صراعٌ ولكن
صراعٌ ولكن
جزء 9 من 6

الفصل الرابع

**نظرت سارة إليها بتفكيرٍ مطول، تريدها أن تُسلم وتتعلم عن الدين الإسلامي. لقد وجدت بها القليل من القبول للتعرف على هذا الدين، إنها ترى الفضول داخل عينيها وتتساءل عن أشياء كثيرة.
إنها تتذكر أول لقاء بينهما قبل شهرين تحديدًا، عندما كانت ذاهبة لشراء بعض مستلزمات الدراسة، لتقوم بالاصطدام بشخصٍ يسير بخطى كبيرة. حينها استغفرت ربها، ثم أكملت دالفةً إلى المكتبة، لتتمسك بها فتاة من الخلف.
نظرت إليها لتجد فتاةً بشعرٍ طليق وعيونٍ بنية تتلألأ الدموع في مقلتيها، والرعب والخوف ظاهران بهما.
تساءلت آنذاك مستفسرة:
- ما بكِ؟
أجابتها ريليان بنبرة بكاء هامسة وهي تتوسلها:
- أرجوكِ، لا تتحركي، سوف يجدني.
نظرت سارة حولها لتجد أن هناك أشخاصًا كثيرين، ثم أعادت النظر إليها:
- عن أيٍّ منهم تتحدثين؟
أجابتها وهي تشد على عباءة سارة من الخلف، متمسكةً بها بقوة:
- الذي هناك بجانب الباب مباشرة.
نظرت سارة إلى المكان الذي تشير إليه، لتجده شابًا يبدو أنه في منتصف العشرينيات، فابتعدت خطوتين إلى الخلف حتى يتسنى لها الاختباء، ثم همست بلطف:
- لا تقلقي، لن يراكِ من هذا المكان، اطمئني.
بعد مدة، نظرت سارة إلى مكان الشاب لتجده قد رحل، فابتسمت لها مشجعة:
- لقد ذهب، يمكنكِ الاطمئنان الآن.
ابتعدت ريليان بابتسامة خفيفة، شاكرةً إياها بامتنانٍ حقيقي:
- شكرًا لكِ يا آنسة، لقد أتعبتكِ معي.
بادلتها سارة ابتسامتها برقة وهي ترى أن خوفها قد ذهب أدراجه:
- الشكر لله عزيزتي، لا تعب ولا أي شيء، لقد أتت بسيطة.
تنهدت ريليان ناظرةً إلى الكتاب المساعد الذي بيد سارة، لتتساءل عندما نظرت إلى الرقم عشرة، أي إنها بآخر مرحلة من الإعدادية:
- هل أنتِ في المدرسة؟
أومأت سارة بالإيجاب ناظرةً إلى كتابها مؤكدة:
- أجل، لماذا تتساءلين؟
أمسكت ريليان الكراسة، ثم قلبت صفحاتها بتعجبٍ كبير:
- إنها ليست مثل كراستي، لماذا؟
أجابتها سارة بعدم علم، وقد رأت أن أسئلتها غريبة:
- لا أعلم، هل أنتِ بذات المرحلة؟
أومأت ريليان بتأكيد، وقد أعادت الكراسة إليها:
- هذا صحيح، لكن كراستك ليست ككراستي.
انتبهت سارة إلى العقد الموضوع حول جيدِ ريليان، والذي على شكل صليب، فتساءلت بشك:
- هل أنتِ نصرانية؟
أومأت لها ريليان بابتسامة، واضعةً خصلاتها خلف أذنها:
- نعم، أنا نصرانية، وأنتِ؟
تحدثت سارة بفخرٍ كبير وهي ترتب حجابها:
- مسلمة، والحمد لله.
نظرت إليها ريليان لتجد أن هناك وشاحًا على رأس سارة يُسمى حجابًا، ويبدو أنها انتبهت إليه الآن، فابتعدت عنها بخوفٍ متوجهةً نحو الخارج بخطى سريعة.
قاطع تذكرها صوت ريليان:
- أين ذهبتِ سارة؟ إنني أحدثكِ منذ مدة.
أجابتها سارة وهي تتوجه نحو الدولاب لتخرج لها ثيابًا أخرى:
- كنت أتذكر كيف تصادفنا، لكنكِ قاطعتِ تذكري عندما خرجتِ من المكتبة مسرعةً وكأنكِ تهربين من شبح.
ابتسمت ريليان بتذكر تلك المصادفة بخجل. لطالما استمعت من والدها الراهب جرير أن المسلمين إرهابيون وقتلة ويتبعون الشيطان، وأنهم سيكونون في الجحيم، وأنهم لا يؤمنون بسيدهم المسيح وبالرب خاصتهم.
في ذلك الوقت وقفت أمام المكتبة ناظرةً خلفها نحو سارة، لتجد علامات الاستغراب والاستفسار على وجهها. تنهدت تفكر بعقلانية؛ فتاة بالغة ويبدو عليها السلام والهدوء. حسنًا، لم تقم بقتلي ولا بتفخيخي، على العكس، لقد ساعدتني ووقفت بجانبي بدون أي مقابل! هل المسلمون طيبون خلاف ما أعرف؟
نظرت أمامها لتجد سارة تقف مقابلها، فابتسمت إليها بتوتر متحدثةً إليها:
- أعتذر يا آنسة، لم أقصد الاقتراب منكِ.
أجابتها سارة بابتسامة لتفهمها الأمر وهي تمد إليها بيدها:
- لا عليكِ، تفضلي هذه.
نظرت ريليان إلى قطعة النقود، لتعقد بين حاجبيها بضيقٍ وكرامة:
- لست متسولة يا هذه، إنني فتاة تستطيع العيش وحتى الإسراف على نفسها.
ابتسمت سارة بخفة لتوضح لها بهدوء مقصدها:
- هذه النقود خاصتكِ، ها هي عملتي.
قالتها وهي تريها النقود الخاصة بها.
- انظري، إنها تختلف عن خاصتكِ، لقد أوقعتِها عندما خرجتِ مسرعةً بخوف.
ابتسمت بإحراج وهي تفرك مؤخرة رأسها، ثم ابتسمت لها شاكرة:
- شكرًا لكِ يا آنسة.
مدت سارة يدها، معرفةً بنفسها:
- سارة.
تحمست ريليان وهي تبادلها السلام، واضعةً يدها داخل يد سارة:
- وأنا ريليان.
ابتسمت سارة لها بخفة لتسحب يدها بعدها:
- تشرفت بكِ ريليان، أتمنى أن نلتقي مرةً أخرى.
بادلتها ريليان الابتسامة وهي تشعر بالانشراح والطمأنينة. كادت أن تسير لتلمح الشاب نفسه الذي كان يلاحقها، فهرولت نحو سارة بخوف.
انتبهت سارة إليها لتتوقف عن السير متسائلة:
- ما الأمر يا ريليان؟!
ابتلعت ريليان ريقها بتوتر، محاولةً عدم جذب الانتباه:
- هل يمكنني المجيء معكِ؟ أرجوكِ، ولو قليلًا.
عقدت سارة ما بين حاجبيها باستغراب، لتكمل ريليان بخوف:
- سوف يُمسك بي، أرجوكِ يا سارة، أقسم أنني لن أزعجكِ بعدها.
أوقفت سارة سيارة أجرة وأخبرت السائق بمكان المنزل، بعدما صعدتا إليها. ظلت سارة تنظر خلفها نحو الشاب، لتجد ريليان تفرك معصمها بألم. دققت النظر لتجد هناك علامات حمراء، فتساءلت بتردد:
- من سبّب هذه؟
تنهدت ريليان وهي تمسح دموعها التي بدأت تسيل، وقد وجدت أحدًا تشكو إليه، لكنها تراجعت:
- قصة طويلة، لا أريد أن أوجع رأسكِ بها.
أشفقت سارة عليها، فأخرجت لها من حقيبتها منديلًا ورقيًا. أخذته ريليان بامتنان، لتنظر إلى البيت الذي أمامها عندما توقفت السيارة.
ترجلت منها بعدما أخبرتها سارة بذلك، لتسير بجانبها وهي تنظر بقلق. ابتلعت ريقها لتتوقف متسائلة:
- لماذا أتينا إلى هنا؟
أجابتها سارة مطمئنةً إياها بهدوء، مشجعةً إياها:
- لا تخافي، هذا منزلي، وأخي في العمل ولن يعود الآن، أمي فقط من بالداخل.
هزت رأسها بتفهم، لتسير معها نحو الداخل، ناظرةً إلى الحديقة الصغيرة المليئة بالورود والنعناع، بينما هناك أرجوحة صغيرة في زاوية الحائط.
وقفت ابتهال تنظر إليها من الداخل بعدما أخبرتها سارة برسالةٍ نصية سريعة، لتتقدم منها مرحبةً بعدما دلفت:
- مرحبًا ابنتي.
نظرت ريليان إلى البيت وهي تشعر بشعورٍ غريب، هناك أشياء تحدث معها الآن، ما الذي يحصل؟ لقد بدأت تهدأ.
نظرت نحو الصوت الذي يخرج من التلفاز، لتجيبها بابتسامة وهي تمد يدها:
- مرحبًا يا خالة.
قالت ابتهال بتذكر وهي تسحبها معها إلى الداخل:
- ريليان، أليس كذلك؟ لقد أخبرتني سارة لتوها عن اسمكِ.
ابتسمت لها ريليان باحترام وهي تفرك كفيها بخجل:
- صحيح، وأعتذر لمجيئي هكذا، لقد كنت مضطرة، فلم أجد طريقةً أخرى.
كادت أن تجيبها، ليرتفع رنين هاتف ريليان، فتعتذر منهما متحدثةً برقة:
- سوف أجيب عليه، إنها أختي، بعد إذنكما.
ابتعدت نحو إحدى الغرف بعدما وضعت حقيبتها على الأريكة، وقد أخذت نفسًا عميقًا تهدأ من توترها:
- أهلًا رلين.
أتاها صوت الأخرى قلقًا، متسائلًا بسرعة:
- أين اختفيتِ يا ريليان؟ إنني أبحث عنكِ في كل مكان منذ مدة، حتى إنني ذهبت إلى المنزل ظنًا مني أنكِ هناك، لكن أمي أخبرتني أنكِ لم تعودي! هل أنتِ بخير حبيبتي؟
أومأت لها وكأن الأخرى أمامها:
- أجل، إنني بخير، لا تقلقي يا رلين، سوف أتأخر لبعض الوقت، أنا عند صديقةٍ لي، لقد تصادقنا في الطريق، أخبري أمي بذلك أيضًا.
عقدت رلين حاجبيها باستغراب وقد ساورها الشك:
- ألم تذهبي مع أمبر؟ ألم تخرجا من الحانة سويًا؟
زفرت بغضب، والنار بدأت تشتعل داخلها، لتتحدث بهدوءٍ كاذب:
- أجل، لكننا افترقنا بعد ذلك عندما رأيت صديقتي.
تنهدت رلين براحة لتجيبها مبتسمة:
- إذًا لا تتأخري، أريد أن أخبركِ بما حدث بيني وبين ديفيد.
تنهدت ريليان وهي تجيبها بهدوء، وقد جمعت خصلاتها إلى الخلف:
- حسنًا حبيبتي، سأرحل الآن ولن أتأخر عن المنزل.
أغلقت الهاتف، ممسكةً بمعصمها تدلكه بألم، متذكرةً ما فعله أمبر بعدما خرجا من الحانة التي ذهبت إليها مجبرة.
لقد توقف خلف باب الحانة الخلفي، مقتربًا منها ناويًا تقبيلها، لتقوم بصفعه فورًا، مما أجبره على إمساك يدها التي ضربته بها، متحدثًا وهو يجز على أسنانه بغضبٍ كبير:
- ما الذي فعلته يا ريليان؟ هل أنتِ بوعيكِ؟
حاولت تحرير معصمها الذي بدأ يؤلمها، لكنه لم يبالِ بها:
- ابتعد يا أمبر، أنت تؤلمني، ابتعد.
ضغط على معصمها بقوةٍ أكبر، وكأنه لم يسمعها أو يسمع تألمها:
- هل أنتِ بوعيكِ لتتحملي نتائج هذه الصفعة يا صغيرتي؟ أخبريني.
بدأت دموعها بالتسابق، ليمد يده الأخرى ماسحًا إياها، بتناقضٍ مع تصرفه:
- لا تبكي يا ريليان، لا أريدكِ أن تبكي أبدًا، لكن هذا لا يغفر الحديث الأول.
تحدثت بصوتٍ مرتفع، لعل أحدًا يساعدها:
- ابتعد إذًا عني يا أمبر.
ابتعد عنها بسرعةٍ وذعر، وكأنه استرد وعيه، ضاغطًا على يدها بخفة:
- أعتذر حبيبتي، لم أكن أقصد هذا، لكنكِ قمتِ بصفعي، ومما تعلمين، لا أحب أن يقوم أي شخص بذلك.
نظرت إليه بكرهٍ واضح، متحدثةً وما زالت تبكي:
- أكرهُكَ يا أمبر، أكرهُكَ.
سحبت يدها، فاتحةً الباب بقوة، متوجهةً نحو الخارج، ليلحق بها بعدها. ثم بعد ذلك التقت بسارة.
خرجت من داخل الغرفة وهي تأخذ نفسًا عميقًا لتخرجه بهدوء، راسمةً ابتسامةً على محياها قبل أن تصل إليهما. نظرت إلى سارة بشكرٍ وامتنانٍ حقيقي:
- شكرًا لكِ يا سارة، لقد أنقذتني، لا أعلم كيف سأوافيكِ حقكِ.
نظرت إليها سارة بقلق. صحيح أنها لا تعرفها، لكن شابًا يطاردها ومعصمها أحمر، هذا يدل على شيءٍ واحدٍ فقط، ولا تريدها أن تخبرها به.
- لا تشكريني يا ريليان، الشكر لله وحده، لكن هل أنتِ بخير حقًا؟ إن كان هناك ما يستحق المساعدة فأخبريني، سوف أخبر أخي ليساعدكِ.
جاهدت لإبقاء ابتسامتها مرسومة، لتجيبها مومئةً:
- لا تقلقي، إنني بخير، سوف أرحل الآن، وأعتذر إن تسببت لكم ببعض الإزعاج.
أجابتها ابتهال بابتسامةٍ حنونة، وقد أعطتها كوبًا من العصير:
- عن أي إزعاج تتحدثين يا ابنتي؟ البيت بيتكِ، وأنتِ مرحبٌ بكِ في أي وقت، تفضلي، اشربي بعضًا منه.
ابتسمت لها بصدق، وقد خرجت ابتسامتها حقيقية هذه المرة:
- هذا لطفٌ منكِ يا خالة، لكني تأخرت حقًا عن المنزل، فأختي...
قاطعتها سارة واضعةً الكوب بين يدي ريليان، مازحةً بلطف:
- هيا خذيه، ولا تردي يد أمي مرةً أخرى، وإلا أخي سوف يتضايق.
ابتسمت ريليان بخفة، وقد شربت من العصير بتلذذ، لتنتبه إلى ابتهال وهي تتحدث:
- ها قد علمتِ مكان المنزل يا صغيرتي، أنتظر منكِ زيارةً أخرى، فأنتِ صديقة سارة.
أومأت لها بشكرٍ حقيقي، ثم استعدت للرحيل، لترافقها سارة إلى الباب. وحتى الآن لم تكن قد غيّرت ثيابها.
خاطبتها ريليان بتردد:
- هل تمتلكين هاتفًا؟
أومأت سارة بتأكيد، لتجيبها ريليان بلطف:
- هل يمكنني أخذ رقم هاتفكِ إن لم يكن لديكِ أي إزعاج؟
هزت سارة رأسها بتأكيد، وما زالت ابتسامتها لم تفارق محياها:
- لا يوجد أي إزعاج، سجليه لديكِ.
ابتسمت لها وهي تحفظ الرقم، لتضرب جبهتها بتذكر:
- لقد نسيت حقيبتي بالداخل، سأذهب لإحضارها.
توجهت نحو الغرفة كي تحضرها، ثم خرجت بعدما علقتها على كتفيها، لتستمع إلى صوت رجلٍ بالداخل.
توجهت نحو الصوت لتجد أمامها رجلًا ذا جسدٍ رياضي، طويل القامة، عريض المنكبين نوعًا ما. فتقدمت أكثر من ذلك وهي تشاهد جانب وجهه.
دققت النظر إليه، لديه لحية مهذبة، إنها تذكرها بشخصٍ ما.
نظرت إليه عن طريق المرآة التي تعكس صورته، لتشهق واضعةً يدها على فمها بصدمة.
أجل، إنه نفس الشاب الذي تراه كل يومٍ في الصباح وهي تمارس رياضة الركض. أجل، لولا أنها كانت تجده يركض يوميًا لما استمرت بهذه الرياضة المتعبة بالنسبة إليها.
عقد سليم حاجبيه باستغرابٍ من هذا الصوت، ليتساءل موجهًا حديثه لوالدته دون أن يلتفت:
- هل لدينا زوار يا أمي؟!
أومأت سارة إليه بابتسامة توتر، فهي لم تعلم أنه سيأتي مبكرًا. لقد فاجأهم وقدِم في غير موعده المعتاد:
- أجل يا سليم، إنها صديقتي.
اقتربت منه ريليان بابتسامةٍ واسعة، وأخيرًا التقت به عن قرب، لتمد يدها نحوه بدقات قلبٍ متسارعة:
- مرحبًا، اسمي ريليان، صديقة سارة.**
4 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.