الفصل الرابع: رحلة
وضع كايلاس خنجرا في خصره، و اعلن عن انتهاء استعداده للرحلة، و نظر الى راين الذي كان يلعب مع ليوريا. اقتربت منه ايلارا لتعطيه رسمة عن العشبة فتناولها و خبأها. قالت ايلارا بهدوء ممزوج بقلق:
«كونا بخير و احذرا من الفخاخ و الوحوش»
أومأ كايلاس:«سنفعل»
............... قبل لحظات.......................
عاد راين و ليوريا من السوق بوجوه محبطة، و ما ان دخلت الباب حتى بدأت بالبكاء، سارعت ايلارا الى معانقتها بوجه قلق، بينما اندفع دارموس نحو راين ممسكا بكتفيه، و حدق به بحدة. تحاشى راين النظر اليه، و هز رأسه نافيا، حينها، خفت نظرات دارموس، و حل محلها الحزن الشديد، اما كايلاس فقد قبض على يده بشدة. ايلارا، التي رأت المشهد، اغمضت عينيها و انزلقت دمعة منها و شددت على جسد ليوريا. بعد دقائق، انسحبت ليوريا من حضن ايلارا لتتجه نحو سرير خالتها، فجلست على الارض واضعة رأسها على السرير بجانب يدها. رفعت مهرالا يدها و مسدت على شعرها بلطف، كانت تعرف ان انفاسها معدودة، لكن فضلت ان تريح روح ليوريا بدل احزانها اكثر. لم يحتمل دارموس اكثر و خرج من المنزل محاولا عدم البكاء امامهم، بينما اندفعت ايلارا نحو طاولة و امسكت قلما و ورقة، و بدأت برسم شيء ما. رغم الحزن الذي خيم على وجوه راين و كايلاس، الا ان الفضول تغلب عليهما، فوقفا خلفها، يسترقان النظر. كانت ترسم وردة ذات اوراق بنفسجية و حواف زرقاء، لها جذع اخضر طويل. خمن كايلاس انها العشبة المطلوبة عكس راين الذي استمر في النظر بعدم فهم. وضعت ايلارا القلم و قدمت لهما الورقة، استلمها كايلاس و ادرك راين ان هناك رحلة تنتظرهما.
............في الخارج......................... كان دارموس متكأ على شجرة، عيونه حمراء من البكاء على محبوبته. رفع رأسه قليلا عند اقتراب خطوات منه. تكلم كايل، و على وجهه قناع البرودة كالعادة:
«نحن سنذهب... لإيجاد العشبة»
اكمل راين محاولا بث الطمأنينة:
«لا تقلق، سنجدها، ستكون زوجتك بخير!»
رغم الحزن الذي كان ينهش قلبه، الا انه استطاع الابتسام، شيء من السعادة و الامل دفعه الى معانقتهما. بادله راين العناق، بينما ظل كايلاس جامدا للحظات، لكنه بعد ذلك ربت على ظهره. عاد دارموس للوراء ليتمكن من رؤيتهما، و ابقى يديه على كتفيهما، و تكلم بنبرة مليئة بالأمل:
«شكرا لكما ايها الشابان الشجاعان، لا اعرف ما كنت سأفعل لولاكما»
وضع راين قبضته على صدره، و اجاب بمرح:
«لا بأس! هذا واجبنا!»
ظهرت ملامح الاستغراب على وجه دارموس، فسارع كايل الى تصحيح كلامه:
«الناس لبعضها البعض»
عادت ملامح دارموس الى الراحة و اوصاهما ان يكونا حذرين. لوح راين له معلنا عن انطلاق الرحلة بوجوه عازمة، لكن لو كانوا يعلمون بما سيحدث لاحقا، لما غادروا ابدا...
............. بعد يومين.......................
لا يسمع في غابة «اوراق الفضة» صوت ما عدى اصوات اقدام الدخلاء. جلس احدهم على صخرة، فأخذ يتنفس بشدة و قدماه ترتجفان. وضع يديه على ركبتيه منحنيا للأمام، و قال بصوت لاهث:
_«لا أستطيع... السير... اكثر...»
رمقه كايلاس ثم نظر الى الافق حيث غربت الشمس، و قبض يده عند تذكر ما قالته ايلارا، فإلتفت بحزم الى راين و قال بحدة:
_«انهض، ليس لدينا وقت نضيعه»
تأفف راين و رد بيأس:
_«اعرف انه من اجل ليوريا، لكن ألا ترهقنا اكثر من اللازم؟»
_«آخر ليلة...»
_«آخر ليلة؟» نطق بعدم فهم
_«ليلة اكتمال القمر، تزهر فيها الوردة، ثم تذبل، هذه فرصتنا الوحيدة»
انصدم راين من كلامه، و نهظ مرعوبا، قفصه الصدري يكاد يتحطم من قوة نبض قلبه. امسك اكتاف كايلاس بشدة، و قال بصوت مرتجف:
_«من؟....»
_«إيلارا.»
اغمض راين عينيه و امسك شعره بشدة، شعر ان العالم ينهار تحته، كل ما كان يفكر فيه في تلك اللحظة هي لحظة فشله... عودته خال الوفاض... موت العمة... و اكثر ما يرعبه هو شعور خذلانه لليوريا، تلك الطفلة التي وثقت به...
قال بصوت مرتجف، غارقا في افكاره:
_«انها تنتظرني... تنتظرني ان ابشرها.... لا... سأخذلها... انا... لا.....»
في ظلمة افكاره، شعر بحرقة في خده اعادته للواقع. كان كايلاس قد صفعه، متحديا افكاره. قال بصوت حاد:
_«تمالك نفسك، لا اريد ان اخون عهدي لأشخاص وثقوا بي بسببك، اجمع شتات نفسك و لنكمل البحث»
بقي راين صامتا، ثم قال باحثا عن ذرة أمل:
_«سنجدها.....»
رد كايلاس بنبرة واثقة:
_«سنجدها»
ارتفع القمر في كبد السماء مع ارتفاع الضباب الذي ملأ الغابة، فجعل منظرها مخيفا، ترتجف له اوصال الداخلين. لم ييأسا من بحثهم، بعد ساعات من المشي، لمح راين شيئا مضيئا.
_«انظر هناك! أليس هذا هو خنجرك الذي ادخلته في الشجرة؟»
_«متاهة»
خرجت الكلمة بصعوبة، ففي وقت سابق، غرس خنجرا في شجرة، متمنيا ألا يصح شعوره، و بعد ان تأكد، استطاع ان يقول رسميا انهم يعودون لنفس المكان مرارا و تكرارا.
توقع كايلاس ان يثير راين ضجة مرة اخرى، لكنه تفاجأ ان رآه يغلق عيناه، و ما هي الا لحظات حتى اتسعت عيناه حيث رأى خيطا اخضر خرج من صدر راين و اختفى خلف الضباب. لطالما كان راين يفتقر الى القوة الجسدية عكس كايلاس، فضعفت ثقته بنفسه، الا انه اكتشف صدفة قدرته على استعمال سحر يسمى«سحر الطبيعة»، حيث يمكن من ادراك مستوى و مكان وجود اي طاقة لأي شيء، و بالتالي تحديد اماكنها، لكنه خشي ان يبوح بها فيتهم بالشعوذة و يموت حرقا، لكن المشاعر المختلطة، جعلته يتخذ قرارا بإستخدامها.
تتبع راين و كايلاس الخيط و غاصا في قلب الضباب حتى وصلا امام جبل شاهق حيث شاهدا الوردة اخيرا. تقدم راين للأمام بنية تسلق الجبل، لكن كايلاس دفعه من صدره متسلقا، فإقتطف الوردة و وضعها داخل حقيبته، و عاد ادراجه دون الألتفات لراين المتصنم.
طوال طريق العودة، لما ينطق احدهما بحرف، كان كايلاس متقدما ببضع خطوات، الا انه توقف عن المشي اثر جملة اخترقت مسامعه.
_«توقعتها من الكل الا انت»
شعور خان اجتاح صدره فإلتفت ليرى راين واقفا، عيونه مليئة بالألم.
_«ما الذي.....» توقف عن الكلام، فدمعة من عين راين اقوى من اي كلام.
_«انا.... لم اتوقع ذلك منك...» قال و الغصة تحرق حلقه، و تابع بقلب مكسور:
_«انت.... انت... كيف تتخلى عني بهذه السهولة؟.... كيف تتخلى عن اخيك بهذه الطريقة!... هل أصبحت تكرهني لأنني ساحر؟!..» صفق بيديه مردفا:
_«ممتاز..... الآن اصبحت تتصرف كولي عهد حقيقي... اولا تخلت عني امي... الان جاء دورك... ماذا تنوي ان تفعل بي؟ تحرقني؟... تنفيني؟... ت...»
_«أعرف..»
توقف راين عن الكلام محتارا:
_«تعرف ماذا؟...»
_«اعرف من البداية ان لك سحرا»
اعتلى وجه راين ملامح الصدمة، فإستيعابه لحقيقة ان اخاه كان يعرف ان ساحر منذ البداية اربكته.
تابع كايلاس كلامه بصدق:
_«انت لست مشعوذا، و لن احرقك او اقتلك، اخفيت هذا الامر لسنوات لذلك لا يعرفه احد، و انا لم اتخلى عن امي ابدا، و لن اتخلى عنك»
_«لماذا.؟..... لماذا فعلت ذلك؟..... انا.... انا منافسك الى العرش... كان بإمكانك ان تخبر الجميع فيبقى لك المكان... لماذا اخترت حمايتي؟...»
_«لأنك اخي» اجابه ببساطة
«الآن لا تقل كلاما سخيفا و لنعد، لابد ان الجميع ينتظرنا»
ربت على رأس راين و عاد الى المقدمة، فلم يرى الابتسامة الصغيرة التي لمعت في وجهه، فأخذ جانب كايلاس في طريق العودة.
........ بعد يومين....................
مر يومان منذ ان شرعا في العودة. لاحظ راين ان علاقته بكايلاس صارت اقوى، حتى انه شعر بالخجل من اتهامه فإعتذر عن اندفاعه، لكنه تلقى ضربة على رأسه و جملة حادة:«إياك و الإعتذار»
و اخيرا، اقتربا من حدود القرية.
ازدادت نبضات قلبهما مع ازدياد تصاعد الدخان، فأخذا بالجري متمنيين ان يكون مجرد حريق صغير، لكن مع الأسف، أول ما رأت أعينهما عند دخول القرية هو جثث القرويين و المنازل المحترقة.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!