تحت المَاء
تحت المَاء
جزء 3 من 4
وضع القراءة:

الفَصل الثالِث: هامِش

الثَالِث من يُوليو، ٢٠٢٦
مِن ٢:٣٢ حتَى ٤:١٤ صباحًا.
تنبِيه:
يُمنع قِراءة القِصة بدون الاستِماع إلى
(Everything I wanted - Billie Eilish)
___________________________________
بعضُ الذكرياتِ قد تمُوت بداخِلنا وننسَاها
لكِنها تبقى عالِقةً في الطرِيقة التي نَنظُر بِها إلى العالَم.
ضغطَ زِر الإنارة قبلَ دُخوِله، فإضاءَ مِصباح وحِيد في مُنتصف السَقف. سعلَ أثر الغُبار الذي أثارته خُطواته المُتعثِرة، وبدأ يجُول بعينِه على عناوِين الملفَات المُتراكِمة في الغُرفة، والتي كانت تظهَر بصعُوبة من النُور الخافِت الذي فرّ من المِصباح، كأنه يخشَى أن يُبدد الظَلام حوله.
لم تُساعِده الفوضى في العُثور على مُبتغاه سريعًا، بل عطلتهُ حتى أنه أمضَى ساعاتٍ يُقلِب في الملفَات دُون أي جدوى. لكِن دافِعًا غير مُفسر بِداخِله كان يدفعُه كي يترُك كل مَلفٍ خاطِئ التَقطه، ويُعاود البحث مِرارًا وتِكرارًا.
نظرَ إلى الساعة المُعلَقة على معصَمه، مرّت ستُّ ساعات مُنذ دخلَ الغُرفة، ولو أن الأمر مُتوقِفٌ عليه، فلا يُمانِع قضاء أضعَاف هذا الوقت.. لكِن أمِين ملَفات المصحة سيُغادِر قريبًا، ويُغلق المخازِن كُلها.
رفعَ رأسِه نحو السَقف مُتنهِدًا بعُمق، ينظُر نحو السقف المُمتلِئ بشِباك العناكِب. وعِندما أسقِط عينيه لأسفَل، وجدَ ملفًا ضخمًا فوق كومةٍ من الملَفات الآُخرى، كُتب عليه بخطٍ عريض: سِجلات المرضَى - ٢٠٠٤.
نهضَ دُفعةً واحِدة نحو الملف، تعثرَ في كومَة الملفَات مُجددًا، فتنهَد للمرة التي لا تُعد بحَنقٍ، ثُم حملَ الملف برفقٍ وعاد للجُلوس فوق الصُندوق الخشبِي.
نفضَ التُراب عنه بكُمّ قمِيصه، فتحَ الغِلاف الثقِيل برويةٍ، حيثُ شعرَ أنه لو أحكَم أصابِعه عليه قليلًا، سيهترِئ بين يديه.
مرَّ على العَديد من الأسمَاء دُون أن يلبث ثوانِي أمام أيٍّ منها، كان يُمرِرها بسُرعة كأنه يعرِف بِالضبط عمّا يبحَث. حتى توقَف عِندما انعكَس اسمَها على حدقَتِيه السودَاوين: نِيرينَا ڤِيل.
مَسح التُراب العالِق في باطِن كفِه على جانِبي بنطالُه، ثُم أخرَج ملفَها من بين بقِيَّة الملفات التي وضَعها جانِبًا، حتى بقَيَّ اسمَها وحدُه بين ذراعَيه. كان مُكدّسًا كأنه جُمِع على عجَلٍ، أثقَل من الطبِيعي، وكأن كُل صفحَة تحمِل ما يزيَد عن الكلِمات المكتُوبة عليها.
أخذَ يُقلَّب صفحَات المَلف.. قرأها كامِلة، كُل حرف، وكُل كلِمة لم تمُر دون أن يحفَظها عن ظهرِ قلب، وكُل صفحةٍ يُغلِقُها تترُك فيه حِيرةً مُعلَقة، تأتِي الصفحَة التالِية لتُضيف عليها المزِيد، حتى كادَ يشعُر أنه لم يقرَأ أي شيء.
تقرير طبي - طبيب مقيم
لوحظ اضطراب واضح في الاستجابة الإدراكية للمثيرات اللفظية لدى المريضة؛ حيث لا تُظهر استجابة ثابتة عند مناداتها باسمها، وتستغرق وقتًا طويلًا قبل الرد، وأحيانًا قد لا تستجيب على الإطلاق، مع تكرار النظر إلى الفراغ دون تركيز مباشر.
عند محاولة إعادة التوجيه، تُظهر المريضة ارتباكًا مؤقتًا يتبعه انسحاب كامل من التفاعل. 
تقرير تمريض - مناوبة ليلية
تم تكليفي بإعطاء المريضة حقنة عضلية لعلاج عدوى شديدة. بعد تحضير الجرعة، وعند محاولة تنفيذ الإجراء الطبي، بالتحديد أثناء الاقتراب من المريضة لتجهيز موضع الحقن، أبدت المريضة سلوكًا عدوانيًا مفاجئًا.
قامت بدفعي أرضًا، واستخدمت سن الإبرة لتوجيه طعنات عشوائية في مناطق متفرقة من جسدي قبل السيطرة على الموقف من أحد أفراد الطاقم. 
تقرير استشاري نفسي وسلوكي
تظهر المريضة أعراض تفكك في الهوية الذاتية من نوبات متقطعة من الانفصال عن الواقع.
في بعض الجلسات تشير إلى وجود فجوات في ذاكرتها، وعند سؤالها عن تلك الفجوات تتوقف عن الإجابة بشكل مفاجئ.
تقرير تمريض - ملاحظة سلوكية
لوحظت استجابة انفعالية غير مُتسقة لدى المريضة عند التعرض لحوض الاستحمام تحديدًا، رغم عدم إبداء أي رد فعل مشابه تجاه وجود الماء في أوعية صغيرة، أو أثناء إجراءات الغسل الموضعي.
عند إدخال المريضة إلى غرفة تحتوي على حوض استحمام للاعتناء بنظافتها الشخصية، أظهرت تراجعًا سريعًا إلى الخلف، مع زيادة في معدل التنفس، وتصلب ملحوظ في الجسد، قبل أن ترفض الدخول إلى المكان بشكل كامل.
وهكذا استمرَ يُقلِب التقارِير، صَفحةً تِلو الأُخرى، حتى توقَفت أصابِعه قبل أن تتوقَف عَيناه. كانت مُلاحظةٍ يَدوِيَّة، باهِتة، كُتِبت على إحدى الصفحَات بخطٍ لم يُشبِه أي توقِيعٍ أو تقريرٍ مرّ عليه مُنذ فتحَ الملف.
إضافة هامشية - الطبيب إلياس ميرسر
بعد مراجعة جميع التقارير السابقة، أرى أن الأعراض المسجلة لا تتبع نمطًا واحدًا يمكن تفسيره باضطراب نفسي منفرد.
المريضة لا تستجيب للمثيرات بصورة عشوائية، بل ترتبط استجاباتها بمحفزات محددة ومتكررة، وهو ما يرجح وجود رابط لم يُوثق في تاريخها الشخصي.
لا أوصي بتعديل التشخيص قبل إعادة التحقيق في ماضي المريضة، فهناك ما يبدو مفقودًا من ملفها، أو أُغفل عمدًا.
انتفَض إدرِيان يُقلِب الأورَاق بعجلةٍ لم تقترِب منه مُنذ دخلَ الغُرفة، تجَاوز عشرات الصَفحات، حتى استقرَت يداه على صفحَة 'سجل الأطباء المسؤولين'.. مرَّر سبابتِه ببُطء على الأسماء، خانةً بعد الأُخرى في الجداول الطوِيلة.
وصلَ إلى النِهاية مرةً، ثُم عاد إلى البِداية من جديد، حرف بعد حرف، وكأنه يخشَى أن يكُون قد أفلَت الاسم سهوًا.. لكِن كُل مُراجعاتِه انتهَت بعدم عُثورِه على اسم إليَاس مِيرسَر.
انعقَد حاجِباه، ضيَّق عيناه لعلَه نظرهُ قد خذله. قلب كُل صفحَات الملف مِن جدِيد، راجع تواقِيع الأطِباء أسفَل التَقارِير، سِجل المُناوبات، بروتُوكولات العِلاج.. ولم يجِد أيَّ شيء.. لا أثرًا واحِدًا داخل المَلف لذلِك الطبِيب، سِوى تِلك المُلاحظَة اليدوِيَّة.
عادَ إلى أثَره الوحِيد: المُلاحَظة، وتنهَد حِين عثرَ عليها لا تزَال هُناك، بِخطها المُرتبِك، كأنها كُتِبت على عجل، أو خُبِئت عمدًا بين طيّ الصفحِات.
تردَّد لِثوانٍ، ثُم مدَّ يده ونزَع الورقَة برفقٍ شدِيد، وطوَها بِعناية قبل أن يُخفِيها داخِل جيب بِنطالِه.
‎~≫ يُتبَـع ≪~
___________________________________
ترددت إلي الكثير من الرسائل، مفادها: إن الأسئلة والاستفسَارات اللي عندكم عن القصة أكثر من الإجابات، وإن ما لم تفهموه يفُوق ما فهمتوه.
اطمئنوا.. هذا أحد أهدافي منذ بدأت كتابة 'تحت الماء'.
ولا تستعجلوا البحر، لأنه سيسحبكم إليه، لا محالة.
والآن، أيُها الطبيب النفسِي:
من تظُن أنه إِليَاس مِيرسَر؟
ولِماذا لم يظهَر اسمه في السجِل أو أي تقرير، رغم وجود مُلاحظتِه داخل ملف نِيرينَا؟
وفي اعتِقادِك، ما الذِي تُخفِيه لنا حَالة المرِيضة نِيرينَا ڤِيل؟
4 قراءة
1 إعجاب
4 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (4)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول
2 weeks ago
فقرة 83
أن إلياس قد لا يكون موجوداً أصلاً. أنه مجرد وهم، ملاحظة كُتبت بيد نيرينا نفسها في لحظة صفاء، ثم نسيته، ثم عادت لتقرأه ولا تعرف من كتبه.
2 weeks ago
فقرة 85
لأنه لم يكتب اسمه. لأن الملاحظة ليست تقريراً رسمياً، بل هي شيء خفي، كُتب على عجل، خُبئ عمداً بين طيات الملف، كأنه رسالة في زجاجة ألقاها أحدهم في بحر الملفات، على أمل أن يجدها من يفهم.
2 weeks ago
فقرة 87
تخفي أن حوض الاستحمام ليس مجرد حوض، بل هو مكان الصدمة. هناك شيء حدث هناك، شيء جعلها تخاف من الماء عندما يكون في حوض، لكنها لا تخاف منه في كوب أو إناء. تخفي أن نيرينا ليست اسمها الحقيقي. أن اسمها الحقيقي هو شيء آخر، وأن من سموها نيرينا هم من حاولوا إغراقها، كأنهم يسمونها "حورية البحر" كي يبرروا غرقها. تخفي أن الغرق ليس محاولة انتحار، بل هو عودة إلى القاع، إلى الماضي، إلى المكان الذي حدثت فيه الجريمة، محاولة يائسة لفهم ما حدث، أو لعلاج ما لا يُشفى. تخفي أن نيرينا ليست مريضة، بل هي شاهدة على جريمة لم تُكشف، وأنها تعيد تمثيلها كل مرة تغرق فيها، على أمل أن يراها أحد، ويفهم.
2 weeks ago
فقرة 87
@رَمادِيَّة. صدق تبهريني بقوة تحليلاتك.. لكن الصدمة بتلاحقك برضو.

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.