وضع القراءة:

مقصورة جنة العريف شرفة الملك، الفصل الخامس

في مقصورة الذهب الباذخة بجنة العريف، كانت الشرفة العالية مفتوحة على مداها، تطل على فضاء غرناطة التي بدأت تشتعل في أزقتها أنوار المساء الخافتة كالجمر المتناثر. رائحة بخور العنبر والند الذكي تمتزج ببرودة الليل القارس القادم من قمم جبال الثلج البعيدة. كان الجو يلفه هدوء مهيب، لا يقطعه في السكون إلا حفيف الأثواب الحريرية، وصوت ارتطام قطع الشطرنج العاجية الثقيلة على الرقعة المرصعة بالمرمر الخالص.
يجلس السلطان وأمامه قمر، والرقعة الممتدة بينهما تبدو كساحة معركة مصغرة تختزل مصير الأمة. كان السلطان يرتدي ثوباً من الديباج الملكي الثقيل، وعيناه تبدوان مرهقتين غائرتين من طول قراءة تقارير الحرب المقلقة، بينما قمر تبدو في كامل وقارها الشامخ، وشاحها الأرجواني ينسدل على كتفها بخفة، وأصابعها الرقيقة تداعب قطعة الفرزان بتأمل عميق؛ تلك القطعة الحرة التي تلازم الملك على رقعته كظله.
نظر إليها السلطان بنبرة امتزج فيها الإعجاب بالتهكم، وقال ليعجلها:
- تأخرتِ في نقلتكِ الحاسمة يا قمر.. هل غلبكَِ تفكيري وتدبيري، أم أن قلبكِ مشغول بموشح جديد نسيتِ أن تلحني قفلَه؟.
رفعت قمر عينيها الحادتين ببطء وثبات، ونظرت إلى وجه الملك وقالت برصانتها المعهودة:
- بل كنتُ أتأملُ وزيري يا مولاي.. أراه وحيداً فريداً في وسط الرقعة، يحيط به خيلكُ من جهة، وجنودُك من جهة أخرى. في الشطرنج، كما في ديوان الحكم، الوزيرُ القوي إما أن يفتح لكَ باب النصر المبين، أو يكون أول من يفتح باب القلعة للعدو المتربص.
وبحركة مفاجئة وسريعة من أناملها، حركت قطعة الروخ على الرخام، محدثة صوتاً حاداً وضع السلطان في موقف دفاعي حرج لم يحسب له حسابا.
- قطب السلطان حاجبيه بذهول، وانحنى بجسده فوق الرقعة يتفحص المسارات، ثم قال مستنكر اً:
حركة جريئة وغير متوقعة! أضحيتِ بـالروخ الثمين لتمكني الوزير من العبور؟ أهكذا تحُمى الممالك والديار يا ابنة الحكمة؟ تتركين السور مكشوفاً للغزاة لتهاجمي في العمق؟.
أجابت قمر بصوت هادئ ورصين كهدوء الليل حولهما:
- القلاعُ يا مولاي ليست حجراً يبُنى ويزخرف، بل هي رجالٌ يثبتون في الوجه. ما نفعُ السور العالي إذا كان مَن بداخله قد استسلم للوهم والخوف؟ لقد تركتُ لكَ القلعة تأخذها طوعاً، لأنني أعلمُ يقيناً أنك ستنشغل بامتلاك الحجر العقيم، وتنسى في غمرتك أن خيلي قد وصلت الآن إلى حدود ملكِك وعرشك.
ساد صمت مطبق أثقل من الجبال. نظر السلطان إلى الرقعة بتمعن، وأدرك أن ابنة القاضي قد نصبت له فخاً محكماً لا فكاك منه. ابتعد بظهره عن المقعد الوثير، وأطلق تنهيدة طويلة محملة بالهموم وقال:
- دائماً ما تسبقينني بخطوة يا قمر.. قولي لي بحق الخالق، هل هكذا ترين غرناطة في وعيكِ؟ هل نحن ومملكتنا مجرد قطع تتحرك على رقعة القدر؟.
أخفضت قمر صوتها الرخيم، وتحدثت بلهجة تقطر من مرارة الدهاء والأسى:
- غرناطةُ يا مولاي هي الملك في هذه اللعبة.. إذا حوصر، انتهى كل شيء وضاع الأثر. والعدو الرابض خلف الأسوار لا يلعب بأدب الأندلسيين المعهود، بل يلعب بقواعد المحو والإبادة. هم لا يريدون الحجر فحسب، بل يريدون الرقعة، والقطع، واللاعبين أيضاً.
تأمل السلطان وجهها بعمق، وسرح في عينيها اللتين تحوزان حكمة الشيوخ وقال بنبرة صادقة:
- أحياناً أنسى تماماً أنكِ مغنية البلاط وشادية الحمراء، وأظنُّكِ وزيراً من وزراء الحرب ضل طريقه إلى الحنجرة! لماذا تمنحينني هذا النصح السياسي الغالي مغلفاً باللعب والمزاح؟.
ابتسمت قمر ابتسامة غامضة امتزج فيها الكبرياء بالحزن، وأمسكت بقطعة الملك الخاصة بها، ورفعتها في الهواء قائلة:
- لأنني أريدُ أن أبقى أغني يا مولاي.. والمغنيةُ بلا وطن يحميها، هي مجرد ناي مكسور يذروه الريح الصرصر في الفراغ. أنا لا ألعب على هذه الرقعة لأهزمك أو أسلبك ملكك.. بل ألعب لنتعلم معاً كيف لا نهُزم أمامهم.
2 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.