بداية القصة، الفصل الأول
انعقد المجلس في قاعة الأختين الفاخرة بقصر الحمراء، وحضر أعيان البلاطِ ووجهاء غرناطة، يتقدمهم الوزراء وقادة الجند؛ كانوا يتسامرون وينتظرون بشغف وإلحاح إطلالة جارية القصر التي ملأت صيتها الأرجاء، وسلبت أحاديثها العقول.
دَلفت قمر ومشت بخطواتٍ واثقة ثابتة لا تليق بالجواري المستعبدات، بل بالحرائر المكرمات، حتى بلغت مكانها المعهود. جلست في وقارٍ على مقعد أرضي وثير مخيط بالحرير الأندلسي الفاخر، تحتضن عودها الشجي، ولم يكن يفصل بين قامتها الشامخة وبين أعين السامعين إلا ستار خفيف شفاف، يمنحها هيبة الغموض ويحمي عزة نفسها من نظرات النبلاء.
وما إن أقبلت واستقرت في محرابها، حتى صاح أحد الشعراء في المجرى مستبشراً:
- لقد أقبلت غرِيدة الأندلس!.. وشاديَة الحَمرَاء.
في تلك اللحظة، ساد القاعة صمت رهيب، وحبس الحاضرون أنفاسهم ينتظرون سماع ذلك الصوت الشجي الذي ملك قلوب الجميع وأطرب القلوب الحزينة. حرّكت قمر أناملها الرقيقة تعدّل أوتار عودها بهدوء، ثم أومأت برأسها لفرقتها الموسيقية، فارتفع أنغام المعزوفات يملأ الردهة سحراً.
أطلقت قمر عنان حنجرتها الماسية، وشرعت تشدو بموشحٍ جديد صاغه أحد شعراء القصر، يفيض بمديحٍ شديد للسلطان، والثناء على صموده. كان صوتها يتردد بين جدران الحمراء كأنه الندى، يجمع بين عذوبة النغم ورصانة اللفظ.
وما إن سكتت الأوتار وأتمت موشحها، حتى دوت التصفيقات الحارة في أرجاء القاعة، وارتفعت صيحات الإعجاب من الأعيان والوزراء. نهضت قمر في ثبات، وانحنت للحاضرين انحناءة خفيفة تكاد لا ترى يملؤها الكبرياء، ثم استدارت وغادرت المجلس بخطواتها الوائدة، تاركةً خلف الستار الشفاف قلوباً حائرة وعقولاً مذهولة.
ولجت قمر غرفتها الهادئة، ووضعت عودها بعناية، ثم جلست على طرف سريرها تتنفس الصعداء. التفتت إلى إحدى مُعينات القصر المقربات منها، والتي كانت تبادلها الود والسر، وقالت بنبرةٍ مثقلة بالمرارة:
- لا شيء جديد.. مديحٌ آخر يُضاف لسلسلة مديح السلطان الواهم.
ابتسمت المُعينة ودنت منها برفق، تحاول تخفيف وطأة الضيق عنها فقالت:
-وكيف تريدين للشعراء أن يكسبوا قوتهم وأعطياتهم يا قمر؟ إن لم يمدحوا التاج جاعوا.
ابتسمت قمر بجانبية، وارتسمت على شفتيها نبرة ساخرة لا تليق بـ غريدة الحمراء، وقالت:
- الأندلس تعاني وتنزف أطرافها... وهو بالمديح واللهو مَشغول آهٍ عليكِ يا أندلس!، وآهٍ من قصر يعيش في غيبوبة الغناء!.
نهضت قمر وخطت نحو الشرفة، تطل على فضاء غرناطة الساحر الممتد تحت ليل الأندلس الحزين، ونسمات الهواء البارد تداعب وجهها. التفتت فجأة وقالت بحسم:
- إذا سمحتِ.. ناوليني عباءتي السوداء ولثامي، سأخرج الليلة لأبتعد عن قلة الفكر هذه قليلاً.
تراجعت المُعينة متفاجئة، واعتلت ملامحَ وجهها علاماتُ القلق والذعر، وقالت بصوتٍ مخنوق:
- قمر! هل أنتِ متأكدة مما تفعلين؟ إنها مخاطرة.. وإذا بحث عنكِ السلطان فماذا أقول؟ أنا لن أكذب!.
أمسكت قمر عباءتها بثبات، والتفتت إليها بعينين تشعان يقيناً وعزة، وقالت بهدوءٍ يقطع كل شك:
- إذا سأل عني.. فأجيبي بـ لا أعلم وكفى.
أسدلت قمر عباءتها السوداء فوق رأسها، وتسللت خارج أسوار القصر في سريةٍ تامة، متخفيةً عن أعين الحراس الشداد؛ فهي تعلم علم اليقين أن خروج الجواري لا يكون إلا بإذنٍ خطّي من السلطان، وهو لن يسمح لها بهذه الخطوة أبداً، فكانت السرية هي درعها والقرار الأوحد الأكرم لها.
مشت بخطىً هادئة متئدة في أزقة حي البيازين العتيق، وعشقت تلك الأجواء الشعبية من أول نظرة؛ ففي حواريها رأت طهر الأندلس ونقاء الرعية بعيداً عن زيف البلاط. وباتت تلك الرحلة الممنوعة ملاذها شبه اليومي؛ فكلما تيقنت أن الملك وحاشيته غارقون في شؤونهم، وأن غيابها لن يثير الشبهات، ارتدت سوادها وانطلقت تستنشق الحرية.
وفي إحدى ليالي سيرها، تناهى إلى مسامعها صوت قوافٍ شعرية تُلقى بنبرةٍ جهورية غاضبة. وحين أصاخت السمع، تملكتها الدهشة؛ لم يكن هذا شعراً في وصف الطبيعة، ولا رثاءً باكياً، ولا مديحاً مبتذلاً كذاك الذي يملأ القصر، بل كان شعر هجاءٍ لا يرحم! نوعٌ من الأدب الثائر لم تسمعه منذ فارقت مسقط رأسها.
تطلعت بنظرها نحو مصدر الصوت، فلمحت رجلاً يجلس على الأرض، مستنداً إلى عتبة درج حانوت الوراقين. كان شاباً أسمر البشرة، تلوح على وجهه ملامح حادة كحد السيف، وعيناه تشعان بذكاءٍ متقد. حين استوعب عقلها الفقهي أنه يهجو السلطان علانية، ارتسمت على شفتيها المخفيتين ابتسامة إعجاب، وهمست لنفسها برفق:
- شجاع!.
أصبح ذلك الحانوت وجهتها المفضلة، تدلف إلى زقاقه أكثر من غيره، تقف بعيداً في الظلال مستمعةً لهجائه خوفاً من الاقتراب. لكن في تلك الليلة، دفعها الفضول لتدنو أكثر، وكان الشاب يتحدث بنبرةٍ شجية كأنه يخاطب الريح ويبثها لوعة فؤاده:
مَـا بَـالُ لَـيْلِكِ يَا غَرْنَاطَةُ انْكَسَرَا؟ ... وَالـلَّحْنُ صَارَ عَلَى أَوْتَارِنَا حَجَرَا؟
تَبْكِي القَوَافِي إِذَا غَنَّى الجَبَانُ بِهَا ... وَالـمَوتُ أَجْمَلُ مِمَّنْ بَاعَ مَا سَتَرَا
شهقت قمر دون قصدٍ منها إعجاباً وألماً من قسوة الأبيات. وفي لمح البصر، التفت الرجل نحو موضع الشهقة بحدةٍ بالغة، وعيناه تحملان حذر الفقراء الملاحقين وكبرياء الشعراء الأحرار. ساد صمتٌ ثقيل ومخيف بينهما، لم يقطعه إلا رنينُ خلاخيل قمر الذهبية الفاخرة التي تحركت مع خطوتها المتراجعة، ففضحت هويتها الملكية المترفة تحت وابل الوشاح البسيط.
صاح الرجل بلهجةٍ حادة قاطعة:
- من وراء الشجر؟! أهو جاسوسٌ لوزيرٍ يبتغي رأسي، أم عابرُ سبيلٍ ضلَّ الطريق؟.
تراجعت قمر إلى الوراء بذعر، وخوفاً من أن ينكشف أمرها وتُساق إلى سجن القصر.
بيد أن الشاب كان أسرع منها؛ إذ وثب قائماً ولحق بها، وأمسك بمعصمها بقوة يمنعها من الفرار. حدق في عينيها مباشرة، وبفراسته وعمق تفرسه بالهيئات، أدرك فوراً أن هذه العباءة وهذا اللثام ليسا حجاباً شرعياً لامرأةٍ عامية، وإنما هما قناعٌ تتخفى وراءه هرباً من أمرٍ عظيم.
ولأن شِعره قد يورد به المهالك ويقوده إلى غياهب السجون إن وشي به أحد، كان الحذر سجيته في الحياة؛ فمد يده غاضباً متوجساً لينزع اللثام عن وجهها ويعرف غريمه.
وفي تلك اللحظة الحرجة، وقبل أن يلامس القماش، شق سكون الزقاق صوت منادٍ خلفه.. كان صوتاً واهناً مرتجفاً لامرأةٍ مسنة.
شقَّ صوتُ العجوز سكون الزقاق وهي تصيح بنبرةٍ يملؤها الذعر والترقب:
- قمر! ماذا تفعلين هناك؟.
جمدت يد الشاعر في الهواء، ونظر إلى العجوز ثم إلى الفتاة المتخفية بسوادها. تراجع خطوة إلى الوراء، وأبعد يده عن معصمها مفسحاً لها طريق الرحيل، ثم التفت نحو المرأة المسنة ظناً منه أنها والدتها التي تبحث عنها في عتمة الليل وقال بنبرةٍ حذرة وقورة:
- خالتي.. راقبي ابنتكِ جيداَ، ولا تدعيها تهيم في الأزقة في مثل هذه الساعات.
لم تنتظر قمر لتبرر موقفها، بل اندفعت بسرعة وأمسكت بيد مُعينة القصر المرتجفة، ومضتا تطويان الأرض خطاً نحو أسوار الحمراء. وما إن اجتازتا الأبواب السرية ودخلتا حرم القصر، حتى نالت قمر من المعينة عتاباً حاداً يليق بحجم المخاطرة التي أقدمت عليها، وتقريعاً لو كشفه الحراس لأودى برقابهما معاً. غير أن قمر لم تأبه كثيراً بلومها؛ إذ اكتفت برفع كتفيها ببرودٍ وعدم اهتمام، ثم انصرفت إلى غرفتها الشاسعة، لتجلس بين بقية فتيات فرقتها الغنائية، يستمعن ويتناقشن حول الموشح الجديد وتعديل أوتاره، بينما كان عقلها في وادٍ آخر.. وادٍ يضج بـأبيات الشاعر الأسمر.
قطعت قمر خروجها الليلي لأيامٍ معدودات، التزاماً بالحذر ولتهدئة روع رفيقتها المسنة. لكنّ الشغف بكلمات الحرية صرع خوفها؛ فعادت لترتدي العباءة السوداء وتتسلل مجدداً نحو حي البيازين.
عادت إلى نفس الزقاق، وتقوقعت في ذات الظلال البعيدة المعتمة. كان إدريس يجلس هناك على عتبة الحانوت، وبحسّه الشاعري وفراسته الميدانية، شعر بوجودها وارتداد أنفاسها في المكان؛ لكنه هذه المرة لم يتحرك صوبها، ولم يحاول كشف قناعها، بعد أن أيقن في قرارة نفسه أن نيتها حسنة، وأنها ليست عيناً للسلطان ولا جاسوسة للوزير، بل روحاً جريئة ولدت من رحم الألم، تبحث عن ملجأ في قصائده الثائرة.
ومن خلال زياراتها المتكررة الصامتة، ووقوفها العابر في غسق الليل، التقطت مسامع قمر سرّاً جديداً؛ إذ سمعت الشيخ الطيب، صاحب حانوت الوراقين، ينادي الشاب أكثر من مرة ليعينه على المخطوطات، فتردد الصدى في مسامعها وعلمت أن اسمه إدريس.
في صحن المياه الداخلي الملحق بجناح الجواري، انساب خرير النافورة ممتزجاً برنين الأوتار الشجية. كانت قمر تتوسط فرقتها، يقضين الهزيع الأول من النهار في ضبط المقامات وإتقان لحن موشحٍ جديد. وعلى الجانب الآخر، خلف ستارٍ كثيف، انزوى شعراء البلاط الوراقون يُصيخون السمع للنغمات، محاولين صياغة أبيات شعرية تقفو أثر الوزن الموسيقي وتلائمه.
بينما كانت قمر تلقي إرشاداتها الصارمة للفتيات حول النبر والأوتار، قطع هدوء البهو دخول غلامٍ مرسول من ديوان الملك. تخطى الغلام قاعة الشعراء متسائلاً بنبرة مستعجلة:
- أين شادية الحمراء؟.
أشار له أحد الشعراء بكسل نحو موضعها خلف الستار، فدلف إليها وانحنى قائلاً:
- يا قمر.. الملك يريد لقاءكِ فوراً في مجلسه، وأمركِ ألا تتأخري.
أومأت له بأن ينصرف، ثم استقمت في وقار والتفتت إلى فتياتها قائلة بحسم:
- أكمِلنَ العزف من دوني، واستمرِرنَ على ذات اللحن حتى أعود.
خطت قمر نحو قاعة العرش بخطواتها الواثقة، وحين رأتها العيون، فتح لها الحراس الأبواب الضخمة الموشاة بالذهب. تقدمت بخطى وئيدة، وانحنت انحناءة كبرياء خفيفة للسلطان، ثم قالت بنبرة هادئة رصينة تفيض بالهيبة:
- خيرٌ ما استدعيتني لأجله يا مولاي.
أومأ السلطان برأسه، وبدت على وجهه علامات الإرهاق والتشتت، وقال مخفياً ضيقه:
- خيرٌ.. خيرٌ يا قمر.
سكت لبرهة، وطال صمته لثوانٍ امتدت كأنها الدهر، يقلب فكرة في عقله، ثم قال مسترسلاً:
- يا قمر.. قد اعتدتُ على مشورتكِ في معضلات الأحكام، وفي أيامكِ هذه لم تبخلي عليّ برأيكِ السديد.
أومأت له برأسها في صمت ليتابع لوعته:
- إن شعب غرناطة غاضبون ومتمردون! يزعمون في أزقتهم أنني تخليت عن حمايتهم ولا أحمي أطراف الأندلس.. والله يعلم كم أحاول وكم أتحمل لأجلهم، لكنّ القشتاليين يملكون سطوةً أقوى منا.. اقتصاداً وعسكراً! فماذا بيدي أن أفعل؟.
استمعت قمر لشكواه الواهية بعقلٍ وازن وقرأت ما وراء الكلمات، ثم قالت بقسوة الحق المفجِع:
- الأمر ببساطة يا مولاي.. إن تلك الإتاوة الضخمة التي تدفعها من أموال الرعية لملك قشتالة ليبقي جنوده بعيداً عن أسوارنا، هي ذاتها الأموال التي تطوّر اقتصادهم! وبأموالنا نحن.. يطوِّرون جيوشهم ويكسون عتادهم.
جمد السلطان في مكانه صامتاً، صدمته نبرتها الحادة التي عرت واقعه، ثم حاول الدفاع عن ضعفه متسائلاً بغباء سياسي:
- ولماذا يغضب الشعب إذن؟! ألا يعيشون في سلامٍ وأمان تحت ظلي؟ أليس هذا كافياً لهم؟.
قالت قمر بنبرة باردة كحد السيف، ولم تعد تخفي مرارتها:
- أيُّ سلامٍ هذا يا مولاي؟! القشتاليون يطوقون غرناطة من كل حدب وصوب، ينتظرون إشارةً واحدة من مَالكهم ليجتاحونا، وأنت تفرغ دار المال لتسد رمق جشعهم، بينما غرناطة في الأسفل تحارب وحدها لتهرب من الفقر والجوع الحاد.
دام صمت السلطان طويلاً، واختنقت الكلمات في حنجرته فلم يجد درعاً يحمي به كبرياء تاجه أمام هذه الجارية الفقيهة، فالتفت يمنة ويسرة وغيّر الحديث فجأة هرباً من الحقيقة:
- هل.. هل الموشح الجديد جاهزٌ للعرض؟.
استغربت قمر في سرها من هذا التحول السريع، لكنها أجابت برصانة:
- اللحن جُهّز تقريباً.. ونحن بانتظار أبيات الشعراء لتركيبها عليه.
لوّح السلطان بيده كأنه ينفض عن نفسه عبء الهزيمة وقال:
- اتركوا ذاك الموشح الآن.. وقوموا بإعداد لحنٍ جديد ومبهج يناسب يوم الغد، فهو عيد مولد نبينا محمد ﷺ، ونريد احتفالاً ينسي الناس ضيقهم.
أومأت قمر برأسها وقالت:
- سأفعل ما أمرت به.. هل تسمح لي بالانصراف يا مولاي؟.
أشار لها بالمغادرة، فاستدارت وخرجت. وما إن توارت عن الأنظار، حتى نادى السلطان غلامه المرسول وقال بصوت قاطع:
- اذهب فوراً إلى سوق الوراقين في البيازين.. وابحث عن خطاطٍ بارع، يملك خطاً أندلسياً قوياً وفاخراً، ليكتب لنا الخطابات والقصائد التي ستُلقى وتُعلق في ساحة الحمراء غداً بمناسبة المولد.
التقطت أذنا قمر أمر الملك للغلام قبل أن تغادر الرواق، وفي سرها، نبعت دعوة خفية تمنت فيها أن يكون إدريس هو المختار لتلك المهمة. عادت بخطى حثيثة إلى صحن المياه الداخلي، وحطت عودها قائلة لفرقتها:
- لقد أمر الملك أن نتوقف عن الموشح الحالي فوراً، وأن نبدأ بإعداد موشحٍ جديد يليق بليلة المولد النبوي الشريف.
كانت تلك الليلة طويلة ومضنية؛ فإعداد لحنٍ مهيب، وتلقينه للجواري، وضبط المقامات الحزينة لتتحول إلى نغمات فرحٍ وتهليل ليس بالأمر السهل قط. سهرت قمر حتى الفجر تضبط النبرات والآهات، حتى غلبت النفوس العبادة وبزغ نور الصباح.
مع خيوط الشمس الأولى، كانت قمر تقف مجدداً في قاعة العرش تبث الطمأنينة في نفس السلطان وتخبره بجاهزية اللحن. وفجأة، فُتحت الأبواب الضخمة، ودخل رجلٌ أسمر البشرة حاد الملامح، يرافقه حارس القصر. انحنى الحارس بإجلال، بينما انحنى الرجل الأسمر برأسه فقط، كبرياءً وعزة نفس لا تنحني للملوك. قال الحارس:
- مولاي.. هذا أبرع الخطاطين المعروفين في غرناطة، وقد أتى بأمرك الشريف ليكتب خطابات المولد والقصائد.
أومأ الملك للحارس لينصرف، ثم التفت نحو قمر، لكنه وجدها غارقةً في الصمت، وقد أطالت النظر بالرجل الواقف أمامها بشكلٍ غير معتاد. ناداها السلطان مستغرباً:
- قمر!.. هل لديكِ حكمةٌ أو رأيٌ يدور في عقلكِ الآن؟.
انتشلت قمر نفسها من ذهولها، والتفتت للملك بخفض بصرها وقالت برصانتها المعهودة:
- أبداً يا مولاي.. ليس هناك شيء.
أشار لها الملك بالانصراف، فانحنت بخفة واستدارت لتغادر.
أما إدريس، فمنذ أن أقبل ودخل القاعة، لم تفارق عيناه عينيها النجلاوين. كان شعورٌ غريب يمزق صدره؛ إنه يعرف هاتين العينين، لقد رآهما من قبل! وحين ناداها السلطان باسمها قمر، نزلت الكلمة عليه كالصاعقة وصدمت كيانه. وما إن خطت خطوتها الأولى لتخرج، حتى تناهى إلى مسامعه رنينُ خلخالها الذهبي الفاخر.. ذات الرنين الذي فضَح هويتها في عتمة زقاق البيازين.
انعقد لسان إدريس وتأكدت كل شكوكه؛ الفتاة المتلثمة التي استمعت لهجائه الثائر سراً.
أعاد إدريس نظره إلى السلطان الذي وقف قائلاً بنبرة آمرة:
- ما اسمك؟.
رد إدريس بصوتٍ جهوري تملؤه عزة نفس الوراقين الأحرار:
- إدريس.
أشار له الملك أن يتبعه، فقاده عبر الممرات حتى دخلا حجرة الصناعة النغمية حيث كان شعراء البلاط وأدباؤه يتحلقون حول مكاتبهم. وحين دخل السلطان، وقف الجميع وانحنوا هيبةً له، فالتفت الملك إلى إدريس وقال:
- هؤلاء هم شعراء القصر.. خذ مقعدك وقم بكتابة قصائدهم وخطاباتهم بخطك الفاخر، لنخبأها لاحقاً في خزينة البلاد.
تفحص إدريس المكان بجلبابه البسيط، ثم اتخذ مقعداً، وغمس قلمه في الحبر وبدأ يكتب بتركيزٍ شديد ودقة بالغة، متناسياً صخب الوجهاء ليتقن عمله الشريف. وفجأة، شق سكون الحجرة صوت رنين أوتار عودٍ دافئ وعذب، انبعث من الجانب الآخر خلف المشربية.
توقف الشعراء عن التذمر، وقال أحدهم بنبرةٍ تملؤها اللهفة:
- ها قد بدأ طرب شادية الحمراء.
في لمح البصر، ترك الشعراء والأدباء مقاعدهم ولفافاتهم، وتزاحموا عند الستار الشفاف يطلون على البهو الداخلي، يستمعون بصمتٍ إلى ذلك الصوت العذب الذي لطالما بعث الطمأنينة في قلوبهم المجهدة.
رفع إدريس رأسه، ونظر إلى حيث ينظرون؛ فرأى قمر تجلس هناك كالملكة، تمرر أناملها الرقيقة على أوتار عودها، وتشدو بلحن المولد النبوي بعينين يملؤهما الشجن والكبرياء. عاد إلى أوراقه يحاول استجماع ثباته، لكن مسامعه التقطت حديث الشعراء الهامسين عند الستار، حيث قال أحدهم للآخر بنبرة حائرة:
- الشيء الوحيد الذي لا أفهمه.. هو لماذا يستدعيها السلطان دائماً؟.
تعالت همسات الشعراء عند الستار، فقال أحدهم بنبرةٍ غامزة:
- إنها حسناء القصر، وهي جاريته بطبيعة الحال.. ومن البديهي أن يطلب السلطان رؤيتها ومجالستها أكثر من غيرها.
برز شاعرٌ ثالث من بينهم، وهزّ رأسه رافضاً وقال بيقين:
- ليس هذا أبداً ما يدور خلف الكواليس! فنحن جميعاً نعلم أن شادية الحمراء، ورغم كينونتها كجارية في هذا البلاط، إلا أنها تمتلك عزة نفسٍ وأنَفَةً لن ترضى لنفسها هذا التبذل.
تطلعت الأعين نحو الستار، وتابع ذات الشاعر قائلاً:
- في إحدى المرات، كنتُ قريباً من ممر الديوان، وسمعتها بوضوحٍ تقدم استشارةً سياسية محنكة للملك حول معضلةٍ معينة.. إنها تملك عقلاً حكيماً لا يملكه وزراء التاج.
سخر شاعرٌ آخر ولوح بيده قائلاً:
- مستحيل جاريةٌ تُدير دفة استشارة لسلطان؟ أنت تتوهم يا صاحبي.
التفت الشاعر الثالث إليه وقال بحدة:
- لا تحكم على الكتاب من غلافه وظاهرهِ يا صاحب الأدب والقافيات.
عند تلك الجملة، لم يتمكن إدريس من كبح سخريته؛ فأطلق ضحكةً خافتة متهكمة على وصف الشاعر بـ صاحب الأدب والقافيات وهو غارقٌ في السطحية. انقطعت أحاديثهم فجأة، والتفت الجميع نحو الخطاط الأسمر القابع وراء محبرته. خطى نحوه الشاعر المغرور، وكان يدعى ربيع، وقال بنبرةٍ حانقة:
- ما الذي أضحككَ أيها الخطاط الصامت؟ علامَ تهزأ؟.
رفع إدريس عينيه الحادتين، وأجاب بثباتٍ وعزة نفس:
- أضحكُ لأن أصحاب الأدب الحقيقي والقافية الوازنة لا يقضون أعمارهم في صياغة مديحٍ مبتذل، ولا يدورون في فلك أساليب مكررة أكل الدهر عليها وشرب.
استشاط ربيع غضباً لشعوره بالإهانة البالغة أمام زملائه، فاقترب من إدريس وهدر فيه بصوتٍ عالٍ:
- وماذا تفقه أنت في علوم الأدب وقوافيه؟! أنت مجرد خطاطٍ مأجور، جُيئتَ إلى هنا لتعيد كتابة ورسم ما تخطهُ عقولنا ونبدعه نحن بقرائحنا.
أجاب إدريس بهدوءٍ شديد، وهو يضع ريشته جانباً دون أن يهتز له جفن:
- صدقني أيها الشاعر.. استطيع صياغة شعرٍ يغالب قريضك، ويهدم نبرتك السطحية هذه في لحظة.
ضحك ربيع بسخريةٍ لاذعة، وصاح مستفزاً:
- تفضل إذن! أرنا شجاعتك.
ومد يده بغطرسة ممسكاً بياقة عباءةِ إدريس، ليدفعه ويخرجه من وراء الستار الشفاف إلى مشهدٍ علني مواجهٍ لبهو نافورة المياه حيث تجلس قمر، صاح ربيع ليسمعه الحاضرون والجواري:
- أسمِعنا إذن ألقِ علينا أبياتاً من غزلِك تصفُ فيها حسنها وعودها أم أن قريحتك العاجزة لا تستطيع مجاراتنا؟.
أبعد إدريس يد الشاعر عن ياقته بحركةٍ قاطعة فيها هيبة الفرسان، ونفض ثوبه وقال باحتقار:
- شعر الغزل المبتذل ليس من شغفي ولا من شيمي.. فهو لا يعبر عن المروءة وحال البلاد النزِفة.
قهقه ربيع متبختراً، وظناً منه أنه انتصر في المعركة الأدبية، التفت نحو جهة قمر، وتنحنح رافعاً صوته ليلقي بيقينٍ غبي تلك الأبيات الركيكة التي ظنها معلقةً دهرية:
يَا قَمَـرُ الكَـوْنِ الَّذِي فِي السَّمَاءِ طَار..وَصَوْتُـكِ المَشْهُـورُ قَدْ مَلأَ الدِّيَارْ
أَنْتِ جَمِيلَةٌ جِـدّاً وَعُـودُكِ كَبِير..وَالقَلْبُ مِنْ حُبِّكِ أَصْبَحَ كَالأَسِيرْ
بمجرد أن انتهى ربيع من نعيقه المبتذل، ساد بهو الصناعة صمتٌ مخزٍ وثقيل؛ إذ أدرك أضعف الشعراء قريحةً أن ما قيل لا يمت للشعر بصلة، وأن أي مبتدئ في الأسواق يدرك ركاكة هذه الأبيات وسذاجتها. تقدم شاعرٌ آخر مستشعراً الحرج الوجيز الذي حل برفيقه، وحاول نزع فتيل المذلة قائلاً بنبرة مضطربة:
- دعكم من هذا الجدال العقير.. نحن عقلاء وعلينا أن نتوقف.
تراجع إدريس خطوة إلى الوراء، وثبّت عينيه الحادتين في وجه ربيع، ثم أطلق قوافيه كسهامٍ مسمومة قاطعة:
أَلْقَيتَ شِعْرَاً كَأَنَّ السَّمْعَ مَجْنِيٌّ بِهِ ... فَارْحَمْ قَوَافِيْكَ إِنَّ النَّظْمَ قَدْ نَحَبَا
مَا كُلُّ مَنْ جَمَعَ الحُرُوْفَ بَارِعٌ ... فَالبُومُ يَصْدَحُ لَكِنْ لَا يَنَالُ طَرَبَا
اشتعِل ربيع غيظاً، وتقدم بنوايا غادرة واضحة لضرب إدريس وافتعال شجارٍ يريق دمه وسط البهو. ولمحَت قمر الشرر المتطاير من عيونهم؛ فمررت أنمالها بقوة وقسوة على أوتار عودها، مطلقةً صوتاً حاداً ومزعجاً هز أركان الردهة، واضطر الحاضرون جميعاً لرفع أيديهم ليغطوا آذانهم من شدة الوقع.
وقفت قمر بشموخ وتوجهت نحوهم بخطوات وائدة يملؤها الكبرياء، وقالت بنبرة زاجرة:
- أهذا هو ترحيبكم بعيد نبيكم؟ بالشجار والقتال في حرم البلاط؟.
طأطأ الشعراء والأدباء رؤوسهم خجلاً وخوفاً من سطوتها، عدا إدريس؛ إذ بقي يرفع رأسه بهدوء وينظر إلى عينيها مباشرة بنظرة ندٍّ يقرأ الخفايا. تابعت قمر وعيناها تجوبان الوجوه:
- عودوا إلى أعمالكم ولا أسمع لأحدكم صوتاً.. لا أظن أن بينكم من يرغب في أن يُقتاد إلى زنزانة مظلمة بتهمة إزعاج القصر في ليلة المولد.
تفرق الجمع وعادوا لمكاتبهم مطيعين. ولم تطل قمر الوقوف، بل التفتت لفتيات فرقتها وأمرتهن بالخلود للراحة استعداداً لليلة المولد العظيمة.
لم تمضِ سوى دقائق معدودات حتى خرج إدريس من بهو الصناعة مجهداً، وأخذ يجول بصرامة في أرجاء قصر الحمراء، يتأمل فخامته الباذخة لأول مرة من الداخل بعيني ثائر يرى في كل نقشٍ قطرة عرقٍ من جياع البلاد. وحين وصل إلى إحدى الساحات الفسيحة، لمح قمر واقفةً بمفردها، شاردة الذهن، تنظر إلى مياه النافورة المترقرقة.
تقدم إدريس بخطى ثابتة حتى وقف على مقربة منها، وقال بصوت منخفض حاد:
- لم أتوقعكِ ناشدة الحمراء وغريدتها التي يتحدث عنها الركبان.
التفتت إليه قمر وعيناها ترمقانه، لكنها آثرت الصمت ولم تجب. فتابع إدريس ملوحاً بيده كأنه يعري زيف المكان:
- صوتكِ جميل بلا شك.. لكن توقفي عن غناء هذا المديح المنافق؛ فالجميع يعلم وأنت أولهم أنكِ تخدعين نفسكِ قبل الآخرين.
نظرت له قمر بحدتها المعهودة وقالت بنبرة بارزة:
- ومنذ متى كنتَ تتدخل في عملي وشأني أيها الخطاط؟.
تجاهل إدريس سؤالها تماماً، وخطا خطوة أقرب وهو يقول بهدوء مرير:
- سلطانٌ يترك شعبه يطحنهم الجوع ويحاربون في القرى النائية لمجرد أن يستخرج منهم الجزية المستحقة لملك قشتالة.. وأنتم هنا تخالفون شرع الله في أخذ هذه الأموال بالباطل لدفعها لعدوكم.
تسمرت قمر في مكانها، وعجز لسانها الفقهي عن الرد؛ فكلمات هذا الخطاط الأسمر كانت تطابق تماماً الصرخة التي صرختها في وجه الملك بالأمس! إنهم يسرقون أموال الرعية فعلاً ليَشتروا بها سلاماً واهماً.
صمتت، فتابع إدريس بنبرة شجية لامست أعمق جرح في وجدانها:
- لو لم يَمُت جميع القضاة الأحرار في هذه البلاد.. لما سمحوا لهذا المنكر بأن يحدث قط.
وقعت الكلمات على قلب قمر كالجمر؛ إذ ذكرها بشخص عزيز على قلبها. خيم عليها صمتٌ حزين، وبدت في عينيها لمحة انكسار وشجن لم يستطع القناع إخفاءها. نظر إدريس إلى ملامح عينيها المتألمة، وخفّت نبرته الحادة لتتحول إلى احترامٍ خفي، ثم قال بهدوء:
- على أقل تقدير.. أرى في عينيكِ أنكِ تملكين ضميراً حياً، وهذا يكفي.
كانت قمر تهمُّ بمغادرةِ الساحةِ والابتعادِ بمرارتِها، لولا أن استوقفَها صوتُ إدريس مجدداً، يسألها بنبرةٍ غلبت عليها الحيرةُ والفضول:
- لماذا كنتِ تسترقينَ السمعَ إلى قصائدي في عتمةِ البيازين؟ ولماذا لم تشِي بي لرجالِ الملكِ، وأنتِ جاريتهُ المقربةُ كما يقولون في ردهاتِ هذا القصر؟.
توقفت قمر، واستدارت بجسدِها الشامخِ لتنظرَ في عمقِ عينيهِ، وقالت بنبرةٍ هادئةٍ يملؤها الحنين:
- لأنَّ شعراً كشعرِكَ لم أسمع بمثلهِ منذ مدةٍ طويلةٍ.. لقد تعبتُ من نفاقِ المديحِ وابتذالهِ، وأعجبني هجاؤكَ الشجاع.
حدقَ إدريس في بريقِ عينيها قائلًا:
- ترفضينَ المديحَ في باطنِكِ؟ إذن.. لماذا توافقينَ على غنائهِ علانيةً أمامَ الملأ؟.
تنهدت قمر وقالت برصانةٍ تدافعُ بها عن وضعها:
- لأنني ببساطةٍ لستُ مسؤولةً عما يصوغُهُ الشعراءُ، مهمتي تنتهي عندَ حدودِ الغناءِ وضبطِ الأوتارِ فحسب.. وشعراءُ البلاطِ كما ترى، يحبونَ مديحَ السلطانِ بشدةٍ طمعاً في أعطياتهِ.
صمتَ إدريس للحظةٍ، وكأنَّ فكرةً كبرى قد لمعتْ في عقلهِ، ثم قالَ متسائلًا وعيناهُ تثبتانِ عليها:
- إذا قُدِّمَ لكِ شعرٌ آخرُ.. شعرٌ حقيقيٌّ غيرُ المدحِ الزائفِ، هل ستغنينه؟.
أومأت قمر برأسِها، وقالت دونَ تردد:
- إذا كانَ شِعراً جيداً يلمسُ الروحَ.. فلا بأسَ بذلك.
غادرَ إدريس الساحةَ دونَ أن ينطقَ بكلمةٍ أخرى، تاركاً خلفهُ وعداً خفياً يضجُّ بالتحدي والثورة
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!