وضع القراءة:

/03/

لاا... أنا آسفةة... لا تتركنيي... أرجوكك..."
انفجر صوت الطفلة الصغيرة بصورة ممزقة، بينما كانت جاثية فوق جثة رجل
تبكي بحرقة مؤلمة
"اااه... لم أقصد ذلك... لم أكن بوعيي... كيف فعلت ذلك؟....."
...........................................................
"بيانكاا!"
انتفضتُ برعب.
رفعت رأسي بسرعة عن المقعد، أتنفس بصعوبة وكأنني كنت أغرق قبل لحظات، بينما شعرت بقلبي يخبط داخل صدري بصورة مؤلمة.
لثوانٍ، لم أستطع التمييز بين الحلم والواقع.
كانت صورة الدماء ما تزال عالقة في رأسي، واضحة بصورة مرعبة، وكأنني أنا من كنت هناك.
رفعت نظري بتشوش نحو البروفيسور الذي كان يقف أمامي، يرمقني بغضبٍ اعتدته منه، بينما كان يوبخني على نومي أثناء محاضرته، لكن صوته بدا بعيدًا جدًا... كأنه يأتي من آخر الممرات، أو من داخل الماء.
كان رأسي مثقلًا بصورة غريبة.
كل شيء بدا ضبابيًا.
ولم أستطع فعل شيء سوى هز رأسي بخفة والتمتمة بلا تركيز:
"نعم... معك حق... أنا مخطئة... آسفة..."
وكأنني أهتم أصلًا.
قطب حاجبيه بغضب وقال بحدة: "هل تعرفين ما تقولينه حتى؟"
رمشت بتعب، ثم تمتمت بتشتت: "نعم... أقصد لا... هاه؟ ماذا قلت؟"
نظر إليّ بغضبٍ أكبر، قبل أن يصرخ بوجهي:
"اللعنة عليكِ بيانكا! كل مرة تفعلين نفس الشيء! أخرجي، وهذه آخر مرة تحضرين فيها حصتي، هل هذا مفهوم؟!"
تنهدت بضيق، ثم دفعت خصلات شعري إلى الخلف ونهضت من المقعد بقوة، قبل أن أخرج من القاعة دون أن أكلف نفسي عناء الرد.
بدأت أسير في ممرات الجامعة بخطوات متثاقلة، بينما كان الصداع يضغط على رأسي بقسوة، وكأن رأسي ممتلئ بضجيجٍ لا يتوقف...
كنت متعبة،
متعبة بصورة تجعل حتى التنفس يبدو مرهقًا.
وبعد مدة من السير، وصلت إلى المقصف. كان توقيتًا مثاليًا... فأنا جائعة حد الألم.
منذ البارحة لم أتناول غدائي، فقد عدت من العمل منتصف الليل منهكة بالكامل، وكان الوقت متأخرًا جدًا، وما إن ألقيت بجسدي فوق السرير حتى غرقت بالنوم فورًا...
أخذت صينية ووضعت بها بيتزا ومعكرونة باللحم، ثم جلست على إحدى الطاولات وبدأت بالأكل بصمت.
بصراحة، لم أكن أشعر بطعم الطعام أصلًا.
كنت فقط أحاول إخماد ذلك الفراغ الثقيل داخلي.
وبعد مدة، انتهيت وبدأت أقلب هاتفي بملل، حتى رن الجرس أخيرًا معلنًا انتهاء المحاضرة...
خرجت من المقصف بعدما أصبح المكان مكتظًا بالطلاب وضجيجهم الصاخب الذي جعل رأسي يؤلمني أكثر، وعلى الفور اتصلت بإيلا وقلت لها جملة واحد كافية لفهم كل شيء
"أنا لست بخير...."
جاء صوتها مذعورًا بسرعة: "اللعنة! أين أنتِ؟ تعالي بسرعة... لا، انتظري، أنا سآتي."
"أنا عند المدخل الرئيسي للجامعة."
"حسنًا."
أغلقت الخط، وبعد دقيقة تقريبًا رأيت إيلا تركض نحوي بسرعة، وما إن وصلت حتى عانقتني بقوة، ثم بدأت تتفحصني بقلق وهي تلهث وتتحدث بانفعال:
"هل حدث شيء؟! أصابك مكروه؟! اللعنة على ذلك البروفيسور الغبي، أقسم أنني كنت سأضربه وأحطم ذلك الوجه البغيض-"
أغلقت فمها بيدي وقلت بهدوءٍ متعب: "اهدئي... أنا بخير... فقط..."
أبعدت يدي عن فمها، وحدقت بي بقلق أكبر. "فقط ماذا؟"
سحبتها من يدها وبدأنا نسير معًا.
"سأخبركِ الآن... تعالي، يجب أن نعود إلى المنزل، ستصبح الساعة السادسة وقد نتأخر عن العمل..."
استمررنا بالمشي بصمتٍ قصير، قبل أن أتنهد بتعب:
"حسنًا... في الحقيقة، منذ مدة وأنا أحلم بفتاة صغيرة تشبهني تمامًا... بعيون خضراء وشعر أسود... وكانت تتعرض للتعذيب والاستغلال."
خفضت نظري إلى الأرض وأنا أكمل بصوتٍ أثقلته الحيرة:
"واليوم حلمت بها وهي تبكي فوق جثة رجل... كانت تقول أنها لم تقتله، ولم تكن بوعيها... بغير قصد..."
صمتُّ للحظات، ثم مررت يدي على وجهي بإرهاق
"منذ أن بدأت العمل بدوام مسائي حتى منتصف الليل ككاشيرة في المتجر، وأنا أتعب... وأفكر كثيرًا أيضًا"
ابتسمت بمرارة خفيفة
"هناك سؤال لا يتوقف عن مطاردتي... من أنا حقًا؟"
ثم التفت إليها ببطء.
"وأنتِ؟ منذ أن بدأتي العمل في متجر الحلويات والمخبوزات... ألم تحلمي أحلامًا بشعة مثلي؟"
نظرت إليّ بحزن، ثم قالت محاولة طمأنتي:
"بالطبع لا. هذه كلها أوهام من عقلك بسبب التعب، لذلك لا تفكري كثيرًا بشيء، وتناولي دواءكِ بانتظام... وأنا معك دائمًا."
ابتسمت لي بخفة وضغطت على يدي.
"لا تخافي من شيء... ولا تحزني. هذا هو مصيرنا، ويجب علينا تقبله."
توقفت قليلًا، ثم نظرت إليها بتعب وقلت:
"حسنًا... لقد وصلنا إلى منزلك. سأكمل طريقي إلى المنزل، أبدل ثيابي وأذهب إلى العمل... وأنتِ استعدي للذهاب إلى متجر الحلويات."
عانقتها عناقًا صغيرًا، ثم ودعتها بصمتٍ ثقيل، بينما بقي ذلك الكابوس عالقًا في رأسي كجرحٍ يرفض أن يلتئم وأكملت سيري...
«آه... لقد وصلت الراحة أخيرًا.»
أطلقت زفرةً خفيفة وأنا أرتمي فوق سريري، محاوِلةً أن أبعثر كل الأفكار الثقيلة التي كانت تعصف بعقلي منذ ساعات. حدّقت في الساعة المعلّقة على الجدار، فإذا بعقاربها تشير إلى الخامسة والنصف مساءً، بينما يبدأ دوامي الجزئي في تمام السادسة.
"تبًا... لا أستطيع التأخر"
نهضت على عجل وكأن تيارًا من الكهرباء قد سرى في جسدي، فبدّلت ثيابي بسرعة وارتديتُ فستانًا أحمر قانيًا من الدانتيل، يبرز بتصميمه المفتوح عند الصدر وأكمامه الأنيقة، بينما كان طوله يتوقف فوق ركبتيّ بقليل. انسدل شعري المموّج على ظهري في تموّجات ناعمة، وانتعلتُ جزمةً سوداء طويلة تعانق ركبتيّ. وما إن اكتملت هيئتي حتى غادرتُ المنزل بخطواتٍ متعجلة.
وبعد مضي بعض الوقت، وصلت إلى المتجر أخيرًا، ودلفت إلى داخله وأنا أحاول أن أترك خلفي كل ما أثقل روحي من طاقة سلبية.
"مرحبًا أيها العم."
قلت ذلك بابتسامة خافتة ارتسمت على شفتي.
التفت إليّ العم بوجهه المألوف الذي لا يفارق الدفء ملامحه، وقال مرحبًا:
"أهلًا أهلًا بصغيرتي"
ثم ناولني المئزر الخاص بالمتجر لأرتديه، قبل أن يبتسم لي ويضع كلتا يديه على كتفيّ برفق قائلاً:
"اليوم أريدك أن تبقي حتى الساعة الواحدة بعد منتصف الليل. مجرد هذا اليوم فقط، وسأمنحك مبلغًا إضافيًا. وإن لم ترغبي، فالأمر عائد إليك"
وبالطبع، لم يكن لدي أي مانع. فهناك أجر إضافي، وما هي إلا ساعة زائدة في العمل. لذلك أجبته بسرعة وحماس:
«لا بأس! فهذا واجبي في النهاية.»
ربّت على رأسي بلطف، في تلك الحركة التي اعتدت منها أن تبعث الطمأنينة في قلبي. كان رجلًا طيبًا بحق، ثم قال مبتسمًا:
حسنًا، اعتني بنفسك جيدًا، وكلي من المتجر ما تشائين، فالحساب عليّ،إلى اللقاء"
راقبتُه بعينيّ وهو يغادر المتجر، حتى اختفى عن ناظري.
"إنه حقًا لا يفشل أبدًا في إسعادي كل مرة"
تنهدت بخفة، ثم اتجهت إلى مكاني المعتاد، أستعد لبدء عملي، بينما كانت ساعات المساء الطويلة تمتد أمامي بهدوء.
●●●●●●●●●●●●●●●●●●●●●●●●●●●●●●●●●●●
الساعة تشير إلى الواحدة بعد منتصف الليل. كان ضغط العمل خانقاً، يمتص طاقتي ببطء.
وما إن انحسر طوفان الزبائن وخلا المتجر تماماً، حتى أطلقتُ تنهيدة متعبة، وجررتُ جسدي المنهك نحو رفوف "الراميون" علّني أسدّ رمق جوعي.
وقفتُ هناك أحاول الاختيار، وكالعادة، التفتت عيناي نحو نكهتي المفضلة؛ الجبن.
مددتُ يدي لألتقطها، لكن... في تلك اللحظة تحديداً، إنهار كل شيء..
انفجر في أذنيّ طنين صاعق، وشعرتُ برأس مطرقة غاشمة تهوي فوق صدغي بلا رحمة. قبضتُ على رأسي بكلتا يديّ وهويتُ إلى الأرض صريعة الألم. كنتُ أدرك أنني بحاجة ماسة لدوائي، لكن جسدي كان قد شُلّ بالكامل، وكأن حبالاً خفية وثّقت أطرافي ومنعتني من الحراك.
أخذ الألم يتصاعد بضراوة حتى مزّق الصراخ حنجرتي. تلك الصور المشوشة والممزقة التي كانت تزورني مع كل نوبة هلع، وتلك التي طالما حسبتها مجرد هلوسات عابرة ناتجة عن شدة الوجع، بدأت تتشكل فجأة بيقين مرعب. كانت تتدفق في عقلي بوضوح كشريط سينمائي قديم... إنها أنا! أنا في طفولتي! كل شيء عني، عن حياتي الحقيقية، وعن ماضيّ المنسي بدأ يتكشف.
التمتمات والهمسات الخبيثة بدأت تحاصرني، تنهشني من الداخل وتقتلني ببطء:
"مجرمة!"
كانت الذكريات تندفع كالسيل الجارف في عروق عقلي، وأنا أصرخ مستجدية اللاشيء: "لا... لا، أرجوكم توقفوا!"
لكن الأصوات لم تأبه لرجائي، واستمرت تجلدني بسياط الماضي:
"أنتِ لستِ ابنتي! أنا لستُ أماً لوحش قاتل، مثل أبيكِ الذي لا يعرف الرحمة!"
"اللعنة عليكِ وعلى والدكِ!"
"كارلا... خذيها وارميها في دار الأيتام!"
ومع اكتمال شريط الذكريات واسترجاع ماضيّ السحيق، توقف ألم رأسي فجأة... ليحل محله وجع من نوع آخر.
كنتُ أبكي بصمت قاتل ومريب. الدموع تنهمر على وجنتيّ كشلالات من نار. أسندتُ ظهري إلى حافة الرف الخشبي، وكورتُ جسدي واضعة وجهي بين قدميّ، أصرخ داخلياً صراخاً صامتاً يمزق الأحشاء، بعد أن هويتُ في قاع انهيار تام ومظلم.
هنا... في زاوية ذلك المتجر البارد، ماتت مشاعر بيانكا للمرة الثانية!
لقد ماتت روحها أول مرة وسط سياط العذاب في طفولتها، حين تجرعت مرارة ذنب لم تقترفه طوال حياتها والآن، تموت للمرة الثانية وهي تسترجع تفاصيل ذلك العذاب، وما من شيء أقبح أو أشد تنكيلاً بالروح من أن يُجبر الإنسان على العيش في كنف الألم نفسه مرتين... وهذا تماماً، هو العبء الذي سحق بيانكا الليلة.
●●●●●●●●●●●●●●●●●●●●●●●●●●●●●●●●
رأيكم؟؟🎀
الفصل القادم فلاش باك كامل عن حياتها، كنت أريد نشر ماضيها دمج مع هذا الفصل ولكنه طويل ويفضل وضعه في فصلين كاملين لوحدهما
(لا تقلقوا فقد كتبت أكثر من نصفهم✨😂)
4 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.