||2||شراك العنكبوت
توقفت عن الركض، ألتقط أنفاسي...
انحنيت، ويدي على ركبتي، وصوت صدري يعلو وينخفض كأمواج البحر.
رفعت رأسي ببطء،
ومسحت المكان بعينيّ، بعينيّ صقر...لطالما كان الركض ينسيني همومي...
لكن هذه المرة، لم ينجح.
توسعت عيناي، صدمتي سبقت تنفسي...
"ما الذي أفعله هنا؟"
تسللت الكلمات من بين شفتيّ كهمس ثقيل، وهي ترتجف على حواف أنفاسي. كانت قدماي مغروستين في الأرض كما لو أن جذورًا من خوفٍ ويقينٍ متردد تشدني من الأسفل، فيما يدي الباردة ترتجف على جانبيّ. رفعت رأسي، والعالم من حولي بدا وكأنه يتباطأ... هناك، على بعد خطوات،
كان المنزل.
ظللت واقفة، ويداي متشابكتان أمامي، كأن كل جزء مني يريد الفرار بينما جزء آخر يدفعني إلى الداخل. الهواء حولي كان ثقيلاً، لا يحمل رائحة الحياة، بل رمادًا قديمًا مختلطًا بالغبار، ومع كل نفس أشعر أن الرئة نفسها تتضايق، كما لو أن الماضي نفسه يختنق معي. كل خطوة على الطريق المليء بالحطام كانت صدى لكل ثانية مضت، وكل دقيقة ضاعت مني دون أن أشعر.
ولكن يبقي السؤال "ماالذي أفعله هنا؟"
ألا يفترض أني نسيتهم ؟
"يالك من كاذبة لعينة" سخر عقلي يصفعني بالحقيقة على وجهي
رفعت رأسي للسماء أحاول جذب قدر كبير من الهواء المحمل بذرات البارود و التراب و رائحة الموت،كانت زرقاء عدى بعض الغيوم ولا توجد طائرات حربية عكس العادة و هذا غريب بعض الشيئ كما أن الطقس معتدل و محبوب على الرغم من أننا على أبواب الشتاء
في السابق كنت أحب هذا الفصل و تفاصيله
لكن الٱن لا، أرتعب من فكرة النوم في العراء و البرد يتجذر في أعماقي عظامي و كياني و يقتلني ببطئ مميت .
أبدو الٱن كميثيرة للشفقة و أنا أحاول نتاسي وجوده أمامي الٱن واقفا شامخا...بعد أن هجرته لأكثر من سبع سنوات ....
ووقع بصري عليه .....
بيتي....أو ما تبقي منه
ظل واقف عنيد كأنه لم يقبل أن يسقط مع من سقط
منذ ذالك الحادث لم أجرأ على العودة إلى هنا
لم يكن كما تركته لقد عبث به الزمن وتغير مثلي
كان الجدار الأمامي متشقق.
لكنه ناداني ....
ناداني كأم لم استطع إنقاذ إبنتها من الغرق،لكنها فتحت ذراعها عندما عادت.
جدرانه التي كانت يومًا بيضاء كحليب الفجر، صارت رمادية يعلوها سواد الحريق، وكأن النار لم تكن مجرد لهب، بل لعنة التصقت بروحه. النوافذ محطمة، وكأن الريح نفسها دخلت لتنهشه بلا رحمة. بابه الأمامي نصف مخلوع، يتأرجح مع أنين الريح، كنداء قديم يطلب العودة أو يحذر من الاقتراب... لم أعد أعرف. كل شيئ فيه كان يصرخ أن "من كان هنا...لم يعد"
قلبي بدأ يتسارع. كل صوت في الخارج-صوت الريح بين الأسلاك المشوكة، حفيف الأوراق الميتة، طقطقة الزجاج المكسور-كان يعيد لي صور المكان كما تركته، ويقذف بي في بحيرة من الذكريات المؤلمة. عقلي يقول: "ابتعدي... هذا المكان ليس لك بعد الآن"، بينما قلبي يصرخ: "ادخلي... يجب أن تعرفي الحقيقة، يجب أن تتذكري".
. لكن الحنين... الحنين كان أعمى، ويداه أمسكتا بي من الداخل، تسحبني كما تسحب الأم طفلها الضائع من يد الخطر. كنت أشعر بأن الهواء صار أثقل، وكأن كل ذرة غبار هنا محملة بذكرى، برائحة، بصوت، بظل إنسان رحل.
تقدمت خطوة واحدة، ثم توقفت، أراجع كل شعور في داخلي. كل شيء في المنزل كان يشير إلى الفقد، كل شيء يقول: "لقد انتهى كل شيء قبل سبع سنوات... أنت وحدك الآن". حاولت أن أتنفس ببطء، لكن الهواء اختنق بين أضلاعي، وكل شهيق كان يجرح قلبي أكثر.
رجلاي ترتجفان كمن يمشي فوق جبل معلق على حافة ذاكرة.
الرعب يتملكني مع كل خطوة. الأرضية مغطاة بالرماد والحطام، الريح تصفر في فتحات النوافذ، وكأنها أصوات الأموات تتحدث معي.
توقفوا عقلي عن التفكير... شعرت بأنفاسي تتسارع، ويداي ترتجفان، وكنت أحاول أن أتمالك نفسي أمام هذا المنزل الذي أصبح غريبًا ومهددًا.
كل خطوة كانت نداء،كل حجر كان صدى.
ضحكات قديمة بدأت القفز إلى رأسي و أنا أقاومها،أرفضها.
هذا ليس وقت الحنين....
هذا زمن الخراب....
عيوني أصبحت ضبابية،من تشكل الدموع التي أكبتها . زممت شفتاي أمنع نفسي من البكاء
وضعت يدي على الباب، وبرودته اخترقت جلدي حتى العظم. دفعت... ودخلت.
كل شيئ كان يهمس لي،يشكو لي ويبعث ما عاناه منذ أن تركته....
سبع سنوات....
لم أجرأ فيها على خطو خطوة فيه
تشجعت...
خطوة ثانية، ثم ثالثة... كل خطوة كانت تضعني أكثر في دوامة بين الحنين والرعب. الأرضية كانت مليئة بالحطام، الرماد يلتصق بأطراف حذائي، وكأن كل ذرة فيها تقول: "تذكري، لقد فقدت كل شيء"
وصلت إلى منتصف المنزل... المكان نصفه كما تركته، والنصف الآخر تحوّل إلى ظل، رائحة الدخان والرماد لا تزال تحاصرني.وكأنه يحرس أسرارًا لم أرها من قبل. الروائح القديمة بدأت تختلط بالروائح الجديدة للغبار والرطوبة...
أرضية مغطاة بالركام، غبار يرقص في أشعة الضوء المتسللة من شقوق السقف، أثاث محطم، وهدوء ثقيل كالموت.
لكن مع كل خطوة، بدأت تتغير الأشياء.
الغبار أخذ يختفي شيئًا فشيئًا، الركام ينزاح، الأثاث يعود كما كان... وكأن البيت يتنفس من جديد.
وبدأت الذكريات تتدفق: ضحكاتي وأنا أركض خلف إخوتي في الصالون، صوت أبي وهو يقرأ الجريدة، رائحة خبز أمي، وقع المطر على السطح، كل التفاصيل التي اعتقدت أنني دفنتها إلى الأبد خرجت دفعة واحدة، تجلس على صدري، تخنق قلبي، وتجعل دموعي تنهال بلا توقف.
و هكذا في لحظة، لم يعد الخراب خرابًا. الغبار تبدد، والجدران استعادت لونها، والنوافذ أشرقت بزجاج نظيف يعكس نور النهار. رائحة الخبز الساخن ملأت أنفي، وتدفقت في عروقي دفعة من أمان كنت أظن أني فقدته إلى الأبد.
هل أنا أحلم ؟
إن كان كذالك فلا أرغب في الإستيقاظ أبدا
هناك، في غرفة الطعام، كانت أمي. شعرها مغطى بطرحتها البيضاء، يديها تحمل صينية الشاي بخفة وابتسامة دافئة تجعل قلبي يتفتت. رفعت عينيها نحوي وقالت:"تأخرتِ ، إيفالين... هيا، تعالي قبل أن يبرد الخبز."
سمعت وقع خطوات خلفي. التفت... كان أبي، بزيه العسكري، وجهه الصارم يلين بابتسامة نادرة. خلفه، إخوتي يتدافعون وهم يضحكون، يحملون حقائبهم المدرسية وكأن الحرب لم تلمس هذا المكان قط.
جلست، والدفء يلفني. ضحكت مع إخوتي، وتذوقت الخبز الساخن، وشربت الشاي الذي يلسع لسعًا لطيفًا. كنت أريد أن أدفن وجهي في هذه اللحظة، أن أبقى هنا للأبد... أنسى كل ما كان خارج هذه الجدران.
"أين كنتِ كل هذه السنوات؟" سألتني أختي الكبرى و عيونها تشعبلمعة غريبة .
"كنت أبحث عن نفسي... عنكم... عن البيت"، أجبته بصوت مختنق، يرتعش بين كل كلمة وأخرى.
أبي يبتسم، يمسح دموعي: "البيت لم يتركك... البيت كان ينتظر رجوعك، إيڤا"
أمي تضيف: "الآن كل شيء سيكون على ما يرام... لن تفقدي شيئًا بعد اليوم"
لا تعليق....
مازلت الصدمة تغلف تلافيف عقلي ....لا يستوعب و لا يستطيع الإيستيعاب و أنا لا ألومه ..
نظرت إليهم .....
في وجوههم....أدقق في تقاسيمهم
أربما هذه هي الحقيقة ؟
أربما كانت الحرب مجرد كابوس لعين؟
لكن شيئًا ما بدأ يتغير.
أصواتهم صارت أبعد، ألوان وجوههم بدأت تتلاشى كلوحة يغسلها المطر. ابتسامة أمي بقيت ثابتة، لكنها كانت حزينة، كأنها ابتسامة من يعرف النهاية.
قلت بارتباك:"ما بكم؟"
نظرت إليّ أمي، ووضعت يدها الدافئة على وجهي.
"نحن لم نعد من هذا العالم ... لكنك أنتِ ما زلتِ فيه."
اقترب أبي، صوته عميق وموجع:"البيت لم يعد بيتًا... لكنه سيظل في قلبك. لا تدعي الخراب حولك يخربك."
أخي الصغير تمسك بثوبي وقال بصوت بالكاد يُسمع:"عودي... قبل أن تختفي أنتِ أيضًا."
"أرجوكم لا ...لا تتركوني وحيدة"
وفجأة... وجوههم بدأت تتلاشى، رائحتهم تتبدد، دفء الغرفة يتبخر، ويعود البرد كصفعة على وجهي.
الطاولة التي كانت مليئة بالطعام، أصبحت لوحًا متصدعًا، والكراسي عظام خشبية مهشمة.
الصمت... إلا من صوت خافت خلفي.
نظرت حولي... كانت الجدران تذوب، الألوان تتسرب كالماء، رائحة الخبز تختفي لتحل محلها رائحة العفن والرطوبة. دفء الغرفة انقلب إلى برودة تشبه يد الموت.
يداي كانتا فارغتين، لكن قلبي... قلبي كان مثقلًا بثقل ألف حرب.
لقد تلاشوا جميعا كسراب لم يكن موجودا من الأصل .بقيت أحدق في الفراغ ....
حمقاء..غبية..
مالذي كنت تنتظرينه؟
لقد ذهبوا ...إختفوا....لم يعد لهم وجود
غرست أظافري في كف يدي و شعرت بها تخترق جلدي...
لماذا...فقط لماذا...
سقطت على الأرض، جسدي مثقل والدموع تتساقط بحرقة لا تتوقف. كل قطرة دمعة كأنها تفتح جرحًا جدیدا في قلبي، في عقلي، في روحي. الغرفة التي كنت أعرفها منذ طفولتي لم تعد سوی صمت ثقیل، أثاث مغطی بالغبار، ذکریات تتسلل من بين الجدران. أسمع صوت أنفاسي المتقطعة، قلبي يضرب بقوة،
وکل جزء من جسدي يصرخ بالتعب، بالوحدة، بالفراغ.
نهضت بصعوبة، خطواتي ثقيلة، كأن الأرض نفسها ترفض أن تتحرك. صعدت الدرج، کل خطوة تصدر صریرا يخترق صمت المكان، کأن کل زاوية تهمس لي:"لقد فقدت کل شيء... كل شيء عاد إلى الرماد"
وصلت إلى غرفتي ،حبيبتي ، الغرفة التي كانت مأواي، لكنها لم تعد کما ترکتها. الغبار یکسو کل زاوية، الستائر الممزقة تتراقص مع النسيم البارد، والسرير البارد
يرحب بي بصمت قاتل.
عيوني تحرقني و الدموع تملأ عيني لكني
توقفت عن البكاء،الصراخ
استلقیت عليه، شعرت بالبرد
يلتهم جسدي، والحنين يلتف حول قلبي، يتشبث بي کما لو کان پرید أن يقتلني بالحياة التي فقدتها
عانقني سريري كما يعانق الموت جيدا تعب من الحياة...هناك رائحة...جميلة جدا على الوسادة لا بل في كامل الغرفة شممتها منذ أن وطأت قدمي الغرفة....
ساحرة و مخدرة ...لكني لم أهتم بها كثيرا و كم كنت غببة لأني لم أفعل فقد خدرت حواسي و أراحت جزءا من قلبي...
يمين كما لم أبكي من قبل ،بصوت علي و قلب ممزق....
ساعات مرت وأنا أبكي بحرقة، دون أن أدر کم مضی من الوقت. حتى أن جسدی کله بدأ يلين من التعب، أنحنیت على الوسادة، أغمضت عيني، وأحاول أن أستنشق الهواء بصعوبة. كل نفس کان یذکرنيبأنني لا أزال هنا، وحيدة، بلا ي شيء سوی ذکرياتي الممزقة.
أغمضت عيناي ليس نوما،بل خنوعا،
ثم...
"مالذي تفعلينه في مكاني المفضل؟"
تجمدت،
الصوت خرج من العتمة،كأنه نبت من الجدران و أشرب من شقوق الماضي المؤلم
عميق.
هادئ...كأنه يعرفني
أنفاسي توقفت و كل شيئ داخلي كان يصرخ..
كان صوتا رجولي منخفضة يحمل نبرة لعبة طفولي مريض ،
بدى لي أنه يخسر من هشاشتي كأنه كان يعرف أنني سأعود يوما.
إنتفضت كأن سكينا إخترق قلبي،الصوت لم يكن غالبا لكنه إخترقني
خرج من الظلام كمن تخرج الأشباح من النسيان
كان دافئا بشكل غريب،دافئا بطريقة تشبه النيران الصغيرة حين أشعل في غرفة مغمورة بالمطر
لكني لم أشعر بالدفئ ...بل بالخوف .
إستدرت ببطئ ،رأيته يقف في غابة الغرفة،الظلال تحجبه كأنها تعرفه أكثر مني ،لكن عيني إلتقطت بعض التفاصيل، رداء عسكري داكن اللون،مغبر كأنه أتى من ساحة المعركة.
حذاءه يئن تحت وزنه و الرمال يلتصق به كما يلتصق الذنب بالجناة...
وجه لم يظهر بوضوح لكن هالته كانت كبيرة بأن تبعث قشعريرة في عمودي الفقري..
إنه منهم
من أولائك الذين إجتاحوا بلدي كالطاعون من زرعو الدخان في سمائنا وذبحوا الضوء في عيون الأطفال.
بدأ قلبي ينبض كأنه پريد الهروب من بين أضلعي.
عيناي جالتا في الغرفة... باب، نافذة، منفذ؟ لا شيء... إلا الطاولة الخشبية الصغيرة التي تهالکت من العفن،
اقترب بخطوات بطيئة، لكن ضحکته سبقت خطواته، ضحكة مجنونة، مشروخة، تحمل صدی من فقد عقله،
ضحكة لم تخلق لتسمع... بل لتطعن.
قفزت نحو المنضدة، يدي ترتعش، أعيني تبحث، وها
هو...
مقص صدئ.
صغیر، هش،
لکنه سلاح حین تکون الروح في خطر. قبضت عليه، أخفيته في كفي كأني أخفي سري الأخير، لكته أصبح أقرب.. بات أمامي،
همس وهو يمد يده نحوي:
إلى أين ستهربین، ها؟"
لم أجيب...
في داخلي، كانت شظایا ذاکرتي تتجمع. بيتنا القديم، صوت أمي وهي تضحك، دفء يد أبي، أيام كنت أركض بين الأشجار لا أخشی شیئا سوی تأخر
الغروب...
والآن؟ صارت بلادي خرائب، وأهلي رماد، وأنا غريبة في بيتي. شعرت بالدم يغلي في عروقي... الغضب انبعث من أعماقي كحمم برکان أجبر على
الصمت طویلًا.
وغرزث المقص في كتفه.
صرخة...
لم تکن مجرد ألم، بل غضب وعجز.. تراجع خطوة، أنين غريب خرج من صدره، كانه لم يتوقع أن أقاتل. استغلت اللحظة.. ركضت، لا أنظر خلفي أركض كأنّ التراب سينهار من تحتي، كأنّ ظلي صارعدوي.
طلقتان.
ثم أخرى...
لكنني لم أستدر، لم أرد أن أعرف من سقط.
انعطفتُ، وقلبي يلهث قبل خطواتي...
فتوقفت.
أمام عيني... شيء كان يومًا إنسانًا.
لا ملامح، لا وجه. مجرد كتلة متآكلة، كأن الحرب بصمتها الثقيلة قرّرت أن تكتب قصيدتها عليه.
الهواء حوله كان فاسدًا... مثقلًا برائحة تصرخ دون صوت.
لم أصرخ.
لم أركض.
فقط شهقت.
وكانت الشهقة أقسى من ألف صرخة.
ركعت، والمعدة انقلبت كأنها تريد لفظ كل ما عشته. خرجت مني مرارة صفراء، لا شيء غيرها، كأن الجوع نفسه صار يتقيأ من فظاعة ما رأيت.
مددت يدي أبحث عن ذرة هواء، عن خيط يربطني بالعالم. لكن الهواء صار خائنًا... ثقيلًا، خانقًا، كأنه هو الآخر لم يعد يجرؤ أن يدخل صدري.
ثم...
الصوت.
قريب جدًا... أقرب من قلبي لضلوعي.
ــ "ألم أقل لك أنه لا يوجد مهرب؟"
يده لامست كتفي.
كانت برودتها حادة كحدّ السكين، سرت في عمودي الفقري حتى انغرزت في نخاعي.
تجمدت.
لم يعد لي جسد... فقط قشرة خاوية تحاول الصراخ دون فم.
خطوات أخرى... ثقيلة، وصرخات بعيدة بلغة غريبة، كلّها اقتربت.
ثم أُمسكت.
كيس، هكذا عاملوني، كيس قذر يُجرّ على الأرض. رفسة هنا، دفعة هناك.
والشاحنة...
أبوابها انفتحت كفم وحش أسود، يبتلع بلا شفقة.
وحين أُغلقت، لم يعد هناك ضوء. لم يعد هناك مأوى. لم يعد هناك خيار.
لم أكن أرى شیئا عصابة العينين کانت محکمة، كأنها لا تريدني أن أرى حتی داخلي وجهي كان ملتصقا بأرضية معدنية باردة... كانت رطبة، كأنها تبكي من تحتي. كأنني، للمرة الأولى، أكون أقل من إنسان... كومة لحم
على أرض شاحنة عسكرية.
الحديد تحت خدي كان کیبا... له طعم الصدا.. طعم الموت. ومع كل انعطافة، كنت أرتطم بالأرض من جدید... کنهم يعيدونني إلى مكاني الطبيعي: في القاع.
يدي مقیدتان خلف ظهري. قدماي كأنهما لیستا لي. جسدي كان كتلة من الألم المتخثر، وروحي...لا أعرف، ربما نزعت، أو تفثتت في الزاوية المظلمة من تلك الغرفة التي غادرتها مجرورة.
لکن رغم کل هذا... کنت أشعر به
لم یکن يتكلم، لم یکن يتحرك كثيرً... لکن هالته كانت تملاً الهواء.
هو جالس على کرسي ما، بعید قلیلا، یراقبني. کنت أعرف. كما يعرف من یکون محاظا بالوحوش أين يقف الذئب.
وفجاة.. خطواته اقتربت. ثابتة، واثقة، لا تنتمي لهذا الضجيج الوحشي من الخارج.
ثم...
شعرت بیدیه ترفعانني عن الأرض. رفق غريب في أصابعه، لا يشبه أولئك الذين جروني كأنني غنيمة، أو حقيبة فارغة.... ببطء جعلني أرتجف أكثر، كأنني أُقدّم لطقس غامض لا عودة منه. أجلسني أمامه. أجلسني على الكرسي الحديدي،
ثم... فجأة، انزلقت العصابة عن عيني.
الضوء اخترق جمجمتي كأنني خرجت من قبر
أغمضت عيني بقوة، حتی دمعت، ثم فتحتهما
تدريجيا...
.. رأيته.
وجهه کان ساكنًا كصخرة قديمة على حافة جبل، عيناه... لا أعلم، كأنهما تراقبان الأشياء من خلف الزمن. فيهما برودة، لا تشبه الشتاء، بل تشبه الفراغ.
کان جالسا أمامي.. ثيابه العسكرية، نظيف، مرتب، ساكن... كأنه ليس من هذه الحرب، كأنه خلق فقط ليکون شاهدا على نهایات الآخرين.
ابتسم فجأة، وارتجف شيء ما في صدري.
قالها بهدوء:
"أهلا... بجاسوستنا الصغيرة."
جاسوسة؟
رمشت، شعرت بالدم يهرب من وجهي، وكأنّ الكلمة صفعتني. کنت أظن أنني انتهیت، والآن... كلمة واحدة فتحت أبوابًامن الرعب لم أكن أعرف أنها موجودة.
جاسوسة؟ أيعقل أن هذا ما يظنونه بي؟ أم أنه فقط يلعب بعقلي؟
شفتاي تحرکتا، أردت الصراخ، النفي، أردت أن أبصق عليه، أن أقول له أنني مجرد فتاة، ضائعة، مسحوقة... لکن لم أتكلم. الهواء علق في حنجرتي، وخوفي جلس على صدري
بثقل.
أردت أن أتهور، أن أقف، أن أرمي جسدي على الباب، أن أهرب، أن أصرخ... لکن شیئًا داخلي- شيء غريب، عمیق، خامد أمسك بي من الداخل.
کان مثل ظل طويل يسحبني إلى العمق.
"اهدئ." همست لنفسي. أنت في حفرة، وهذه لیست اللحظة التي تُكسرین فيها.
فکرت...
إن تهورت الآن، سأخسر. سأموت؟ ربما... أو ما هو أسوا... سأصبح لعبة في يد هذا الرجل الذي لم پرمش حتی الآن.
كنت أراقبه. نفسي انکسر، لکنه لا پری. لا أريد أن يرى.
ضغطت على أسناني، ابتلعت ارتعاشتي.
كکنت أنظر إليه وكأنني أتحداه بصمتي، لكنه في الحقيقة كان ينظر إلي وكأنه يقرأني.
اقترب أكثر..
انحنی.
وهمس بجانبي، قرب أذني، بصوت رخیم وبارد:
"هل تعتقدين أنهم سیبحثون عنك؟"
رائحة جلده کانت تشبه المطر على التراب المحترق، حادة، قاتمة، مألوفة على نحو مخیف.
شعرت بالدم يتجمد في عروقي.
ثم ضحك، بخفة، كان کل شيء لعبة.. ثم استقام واقفا.
"سنری، یا جاسوستي الصغيرة... سنری کم ستصمدین قبل أن تنهاري."
وابتعد.
أنا... لم أرد
لكن داخلي کان پنحت سلاحًا من الصمت. صمت مشحون بوعوپ لا يسمعها أحد... لا أنا.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
أنتم... نعم أنتم.
تظنّون أنكم تقرؤون، بينما في الحقيقة أنتم تُقرأون.
هل صدّقتم أن البيت بيت إيلارا فقط؟
كاذبون.
لقد دُعيتم أنتم أيضًا... إلى المأدبة السوداء.
لكنّكم كنتم معها، تركضون في الممرّات، تصرخون حين رأيتم الجثة، وترتجفون عندما أمسكها ذاك الصوت المظلم.
هل شعرتم ببرودة يده وهي تُطبق على معصمها؟
هل سمعتم الحديد يُغلق خلفها في الشاحنة؟
لا تحاولوا الكذب على أنفسكم...
لقد كنتم هناك.
كنتم هي.
هل رأيتم الجثة بلا أطراف؟
توقّفوا عن الكذب.
أنتم منزوعة الأطراف، لا هي.
أنتم من صُلبت أرواحكم على مسامير الشاشة.
وعندما أُغلق الباب عليها، وابتلعها الحديد،
وانسكب الصوت القاسي: أهلاً بجاسوستنا الصغيرة...
لم يكن يخاطبها وحدها.
كان يناديكم أنتم أيضًا.
أنتم الذين تتلصّصون على الحكاية وتظنون أنفسكم في مأمن.
لكن لا مفرّ.
لقد كُتبت أسماؤكم بين السطور، وانسكب حضوركم في هذه الصفحات.
لن تخرجوا منها سالمين.
أنا لا أكتب لأمنحكم طمأنينة،
بل لأجعل قلوبكم تتصدّع حتى تسمعوا صداها.
والآن... جاء دوركم.
أريد رأيكم في كلّ شيء.
في الذاكرة، في الرعب، في الجثة، في صرختها...
وفي الحقيقة التي بدأت تتسرّب بين السطور.
لكن تذكّروا... كلّ إجابة منكم قد تُصبح بداية لفصل جديد.
فهل ستجرؤون أن تجيبوني؟
أم ستنكمشون تحت أغطيتكم، ترتجفون كقطط مذبوحة؟
أجيبوني...
قبل أن أكتب اسم كلّ واحد منكم بالدم، في الصفحة القادمة.
وللتكملة بقية
فلا تتسرعوا في الحكم.
مساحة للذكر:
✓الله أكبر
✓الحمد لله
✓سبحان الله
✓ولا حول و لا قوة إلا بالله
ولا تنسوا النجمة و التعليق بما يثير فضولكم الجميل
La plume de diva🪽
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!