة فسيحة، الإضاءة فيها موزونة بعناية، والديكور مرتب بطريقة دقيقة تجعل كل شيء يبدو في مكانه الصحيح، لا زيادة ولا نقص، وكأن المكان صُمم ليُرى من زوايا متعددة دون أن يفقد توازنه.
تقدّمنا بخطوات هادئة، بينما كانت أعيننا تلتقط التفاصيل تلقائيًا. الأناقة كانت السمة الغالبة على الجميع الرجال ببدلاتهم المنظمة، والنساء بفساتينهم المتنوعة، وحتى الأطفال.
في جهة أخرى من القاعة، كان حضور عائلة العريس واضحًا، ليس فقط في العدد، بل في طبيعة النظرات أيضًا نظرات تتبادل المراقبة أكثر مما تتبادل التحية، وأحاديث جانبية منخفضة ، بالاضافه إلى همسات النميمة تمرّ بين الطاولات بهدوءٍ محسوب، كأنها جزء غير مرئي من طقوس اي المناسبة.
في المنتصف، بدأت الموسيقى الهادئة بالانطلاق، خفيفة في بدايتها، فتخفف من حدّة النظرات وتعيد ترتيب الجو تدريجيًا.
إدوارد التفت إلينا بعد لحظة، نظرة سريعة شملتني أنا وعمتي وأنديلا، ثم أشار بهدوء قبل أن يبتعد باتجاه المنطقة المخصصة لتجهيز العريس، حيث كان من المفترض أن يستعد قبل وصول العروس.
تابعناه بعينيّنا حتى ابتعد، ثم توجهنا نحن إلى طاولتنا التي وُضعت في موقع متقدم داخل القاعة.
شردتُ قليلًا داخل ضجيج القاعة، أراقب الفراغ أمامي دون أن ألتقط شيئًا محددًا، حتى تعثرت عيني فجأة على طرف المشهد... هناك، عند مسافةٍ قصيرة مني.
في البداية لم أفهم لماذا ثبتّ نظري عليه دون إرادة، كأن شيئًا خفيًا شدّني في اتجاهه قبل أن أقرر أنا النظر. ثم بدأت التفاصيل تتضح واحدةً تلو الأخرى.
كان طويل القامة، مشدود البنية على نحوٍ لافت، ليس بالضخامة المبالغ فيها، بل بتوازنٍ يوحي بالقوة الهادئة أكثر مما يوحي بالاستعراض.
شعره الداكن كان منسدلًا بشكل مرتب، يصل إلى ما فوق الأذنين بقليل، منحته خصلاته ملمسًا من الهدوء المتناقض مع توتر ملامحه في تلك اللحظة. لون بشرته الدافئ وتفاصيل وجهه لم تكن هي ما يعلق بالذاكرة أولًا، بل ذلك الحضور... ذلك الإحساس غير المفسر بأن وجوده لا يمر كغيره.
كان منهمكاً في الحديثِ بهاتِفه والغَضب يتربصُ بملامحه، لم أعرف متى بالتحديد ثبت نظري عليه، أو لماذا لم أُبعده كما أفعل عادة، لكن ثمة شيء في تلك اللحظة جعل كل ما حوله يتراجع خطوة، ويتركه في المقدمة وحده.
جذبتني أنديلا من ذراعي لِتوقظني من شرودي، التفتُّ إليها ببطء، وعيناي ما زالتا عالقتين بأثر ما كنت أراه قبل لحظات.
شدّت على ذراعي أكثر قليلًا، وكأنها لا تريد أن يضيع صوتها وسط ضجيج القاعة
أريد أن عثر عليه
عقدتُ حاجبيّ، ونظرتُ إليها بتعجبٍ صريح
تعثرين عن من؟
زوجي الذي حدثتُكِ عنه
لم أفهم، أين إلتقيتِ بذلك الشاب ، ثم ما الذي سيجلبه إلى هنا
هل تتعاطينَ الغباء ، أخبرتك بانه سيكونُ هنا ، هو قريبُ سالي لقد رأيتهما معاً على أحد منصات الإنترنت ووقعتُ في غرام عينه تلك المرة
هل وقعت في غرام شخص ليس بينك وبينه سوا وميضُ شاشة!؟
صحيحٌ كيف لي أن أشاركُ محادثتي مع امرأه لم تعلم طعم الحب او بالأحرى لم يُحبها أحد من قبل
ما إن كنتُ على وشكِ الرد على وقاحة لسانها حتى بدأت المراسمُ لتتعالَ أصواتُ الموسيقى معلنةً قدوم العروسين.. انجذب بعض الحضور نحو بوابة الدخول، تتقدمهم نظرات متوقعة وترقب واضح، بينما بدأ الجميع يستعد لاستقبال العروسين.
مرّت لحظات قليلة قبل أن تبدأ الشاشات الداخلية بالاشتعال تدريجيًا، كأنها تُعيد إيقاع الحياة إلى القاعة، تزامنًا مع دخول إدوارد وسالي متشابكي الأيدي،، انحسر الضجيج شيئًا فشيئاً كأنه الانتباه كله انكمش في نقطة واحدة. كل شيء في القاعة بدا وكأنه انسحب خطوة إلى الخلف ليمنح مشهدهما الملائكي حقه الكامل.
إقتربا من كوشة العروس تحتَ مراقبة الكاميراتِ التصويرية وعيونِ الجميع،أنيرتْ أضواء القاعةِ بالكامِل لِتسيطَ الموسيقى بشكلٍ أعلى.
كانت سالي أجمل عروسٍ تراها عيناي ، فستانها الدانتيل الذي يناسبُ جسدها وشعرها الزيتوني الذي ينسدل بطول ظهرها ، كانت تنظر للجميع بعينيها التي تتلألأ فتعكسان صفاء وجهها وروحها.
وقفا على الكوشة يُحيونَ الجميعَ ضاحكينْ، وقفا معًا على الكوشة، يحيّيان الحضور، بينما التفتُّ أنا نحو إدوارد . التقت عيناه بعيني لوهلة قصيرة، ابتسامة سريعة مرّت بيننا كإشارةٍ عابرة ثم ابتعدتُ بنظري لسببٍ ما.
هناك، على مسافة أقرب مما كان قبل قليل، كان يقف مجددًا.
كان يَقفُ في مكانٍ أقربَ لي مِن الذي كان عليه..حينها وفقطْ رأيتُ ملامحهَ بشكلٍ أفضل لِيُقابِلني بعينيهِ الحادتينِ كإنبثاقِ السرمدْ.
ذلكَ الإتصالُ البصري لم يدمْ لثوانٍ حتي حل ظلامٌ بالغٌ في القاعة بأكملها.
انطفأت الإنارات فجأة، بلا أي تمهيد، وكأن القاعة بأكملها انقطعت عن العالم في لحظة واحدة. ساد صمتٌ قصير لم يدم، ثم انفجر المكان بالارتباك أصوات تتصاعد، مقاعد تتحرك بعشوائية، ونظرات الجميع تبحث عن تفسير . بعض الحضور نهضوا من أماكنهم في ارتباك واضح، يتجهون نحو بعضهم بالسؤال، وآخرون أخرجوا هواتفهم ليكسروا العتمة بنقاط كشافاتهم، بينما بقي جزء منهم في أماكنه، مشدودين بين القلق والترقب.
رفعتُ نظري نحو مكان وقوف إدوارد وسالي، أبحث عن أي أثر لهما وسط هذا الفراغ المفاجئ، فإذا بشيء يشبه حركة يد إدوارد يلوح في العتمة، كأنه يناديني لأقترب.
لم أتردد. أخرجت هاتفي سريعًا، شغّلت الكشاف، وبدأت أتحرك نحوهما بين الناس، أفتح طريقي بصعوبة وسط الفوضى المتزايدة.
لكن قبل أن أصل...حدث كل شيء دفعة واحدة.
اندفع جسدٌ نحوي،دفعني بقوة إلى الخلف، فسقطتُ على الأرض تحت ثقلٍ لم أستطع مقاومته، وارتطمتُ بالسطح البارد بينما امتدت يداه بسرعة ليضع كفيه خلف رأسي، كأنه يحاول حمايتي.
انفجارٌ حادٌّ شقّ الهواء في القاعة، تبعه ارتباك أكبر من أن يُفهم في لحظته الأولى. لم أستوعب ما حدث، فقط شعرتُ بالزمن يتكسر من حولي.
لا أعلم، لا أستوعبْ وليس لدي القدرة لفهمِ ما يدورُ حَولي.
كان كل شئٍ ساكِنْ فقط هو.. فوقي يَضمني بِشدة لأغمضَ عَينيَ.
____________________________
____________________
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!