هنا عقله
هنا عقله
جزء 8 من 13
وضع القراءة:

الوعكة

ـ في اليوم التالي استيقظنا باكرا، كانت مارين متوترة للغاية بما أن هذه هي المرة الأولى التي تشارك فيها بمسابقة ذات شأن عالٍ، ارتدت فستانًا مزيَّنًا بورودٍ حمراء، وقد كان الجميع يجزم بأنها الفائزة، كانت أمل فرنسا، "مارين كروا".
بدأ العرض بالفعل، بدأت ترقص على أنغام متناسقة تتناسب مع شخص باحترافها، رغم صغر سنّها، كانت سنوات خبرتها كفيلة بجعلها تحطّم كل المحترفين وتستحقَّ الفوز!
ذلك لم يعجب "شيري بلوم" بالطبع، منافسة مارين الوحيدة، والتي كان من الواضح أنها ستخسر أمامها، لذلك استأجرت شخصا من الحضور واتفقت معه على أن يطلق شعاع الليزر في عينيها مباشرة أثناء دورانها بسرعة مما جعلها تفقد توازنها وتسقط أرضًا.
صرخت مارين بألم شديد رؤيتها كذلك كانت تؤلم خاطري جدا، نتج عن كل ذلك كسور في قدميها أوقفها عن لعب الباليه لسنة ونصف.
ـ أذكر ذلك الحدث، قد أصدر ضجة عظيمة في فرنسا آنذاك، لكنني لم أعرف أن "شيري" هي التي تسببت في ذلك!
ـ بالطبع لن تعرفي! فقد تستّروا عن الأمر بكل ما أوتوا من جهد.
ـ كيف كانت حالة مارين النفسية؟
ـ لم تكن بخير أبدًا.. اشتاقت للباليه الذي كان أسلوب حياتها، فهي عكسي تمامًا، كان الباليه جل اهتمامها بينما اهتممت أنا بالعلوم الرياضية والبيانو معا. لذلك فقد كان ذلك صعبًا جدا، التخلي عن الباليه والعودة للدراسة. حاولت مساعدتها قدر الإمكان لكنها لم تهتم بذلك، وانتهى بها الأمر تهرب من الحصص لأجل مشاهدة أدائها مرارا وتكرارا..
ـ ما الذي جرى بعد ذلك؟
ـ حدثت مشاكل مع العائلة عندما وصلنا للثانوية، سنوات مهمة بالنسبة لنا كما تعلمين.. بالنسبة لي على الأقل، بما أن مارين لا تهتم. استجمعت شجاعتي بعد فوزي بمسابقة بيانو دولية تم إجراؤها بطوكيو وتحدثت مع السيدة "جولييت" بشأن التوقف عن لعب البيانو لبضع سنوات ريثما أتحصل على شهادة التعليم الثانوي.
ـ ماذا كان جوابها؟ وافقت؟
ـ عرفت جانبًا من عائلتي لم أعرفه يومًا..
صمت دانييل يستجمع أفكاره وأكمل:
ـ سألتني ببساطة: "ما رأي والدك حول ذلك؟"
ولأنني لم أسأله بعد فقد صمتت ما جعلها تفهم بدورها فأضافت "اسأله هو، لا دخل لي بهذا، لكنني لا أنصحك" وأنهت جملتها بابتسامة غريبة غير معتادة كما لو كانت تستفزني بها ومضت بعيدا إلى الغرفة المجاورة.
ـ وسألت السيد كريستوف حينها أليس كذلك؟
هزّ دانييل رأسه مشيرا بـ نعم لرونا التي تركت دفترها على الطاولة وجلست تستمع لبقية تفاصيل قصته وقد بدت مشوقة بالنسبة لها:
ـ نعم، رحت إلى العم كريستوف مباشرة بعد انتهاءه من أشغاله وسألته عن دقيقة من وقته، أجابني بلطف أن أتفضل، بلطف اختفى سرعان ما أكملت جملتي:
ـ أريد أن أتوقف عن البيانو لفترة.
صاح بي غاضبا:
ـ وما الذي جعل سيادتك تتخذ هذا القرار؟
توترت بينما أجيبه وقد تلعثمت كلماتي كما لو نسيت كل لغاتي:
ـ مستقبلي، الدراسة، أودّ.. أريد، بعد إذنك أن أركز في الثانوية أكثر.
رمقني حينها بنظرات مريبة كما لو تعهد بكونه سيتخلص من روحي ثم جثتي بأبشع الطرق لو استمررت بقول هذا:
ـ من غرس في جعبتك هذا الهراء؟ لا دراسة لديك! كل ما تستطيع التركيز عليه هو البيانو وأكمل مسيرتك التي بدأتها كعازفه! لا مستقبل لك غيره، لا تجادلني!
صاح بي قائلا كلامه ساكبا كوب القهوة الذي كان ممسكا به بين يديه على وجهي، ونعم.. سبب ذلك لي حروقًا من الدرجة الثالثة، وتوقفت عن الدراسة..
ـ توقفت نهائيا؟؟ حقا؟؟ لم تكمل تعليمك؟
صاحت رونا متفاجئة وقد أكّد دانييل سؤالها بإيماء ودمعة.
ـ وماذا فعلت بعد ذلك؟ تخليت عن تعليمك فقط؟
ـ انتظرت إلى أن شفي كل مني ومارين، وقررت أن أقترح عليها فكرة الهرب من المنزل حتى نتبع أحلامنا بغباء مني
ـ ألم توافق؟
هز رأسه نافيا وأجاب:
ـ لم تفعل، كيف تفعل وحلمها كان أسهل تحقيقه ببقائها مع عائلتها؟ إنها تفضل الباليه علينا جميعًا.
ـ الجميع يتبع أحلامه يا دانييل، كما أردت التخلي عن كل شيء باتجاه دراستك كان اختيارها التخلي عن كل شيء حتى يتسنى لها مستقبل واعد كباليرينا.. هذا هو العالم، استطعت التضحية بها واستطاعت التضحية بك.. الأحلام أولى من مجرد صداقة عابرة.
ـ أرجو لو تعلمين أنك طبيبة تافهة، زاد غضبي بعدما أتيت إليك!
تجاهلت رونا تعليقه وأضافت:
ـ كما تعمل السيارات بالوقود، للبشر وقودهم الخاص أيضًا، الأحلام سمٌّ يقتل ببطء، يجعلك تأكل من ذاتك وروحك ومن هم حولك في سبيل صورة في عقلك، سرعان ما تخسر الجميع بما فيهم نفسك، وتجد أن الأمر إما لم يكن يستحق العناء، أو لا تصل أساسًا فلا تعرف ذلك حتى.
ـ يبدو أن الأحلام وجدت لنخسر من هم حولنا باحثين عن أنفسنا، ونعلق قيمتنا بما أسميناه حلما ونمضي جل حياتنا راكضين خلفه. فلا نجد الحلم وما تصوّرناه ولا أنفسنا وما استحققناه.
قال دانييل كلامه وهو يزيد من سرعة تدوير القلم الذي أمسكه بين أصابعه منذ الدقائق الأولى التي جلسها على الكرسي أمام مكتب رونا، هذه الأخيرة التي أخذت منديلا وقدمته لدانييل الباكي أمامها:
ـ إذا؟ ماذا قررت بعد رفض مارين للفكرة؟
ـ اختارت أحلامها واخترت أحلامي. ووصلنا لمفترق الطّرق أخيرًا.
ـ هربت من المنزل؟
أومأ برأسه واكتفى بنظرة بائسة رمق الأرض بها فأضافت هي بدلا منه بعدما عمّ الصمت المكان:
ـ هل كان الأمر يستحق العناء؟
سؤال كهذا كان غير متوقّعا لدانييل، هل كان الأمر يستحق العناء حقا؟ هو لا يعرف، لا يزال تائهًا.. يركب قاربًا بلا وجهة، يركب زورقًا بمفرده دون معرفة أي شيء عن طرق التجديف..
ـ عندما خرجت من المنزل في إحدى الليالي، لم أجد حلا غير هذا، ولم أكن أعرف وجهتي حتى.. قررت المغادرة فجرا وسرت متسللا على أطراف أصابعي باتجاه الباب، لم أصدر أي صوت. ورغم ذلك، أحضر كريستوف زجاجة خمر يعرف أنني أرتعب منها لأنها تذكرني بما مرّت به والدتي، جاء نحوي وأمسك بمعصمي، صرخت، صرخت حتى خانني صوتي، كنت خائفًا، مرتعدًا، مرتعبًا، لم أعرفه ما عليّ فعله.. أهرب؟ حاولت، لكنه أقوى مني بكثير.. كسر زجاجة الخمر بالطريقة ذاتها.. الطريقة التي تعيدني سنوات للوراء، الطريقة التي تشعرني بعدم الأمان، الطريقة التي تذكرني بأنني بلا عائلة، الطريقة التي تذكرني بأن الأمان غير موجود، ولن يتواجد قط! ما دمت أنا هو أنا، وما دمت هنا.. أمسك قطعة زجاج حادّة، وبدأ يمرّرها على معصمي الذي أمسك به، بدا أنه مستمتعًا بجريمته الشنيعة، كما لو كنت موناليزا الخاصة به، كما لو كان ليوناردو دافنتشي الخاص بي.. أخذ يرسم نوتات موسيقية كان عليّ حفظها للمسابقة الموالية، تلونت يدي ويده بالدم، دمي.. صرخت بأعلى صوتي، وفكرت أن أنتزع يدي منه وقد حاولت، لكن ذلك زاد من حدة الألم ورسم خطًّا خرب "لوحة" كريستوف، لذلك أصرّ على إعطائه معصمي الآخر ليعيد الكرّة، دون أخطاء مني.. كما قال.
لمحت مارين حافية القدمين ترمقنا برعب على عينيها من بعيد، صرخت بها بكل ما أوتيت من قوة:
ـ أنتِ! أنتِ من أخبرته صحيح؟؟؟ صحيح؟
أخذت تبكي بصوتٍ عالٍ:
ـ أبي، توقف أرجوك!! لم.. لم أعلم أن العقاب سيكون هكذا..
وجّهت كلامها نحوي وأكملت:
ـ اعتقدت أنني ربّما أمنعك من الذهاب فقط، لم أستطع رؤيتك ترحل باتجاه المجهول والخطر.
ـ رائع! تم إنقاذي بفضلك الآن.. تخلصت من الخطر بفضلك الآ..
لم أكمل جملتي بل تأوّهت بألم بعدما غرس كريستوف زجاجته داخل معصمي لأصمت، وقال:
ـ نعم، لقد تم إنقاذك، أتعتقد أن الميتم مكان مريح ستحظى بالراحة والعافية فيه؟ هراء.. أنت تم إنقاذك بفضلي! أنا أنقذتك أتسمعني؟ أنقذت كلاكما! أنتما مدينان لي بحياتكما!! لذلك ستطيعانني مهما فعلت، ولو أمرتكما بالغوص في أعماق حمم بركانية لفعلتما لأجلي.. مفهوم؟
صرخ بالكلمة الأخيرة وقد علت وجهه نظرة مخيفة.. كان يبدو مثل.. مثل.. مخـ..
لم يستطع دانييل التفوه بمزيد من الكلمات لذلك قالت رونا ما كان يفكر فيه:
ـ مختل؟ معك حق.. شخص يفعل كل هذا هو مختل حتمًا.
ـ هل يوجد وصفٌ يعبّر أكثر من هذا؟ لا أستطيع أن أصف أكثر.. الكلمات تخونني..
شمّر دانييل على يديه سامحا لرونا أن تلقي نظرة على معصمه المزين بوشوم خضراء شنيعة بشكل نوتاتٍ موسيقية:
ـ أترين؟ أجبرني على وشم الآثار حتى لا يتم سؤالي عن الندبات التي تزيّن معصمي..
ضحك دانييل بعينين حمراوتين، وقال بينما يضرب صدره بقوة:
ـ لكنه لم يخفِ شيئًا، أيعتقد أنه فعل؟؟ الألم هنا! الندوب هنا! أي وشوم تغطّي ما فعله بي؟؟ كل ما أردته كان عائلة، مجرد عائلة.. فقط.. عائلة.. عائلة فقط!! ألا أستحق؟ أخبريني أرجوك..
انهار باكيا بينما أخذت رونا تربّت على كتفه..
ـ ربّما عليك التوقف هنا إن كان استرجاع ذكرياتك يؤلمك
ـ استرجاع الذكريات؟ لا حق لك بتسميتها كذلك، إنها آثام، إنها خطايا، خطايا ولدت بها ولا أستطيع التملص منها حتى، ولدت مذنبا، ذنبًا لم أقترفه.. ذنبًا لا دخل لي به.. ذنب عائلة جامحة، ومحيط سام.. إنها شبح يلاحقني، إن الماضي لا يزال حاضرًا، والرعب لا يزال مستمرًّا..
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.