الفصل الثاني: مهرجان
غرفة دافئة، نار الموقد الحمراء تصدر اصوات حرق، و في كرسي من الخشب، طفل يجلس على حُجر امه تقرأ له القصص.
"أمي؟" سأل الطفل و هو ينظر اليها بعينين بريئتين.
"نعم صغيري؟" اجابت الام بنبرة دافئة تنظر اليه بعيون محبة.
"الذي يحب هل يعود؟"
"يا صغيري، الذي يحب لا يرحل "
"حقا؟"
"نعم"
"اذا انت لن تغادري و تتركيني؟"
"لا، لن افعل، سأبقى معك دائما"
"وعد؟!"
"وعد"
تم الوعد بتشابك خنصرهما معلنا عن عقد وعد بريئ بين ام و ابن.
فتح كايلاس عينيه مع تلاشي تلك الذكرى التي مرت من رأسه. لتقابل عينيه الذهبية سقف الغرفة المظلم و يلفح البرد اعضائه عكس الدفئ الذي شعره من هذه الذكرى. فجأة دخل راين الباب دون طرق، لينتفض كايلاس من هذا الدخول الغير محسوب.
"هل انت اعمى لدرجة عدم رؤيتك للباب؟ ام ان اصابعك قطعت و لم تتمكن من لمس مقبض الباب؟"
خاطبه كايلاس بنبرة منزعجة.
"لا هذا و لا ذاك، ثم انني لا احتاج الإذن لدخول غرفتك صاحب سمو العهد" اجابه بسخرية.
"لما اتيت؟"
"شعرت بالملل"
"ثم؟ هل تراني لعبة تتسلى فيها عند الملل؟"
"شيء من هذا القبيل، على كل حال، ماذا كنت تفعل؟"
"كنت أفكر حتى جاء وغد مثلك و قاطع افكاري"
"في ما كنت تفكر؟"
"في اللاشيئ"
"هاه؟ هل يعقل ان يفكر المرئ في اللاشيئ؟"
"ربما..."
"ناااه، انت اكثر مللا من مللي"
"و ماذا تريد مني ان افعل لك؟"
"أرقص لي"
"... "
"ماذا! ألا تجيد الرق-"
لم يكمل الاخير كلامه حتى وجد خنجرا مغروزا في الجدار قرب رأسه، و ان اخطأ كايلاس التصويب، كان الخنجر ليخترق رقبته. تجمد راين في مكانه، تبا! لقد نسي تماما ان اعصاب كايلاس لا تحتمل مزاحه في بعض الاحيان. رفع عينيه ليقابل اخضرار عينيه ذهبيتا الآخر.
"... آسف..."
"اخرج"
"حسنا... على فكرة، كنت افكر في التدرب معك في الساحة، امام الجنود"
"حسنا"
"سأخرج الآن، لكنني سنلتقي في الساحة حسنا؟"
"نعم"
امسك راين مقبض الباب و كان على وشك الخروج الا ان صوت كايلاس اوقفه.
"لا تنسى شراء نظارة لنفسك لعلك ترى الباب في المرة القادمة"
"لا، فأنا اخاف ان اراك خ-"
رمقه كايلاس بصرامة.
"أ.. أقصد اخاف ان أراك قمرا فتعمي عيناك بضوئك هيهي" اكمل بتوتر و خرج مسرعا تاركا اياه منزعجا.
............... بعد ساعة................في ساحة التدريب....
كان راين يقف هناك مرتديا قميصا ذو اكمام بلون زيتوني مع بنطال و بوطا اسودين. كان يتكلم مع الجنود قبل ان يستدير لسماعه خطوات. كان كايلاس قادما بإتجاهه مرتديا زيا اسود مع خطوط ذهبية متناقضا تماما مع لباس الآخر. تقدم بهيبة، و الرياح تلفح شعره لتلامس جفونه. انحنى الجنود له و تراجعوا تاركين الساحة لهما. قال كايلاس ممسكا بسيفه: "انت مستعد؟"
"ربما..." قال بتردد نادما نوعا ما على تحدي اخيه الاكبر كونه افضل مبارز في المملكة كلها.
بدأ القتال بتراطم السيوف و القفز و التراجع و التقدم، و الى الآن لم تحسم النتيجة بينهما. اندفع راين نحو كايلاس بسرعة موجها سيفه اليه، لكن كايلاس صده بسهولة و قليل من القوة مما جعل راين يرتد الى الوراء ليفقد توازنه، و استغل كايلاس ذلك ليوجه طرف مقبض سيفه على كتف راين بخفة مسقطا اياه، و بذلك انتهت المبارزة بفوز كايلاس.
نهض راين ليصرخ:
"هذا ليس عدلا!!"
"و ما هو الشيء الذي «ليس عدلا»؟ هل فقدانك لتوازنك؟ ام سقوطك؟"
"هاااااااع! ليس كذلك! اففف انسى الأمر"
رفع كايلاس حاجباه و مد يده لراين الذي امسكها و وقف. و في جوانب الساحة، كان الجنود يتهامسون فيما بينهم:
الجندي 1:"هل رأيت كم ان سمو ولي العهد قوي؟ "
الجندي 2:"و ماذا تعتقد؟ لم يلقبوه بأفضل فارس في المملكة بدون سبب"
الجندي 3:"هل لاحظتم ان الامير راين بدا غير راض عن النتيجة؟ "
الجندي 1:"لا تكن سخيفا، فالأمير راين قوي ايضا، أوهل تلمح الى وجود غيرة؟ "
الجندي 3:"و لما لا؟ رد فعله منطقي و يفسر على انه غيرة "
الجندي 2:"بربك! هو لا يغار، ثم انه صاخب كعادته دائما، يصرخ على اتفه الاشياء "
الجندي 3:"ربما... هيا لنعد للتدريب قبل ان يسمعانا "
عاد الجنود الى التدريب بينما دخل كل من كايلاس و راين المبنى متوجهين الى غرفهم.
............. في غرفة كايل.................................
كان كايلاس واقفا امام المرآة، بلوزته مفتوحة من أول زرّين، بدا شارد الذهن، نظراته موجهة الى ندبة على صدره الايمن، ربما من معركة؟ من يدري؟. افاق من شروده ليمسك منشفة ينشف بها شعره المبلل، فلقد استحم للتو و قد استخدم آخر طاقته في استحمامه، لذلك ما ان جف شعره حتى استلقى على السرير غامضا عينيه.
............ في غرفة راين...........................................
دخل راين غرفته ذات الجدران الخضراء، و لنختصر الوصف، كل شيء اخضر و بني، كأنه غابة، عدا الاوراق البيضاء الملتصقة بالجدران و المتناثرة في كل مكان، صحيح! لم اخبركم، راين يحب التعبير عن افكاره بالكتابة، لكن خطه سيئ، و هو يتعمد الكتابة باللغة القديمة ليتجنب ان يقرأها شخص ما، فربما يجد شتيمة له او سخرية، من يدري. دخل الحمام الذي لا يبدو انه حمام... بل غابة! حرفيا غابة، اشجار تغطي المقعد و نباتات على الرفوف و السجاد من العشب... نزع ملابسه و دخل الى الدش ليفتح صنبور الماء فتتناثر قطرات الماء على جسده مزيلة كل التعب و العرق، و همّ بغسل شعره، غسل؟ لنقل بالأصح تسريحه بالصابون بأشكال مختلفة، لا تستغربوا، فراين يستحيل ان يحظى بحمام هادئ ذو خمس دقائق، فهو يستغرق على الأقل ساعة اذا لم يستعجل. انهى استحمامه بعد ساعة و خرج ليلفّ خصره بمنشفة و يمسك منشفة اخرى يجفف بها شعره، ثم فتح الصنبور مرة اخرى ليغسل وجهه، و هذه عادة لديه، يغسل وجهه مرة اخرى بعد الاستحمام. كانت نيته غسل وجهه فقط، إلا انه وجد نفسه يبكي دون قصد و دموعه تنساب مع انسياب قطرات الماء على وجهه فلا تفرق بينهما سوى عيونه المحمرة قليلا. خرج من الحمام مباشرة الى غرفة ملابسه المقابلة للحمام و ارتدى ملابسه التي هي عبارة عن سروال بني فضفاض و قميص اخضر واسع و سميك بعض الشيء ليتوجه الى غرفة اخيه كايلاس لكن ليس كالبشر، بل كاللصوص، حيث اختار تسلق شجرة كالقرد توصله لنافذة غرفة كايلاس على ان يمشي مثل انسان عاقل، لكن بالنسبة لراين، فالعقل في كفة و الجنون في كفة، و كفة الجنون اثقل. فتسلق شجرة و قفز من فرع الى فرع حتى وصل الى الى النافذة و نظر خفية الى داخل الغرفة ليجد كايلاس مستلقيا و ربما نائما ليشحب وجهه و يصبح لونه ابيض كالورقة، لأنه اذا ازعجه و هو نائم فسيريه الويل. اشاح بنظره للحظة، و عندما اعاد النظر، وجد عيونا ذهبية امامه، ليقشعر بدنه و يكاد يسقط لولا اليد التي امسكته.
-"ماذا تفعل هنا؟ "
-"انا؟... ك-كنت اطمئن عليك "
-"تطمئن ام تتجسس؟ "
تعلثم راين في كلامه، فهو لم يعد يعرف ما يقول. اطلق كايلاس تنهدا ليسحب راين من يده و يدخله الغرفة و يغلق النافذة. لا يزال وجه راين شاحبا، يترقب ما سيفعله.
"إذا؟"
-"اذن ماذا؟ "
-"ماذا تريد؟ "
-"سمعت اخبارا في طريقي اليك ستسعدك كثيرا! "
-"اخبارا ستسعدني؟، هل انت ذاهب خارج المملكة؟ "
-"لا"
"اذا ماذا؟"
-"ستعرف على العشاء، جهز اعصابك " قال مغادرا الغرفة بغمزة تاركا كايلاس في حيرة من أمره.
.......... في العشاء.......................................................
فُتح الباب الذهبي الكبير كاشفا عن كايلاس و راين بلباسهما الاسود، فحيّا والدهما و جلسا مقابل بعضهما البعض. لاحظا ان والدهما ينظر الى الباب مليا.
-"هل تنتظر احدا جلالتك؟ "خاطبه كايلاس
-" نعم "
-"ربما بعض السياسيين كالعادة "
امسك كايلاس كأس ماء ليشربه، لكنه اختنق بالماء حالما سمع الصوت الذي لطالما كرهه. انحنت الفتاة بأدب.
-"مساء الخير جلالتك، آمل ان تكون بصحة جيدة "
-"مساء الخير يا ميرا "
اجاب الملك بإبتسامة بينما تحول وجه راين للأحمر من شدة كبته لضحكته. التفتت ميرا لكل منهما لتجد راين احمر الوجه و كايلاس اغمق الوجه، و بما ان الاخير لا يستطيع ان يتحجج بوجود الملك، جلست بجانبه مما زاد من ضحك راين.
تكلم الملك بينما يأكل من طعامه:
"لما لم يأتي والداكِ يا ميرا؟"
-"انهما مشغولان جلالتك، و هما يسلمان عليك "
..... هدوء سيطر على المكان، لا يسمع في القاعة الا صوت ارتطام الملاعق و الشوك بالصحون. لكن لم يسمع احد شتائم كايلاس تحت انفاسه و ضحك راين عليه. كانت ميرا اول من تكلم:
-"بالمناسبة جلالتك، ألا ترى انني انا و كايلاس نليق على بعضنا البعض؟ " قالت بدلع و هي تحيط بذراع كايلاس ليشحب وجه الاخير.
-"ههههه بلا يا عزيزتي ميرا، و افكر ان ازوجكما بعد اعتلاءه للعرش "
-"رائع! شكرا لك جلالتك! كايلاس! تخيل ان يكون اولادنا بذكائك و جمالي! "قالت و هي تخاطبه مصفقة بيديها.
-" معذرة، لكنني اخشى ان يأخذوا قبح والديك و غبائك " قال راين بسخرية.
-"ماذا...؟! "
-"راين! اعتذر لها فورا! "صرخ الملك ضاربا الطاولة بكفه.
-" اعتذر عن كلامي، فلم يكن معي سلاح لقتلك "قال راين منحنيا بأدب ساخر و غادر الغرفة.
-" عن اذنكما " غادر كايلاس ايضا.
....... في غرفة كايلاس...................
كان كايلاس مستلقيا على سريره و قد خلع الزينة الفاخرة من جسده ليبقى ببلوزة بيضاء، مفتوحة الزر الاول. كانت الغرفة غارقة في ظلام و صمت، لا يدخلها سوى ضوء القمر الذي حجبت الستائر معظمه، و لا يسمع فيها صوت الا صوت انفاسه و حفيف الاغطية عند تحركه. فجأة، تحولت الغرفة من ظلام الى نور اثر دخول راين و اشعاله للاضواء. انتفض كايلاس من التغيير المفاجئ و وضع ذراعه على عينيه ليحجب الضوء الذي آلم عينيه. تقدم راين بخطى مرحة و جلس على الكرسي المقابل لسرير الآخر ليتكلم بإستفزاز:
-"هل اعجبك الاقتراح؟"
-"لا تسألني، كلانا نعلم انني لم و لن اقبل، كما ان ميرا لا تناسبني"
-"هممم، انت على حق، فوالدة ميرا تبحث فقط عن السلطة و المال دون الاهتمام بمشاعر الآخرين، كما حدث معك تماما، اريد ان اعرف فقط كيف يقع النبلاء في شباكها"
-"يقولون ان وجهها كالقمر، لذلك اغوت معظم النبلاء "
-"كالقمر؟ مسكين هذا القمر، لو عرف بالأشكال التي يشبهونها به لسقط علينا! "
ارتسم شبح ابتسامة على وجه كايلاس لكنه اسرع بإخفائه، ليظيف راين:
-"سمعت ان هناك مهرجانا خاصا بالفرسان و الجنود الليلة، هل نذهب؟ "
رمقه كايلاس للحظة قبل ان يرد:
-"اين سيكون؟ "
-"في الشارع المخصص لمبيت الجنود، لا يبعد كثيرا عن القصر "
شرد كايلاس لبرهة ناظرا للسقف قبل ان يجيب:
-"حسنا، نلتفي في منتصف الليل في الباحة الخلفية "
-"اتفقنا! "
صرخ راين بحماس ليغادر الغرفة تاركا الآخر وحده.
....... في منتصف الليل..................
وقف كايلاس في الباحة الخلفية مرتديا زيا قرويا مع عباءة سوداء تخفي وجهه، ليظهر راين بعد قليل بنفس الستايل لكن مع عباءة خضراء. انطلقا سيرا نحو الشارع المخصص لمبيت الجنود، و وصلا بعد 15 دقيقة. كانت السماء سوداء صافية، مشرقة بضوء القمر الفضي الذي يتسلل بين أشرطة الأعلام الملونة المعلقة عالياً كجسور من القماش بين الأبراج. أصفرٌ، أحمرٌ، أخضرٌ، أزرقٌ، برتقالي... تتراقص مع نسمة خفيفة، ترسل أصوات رفرفة خفيفة كأنها همسات أرواح قديمة تحتفل بعودة ما.
أسفلها، امتد الشارع الرئيسي مرصوفاً بحجارة غير منتظمة، لامعة بالزمن والأقدام، يتوسطها موكب من الفرسان المدرعين. دروعهم الفضية تلمع تحت القمر، خوذاتهم المغلقة تخفي وجوههم، ورماحهم ترتفع كغابة من الفولاذ. يسيرون بخطى منتظمة، ثقيلة، تصدر صوت معدن يصطدم بالحجر، يملأ الهواء برنين يوقظ الذكريات والرهبة معاً.
على جانبي الطريق، ازدحمت الأكشاك والدكاكين الخشبية المتلاصقة، مبانٍ شاهقة متعرجة، سقوفها مدببة وشرفاتها بارزة كأنها أيدٍ ممدودة تتوسل الضوء. منها تنبعث روائح التوابل الحارة، والخبز الطازج، والنحاس المصقول. قدورٌ وأباريقٌ لامعة تتدلى من الخطاطيف، ورودٌ حمراء وبنفسجية تتفتح في سلال معلقة، وفواكه براقة تتراص كجواهر مسروقة من حدائق الجن.
في الخلفية البعيدة، فوق كل هذا الزحام، ترتفع أبراج القلعة العتيقة، مدببة ومسننة، تحرس المدينة كعملاق نائم يفتح عيناً واحدة على الوافدين.
كان المشهد ينبض بالحياة: صياح الباعة، ضحك الأطفال المتسللين بين الأرجل، رنين العملات، وفوق كل ذلك... صدى خطى الفرسان الذين يتقدمون كأنهم يحملون معهم نبوءة، أو ربما حربًا قادمة، أو مجرد يوم عادي في مدينة لم تفقد بعد سحرها. اندهش راين من جمال المكان بينما لمعت عينا كايلاس بإعجاب طفيف. بدأ المهرجان، و بدأ تنقل راين من بائع لآخر و كشك لآخر، مشتريا كل انواع الطعام، بينما اكتفى كايلاس بالدفع و تتبعه، حتى وصلا الى لعبة رمي السهام، فتقدم راين، الذي يعرف بمهارته الباهرة في استخدام القوس، و شرع في اللعب مصيبا الهدف بدقة، و حالما انتهى، اعطاه البائع صندوق موسيقى بداخله صورة فارس و اميرة يرقصان على العشب. فجأة، انتبه كل منهما الى وجود هالة خانقة في الارجاء. كان راين اول من تكلم:
-"هل شعرت بذلك؟ "
-"نعم، هالة خانقة، لما اشعر بها من قبل "
-"اظن انها قادمة من ذلك الاتجاه، لنذهب "
و بينما شرعا بالمشي، اصطدم راين بولد صغير كان يحمل لعبة في يديه ليقع الولد ارضا و تتحطم اللعبة، ارتبك راين و هم بتقديم صندوق الموسيقى كإعتذار.
-"آسف ايها الصغير، لم ارك، خذ هذا الصندوق بديلا عن لعبتك المكسورة "
نهظ الولد ليأخذ الصندوق، لكن حالما لمسه، شع ضوء منه.
-"احذر! " صرخ كايلاس ماسكا راين من كتفه ليعيده للخلف بينما انفجر جسد الولد، لكن لم تتناثر الدماء.
-"لعبة متفجرة " قالها كايلاس بينما شد على سيفه. فجأة، تحولت السماء من صافية الى غائمة يكسوها السحاب.
-"اظن انها ستمطر، لنعد "
-"حسنا "
و بينما هما بالمغادرة، سقطت قطرة على خد راين ليلاحظها كايلاس.
-"انت تنزف"
-"هاه؟ حقا؟ غريب، فأنا لم اجرح نفسي "
قالها بينما مسح قطرة الدم من على خده، لكن مزيدا من قطرات الدماء استمرت بالسقوط، مما جعل كليهما يندهشان. فجأة، تشققت السماء و ظهر توهج احمر قاتم، ليظهر كائن دائري بشبه ملمسه القلب له عين حمراء في الوسط يقطر منها الشر، و على حوافه امتدت اشرطة من الجلد اخذت تدمر كل شيء. عمت الصرخات المكان، و اخذ كل واحد يهرع الى بيته خائفا مختبئا من هذا الوحش، بينما بقي كايلاس و راين متصنمين، يشاهدان المشهد امامهما. و في لحظة، التقت عينا الكائن بعينا كايلاس ليصرخ صرخة هزت كيان المملكة، فغطيا اذنيهما، اما عن الوحش، فأخذ يصرخ حتى بدأ جسده ينبض كالقلب، و حينها ظهر مشهد دموي... ظهرت من داخل جسمه اجساد ناس، بعضهم دون عيون، و الآخر دون ملامح، و اخذ الوحش في تحطيم اجسادهم مما جعل دمائهم تقطر على المملكة كالمطر. و بينما كانا مصدومين من هول المشهد، قفزت من السماء جنود عديدة لا يشبهون البشر في هيئتهم، كان طوال القامة، عريضو الجسد، يرتدون ادرعا من الاوبسيديان الاحمر، عليها نقوش كجلد التنين، و خوذتهم تغطي وجوههم، عليها قرون سوداء لفت ثلاث مرات، اخذوا يكسرون و يدمرون الابنية و يقتلون بلا رحمة. لم يجرؤ كل من كايلاس او راين على التحرك، عقولهن فارغة، تحاول استوعاب الاحداث. لم يشعر كايلاس بنفسه الا و هو يطير بعيدا اثر قذفه من طرف الجنود، مسببة له جرحا في صدره، بينما استعاد راين وعيه في آخر لحظة ليتجنب سيف الجندي الذي كان متوجها اليه. بدأت المعركة، و حشودهم تزداد، لكن المشكلة ان لا سيف راين و لا سيف كايلاس كان قادرا على كسر دروعهم، فما كان عليهما الا ان يتجنبا ضرباتهم. و مع مرور الوقت، خارت قواهما و انهكا.
قال راين بين انفاسه:
-"كايل، لا فائدة من المقاومة، لننسحب! "
تهجم وجه كايلاس لسماع اقتراح اخيه، لكنه لم يجد حلا غير هذا، فهما بالركض داخل الغابة و الجنود تتبعهم. ركضا و ركضا حتى ارتجفت اقدامهم، فسقط راين منهكا.
-"انهض! "
صرخ كايلاس مذعورا، و امسك ذراع راين ليجبره على الوقوف، لكن الآخر ابى ذلك.
-"لا ا.. استطيع... لم.. ترد لدي.. القدرة لذلك... "
-"بهذا المعدل سيلحقوننا، و الله اعلم ماذا سيفعلون بنا بعد ان يمسكونا، هناك كهف في الارجاء سنذهب اليه، و حينها يمكنك الراحة "
بتشجيع من كايلاس، نهض راين و اكمل الركض معه، و ما ان كادا يصلان الى بوابة الكهف، حتى اعترض طريقهما مجموعة من الجنود، فأسرعا بتغيير طريقهما حتى وجدا نفسيهما على حافة الجرف، و كل ما يحيط بهما ماء.
تنهد راين بإحباط يحاول استيراد انفاسه المسلوبة. بينما اغمض كايلاس عينيه في غضب و دون حيلة.
و على مقربة منهما، سمعا اصوات خطوات الجنود تقترب.
-"لنقفز " همس كايلاس.
-"ماذا؟.. " نظر راين الى الاسفل ليجد نهرا هائجا.
-"انت تمزح! " قالها بخوف و صدمة
-"و هل تراني كذلك؟ ليس لدينا خيار غير هذا، اما ان نقتل على ايديهم، او تكون لنا فرصة ضئيلة في العيش "
ابتلع راين ريقه، و استدار ليقف على حافة الجرف ناظرا لكايلاس بخوف و لمحة من الثقة. وقف كايلاس بجانبه، ينظر للأسفل كما لو انها النهاية ليتنهد.
-"ليكن الله في عوننا... سأعد حتى ثلاثة، استنشق اكبر كمية من الهواء ثم احبس نفسك لنقفز، مستعد؟ "
اومأ راين و هو يستنشق بعمق.
بدأ كايلاس العد:
-"... 1.... 2... 3!... "
ما ان نطق الرقم ثلاثة حتى حبسا انفاسهما و قفزا دون تفكير لترتطم اجسادهما بالماء بقوة. وصل الجنود و لم يجدوا اثرا لهم، فنظر احدهم الى الاسفل ليرى النهر الهائج فإفترض انهما ماتا غرقا و عادوا ادراجهم، بينما كان الاثنان يحاولان السباحة رغم هيجان النهر، الا ان الحظ لم يحالفهما، فإنتهى بهم الأمر فاقدان للوعي، يسحبهما تيار الماء نحو المجهول.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!