مقبرة النجوم
أكره القوارب.
ككره الجروح للملح، الأشجار للفؤوس، والأرواح الملعونة لأجسادها القديمة.
فالقوارب ليس إلا توابيت متحركة تطفو فوق هوة من الملوحة المميتة.
خاصة وإن لم تكن لديّ وجهة محددة، فقط أنتظر الإلهام او تلميح من السماوات، ولم تخنني الإشارات السماوية قط.
فلأنتظرها، حتمًا ستشفق علي.
البوصلة دارت ثم انكسرت. الطائر الذي أرسلته ليرشدني عاد مشويًّا. والنجوم؟ لا تعلق على قراراتي بعد الآن.
وأنتظرها تفعل فعلًا، ستفعل حتمًا...
صحيح؟
.....صحيح.
أقلت من قبل إنني اكره البحر كذلك؟ والسلطان؟؟
ممتاز، لأقولها مجددًا إذا.
جلستُ بمنتصف القارب شبه الفارغ، مبسطًا عباءتي على الأرضية تحتي كي أخلص من ملمس الخشب العفن على جلدي، أرمي بظهري أرضًا كعجوز فقد طريقه وزجاجته المفضلة.
مرت يومان وليلة منذ مغادرتي ل آستيرليان.. هذه ليلتي الثانية، وأنا أكره كل شيء بالفعل أرغب بالعودة.
مازلت ناقمًا على سهولة خروجي من الضباب، بأمر من السلطان حتى الضباب الآن بصفه؟؟؟
منذ سنوات طوال وحاجزٌ ضبابيّ يحيط بالجزيرة، وإذ كان مجرد هواء ثقيل لجميع من يدخل ويخرج، كان كحاجز مطاطيّ نفطيّ لي.
لأن كل شيء يكرهني.
كل شخص يفعل لما لا تنضم الطبيعة لحفلة كرهي؟؟
أنا من يقيم ويشرف على هذه الحفلة بالمناسبة.
حضرتي مدير الفرقة السمفونية للحقد الشخصي. الطبيعة مجرد عازف آخر
لطالما حاولت الخروج لكن كلا، لتكن آستيرليان سجني الجميل.
أتخيل تاج الدين يضحك شامتًا وهو يخبر ضبابه: «اه دعيه يخرج هذه المرة، لعله لا يعود»
تبًا له. أكرهه من صباه.
حين كان طفلًا نعتوه بالملاك، ذاك الغر؟؟ ملاك؟؟
تمتمتُ تحت أنفاسي «كذلك كان لوسيفر، كونوا أكثر دقة»
رطم موجٌ آخر القارب كأنه يداعبه، ولم أتمسك بشيء تدحرجت بحرية الموج يمنًا ويسرًا على الأرض كسجادة مستعملة، الكل يهددني بالقتل ولا يفعلون شيئًا فعلًا، وهذه الموجة ليست استثناء
لم أكن لأتحرك لولا إني لقطتُ بطرف عيني أغراضي ترغب بالفرار من الحقيبة القماشية.. هؤلاء ال-!!
قفزتُ بالمصعوق بأتجاههم، وداعب الموج قاربي مجددًا...
لا أعلم فوق ماذا دستُ، فقط هويتُ للأمام أدعك الأرض بوجهي.
«....اوتش»
لماذا حضن الأرضية مريح؟
هل بلغتُ من الوحدة هذه الدرجة؟
لأبقى هكذا... أوه، أوه واللعنة، كلا.
نخرني رائحة الخشب العفن لأتدحرج مجددًا أعطيه ظهري، اتأمل السماء السوداء الخالية من النجوم.. ترمقني كأنها تناولت شيئًا سيئًا على الطعام.
كعادتها، منذ سنوات وقلما تظهر النجوم في السماء.. كأنها تنتظر أعتذارًا حتى تنهض من رمادها مجددًا.
مددتُ يدي اجمع ما سقط من الحقيبة القماشية، ألغيت السحر عن كل جماد.. عادةً ما أترك أغراضي تتنفس، تتلوى، تصدر أصواتًا... كي لا أشعر بالوحدة.
لكنني لم أفعل منذ أن خرجت من آستيرليان
وصدقًا، لا أعلم إن كنت أريد فرصة لعقد صلحٍ مع الوغد الأكبر، دماغي.
أم إنني أخشى أن يمر بي قارب ويرى السحر، فأنا في البحار الغربية أظن...
وحمامي عاد مشويًّا، تهديد أنيق، ووجبة شهية.
شكرًا لمن فعلها. الطعم يشبه طبخ شروق في بداياتها،
حين كانت لا تفرّق بين الملح والسكر.
سحبتُ الخريطة، اتأمل الجزيرة وضبابها المتحرك.. بضع جزر حولي، الورقة تخبرني أن قرشًا يسبح شمالي ببضعة أمتار.
همستُ للقارب «جنوبًا، من فضلك.»
«أسمع عزيزي، صف في الدور... هناك أشخاص يرغبون بي منذ عقود.»
تنهدت أراقب الفراغات في الخريطة... تنتظر الالهام كي تمتلأ، وأعدت نظري للسماء
«ممن تنتظرين أعتذارًا؟ أستقبلين بخاصتي؟»
تنهيدة أخرى وهمتُ بطي الخريطة.
لكن نجمة ومضت..
لا مهلًا ماذا؟
هل وصلت لتلك المرحلة من إثارة الشفقة؟
قفزت على قدماي، عيناي مثبتة على النجمة الوحيدة، بعيدة، خافتة، لكنها هناك
«....فعلًا؟»
وومضت مجددًا، تسمعني.. تم إنقاذي.
*****
لا طيور، لا أصوات، لا أي شكل من أشكال الحياة..
أرسيتُ قاربي بصعوبة ونزلت، لا بل قفزت منه كمن يهرب من لعنة.
عدّلتُ قبعتي. لن أترك الشمس تحرق وجهي.
وجهي سيُحرق لاحقًا على يد مصيرٍ أكثر إبداعًا، فلا داعي للاستعجال.
الأرض لينة هنا بشكل مريب، كأنها ترغب برفض أستقبالي
لكنها تسمح... وصراحةً هذا اسوء. الرفض أرحم من التقبّل الشامت.
اهديتُ السماء عرضًا لا يفوّت وأعتذارًا يفتت القلوب، شعرتُ إنها تحكم عليّ.. كوني لا أدرك علامَ أعتذر حتى، لكنها... قبلت؟ ربما-
وأسقطت شهبًا، كأنها أخذت أمنيتي ونداءي معها الى حيث تفنى... إلى المقبرة
وهو ما أعطاني طريقًا أخيرًا
فالمقبرة لن تبتعد عن مطرح قلب النجوم.
وخريطتي عرفت هذا وسجلته، راسمة طريق جديد في الورقة الخالية.
أطارد شُهبًا الآن، ما أروعني.
نظرت حولي. غابة تلوّح لي بأغصانها، بحيرة بلون الحبر، وصخور تنبض بخفوت كما لو كانت... قلبًا.
«مرحبًا بك، أيها الأحمق. لقد بدأت.»
كل شيء حولي بدا كلوحة رُسمت في حلم شخص يحتضر.
ا
لأشجار ملتوية، ملتفة على ذاتها، وكأنها حاولت أن تنقذ فروعها من شيء ما... وفشلت. أوراقها سوداء.
لا ذلك الأسود المخملي الراقي، ولا البنفسجيّ الغامض الملوكي.
لا. هذا سواد بلا نية فنية. سواد يذكّرك بجنازة لم يُعزَّ فيها أحد.
مثل جنازتي القادمة مثلًا، لطيف.
تقدمت بين نباتات لا أعرف أسماءها، بعضها ينبض. حرفيًا. أحدها حاول التمسك بطرف ردائي، كأن بيننا ماضيًا لم أفهمه بعد. مهلكِ يا صغيرة أكسرتُ قلبكِ وهجرتكِ قبلًا؟
«هممم...» تمتمت لنفسي، عُرف قديم تعلمته في الأزقة الخلفية لكتب التنجيم: إذا شعرت أن هناك مَن يراقبك، تصرف كأحمق. الأشباح لا تطيق الحمقى.
فتحت ذراعيّ وتحدثت بصوت مرتفع.
«جزيرة شيئًا ما شيئًا ما لا أعرف أسمك بعد، أنا مجرد مسكين، زائر ودود. أبحث عمَ يحميني من بلطجة طاغٍ، إلعنيه بدلًا مني.
لستُ هنا لحرق أشجاركِ، ولا تجفيف بحيراتكِ، فسامحيني لو أزعجتُ أرواحك فأنا أخرق بعض الشيء، أصدقاء؟»
والحمد لرب السماوات أن لا شخصًا يعرفني يسمع فالنبرة جعلتني أرغب بعض لساني.
سكتُّ. انتظر...
لكن رائع حتى الصدى تجاهلني. الصبر.. الصبر.. خطوت خطوة. الأرض تنهدت. حرفيًّا.
كدت أتراجع... لكنني رأيت شيئًا.
طائر.
طائر بلا ريش. عظمي. يجلس على غصن ميت كأنه ينتظرني. نظر إليّ. لا، نظر فيّ. ثم نقر الغصن، ثلاث مرات، وكأنها شفرة. ثم طار.
باتجاه ما يشبه ممشى ضبابيًا.
يا لسعادتي. ضباب مجددًا.. لم أشتق ابدًا.
مددت يدي. قبضت على لا شيء. كعادتي.
وتبعت الطائر.
*****
كان الممشى ضبابيًا، كما توقعت
لكنه لم يكن فارغًا كما أملت.
الضباب ليس ستارًا هنا، بل كائن. كائن يتحرك، يزحف، يتلوّى كأفعى تُغني لنفسها. كلما خطوت، شعرت أنني أدخل في حنجرة كيانٍ لا يريد ابتلاعي...
اوه هيّا! لا تخدش كبريائي أنضم لمن يرغبون بموتي! لكن كلا أشعر به يريد تقيؤي
أهذا من رائحة الخشب العفن؟
وصلتُ إلى مفترق طرق، إن جاز تسميته بذلك. كان هناك جذع شجرة ضخمة، مشقوق من المنتصف، يتصاعد منه بخار بارد له رائحة الرماد.
وقفت أمامه. رفعته حاجبيّ بسخرية، وسألت
«ايه؟ المفترض أن أدخل هكذا فحسب؟ دون طلاسم مكتوبة بالدماء او نبؤات تهدد مستقبل ممالك؟
بحقك، حتى ألعاب أطفال أكثر جديّة من هذا»
الشق بجذع الشجرة تقلص وعاد لحجمه عدة مرات وكأنه يتذمر. «أفقدتَ صوتك؟ أعتذر أنا لا اجيد لغة الأشجار، أنحاول بلغة الإشارة؟»
صوت.
لم يكن صراخًا. لم يكن همسًا. بل مزيج مريب، كأن أحدهم يحاول تذكيرك بكابوس قديم نسيتَ ملامحه، لكن قلبك يتذكره جيدًا.
«أرجع..» قال الصوت. أو ظننت أنه قال.
«أخيرًا! أخيرًا أحدهم ينصحني بذلك! لا أنت فعلًا تجاوزت توقعاتي لم أكن أدرك إننا سنصبح أصدقاء من أول محادثة، أحبك يا رجل... يا شجر؟ بمَ تُنادى؟»
ما أن لمستُ الجذع حتى سحبتها فورًا بهسهسة، لسعني!! هل أهنته؟
على راحتي وجدتُ أثر يدٌ صغيرة متفحمة.
«يا لسعادتي، أتعامل مع شجرة مصابة بالطفولة الملعونة»
الشق أُغلِقَ بينما سمعتُ الصوت يخبرني أن أرجع مجددًا، تراجعتُ فعلًا وخطوتُ بضع خطوات هنا وهناك بالأرجاء، أوهمها إنني هربتُ خوفًا حتى تفتح الشق مجددًا.
ولكنني لم أهرب. أنا لا أهرب، بل أؤجّل المواجهة حتى أجهّز نكتة مناسبة للموت.
ربما إذا أضحكته قد يتركني بسبيلي
ومع تلك الفكرة المطمئنة، قفزت على حين غرة فوق الجذع ما أن فتحت شفاهها مجددًا.
لأهبط في مكان آخر... أبعد، أعمق، وأكثر جنونًا مما توقعت...
*****
الضوء اختفى.
ث
م عاد. خافتًا، نابضًا، كما لو أنني أنظر من تحت الماء... إلى سماء من نار. لكن النار لم تحرق.. بل كان كحضن أم طال أنتظارها لفتاها.
النار كانت تنتظرني...
اوه...
اوه.
لا أشعر بسحري.
شهقة، لا هواء.. لا أتنفس. ولا أغرق. أنا.. أطفو؟ لكن ليس على سطح. بل في فضاءٍ داخلي، رخو، مائع.
لا جدران حولي، لا سطح، لا أرض.. كنت أهيم بنتصف اللامكان.
فقط غيوم داكنة تتخللها ومضات متقطعة،كشظايا ذكريات مضيئة.
ما أن أحاول التركيز بأحدها حتى تنكسر وتتفتت كرماد.
لكني أردت المشاهدة.. لم تكن رغبة بل كياني يناديني، يصرخ فيّ كي أشاهد، ففعلت.
رغم معرفتي إنني بهذا أنهي وجودهم كأنهم لم يكن، رغم معرفتي إني بمشاهدتي لهذه اللحظات ستختفي، ستتكسر، ستزول..
لكني أنانيّ. دائما ما كنتُ كذلك.وإن كان تفتتها يُشبع حاجتي، فلتتفكك.
ليحترق هذا العالم إن كان في ذلك عزائي.
ففعلت.
عيني تحولت من اللامكان لأول نجمة لمعت، وتوي أستوعب إن ما كان يومض حولي لم يكن سوى نجومًا.
ومضت، ورأيت مطرٌ يرتفع من بحر شديد الزرقة الى السماء، يرتفع كأنه يبكي..
فالبحر تبتلعه النيران السوداء... بكل ما فيه من حياة، الصرخات تهاوت والنواح خبى..
فالنجمة اندثرت بعدما سرقتُ غايتها.
فالنجوم ميتة، غبار كوني يحمل الذكرى والأماني كحبل نجاة يربط ما تبقى منه بنا، وإن سلبته، يختفي..
يا لفظاعتي.. هكذا أرد دينهم بعدما ساعدوني منذ الصبا؟
لكن مُحال توقفي الآن.
أردتُ الاعتذار وأنا أقتل نجمة بعد أخرى، ابتلع ما بها من ذكريات.. أدرك تمامًا أن انجذاب هذه النجوم لي بين الملايين لسبب، أن ما تحمله يخصني..
تحمل ما ضاع مني، وسأسلبهم غصبًا وأن عنى تمزق السماء.
إنه مني وإلي. ماضٍ ضائع، أنا أستعيده جريمةً بعد جريمة.
لذا، أردت الاعتذار فعلًا...
لكن صوتي لم يخرج، الصوت الوحيد هو صوت شيءٍ يتكسر بداخلي.
الصوت ينبعث من كل مكان. من داخلي. من الخارج. من الماء. من الضوء. من جسدي الذي بدأ يذوب.. أو يتشقق.
لم أفزع حتى...
سرقتُ ضياء نجمة أخرى ناحت فوق رأسي، مدتُ يدي أمسكها كالتفاحة، كأني على وشك قضمها وإن كانت فاسدة.
لم أسرق منها سوى لمحات..
عينان بلون الؤلؤ، ضحكة، يدان بأصابع متشابكة..
قصر، سجن، صراخ...
سقطت النجمة، هوّت من يدي غير الموجودة الآن، كنتُ اذوب...
هل من الحرارة؟ النار مازالت تعانقني وإن لم تحرق.
لمَ لا تحرق..؟
إحدى الغيوم شقّت نفسها كما لو أنّها تنجب شيئًا لا ينتمي إلى هذا العالم.
وانفجرت.
لكن بدل المطر... خرجت منها نجوم.
صغيرة، ساخنة، تطنّ حولي كالنحل، تلسع الهواء وتُشعل الصمت.
وسط الضوء المتناثر، ظهر ظل شديد البياض.
لا... لم يظهر.
تكوّن. كأنّ الضوء ذاته اختار أن يتحوّل إلى جسد.
ما أن أقترب الظل حتى بانت هيئته من بعيد، يبدو كفتى.. يحمل رمحًا نُحِت من المذنّبات القديمة وتُركَ في السماء لأجل يومٍ كهذا..
«تبالغ الثقة بالإشارات السماوية بنسبة لساحرٍ لا يثق بظله، لم أظن أنك ستتبع الشهب التي ارسلتها فعلًا..»
...ها؟
من؟؟
وقبل أن أستوعب، أفكر أو أرمش حتى، ضربني شيء لم أدرك ماهيته لأشعر بجسدي يعود بشريّا ويتأثر بكونية المكان أخيرًا.
البرودة تتسلل لعظامي، ثم تتحوّل إلى حرارة حارقة، ثم تعود مجددًا. كأن الزمن يخلعني، يعيد تكويني.
افلتتُ أنينًا متألمًا، صوتي عاد.. لكن الرهبة تمنعني من أستخدامه.
من هذا الوغد؟
«مغفل، أيحترق المحترق مرتين..؟ أيفقد المرء قلبه... مرتين؟»
الصوت الجهوري اخترقني، لم أعرفه لكن حدسي يخبرني بالفعل بهوية هذه الهيئة
حامي قلب النجوم...
الإكليل الأبيض أخفى ملامحه، لكنه كشف هويته.
كان دليلًا على إنه أبن الحُماة.
ناداني باسمٍ أسرعت النجوم بتشويش سمعي بهمسات وصرخات ما تحمله. آثرت الموت على أن يصلني الاسم.
النجوم سقطت شُهبًا.. فقط كي لا أستعيد أسمي
يا لقسوتكم... عرفتُ إنكم ستنتقمون.
«عجيب.. أتركب دروبنا من جديد بعد كل هذه السنوات؟ لا نستقبل الخونة بيننا، عكس البعض.. لن نُلدَغ مرتين.»
ورمى بشيء آخر إتجاهي، يجعل جسدي يحترق فخرج صوتي أخيرًا
على شكل صرخة متألمة بلعتها إحدى النجوم، وومضت مبتعدة عني
وهنا فعلًا... شعرتُ إنني سأموت.
شعرتُ بأن عظامي تنكمش إلى الداخل، تُعيد تشكيل نفسها كأنها تُفصَّل لهيكلٍ لا يخصني.
وجهي امتدّ كظلٍ في غروبٍ مقلوب، وشفتيّ انفصلتا عن بعضهما حتى شعرتُ أنني أبتلع الهواء ككائن لا يعرف الرئتين.
جلدي كان ينكمش ويتمدد في الوقت نفسه، كمن يُجرُّ بين ولادتين دون اختيار أيٍّ منهما.
لم أصرخ، لأن الحبال الصوتية نفسها كانت تذوب، تتحوّل إلى خيوطٍ زجاجية تتفتت في صدري.
وهنا تراجع الحامي خطوة دون أن يشعر، كأن شيئًا فيّ نبش ذاكرة دفينة داخله.
رفع رمحه، لا ليطعن، بل ليدافع عن نفسه.
«ما هذا الذي فعلته بنفسك؟»
صوته لم يكن يقينًا، بل هلعًا مكتومًا.
«هذا ليس من سحر النجوم... هذا من شيء أقدم.»
لاحظت الارتعاش في رمحه، لكنه أخفاه بتقوس جسده في وضعية هجوم.
كأنما يحاول أن يقنع نفسه أنني ما زلت "الخائن" فقط... وليس شيئًا آخر.
«أنت لا تَذكر، أليس كذلك؟»
صمتُ، وعاد جسدي كما كان.. كأن كل التحوّلات الجسدية لم تكن سوى صدى لهذا السؤال فقط.
أستقام الحامي مجددًا، وهمس لنفسه بينما يرمقني كمن يشاهد لعنة تُصنع.
«إنهم محقّون... بعض الأرواح لا يجب أن تُعيد تشكيل نفسها.»
رمقني الحامي بعينين تقدحان أسىً لم أفقه سببه
«أتظن النجوم سقطت لك؟ بل هي تُسقطك، مجددًا. كم مرة يجب أن يُعاد مشهد الخيانة حتى تستوعب؟»
شهقتُ، لا من الألم، بل من ذاك الإحساس الغريب الذي تسلل فجأة إلى أعماقي...
صورة... صوت؟
أمرٌ صُرِخ في وجه الريح... قلبي ينبض داخل صدرٍ ليس صدري..
«...أي خيانة؟ »
نظر إليّ مطولًا، ثم اقترب، ببطء هذه المرة، كأن كل خطوة منه تُقصي حجابًا من نسياني،
وقال بهدوء، دون تهديد، بل كمن ينعي من يحب،
«حين كنت تملك قلبًا، سرّبت النار إلى البحر. دمّرت عهداً وكسرت قَسماً.. مرتين.»
طاف الحامي حولي، يداعب النجوم التي تنوح وتقهقه، قبل أن يكمل
«وقلنا، لعلّه طيش الشباب، فسامحتك النجوم وتركتك تمضي
لكنك عدت. دون ذاكرة، دون ندم، دون أن تعلم أنك من سلب البحر لونه، والسماء طريقها.
أتبتغي سلك الطريق ذاته مرتين؟»
سقطت نجمة، وتحولت إلى رمادٍ دون صوت.
ارتعشت أخوتها حولنا، كأنها تخاف أن أسمعه أكثر.
لكن الى الجحيم مع قوانين الكون.
أحتاج أن أفهم..
أن أتذكر مهما كانت مالهراء الذي نسيته
من لعن يوم ولادتي حتى ألقي تعويذة النسيان على نفسي بيداي..
وعمَ يتحدث بحق السماوات...
لذا بلعت غصتي «حامي النجوم.. لابد من سوء فهم قد حصل، ثم انك تكرر نفسك كالأحمق بقولك مرتين مرتين مرتين، غيّر المترادفة على الأقل»وخرج صوتي مهزوزًا..
تبًا.
وسيقتلني..
تبًا.
بلمحة العين كان صاحب الإكليل الأبيض أمامي، خافيًا ملامحه، اقسم إنها تشتعل غضبًا.
«لا اظنك بموضع يسمح لك بالسخرية، آ-»
ومجددًا، حامت النجوم كسرب نحل تمنعني الأستماع بتاتًا، تبثّ صداعًا لئيمًا بأصوات من عرفتهم منذ صباي، ثم تسقط شُهبًا ميتة..
أقسم إنه يقول أسمي.
ولكم أكره وأمقت وأغبض عدم حيلتي هنا.
رأيته ينظر للومضات التي تخبو وتسقط، إذ يبدو إنه فهمَ أخيرًا إنهن لن يسمحوا لي بالأستماع.
وبحقدٍ، سحبتُ الإكليل عن النجمي اللعين، أجعله يسقط رفقة الشُهب.
واه.. يبدو بشريّ طبيعيّ..
لولا عيناه التي تحمل النجوم في سوادها، لكنه فعلًا فتى.
نظر لي بأعين مفتوحة على مصارعها، لم يخل له إنني قد أفعل هذا
هيه، مفاجأة.
واللعنة على المفاجأة، الفتى قد لكمَ صدري، يرسلني طائرًا للخلف مع تلك الطاقة الحارقة مجددًا، لم أتحكم بصرخة ألم التي قد غادرت رئتاي بشهقة.
وآخر ما رأته قبل مهاجمتي بنورٍ أبيض لاسع كانت عينا الفتى قبل أن تتهافى النجوم كجنيات ضئيلة تخفيه من مجال رؤيتي..
«كي تبلغ طريق النجوم عليك الموت ثانيًة..»
اه قد سمع نصيحتي وغيّر ال'مرتين'
«منذ زمن، لم نعد نمنح قلب النجوم. بل نستعيده.
أتقبل أن تحترق؟ أن تتخلى عن قلبك؟
أحزر ماذا...
لا نقبل قلبًا ملوثًا كخاصتك ولو قربانًا
رغم أني لن أرفضه... إن كان اعتذارًا.
لكنّك سافل.
فغادر.»
وأخيرًا، النور...أبيض. كثيف. حتى الألم.
لا فعلًا مؤلم.
أغمضت عيني. وعندما فتحتها، كنت على اليابسة.
مبتلًا. مرهقًا. أشهقُ هواءً حقيقيًا، وأشعر بسحري من جديد أخيرًا...
والخريطة أمامي، جافة، لكنها متوهجة بخطّ جديد. سهم صغير يشير إلى الأعلى، حيث كنت قبل قليل، وخط مسارٍ آخر.. خط إلهام، نحو منتصف الجزيرة حيث يسكن سكانها ما بين الجبال والبحار.
تنفست ببطء. شهيق طويل.
وكأن الجاذبية قد أنتبهت لوجودي للتو، سحبتني أعانق الأرض، أرتجف من وابل ما جرى.. من الذكريات التي انتزعتها كمن يسلخ الجلد عن اللحم، ومن كل كلمة خرجت من الوغد الجديد هذا.
«لم أمت.. هذا تقدم»
هذه الأصوات الوقحة لا تكف عن إلقاء الألغاز.
*****
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!