الفَصل الرابِع: خُيوط
الثَالِث من يُوليو، ٢٠٢٦
مِن ١١:١٨ حتَى ١:٣٦ مساءً.
تنبِيه:
يُمنع قِراءة القِصة بدون الاستِماع إلى
(Everything I wanted - Billie Eilish)
___________________________________
ليستِ الحقيقةُ دائِمًا ما يُكتَب
بل رُبمَا ما ينجُو مِن المَحو.
—
كانَ المَطر يضرُب زُجاج سيارتِه بعُنف، كأن سمَاء اليَوم قررت أن تثأَر لِنيرينَا بألا ينجُو أحدًا من الابتِلال. سندَ رأسِه علّى الكُرسِي، وكُل ما يشغَل عقلُه مُنذ ليلةِ الأمسِ هِي المُلاحظَة التي كتَبها الطبِيب إِليَاس مِيرسِر.
ألَّفَ العَشرات من السِيناريُوهات التي ظلَّت تحُوم في خيالِه: خطأُ إدارِي فادِح، أو رُبما أُدرَجَت المُلاحظَة في الملف عن طرِيق الخطَأ، أو كان إِليَاس طبيبًا زائِرًا لم يُسجَل رسمِيًا، أو لم تُستكمَل إجراءات تعيينُه، أو أنَّ أحد المُوظَفين عبث بالسِجلات عمدًا..
لكِن جمِيع الاحتِمالات كانت تنهَار عِند السُؤال ذاتِه: كيف يبقَى توقِيعُ الطبِيب بينما يختفِي الطبِيب نفسَه؟
نظرَ إلى مبنَى المَصحة مِن الخارِج، وقَد غسلَت الأمطَارُ جُدارنِه ونوافِذه حتَى بدا كأنهُ يغرَق هُو الآخر. تذكَّر نظراتِها.. عينَاها اللتان كانتَا تبدُوَان أنهُما ينظُران من قَاع البحر. وخطواتِها القلِقَة، كجُنديٍّ ينتظِر الهُجوم قبل أن تبدَأ المعرَكة.
لم يستطِع أن يُفسِّر سرَّ ذلِك الفُضول الذي استيقَظ بِداخِله مُنذ أن رأى نِيرينَا للمرَّة الأُولى. لم تكُن أكثرَ الحالاتِ التي مرَّت عليه تعقِيدًا، ولم يكُن ملفُها هُو أوَّل ملفٍّ يعجُّ بالثُغرات والتناقُضات..
ومع ذلِك، كان ثمَّة شيءٌ يدفعُه إليها على نحوٍ لم يعتَدهُ في نفسِه. لَم يعُد يُريد أن يفهَم ملفَّها فحَسب؛ لأنه لم يعُد يثِقُ بذلِك الملَف، بل يُرِيد أن يفهَمها هِي.. أن يعرِف ماذا تَرى حِين تُحدِّق في الفَراغ، ولِماذا بدا له الصمتَ الذي يُحِيط بِها يُخفِي أكثَر مِما تقُوله الكلِمات.
لم يكُن يملُك إجابةً واضِحة لأيٍّ من تساؤُلاتِه، لكَنه كان مُتيقِنًا من أمرٍ واحِد: أن ما يبحَث عنه ليس داخِل ملفِّها.. وإنَما داخِلها هي.
تحرَّرَ من دوَّامة أفكارِه على وقعِ ضجِيح المُمرِّضين في غُرفَة استِراحة الطاقِم، ذهبَ نحو آلةَ إعدَادُ القهوَة، وبينَما كان ينتظِر كُوبِه، التقَط سمعُه حدِيثًا لم يكُن يقصِد استَراقِه.
"أُقسِم أنني لا أسمَعُ خطواتِها أبدًا.. أرفَع رأسِي فأجِدُها واقَفةً أمامِي، تُحدِّق بي، وكأنها خرجَت مِن فَراغٍ يُريدَها أن تبتَلِعنِي".
قالَت إحدَى المُمرِّضات بصوتٍ امتزَج فيه الخوفُ بالإنهَاك، فانكمَشت ملامِح المُستمِعين لها، ثُم استكمَلت على ذات الوتِيرة:
"لكِن أتعلمُون؟ بعد كُل هذِه السنوات، لم أعُد أخشَى أن تُؤذِيني"
سألتهَا إحدى المُمرِضات:
"إِذًا مَمَّا تخشِين؟"
أطرَقت لِبرهة، ثُم قالت.
"أن تنظُر إليَّ طوِيلًا"
تبَادل الحاضِرون نظراتٍ مُتسائِلة، فاستَرسلَت:
"لأنَّها كُلَما نظرَتْ إليَّ.. أشعُر أننِي أنا المرِيضة"
وعلى الرغم مِن أنَّ اسمها لم يُذكَر صرَاحةً، لكِنه أدرَك بطريقَةٍ ما أنها المقصُودة؛ لأنَّ نظراتُها إليه بالأمس جعلتهُ يشعُر بشيءٍ مُشابِه.. أنها تَرى عِلةً فِيه لا يَراها هُو، تُحاصِرها بصمتِها كي تُمعِنَ النظرُ فيها.
—
ابتَسم الطبِيب إدرِيان بتكلُف، بعد انقِضاء حديثٍ طال أكثَر مَما توقَع مع المُدير دُويِل. سَاد الصمتَ بينهُما لبُرهة، ظَلَّ خِلالها يُقلِّب السُؤال في ذهنِه، قبل أن يحسِم أمره ويقُول:
"هَل سبقَ أن عملَ هُنا طبيبٌ يُدعى إليَاس مِيرسِر؟"
استفسَر دُون أن يرفَع كُوب الشَاي إلى شفتَيه، إلا بعدَما انتَهى من السُؤال، مُراقِبًا ردَّ فِعل إدرِيان فوق حافة الكُوب.
"من أينَ سمِعتَ بِهذا الاسم؟"
عقدَ إدرِيَان حاجِبيه:
"صادَفتُ الاسمُ أمامِي أثنَاء مُراجعتِي سِجلات المرضِى لِعام ٢٠٠٤"
ابتَلع الصمتُ صوتَ المُدِير لثوانٍ كان يُدير فِيها كُوب الشاي بين أصابِعُه بِبُطء، قبل أن يسأل:
"نِيرينَا مرةً أُخرى؟ ألم تَعِدنِي أنك ستُغلِق ملفَها إذ لم تُحرِز تقدُمًا؟"
لَم يطرَف له جِفن، واكتَفى بابتِسامةٍ بالكاَدِ لُوحِظت، يُخفِي بها التوتُر الذي أخذَ يتصَاعد داخِلُه:
"ما زِلتُ أُجمِع الخُيوط بِبعضِها، وحالما أصِل إلى استِنتاجٍ واضِح سأُبلِغُك"
هَمهم المُدير، ثُم علَّق:
"يبدُو أنك جِئت إليَّ لتجمَع بعضَها"
"أجَل، أُرِيد أن أعرِف عن الطبِيب إليَاس.. كانت بياناتُه محجُوبَة على قاعِدة بيانات المَصحَة".
ارتَشفَ المُدِير رشفَةً هادِئة من كُوب الشاي، ثُم ردَّدَ اسم الطبِيب إِليَاس مِيرسَر، قبل أن يشرَع في الحدِيث:
"كِان من أفضَل الأطِباء الذِين عمِلُوا في هذه المَصحة، هَادِئًا، لامِعًا، ويملُك قُدرةً استِثنائِية على قِراءة المَرضى"
صمتَ بُرهة، ثُم أكمَل:
"لكَنَّ الأمُور تغيَّرت بعد أن تَولَّى حَالة نِيرينَا: فِي البِداية ظَننا أنه اجتِهادٌ مِهني لا أكثَر، ثُم بدأ يقضِي معها وقتًا يفُوق ما تستدعِيه الجلسَات، ويُعيد مُراجعة ملفِّها مِرارًا، ويطلُب الاطِلاع على سِجلاتٍ قدِيمة لا عِلاقَة لها بِخطة العِلاج.. حتى أنه أخذَ المرِيضة خارِج المَصحةً عِندما كُنت في رِحلة عَمل، دُون أيُّ تبرِير"
تنَهَّد وهو يهِزُّ رأسِه بأسفٍ:
"شيئًا فَشيئًا.. لم يعُد يرى من في نِيرينَا مرِيضةً، بل لُغزًا كُلف بِحلِه. أصبَح مهُووسًا بالحَالة إلى درجةٍ أثَّرت في أحكامِه الطِبيَّة، ولم يَطُل الأمر حتى بَدأ يُظهِر اضطِرابًا واضِحًا في اتزِانُه العقلِي. كان يربُط بين أحداثٍ لا عِلاقة لها بِبعضها، ويَصرُّ على أُمورٍ لم يستطِع إثباتَها، حتى بان من الصَعب أخذ أحكامِه على محمّل الجِد".
وضعَ الكُوب على الطاوِلة بِحَذر، ثُم أضَاف:
"وبَعد فترة، لم تعُد التقارِير التي يكتِبُها تقارِيرَ طِبيَّة، وإنما استَنتاجَات شخصِية وافتِراضَاتٍ لا تستنِد إلى دليلٍ سريري. لِذلك اضطَررنا إلى منعُه من تدوِين أي تقارِير أو مُلاحظَات تخُص الحَالة، وإسنادُ ملفَها إلى طبيبٍ آخر.. لكِنه لم يتقبَل القرار، وبعدَها بفَترةٍ قصِيرة، قدَّم استِقالتُه وغادَر المَصحة. ومُنذ ذلِك الحِين، لم أسمَع عنهُ شيئًا".
سَاد الصَمتُ بعد أن أنهَى المُدير حديثَه؛ إذ كانَت كلِماته تترَدد في رأسِ إِدرِيَان على نحوٍ مُربِك بينما لم تُفارِق وجه المُدير نظرِه.
خشِيَّ بالإعتِراف بِذلِك لنفسِه، لكِنه وجدَ في رِواية إِليَاس ما يُشبِه خطواتِه؛ طبيبٌ بدأ بِفُضولٍ مِهني، ثم غَاص في الحَالة أكثَر مَما ينبَغِي.
تَردََد خاطرٌ عابِر في رأسِه: أيُمكِن أن يقُوده الطرِيق إلى المصِير نفسِه؟ لكِنه سُرعَان ما طردَّ الفِكرة من عقلِه بسُؤالِه، على الرغم من أن أثَرها بقي عالِقًا في داخِله.
"أتعرَف أين يُمكِنني العُثور عَليه؟"
توقَفت أصابِع المُدير فوق يدِ الكُوب لثوانٍ، قبل أن يرفَع بصرِه إلى الطَبِيب. بدا وكأنه يُفاضِل بين أن يحتفِظ بخُصوصِية المعلُومَة، أو يُفصِح عنها.
ثُم فتَح أحد الأدرِاج، أخرَج ورقةً صغِيرةً فارِغة، وكتبَ عليها قبل أن يُسلِمها للطبِيب إدرِيَان:
"هذا آخِر عنوانٍ ورقم هاتِف أتذكرهُما له.. إن لم يكُونا قد تغيَّرا"
~≫ يُتبَـع ≪~
___________________________________
الأحدَاث بدأت تأخُد طريق الجد؛
ركزُوا في كُل كلمة، وكُل حرف..
تُرى ما الذي يختبِئ خلف الطبِيب إليَاس مِيرسَر؟
وهل الطبِيب إدرِيان في طريقِه أن يُصبح مثلُه؟
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!