الفصل السابع
**ابتعد سليم عن سارة وابتهال باستغرابٍ حتى يتسنى له إجابة الطرف الآخر الذي لم يتوقع منه أن يهاتفه في مثل هذا الوقت، بما أنه قام بالاتصال به فهذا يعني أن هناك مصيبةً حلت به. قام بوضع الهاتف على أذنه ليأتيه صوت امرأة باكية:
- سليم، أرجوك، إنني بحاجتك بُني.
تحدث بقلقٍ من صوتها الباكي في هذا الوقت المتأخر:
- ما الذي حدث يا أم خالد؟!
تحدثت ببكاءٍ حارق وقلب أمٍ مكلوم:
- لقد تزوج عليها منذ عدة أشهر، و ويــ...
لم تستطع أن تكمل بسبب انخراطها في بكاءٍ يدمي القلب، ليتحدث ببعض الغضب الذي حاول جاهدًا إخفاءه:
- إنني قادم يا أم خالد، انتظريني.
حاولت مسح دموعها التي لا تتوقف لتجيبه بحرقةٍ كبيرة:
- إنني أنتظرك بُني، لكن أسألك بالله ألا تتأخر.
تنهد بقوةٍ يريد إخماد النار التي بدأت تشتعل بداخله مما سمع قبل قليل، ليجيبها وهو يضغط على يده بغضب:
- إن شاء الله يا خالة، مسافة الطريق وسأكون عندكم.
أغلق الهاتف ليعيده إلى جيب سرواله، ثم رجع إلى الصالة متحدثًا على عجل:
- أمي، إنني خارجٌ، وسأحاول ألا أتأخر.
تساءلت بقلق وهي تنظر إلى ملامح وجهه التي انقلبت فجأة:
- ماذا هناك بُني؟ هل حدث أمر سيئ، أو أصاب أحدهم مكروه؟!
أجابها قبل أن يتوجه نحو الباب وهو يرتدي معطفه:
- لا أعلم حقًا؛ لأنني لم أفهم الأمر كاملًا، سوف أذهب لأرى الآن.
نظرت إليه سارة بتساؤلٍ قلق، ولم تستطع السكوت:
- هل ستتأخر كثيرًا يا سليم؟
تنهد بتقطع ليتناول مفاتيح سيارته من الرف الموجود بجانب الباب:
- لا أعلم، لكن آمل ألا أتأخر.
ثم أكمل موجهًا حديثه لوالدته بعدما عاد يقبل رأسها ويديها:
- دعواتكِ أمي، إنني بحاجتها.
خرج صوت ابتهال داعيًا بقلب أمٍ حنون:
- سهل الله أمرك وفتح طريقك بُني.
توجه سليم نحو سيارته فاتحًا الباب ليجلس خلف المقود مستغفرًا ربه حتى يستطيع أن يتحكم بعقله عندما يصل بعد قليل. وصل بعد مدةٍ دامت خمسًا وعشرين دقيقة بسبب ازدحام الطريق، والتي كانت كفيلة بقتل الطرف الآخر من كثرة الانتظار.
ترجل من سيارته ليتوجه نحو أحد البيوت التي تغلب عليها البساطة، ثم طرق الباب عدة طرقات ليتم فتحه، ظاهرًا من خلفه امرأة كبيرة في السن، كثر في وجهها الحنطي التجاعيد ذات الخطوط العريضة. تهللت أساريرها بمجرد رؤيتها له لترتسم ابتسامة صغيرة، لكنها حزينة على ما حل بهم.
أخذ سليم نفسًا عميقًا قبل أن يخاطبها:
- هل خالد هنا؟
أومأت برأسها، ليتقدم صبي في الرابعة عشرة من عمره بعدما استدعته العجوز، وعلامات الغضب والضيق بادية على وجهه. دلف سليم عندما دعاه الصبي للدخول، ليجلس بوقارٍ وهدوء على الأريكة البسيطة كبساطة البيت. أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يخرج صوته:
- أخبريني كيف حدث هذا؟!
تجمعت الدموع في عينيها مجيبةً إياه، والقهر يملأ قلبها على ابنتها الوحيدة الغالية:
- لقد هاتفتني ريم بالأمس أنها تريد أن تأتي هنا، وعندما حضرت بعد الظهيرة قامت بزف خبر زواج إبراهيم بأخرى، وعندما طالبته بالطلاق خيرها بينه وبين طفليها.
أغمض سليم عينيه ثم فتحهما بهدوءٍ عكس ما بداخله:
- وهل تزوج الأخرى بالأمس أم قبل ذلك؟
نفت فاطمة برأسها بحزن، ماسحةً دموعها بأناملها الخشنة قليلًا:
- لا، إنه متزوج منذ سنتين، والمصيبة الأكبر أنها كانت تعلم بهذا الوضع لكنها لم تخبرني، وظلت متمسكة بصمتها حتى فاض بها الكيل من تصرفاته.
فتح سليم عينيه على مصراعيهما من شدة الصدمة التي تلقاها، ليتحدث بعد مدةٍ بذهولٍ تام شل لسانه:
- سنتين ولم تخبركِ إلا بالأمس؟!
تنهدت بوجع ناظرةً إليه، وقد عاودت البكاء:
- أجل، منذ سنتين، ولقد أخبرتني بأشياء أخرى لا يستوعبها عقلي بُني.
اعتدل سليم في جلسته قليلًا منتبهًا لما ستقول. نظرت فاطمة إلى خالد ابنها الذي تفهم الأمر، لينظر إليها بضيق ناهضًا من جلسته نحو الخارج كاتمًا غضبه حتى الآن. أولى سليم انتباهه لها عندما خرج خالد من الصالة نحو الباب الرئيسي تاركًا إياه مفتوحًا:
- إنه ذو علاقات نسائية متعددة.
ابتسم بصدمةٍ واستنكار، وقد اقشعر بدنه كاملًا أكثر من الصدمة الأولى:
- تمزحين يا أم خالد، أليس كذلك؟!
حركت فاطمة رأسها بابتسامة حزن:
- كنت أتمنى أن تكون مزحة عندما أخبرتني ريم بذلك، لكن مع الأسف إنها حقيقة يا بُني.
أغمض عينيه يريد أن يهدأ من روعه، ليفتحهما بعد مدةٍ متسائلًا:
- وكيف تحملت ذلك؟ أقصد ما الذي يجبرها على البقاء حتى الآن هناك، وعلى ذمته؟!
تنهدت فاطمة بألمٍ كبير على ابنتها الوحيدة:
- إنهم طفلاها، إن وقع الطلاق بينهما فستصبح حضانتهما معه، وخاصة ابنها الأكبر، لم يبقَ الكثير للسن القانوني الذي يسمح بحضانة الأب للأطفال.
خاطبها سليم بتريثٍ وحكم عقله في الحديث:
- إنني مصدومٌ حقًا، لا أستطيع التخيل كيف لها أن تكون على علم بأمر علاقاته ولم تخبركِ حتى اليوم، أو حتى أن تلمح لكِ.
أمسكت فاطمة هاتفها الذي أصدر صوت إشعار برسالةٍ قادمة، والتي كانت من ابنتها ريم، لتنظر إليه بذعرٍ وقلق:
- إنها من ريم.
ثم قرأت الرسالة بصوتٍ مهزوز كي يتسنى لسليم سماعها:
- أمي، لم أعد أحتمل، أريد الخلاص من هذا الوضع المؤلم، أشعر أنني سأفقد وعيي.
زفر سليم بصوتٍ مسموع ليخاطبها ببعض الضيق:
- ألم تقولي لي إنه رجل جيد يا أم خالد؟ ألم يخبركِ أبي من قبل أن تتأكدي من أخلاقه ودينه؟ سامحكِ الله، بماذا أوقعتم أنفسكم؟
تنهدت فاطمة بندم وهي تتذكر كيف تزوجت ابنتها:
- رحمه الله، لقد قال يا بُني، لكن الجميع أثنى عليه ولم يتحدثوا عنه بسوء، كما أن الخطبة لم تدم كثيرًا لنتعرف عليه.
هز رأسه بضيق محتجًا على حديثها، وقد فرك جانب رأسه:
- لم تبحثوا جيدًا في هذا الأمر، لقد أعطيتموه الموافقة بسرعة على حسب ما أذكر، أليس كذلك؟
أومأت متنهدة وهي تشعر بالندم الذي يعتريها الآن جراء ما فعلته مسبقًا مع ابنتها:
- أجل، لكن كانت ريم تحبه مسبقًا منذ أيام الثانوية.
تنهد زافرًا ثم سألها بعدما تذكر أمرًا ما:
- أظن أنه كان متزوجًا قبل أن يطلبها لنفسه، أليس كذلك؟
أومأت برأسها مؤكدة، وقد ضحكت باستهزاءٍ حزين:
- أجل، ولديه طفلة من زوجته الأولى، فهو لا يهتم لأمرها. دعني أخبرك بشيءٍ أكبر؛ إنه لا يهتم بالأطفال، أما طفلاه لأنهما من جنس الذكور فقد قام بتخييرها بين الطلاق وبينهما. لقد أخبرتني أنها ليست هذه المشكلة التي تعاني منها فقط، فرغم أنه شخص زانٍ ومتزوج من أخرى، فإنها متقبلة لهذا الأمر، لكن المشكلة أنه لا يقوم بالعدل بينهما، يفضل زوجته الأخرى ويتهم ريم بالتقصير التام في كل شيء، رغم أنها تقوم بجميع الأعمال التي يطلبها منها.
فرك جبهته بتفكيرٍ بائس، إنه عاجز كل العجز عن التفكير في هذا الأمر. يريد أن يجلس بهدوء مع نفسه ليتسنى له التفكير في الرأي الذي سيخبرها به. نظر إليها يريد أن يطمئنها:
- صدقيني، كل مشكلة إلا ولها حل يا أم خالد، وهذا ابتلاءٌ واختبارٌ من الله لها. اتصلي بها وأخبريها أن تتريث وتفكر في الأمر بمنظور مصلحة أطفالها، واجعليها تستخير ربها في أمرها.
زفر بقوةٍ كبيرة، فهو على من يضحك؟ أليس الخيار الأفضل الطلاق؟ لكنه أكمل بهدوءٍ عجيب رغم ما يحدث:
- الآن صدقيني، لقد شُل عقلي عن التفكير، وإن تحدثت في هذا الأمر ربما أندم على قرار أو قول أعطيكم إياه.
تنهدت فاطمة بقلة حيلة معترضة قليلًا، رغم أنها تعلم في قرارة نفسها أن سليم يعطيها جرعات أمل ليس إلا:
- لكنه شخص زانٍ يا بُني، ومن المؤكد أن الطلاق أفضل طريق بينهما، ثم إنها إن استطاعت أن تثبت ذلك أمام القاضي، لأنها أخبرتني أنها ستتوجه نحو محامٍ تستشيره في هذا الأمر، لكني لجأت إليك قبل أن تلجأ هي للمحامي، لأنك تعلم بالأمر عندما كنت تأتي مع والدك رحمه الله لمساعدتنا، وبفضل الله أصبحنا بخير. ثم ألم يقل الله في كتابه العزيز: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ}.
أخذ نفسًا عميقًا مجيبًا إياها بتريث، وما زال مكملًا في جرعات الأمل لطمأنتها:
- صحيح أنه شخص زانٍ، لكن ربما تاب عن أفعاله هذه بما أنه تزوج من أخرى. يقول الله جل شأنه: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}.
أي يا أم خالد: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له"، انظري، إنني أضع افتراضًا لا أجزم على توبته.
قاطعته فاطمة مؤكدة لحديثه بعدما تذكرت حديث ابنتها لها:
- لقد أخبرتني أنه توقف بعدما تزوج الأخرى، والتي كانت واحدة من سوابقه.
هز سليم رأسه مستغفرًا ربه ليتحدث متنهدًا:
- أرأيتِ! لذلك لا أريد أن أتسرع بالقرار. هاتفيها الآن يا أم خالد، وحاولي طمأنتها ريثما أفكر بالأمر؛ لأنني صدقًا لا أستطيع التفكير بالأمر.
ابتسمت له شاكرةً لحديثه، لينهض معتدلًا من جلسته متوجهًا نحو الباب:
- هيّا، إنني ذاهب الآن، لقد تأخر الوقت، هل تريدين شيئًا آخر؟
نفت برأسها باسمةً له، وهي تراه يربت على شعر الصبي خالد بعدما جاء وعلامات الانزعاج ظاهرة على محياه، ليبتسم له مخففًا عنه:
- ما بك أيها البطل؟ ما الذي يزعجك هكذا؟
تحدث خالد باندفاعٍ وحمائية من أجل شقيقته الوحيدة، وعلامات الضيق والحزن بادية على صوته:
- لقد سمعت حديث أختي اليوم مع والدتي، وأريد أن أفتك بإبراهيم هذا.
ابتسم سليم له بحبٍ وحنان، واضعًا مبلغًا من النقود بين يديه:
- لا تقلق، ستكون أمور أختك بخير. أنت انتبه لدروسك ووالدتك فقط، وهذه من أجل كراساتك كي تصبح الأول، اتفقنا؟
أومأ له خالد بقلة حيلة، وقد هدأت بعض ثورته:
- اتفقنا أخي، وأنت انتبه على نفسك، شكرًا لأجل كل شيء.
ابتعد عنه سليم قليلًا مخاطبًا السيدة فاطمة:
- هيّا، في أمان الله خالتي.
أومأت له، ثم أمسكت بهاتفها بعدما غادر تريد أن تتحدث مع ابنتها، لتضع الهاتف على أذنها وتستمع إلى الرنين الخاص بهاتف ابنتها ريم.
««:::::::::::-::::::::::::»»**
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!