الفصل الثاني
**خرجت ابتهال من الداخل لتتسع ابتسامتها وهي تشاهد ريليان خلف سارة، لتقترب منها الأخرى معانقةً إياها بقوة، ابتعدت عنها مرحبةً بها:
- يا أهلًا، يا أهلًا، صغيرتي، كيف حالكِ؟ هل أنتِ بخير؟
أومأت لها بابتسامةٍ سعيدة وهي تنظر إليها، لقد أحبتها جدًا؛ بها حنانٌ وأمومةٌ توزع على بلدٍ بأكمله:
-إنني بخير، خالتي، كيف حالكِ أنتِ؟
نظرت لها ابتهال مبتسمةً:
بخير، صغيرتي، هيا، سوف أضع لكم الطعام، لم يتبقَّ لنضجه الكثير، أم ستنتظرون سليمًا حتى يأتي؟
نظرت ريليان بتوترٍ إليها، لتهتز بؤرتاها متحدثةً بتوتر:
-هل سوف يأتي، خالتي؟ لا أريده أن يراني، يكفي نصيبي من العداء في المرات السابقة.
ابتسمت لها مطمئنةً بحب:
-لماذا تقولين عداءً، صغيرتي؟ أنتِ لا تعرفين سليمًا، إنه لا يكنُّ أي عداءٍ لكِ، حبيبتي، عندما تعرفينه جيدًا ستغيرين طريقة تفكيركِ بالتأكيد.
تنهدت بتمنٍّ وهي تنظر إلى سارة التي أبدلت ثياب المدرسة بأخرى بيتية تتكون من سروالٍ من خامة الجينز وقميصٍ باللون الزهري، لتجلس على الأريكة أمامها وهي تمسك بشعرها لترفعه على هيئة ذيل حصان، لتنتبه إلى صوت ابتهال البعيد، والتي يبدو أنها ذهبت لتحضير الطعام:
-هل أخبرتِ والدتكِ، صغيرتي؟
أجابتها بتأكيدٍ وهي تتوجه نحو سارة:
-أجل، خالتي، لا تقلقي، لقد أرسلتُ لها رسالةً بأنني سأذهب مع صديقةٍ لي.
نظرت إليها سارة وهي تربّع قدميها، ناظرةً لها باختراق:
-أخبريني يا ريليان، بماذا تشعرين بكل صدق؟
تنهدت الأخرى لتجلس بجانبها وهي تنظر إلى التلفاز، الذي يخرج صوتًا يريح النفس البشرية، لا تعلم ما نوعه لكنها ترتاح له بمجرد سماعه:
-لا أعلم حقًا، فقط ما أشعر به هو الضياع.
تنهدت الأخرى بضيقٍ من جوابها:
وكأني علمتُ بماذا تشعرين. ريليان، كوني صريحةً معي في هذا الموضوع.
كادت أن تجيبها لتقاطعهما ابتهال وهي تأمر سارة بالنهوض لمساعدتها في إعداد آخر طبق. توجهت ريليان لتساعدهما، لتنهاها ابتهال بعدما شاهدتها أمامها:
-اذهبي واجلسي بالخارج، صغيرتي، أنتِ ضيفةٌ هنا فقط. انتظري الطعام، لم يتبقَّ شيء، إنها بعض المقبلات ليس إلا.
خرجت إلى الخارج بعد إصرار ابتهال بأن تذهب وتستريح، لتستمع إلى صوت فتح باب المنزل، بدأت دقات قلبها بالدق بسرعةٍ تجاوزت الألف؛ لأنها علمت من يكون، لتستمع بعد ذلك إلى صوت الجرس، لتعقد ما بين حاجبيها باستغراب، لماذا قام بقرع جرس المنزل وهذا منزله؟
خاطبتها سارة من الداخل:
-ريليان، قومي بفتح باب المنزل، لا بد أنه سليم. لقد نسيتُ أنه سيأتي وأقفلت الباب بالمفتاح، ويداي متسختان.
توجهت إلى الباب وهي تجر قدميها جرًّا بعد أن أخذت نفسًا عميقًا، وهي ترتب خصلات شعرها بتوتر، لتقوم بفتح الباب بأنفاسٍ منقطعة.
انتابتها رجفةٌ بمجرد النظر إليه، لتستمع إلى صوته الهادئ بعد مدة:
-هل يمكنني الدلوف، يا آنسة؟
يبدو أن قدميها لم تساعداها على التحرك، لتستمع إلى زفيره الغاضب، لتنظر إليه جيدًا، إنه لا ينظر إليَّ مطلقًا، إذًا كيف عرف أنني لستُ سارة؟ تحدثت ببعض الضيق، مخاطبةً إياه:
-لماذا لا تنظر إليَّ وأنت تتحدث؟
استغفر ربه بصوتٍ مرتفعٍ بعض الشيء، ليجيبها بهدوء:
-هل سوف أبقى خارج منزلي لمدةٍ طويلة، يا آنسة؟
أفسحت له المجال وهي تزفر بضيقٍ من تصرفه، لتنظر إليه مخاطبةً ببعض التوبيخ:
- إنني هنا ضيفة، يا أستاذ، ومن الجميل والأدب أن تتحدث معي.
توقف للحظاتٍ قبل أن يجيبها وهو يوليها ظهره:
- لكن ديني أمرني ألّا أتحدث مع أجنبية، قال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ}.
نظرت إليه بغضب، لماذا لا ينظر إليها؟ لماذا لا يريد التحدث معها؟ ثم ما الذي قاله قبل قليل؟ هل هي نكرة؟ هل بها مرضٌ معدٍ وهي لا تعلم؟ هل هي غير جميلة حتى يتجنبها؟
لقد بدأ وجهها الأبيض بالتحول للون الأحمر، لتجيبه بصوتٍ مرتفعٍ بهجوم:
- أنت شخصٌ معقدٌ جدًا.
أغمض عينيه وهو يستغفر ربه، لا يريد التطاول معها بالحديث، إنها لا تقربه، وليس من شيمه التحدث مع الأخريات، وفوق هذا ما زالت صغيرةً بعض الشيء، لكن أن تنعته بالمعقد فقط لأنه يطبق أوامر ربه، لا، لن يكتفي بالصمت.
أجابها بضيقٍ وقد وصل إلى منتصف الصالة:
- لستُ معقدًا، يا آنسة، يبدو أنكِ أنتِ المعقدة، فلا أحد ينعت الآخر بشيءٍ إلا وقد نُعت به مسبقًا.
أغمضت عينيها بحزن، وقد آلمتها كلمته، أجل، الجميع ينعتها بالمعقدة، وهذا صحيح، لكن لا تعلم لماذا أطلقوا عليها هذا.
توجهت بهدوءٍ نحو الأريكة لتأخذ حقيبتها، تنوي الرحيل، لتقترب منه وقد وقفت أمامه، ليخفض الآخر بصره أرضًا:
- شكرًا لضيافتك وحسن تعاملك معي.
ثم تحركت متوجهةً نحو الباب، وقد همت بالخروج، لتستمع إلى صوت ابتهال وهي تخاطبها، والتي يبدو أنها خرجت قبل قليل من المطبخ:
- إلى أين يا صغيرتي؟
التفتت إليها بحزنٍ، باسمةً محاولةً عدم البكاء:
- سأذهب إلى منزلي يا خالتي، يبدو أنه ليس مرحبًا بي هنا.
نظرت ابتهال إلى سليم، وهو يتوجه نحو غرفته بعدما قبّل يديها ورأسها باحترام، لتوقفه متسائلةً:
- هل قمت بطردها يا سليم؟
التفت إلى والدته بهدوء، ثم أجابها نافيًا:
- لا يا أمي، أنا لا أقوم بطرد من هو ضيفٌ في بيتي، وأنتِ تعلمين هذا، لكن الآنسة يبدو أنها تختلق أفكارًا في مخيلتها وتقـ...
قاطعته ريليان بغضبٍ مستعر:
- لستُ مجنونةً يا أستاذ.
نظر لوالدته بقلة حيلة، يشهدها على تصرفات الأخرى:
- هل رأيتِ؟ لم أتحدث بشيء، وأجابت بأفكارٍ تخيلتها بنفسها.
زفرت ابتهال بضيقٍ منهما:
- يكفيكما أنتما الاثنان، هل في كل مرة ستتشاجران كالأطفال؟
أجابها سليم بهدوءٍ واحترام:
- لو أني طفلٌ لأريتها تصرفًا غير هذا، لكني لا أضع عقلي بعقل أطفال، أمي.
ضغطت ريليان على كتف حقيبتها التي ترتديها لتجيبه بحدةٍ كبيرة:
- لستُ طفلةً يا أستاذ، إنني في السادسة عشرة من عمري.
ابتسمت ابتهال لطفولتها، حقًا إنها طفلةٌ بتصرفاتها، لتوجه لها الحديث بحنان:
- هل سوف ترحلين حقًا يا صغيرتي؟
أجابتها بحزنٍ وقد أخفضت رأسها:
- أجل.
اقتربت منها ابتهال، واضعةً يدها على كتفها:
- وإن قلتُ لكِ ابقي من أجلي، هل سوف ترحلين أيضًا؟ لقد أعددت النقانق التي تفضلينها.
أجابتها بعد عدة ثوانٍ من التفكير:
- حسنًا، فقط من أجلكِ.
نظرت إليها ابتهال بمكر:
- هل من أجلي أم من أجل النقانق؟
فركت مؤخرة رأسها بخجلٍ تجيبها:
- من أجلكما أنتما الاثنتان.
ضرب سليم كفًّا بكف بعدما استمع لصوتها، ليتوجه نحو غرفته، لتكمل بحزنٍ بعدما نظرت إلى حركته:
- انظري إليه يا خالتي، هل أنا نكرة حتى لا ينظر إليّ وألّا يعاملني بلطف؟!
تنهدت ابتهال بقلة حيلة:
- هناك الكثير والكثير الذي لا تعرفينه عن سليم وعن عقيدتنا، ريليان، إنه مع الجميع هكذا، أي إن الأمر لا يقتصر عليكِ وحدكِ.
وضعت ريليان حقيبتها على الأريكة ببعض الارتياح لتجيبها بندم:
- أعتذر يا خالتي لحركاتي الصبيانية قبل قليل، لكنه يثير جنوني حقًا.
ضحكت سارة، التي كانت تتابع الموقف وبيدها كوب عصير ليمونٍ بارد، تقوم بارتشافه:
- وأنتِ أيضًا تثيرين جنونه، لا أحد حتى الآن استطاع أن يتحدث معه أو أن يجادله، لكنكِ نجحتِ بذلك، لقد نلتِ الشرف يا فتاة.
تنهدت ابتهال وهي تتوجه نحو المطبخ:
- تعاليا، ساعداني بنقل الأطباق إلى المائدة، وكفاكما حديثًا.
لتتوجه الاثنتان خلفها للمساعدة.
**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!