وضع القراءة:

تعويذة

يُقال، حين تقرأ كتابًا أو نصًا قديمًا فأنك تستعير لسان الأموات لتنطق بكلماتهم المكتوبة.. إذ إنهم غيورين على رفاتهم هذه للحد الذي يمنعهم بالرحيل بسلام.
ما جعلني أفكر بوضع تعويذة لتحرق كتبي ثانية وفاتي كيلا أهيم هنا وهناك كشبح متعصب، فالناس حمقى لا يستحقون كنوزي. جديًّا-
وأظن أن وفاتي قريبة جدًا هذه الأيام، يا للشؤم..
يومًا مشؤم ولدت به يا تاج الدين يا حسرة على يوم ولدتَ به يا حضرة السلطان ال-..
لا بل وجودي كله شؤم لا عجب بما يحل بي!!
بتنهيدة عدت للتقليب بين صفحات مصفرّة. بحثًا عن وصفة ما، لشيء لذيذ أو قاتل، يُفضل الثاني-
سرقة ألسنة الأموات تروق لي احب أزعاجهم بتقصد نطق الكلمات بطريقة ملتوية.
لكنني متأكد إننا نترك لهم مجالًا لتلبسنا أحيانًا، فلا مجال لأقناعي بسبب لذة هذه الكعكة غير هذا!!
كانت تنقصني أربع مكونات حتى، أي هراء لذيذ هذا؟
لحظة أتكلم عن هلاكي الآتي، ولحظة بعدها اقف في المطبخ اربط أكمامي الطويلة وراء ظهري وشعري أبيضَّ من الطحين
فعليًا؟ كنت أستطيع صنعها دون هذه الفوضى.
لكن عمليًا، هذا جزء مهم من العملية.
إنه سر الطبخ بذاته.
قوام الكعكة؟ هش. عبيرها؟ فراولة.
لو كنت أعرف الغزل، لكتبت بها قصيدة تجعل سكان الآستيرليان يغمى عليهم من الخجل.
للأسف، كل ما تعلمته منهم من الشعر هو الهجاء-
وهجاء الكعك شؤم.
أجل لم يقل أحد هذا لكن لدي أنف كلب يلتقط أي فُتات رائحة الشؤم، وأثق بأحساسي أكثر ممَ أثق بعقلي الوغد
من الجهة الأخرى؟ يا لروعتي.
فرقعة بأصبعي، فطارت الكتب حولي بينما أكلم مجموعتيالعزيزة من الكتب 'الطبيعية' «كتاب الشعر... أين خبأتك أيها البائس؟»
أبتسامة أفرجها ثغري حين وجدت المطلوب اجعل البقية يسقطون على أرففهم برقة، اسمع الكتب تحتاج للطفٍ بالتعامل و-
«..لم اكن أبحث عنك، لمَ ما زلت احتفظ بك حتى..؟»
«أتسمع هسيسًا؟
أم أنينًا خافتًا
ينزلق من بين الأمواج؟
هناك... حيث البحر يعانق السماء
واللآلئ والنجوم تتراقصُ كبغايا مجوّفة،
تتزيّن...
وتتناسى أنها ليست إلا
أحجارًا ميتة،
من رملٍ، من غبار،
جمالٌ فارغ.
أتسمع؟
ذلك اللحن
غناء الحوريات، أم وهمُ المسحور؟
يُسحب جسدك للأعماق
كطفلٌ خُدر بالدفء،
بأصوات عذبة كالنبيذ،
تخفي تحتها
رائحة الدماء…
والموت.
أتسمع؟
أم أن السكون قد اخترق عظامك؟
هناك…
في العمق،
يرقد قلب المحيط،
بعيدًا عن الشمس، عن الضياء،
لامعًا… كطُعمٍ في الظلام.
يناديك.
يغريك.
كي يغرس رمحه في صدرك،
ويمتص نبضك…
ليعيش هو.
هل يُدعى هذا
جمالًا..
فارغًا؟»
...سكان الجزيرة فعلًا يحبون الحزن، كلماتها تجعل المرارة تتجمع على لساني..
لسان هذا الميت مرٌّ إذًا ولا يروق له قرأتي لكتاباته!
تبًا لي حين ارتأيت تعلم الشعر.
«فقدت شهيتي للكعكة...»
سأُبقي منه لسماء، ستروق لها كعكة فراولة مع الشاي الغربي -الذي وبالمناسبة أحبته، بوجهك جوّاد- أظنني سأمر عليها حين اُوصل مرهم شروق.
كذلك شراع البحّار وأعشاب الصيدلانية
وقد رشتني-.. اعني وصتني أبنة الخبازة لأخبارها عن نتيجة هذه الوصفة.
والعم سامر يحتاج سوار جلدي جديد بتعويذة القوة لتعين طرقه على السندان و-....
وقفت بمنتصف الغرفة، أشعر بجدرانها تخنقني فجأة.. أيادٍ تلتف وتسحبني، تثبتني بالأرضية..
تدق المسامير على أطرافي تمنعني من الحركة.
كالأغلال التي تقيدني ب الآستيرليان..
لماذا عليّ فعل كل هذا؟ الشقى اليومي.. عرق منسكب ودموع محبوسة لا تذرف أبدًا، تتحول لحمم تذوّب عظامي..
لم كل هذا الأهتمام بينما سلطانهم يلمّع المقصلة كل ليل قبل النوم من أجل رقبتي؟
أيسخر الكون مني؟
أيستحق الأمر هذا العناء فعلًا؟ تعبت.. كنت مكبل هنا لسنوات طوال، فصول كثيرة عدت منذ أن قيّد السلطان روحي هنا، جاعلًا أياي كالعبد هدفه هو الاعتناء بالناس هنا راميًا خلفي لقب الساحر الأعظم.
منذ مجيئي رأيت أطفالًا ينضمون للحياة، ثم شاهدتهم من نافذتي يكبرون كل يوم، والآن أرى أطفالهم يكبرون كذلك.
واتسائل فقط، كم جيل سأحضر هنا؟
متى سأغادر؟ ماذا كنت افعل قبل بقاءي هنا؟ وماذا عساي فاعلًا عند رحيلي؟ مالذي كنت ابتغيه من حياتي الطويلة هذه...؟
أدخلت الهواء لرئتي فجأة على شكل شهقة عنيفة، منتبهًا إني لم أكن اتنفس
طرق آخر واستوعبت إنه ما أخرجني من الثقب الاسود الوغد المسمى بعقلي.
«قادم! امهلني لحظة»
جعلت انفض شعري من الطحين حتى أستعاد سواده، وفكيت عقدة كماي من الخلف اجعلهما يسقطان كالماء المنسل، وتناهى لمسمعي الطرق من جديد يستفز أعماقي.
فتحت الباب بصفعة، لست عادةً أفقد أعصابي سريعًا، كل اللوم على السلطان.
«قد. قلتُ. قادم. !!»
«أحدهم بمزاج سيء اليوم، ألم يكن دوري؟»
وشعرت جسديًا بالغضب يضمحل وبختبئ بزاوية ما بعقلي، أبتسامتها الحانية مُعادية رسمت -غصبًا- أبتسامة كالمرآة على شفتاي.
«شروق...»
*****
«الشقي! حذرته مرارًا على عدم تقليل الاحترام لك!»
جلست شروق مقابل الطاولة بعد أن جعلت كرسيها المخصص يطفو من العلية الى هنا، احتفظ به هناك كيلا يفسده القط العجوز بمخالبه حين يتسلل إلي ليلًا.
«خائب الظن بكِ عزيزتي، إتباع التربية الغربية الحديثة لا نفع فيها، ما لك سوى الملعقة الخشبية سلاحًا لتجذيب الأطفال»
مررت لها كوب الشاي، بقطعة سكر وقرني قرفة كما تحبه، شاهدتها تستنشق بخاره ثم تهمهم قبل أن تهب بشربه، سعيد إنها ما زالت تحبه.
أبتسمت شروق مع التنهيدة الهاربة، عيناها تبدو كأنها تشاهد شريطًا قديمًا من ذكرياتها.
«ما عاد بأستطاعتي التلويح بالملعقة الخشبية كما الصبا..»
عيني سرقت نظرة ليديها... قد رسمت السنين ملامحها عليها، بأصابعها رجة خفيفة!
أبعدت بصري بسرعة متمنيًا إني لم أنظر قط، فقد كسر هذا شيئًا بداخلي..
«كاذبة! بل قد رقَّ قلبكِ ولان. أراها بعيناك لم تعدِ تستحملين آهة من طفل، لذلك أحفادك عفاريت مدللين!»
وجعلت شروق تضحك، كانت تضحك دائمًا بهذه الطريقة... تبدأ من صدرها، وتنتهي عند عينيها.
لكن صوتها كان أضعف.
ضحكتها كانت أبطأ.
تُبيّن آثار فرشاة السنين بوجهها.. ولا أرى بوجهها سوى ملامح تلك الطفلة التي كانت عليها حين أتيت هنا أول مرة..
كانت طفلة نشيطة متفوقة، كبرت لتصبح شابة ذي أعصاب مشدودة وشخصية قُدَت من النار، ثم زوجة وأم ومرت الأعوام عجولة تدفع بنفسي الرغبة بالبكاء..
يهزم الشخص بالأشياء التي يبالغ بمحبتها..
لاحظت شفتاها تتحركان، تقول شيئًا، حديثًا عابرًا ربما... لكن الكلمات لم تصلني.
ومهما حاولت التركيز أجد نفسي بعيد.. بعيد جدًا.
غارق بأعماق المحيط أو أطفو بين النجوم، لا فارق كبير بينهما، قلبي مرتاع.. لا أريد فقدان أحد..
الرجفة بأصابعها الهزيلة دليل أن الموت قد يخطفها عني بأي لحظة.
كما خطف من عرفتهم غيرها هنا
كما سيخطف من عرفتهم بعدها
لو كانت ساحرة مثلي لعاشت حتى الملل من الحياة بدل الهلع من انتهائها المفاجئ..
لكني لست بقادر على وهبها عمري، لا أملك شيئًا أقدمه لها غير وجودي
وهذا غير كافٍ.
كيف قد أشرح لها أن بطئ وقتي مقارنة بهم يذبحني..؟
إنني أدفنهم واحدًا تلو الآخر.
وإني.. لا أرغب بدفنها.
أوليس السلطان يصنع لي معروفًا؟ يوجه أنظار الموت نحوي.. لعله يخطفني أولًا.
ملامح شروق تخبطت وهي تتأمل شرودي، وأنا أتخبط هنا وهناك بثنايا دماغي الوغد، على الأقل لا أظهر لها كيف أنقاد للجنون...
ألا يخيفك الهدوء الذي يأتي نيابةً عن الإنهيار..؟
*****
يا لتعاستي الفريدة.
جلستُ بين أرفرف ما أسميها -حاليًا- مكتبة، أقضم تفاحة فاسدة عثرتُ عليها بأعماق خزانتي.
تافهة المذاق، لكن ليست الاسوء..
هسهست بألم إذ قضمتُ لساني، متذكرًا نسياني بتسليم مرهم شروق لها، وعد الساحر ننننن
عزيزتي لديها 'شاي' اكثر قيمة من الشاي الي اقدمه أنا، فأنغمسنا به ونسيت امر المرهم تمامًا..
سكان الجزيرة دائمًا لديهم أخبار. دائمًا.
كما يبدو، أهمهم الآن هو اختفاء الأميرة دجى من الأرجاء.. 'يُقال إنها مريضة, قبل حفل زواجها؟ يا للمسكينة'
قالته شروق بحرقة قلب، تغريني بالطيران للحرم كي أقدم لها شيئًا من الأعشاب او ما شابه، أيخالونني طبيبًا؟؟
تبًا، ربما أزور دجى فعلًا رغم إني لا أحادثها حاليًا.
أجل. انا حقود.
أصنع لها حذاء هيرميس فتقدمه إلى جوّاد؟؟؟
بأي حق؟ فعلًا بأي حق؟؟
على سيرة زواجها... المهمة الموكلة من أبيها الشيطان
المفترض إنه عليّ إنهاءها قبل ميعاده
المفترض
«لا لن أذهب. قطعًا. هذا أنتحار.»
هكذا قلت لنفسي، وللقطة العجوز التي لم تسألني أصلًا.
متى تسللتْ هنا مجددًا على أي حال...؟؟
رفعت إحدى الكتب عن الأرض، لكنه صرخ وعض إصبعي، فأطلقت سُبة خافتة وأعدته لرفّه خلف رأسي.
حسنًا، ليس تمامًا 'رفّه'، بل الدوّامة الصغيرة التي اخترعتها لمجموعتي الفريدة.
جمعهتم بدم ودموع وعرق بسنوات طوال!
الكتب تطوف فيها باستمرار كي لا تتراكم، وبعضها ينام بينما يطفو، وبعضها يتذمر إن تركته مفتوحًا أكثر من عشر دقائق.
وأنا أعيش بين هذا الحشد الورقي الذي يتنفس، ويتنهد، ويُدلي بآرائه المتعجرفة. أليس رائعًا أن يكرهك أثاثك؟
لا فعلًا، أوليس الأروع؟
والسلطان -اللعنة على ذكره- يرسل لي مهمة محكوم عليها بالفشل.
لمجرد أنه يتحكم بدم قلبي، يظن أنه يتحكم بروحي أيضًا!! لا يعرف أنهما كيانان منفصلان جدًا.
الروح عندي تخرج لتتمشى وحدها من كثر ما تأنف وتتملل مني.
«ما الذي سيحدث لو رفضت؟ الوغد لا يستطيع قتلي»
سألت السؤال، وكأنني لا أعرف الجواب.
العقد الدموي.
عقدي مع السلطان الراحل... لا أذكر قط إنه قد أثر عليّ حرفيًّا، كان دائما يتجلى على شكل شعور مقيت قد اخطئه بحس الولاء او الذنب
لكني أعلم أنه موجود.
أشعر به في كل نبضة. في كل قيد خفي يشدني عندما أحاول الابتعاد عن 'الواجب'.
وسأتجاهل تمامًا عقلي الوغد حين يخبرني إنني أوهم نفسي فحسب وأن لا ألم فيزيائي يأتي مع نغزة الضمير، خاصة وأن الأخير معدوم لدي.
لكن... ماذا لو تجاهلته؟
ماذا لو بقيت هنا، وقررت أن أصبح خبازًا؟ خياطًا؟
أو ساحر أعراس؟ أختراع وظيفة جديدة كهذه تروق لي.
أو ربما، مجرد شبح هادئ يسكن بين رفوف مكتبته؟
ت
نهيدة أخرى أفرجت عن أسرها، من أخدع؟ هذا الأسلوب الحياتي الهادئ ليس لي.
رفعت يدي، لأشعر بالسحر ينزلق من قلبي، مرورا بكل شريان مع كل نبضة حتى يرسي بأطراف أصابعي
وأطلقت فرقعة خفيفة، فتطايرت عشرات الكتب من فوقي، وتجمعت حولي كما لو كنت نجمًا مغناطيسيًا جاذبًا.
كل كتاب يحمل سرًا، أو لعنة، أو قصة حب تنتهي بمجزرة، والعكس أيضًا بطريقة ما..
كل كتاب يحتوي على طرق، دروب، أساطير، خرائط...
لكن هل تحتوي على 'خلاص'؟
واو. أصبحتُ فيلسوفًا! فضل سلطاننا الكريم لا ينتهي، أن بقي هكذا ستصبح آستيرليان يوتوبيا.
والاسم يصرخ شؤومًا.
لذا فقط حرصًا على سكان الجزيرة الاعزاء؛ أدعي أن يعيد شمل تاج الدين مع والده بأقرب وقت، وجوّاد معه كحزمة إضافية ليسليه -كالمهرج الذي هو عليه- على الطريق.
نظرت إلى أحد الكتب القديمة. كان يتنفس بثقل، كأنه مصاب بالربو، «أرني الطريق نحو القلبين» سيفهم ما أرغب به لوحده.
فتح الكتاب الهرم غلافه بصعوبة، وأصدر تنهيدة كمن استيقظ للتوّ من كابوس عمره مئة عام.
كُتب بخط مائل ملتف
«حيث يلتقي ضوء القمر بظلال العظماء، هناك تُسفك النجوم وتُزرع، حيث تسقط مع الأماني وتبكيها، حتى تفنى»
آه. رائع. ألغاز.
حتى الكتب تتآمر عليّ.
مشيت وسط الكُتب الطائرة، وأتذكر كل مرة تجاهلت فيها النداء القديم... النداء نحو "قلب النجوم".
ذاك الشيء الأسطوري الذي يُقال إنه يفتح للمرء مدارات عقله.
كل ساحر يبتغيه، إذ إنه يزيح الحدود عن قدراتهم المحدودة، الكون وضع أغلالا كيلا نضيع عن بشريتنا السابقة لتعلم السحر، وليش الجمبع بالضرورة شاكرين لهذه الأغلال.
لكن لا أحد وصل إليه.
أو ربما... لا أحد عاد منه ليخبرنا.
ثم هناك "قلب المحيط".
اللُجة العميقة لكل شيء غير مفهوم، حيث تُخفى أسرار الكون..
ثنائيان متضادان... كأنهما أنا وعقلي- هاهاها. اضحك.
وبينما أطالع الكتب، أجد قدمي تتقدمان وحدهما، أرضيتي الخشبية تدفعني، النوافذ تُفتح وتغلق كمن يصفق، حتى الاواني في المطبخ تقعقع.
كأن كل شيء يقول «امضِ. تحرّك. احترق. أغرق.»
«لماذا؟»
سألت مجددًا، ولست أدرك فعلًا لمن يتوجه السؤال
إن كان لنفسي أم منزلي الذي يحثني على القبول..
جوّاد؟
ذاك المتعجرف الذي يتمنى أن يراني جثة محترقة ليعلّق جمجمتي على جدار إنجازاته.
تاج الدين؟
الشيطان الذي يرى وجودي إهانة شخصية لتاريخه الملكي.
هل أذهب؟ كي أموت؟ كي أخدم؟
لا.
أذهب كي أستفزّهم.
كي أعود حيًا، وأسحب البساط من تحت غطرستهم.
كي أريهم أنني لا أموت عندما يتمنون موتي، بل عندما أختار أنا ذلك.
أنا أقرر نهايتي، لا أنتم يا فشلة.
ضحكت بصوتٍ عالٍ.
ضحكة ساخرة كشتيمة كانت مكتومة، جعل الكتاب الذي بجانبي يغلق غلافه غاضبًا ويطفو بعيدًا
اواه
حسنًا جدي مهلك لا تزعل..
نهضت، وانطلقت الكتب من حولي فجأة، وكأنها شعرت بذبذبات القرار. كتاب ينفجر من تلقاء نفسه، كتاب يطير ويدور ثم يسقط مفتوحًا عند قدمي، آخر يئن وكأنه لا يريدني أن ألمسه. كل شيء حولي صار حيًا، والمكتبة تئن كما لو أنها تعرف ما سأبحث عنه.
«الطريق، أيتها العقول المجنونة. دلّوني عليه.»
همست، فأجابتني العاصفة.
أحد الكتب القديمة -والذي لم يفتح منذ قرن، حرفيًّا- بدأ يهتز بعنف.
أعرف هذا... إنها إشارة.
فيه ما أحتاجه.
اقتربت، وضعته أمامي.
تفحّصته كمن يفتح ضريحًا.
أصابعي تلمسه، فيبدأ الضوء يتسرّب من حوافه، كلمات تتوهّج ثم تندثر.
تفتحت صفحاته، وأُخرج منها دخانٌ أزرق خفيف، له رائحة البحر... وبخور النجوم المحترقة.
وعرفت أن فيه ضالتي.
«هناك، في قلب الانفجار الأول، حيث لم تكن سماء ولا أرض، فقط وهجٌ خالص، نُحت أول قلبٍ من نور. قلب النجوم. لا يُمس إلا بمن قَبِل أن يُحترق.»
همهمت. «جميل. اشتقنا للحروق.»
بلعت ريقي.
هذا لا يُبشّر بخير.
لكن من يهتم.. اعتدت على انعدام البشائر.
ما أن همتُ بقلب الصفحة كي أرى هراء قلب المحيط كذلك؛ خذشني احساسي كما يخدش القط العجوز أثاثي.
كأن المحيط نفسه يضغط على الصفحة
جلده مغطى بطحالب جافة، وحين فتحتُه، انسابت قطرة ماء على إصبعي... باردة، مالحة و... دامية؟
نفضتُ يدي ببنطالي سريعًا كالمصعوق؛ أمسح أي كان هذا الشيء
لنتركه..
لنتركه جانبًا لحينٍ آخر، ننهي قلب النجوم أولًا ثم نعود له.
ممتاز.
أغلقته، ووضعته في الحقيبة ثم نظرت حولي.
نظرت إلى مرآة معلقة، انعكس فيها وجهي الوسيم.
عينيّ كانتا كأنهما لا تنتميان لوجهٍ واحد. واحدة تلمع بالحياة، والأخرى تنظر في الاتجاه الآخر، وكأنها ترى نهايتي قبل بدايتها.
ابتسمت.
«سأعود، فقط كي أفسد مزاجكم جميعًا.»
لم يكن قرارًا شجاعًا، ولا نبيلاً، ولا حتى عقلانيًا.
لكنه قراري.
وهذا وحده... كافٍ.
*****
بعد الفوضى البائسة التي طالت مكتبتي، كان علي البدء بالترتيب مجددًا.. السحر قد يفي بالغرض لكنني لم أكن يومًا شخص يكتفي ب 'يفي بالغرض'
فهمتُ أرتب، اهمهم بحين ثم أشتم تاج الدين أحايين كثيرة.
أكان صوتي دائمًا بهذا الجمال؟ لنضف الى اللائحة مغني متجول! سيكون هذا ممتعًا.
كان علي إضافتها قبلًا، فعلًا.
أبدو كالمجنون الذي سمع صوته للتو-...
شيء ما لم يكن على ما يُرام.
أشحت نظري عن الكتب المتناثرة، أنفاسي ما تزال متلاحقة إثر موجة عناد غريبة دفعتني للغوص في نصف مكتبتي، ولكن... لم أعد أسمع صوتها.
لا أعني الكتب، بل تعويذة السمع المعزز، تلك التي تسمح لي بالتمييز بين نبض الأرض وخطوات النمل.
لا عجب إني أسمع صوتي بوضوح أكثر..
أغمضت عيني، صوبت تركيزي، لم أسمع سوى الصمت... وصوت دقات قلبي المرتبك.
«مستحيل...»تمتمت، ومددت يدي بتوتر نحو أحد الرفوف المخفية، خارجيًا يبدو متصلًا مع دوامة الكتب لكنه منفصل كي لا يضيع ما به.
دفعت بيدي أسفل الصندوق الخشبي القديم الذي يصدح بالاحتراق الخفيف، سحبت دفترًا أسودًا صغير الحجم، ثقيلًا بشكل غير منطقي، جلده مقشر ومغطى برموز دقيقة لم تُكتب بحبر.
دفتر التعويذات الذاتية.
فتحته ببطء، صفحاته تنبض كقلب صغير كلما قلبت واحدة. راقبت قائمةً بعشرات التعويذات التي ألقيتها على نفسي خلال العقود، كل واحدة موثقة، مرقمة، ومربوطة بتاريخ وسياق واضح.
مجرد وسيلة لتفادي موتٍ غبي بسبب تضارب السحر، لا شيء أكثر. لا شيء عاطفي في الأمر، مجرد حيطة وحذر.
الصفحات تقلب نفسها، كأنها تعرف أنني لا أبحث عن الجديد، بل عن شيء قديم. شيء نسيته؟ لا... شيء تجاهلته ربما؟ شيء... لا أعرف.
«غريب، كل شيء يبدو بخير.. أيمكن إنني رسمتُ لها حدًا زمنيًا؟ أين كانت-»
توقفت عند سطر نصف مطموس، يصرخ بوجهي ويصفعه بالشؤم...
"ت ع وي ذ ة ال ن س ي ا ن"
التاريخ: غير مؤرخ بدقة
الإلقاء: بصوتي
الغاية: ؟؟؟
التأثير: محو طوعي لذاكرة محددة
شعرت بدم بارد يسري في عروقي.
«نسيان؟» تمتمت، أعدت قراءة السطر مرارًا، قلّبت الصفحة التالية، ووجدت فقط خطوطًا ممسوحة، وأثر رماد تعويذة محترقة... لا تفسير، لا توثيق، لا هدف.
حسنًا والآن ما اللعنة فعلًا.
«أنا... ألقيت هذه على نفسي؟ متى؟ لماذا؟ ماذا-»
وقفت دفعة واحدة، أصابعي تقبض على غلاف الدفتر بقوة. شعور مبهم بدأ يتخلل رأسي، كغيمة دخانية ثقيلة تدور ولا تمطر.
من كل الأشياء التي قد أفعلها... لماذا أختار نسيان شيء ما؟
خطرت لي فكرة جنونية.
فتحت دفترًا آخر، أطلس الأحلام، مفكرة الرؤى، كتاب الأشباح الذين حدثوني أثناء النوم...
لا شيء. لا ذكر، لا تلميح، وكأن هذه الذاكرة المحذوفة تم نزعها بأصابع حذرة.
لكنني ساحر. أنا لا أُفاجأ بسهولة...
إلا إذا كانت نفسي اللعينة من تفاجئني!
شتمت من تحت أنفاسي، كل ما يحدث اليوم جعلني أكسر وعدي لنفسي بألا ألعن، شروق تمقت هذا..
جلست على الأرض، حولي الكتب تطوف ببطء في مدار هادئ، ككواكب حزينة، كأنها تخشى أن تقترب أكثر.
لن أكلكم-
لماذا خرجتم مجددًا ألم أضعكم مطرحكم للتو؟ !!
رأسي مال إلى الخلف، ظهري اتكأ على رفٍ عتيق.
ومن حولي، كأن الجدران بدأت تهمس.
كأن الكتب تتهامس.
كأن شيئًا ما، بعيدًا، قد استيقظ.
ثم-
ومضت صورة.
خاطفة، كأنها خطأ مطبعي في صفحة الزمن.
مطرٌ ينبع من البحر يعود للسماء،
صوت أنين تنزف من أثره طبلة أذني
ويدي مغطاة، لم أميّز إن كانت نجومًا أم دمًا..
من بعيد امرأة لا ملامح لها.. تناديني باسم أكاد أقسم إني لا أعرفه، لكنه جعل قلبي يتوقف لحظة..
اختفت الصورة كما ظهرت، بلا صوت، بلا تفسير.
شهقت، أحسست برأسي يدور. وضعت كفي على الأرض لأتوازن، لكن الأرض بدت وكأنها تبتلعني للحظة لدرجة أن أرضيتي الخشبية قد أمتدت فقط لتسندني.
«ما هذا...؟»
همست وكأن الإجابة قد ترد.
لكنها لم تفعل.
رفعت بصري للدفتر مجددًا، والسطر القديم ينبض في الصفحة كشريان رئيس مقطوع.
وأنا... بدأت أخاف مما نسيت.
الصفحة بدأت ترتجف. أو أنا الذي أرتجف؟
همس خافت صعد من الورق، كصوتي لكن أضعف، أقدم.
«إن قرأتَ هذا... فدعها تموت. الذكرى ليست لك.»
أنا من كتبت هذا.
أنا من حذفت شيئًا من نفسي.
والآن، جزءٌ مني... لا يثق بي.
*****
1 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.