وضع القراءة:

الفصل الثاني ✦

بعد أن غفت…
لم يأتِ النوم بسلام،
بل حملها إلى حيث لم ترد أن تعود.
إلى الماضي.
إلى ذلك المكان البارد…
الميتم.
حيث كانت الجدران صامتة،
والأيام متشابهة،
والقلوب تبحث عن دفءٍ لا يأتي.
كانت طفلةً هادئة،
لا تتحدث كثيرًا،
وكأن الكلمات تخونها كلما حاولت الخروج.
لكنها…
كانت ترسم.
ترسم كل ما لا تستطيع قوله،
كل ما تشعر به،
كل الألم الذي لم يفهمه أحد.
كانت الألوان صوتها الوحيد.
أما هو…
فكان مختلفًا.
طفلٌ لطيف،
بعينين دافئتين،
وقلبٍ لا يعرف القسوة.
كان يبتسم للجميع،
يساعد الصغار،
ويحاول أن يجعل ذلك المكان
أقل قسوةً مما هو عليه.
لكن لطفه…
كان ضعفه.
كانوا يؤذونه،
يسخرون منه،
يدفعونه،
ويأخذون ما يملك دون رحمة.
وكان يتحمّل…
بصمت.
إلى أن جاء ذلك اليوم.
كانت تجلس في زاويتها المعتادة،
ترسم بهدوء،
حين سمعت صوتًا—
صوت سقوط…
وصمتًا غريبًا أعقبه.
رفعت عينيها—
ورأته.
محاطًا بهم،
يحاول الدفاع عن نفسه…
دون جدوى.
لأول مرة…
نهضت.
قلبها كان يخفق بعنف،
لكن قدميها تقدمتا دون تردد.
وقفت أمامه،
بجسدها الصغير…
لكن بعينين
لم تعرفا الخوف.
صرخت.
لم يكن صوتها عاليًا،
لكنه كان كافيًا…
ليجعلهم يتوقفون.
نظرتها كانت حادة،
كأنها تقول:
"كفى."
تراجعوا.
واحدًا تلو الآخر.
ساد الصمت.
ثم…
نظر إليها.
كانت تلك
أول مرة يلتقيان فيها حقًا.
عيناه امتزج فيهما
الامتنان… والدهشة.
أما هي،
فاكتفت بالنظر إليه لثوانٍ،
ثم جلست—
وعادت للرسم.
لكنه…
لم ينسَ.
ومنذ ذلك اليوم—
لم يعد وحده.
صار يجلس بجانبها كل يوم،
يتحدث… حتى وإن لم تجب،
يضحك… حتى وإن لم تبتسم.
وكانت هي تستمع،
بصمتها المعتاد…
لكن بقلبٍ
بدأ ينبض بشيءٍ جديد.
وببطء…
تعلّق كلٌ منهما بالآخر،
بطريقته الخاصة.وفجأة—
"فلورنس!"
صوتٌ قريب…
يخترق ذلك الحلم البعيد.
"فلورنس، استيقظي!"
فتحت عينيها ببطء،
وكأنها تُنتزع من عالمٍ آخر.
تنفّسها كان ثقيلاً،
وقلبها ما زال عالقًا هناك…
في الماضي.
"يلا، استيقظي."
كان الصوت هذه المرة أوضح.
غريس.
جلست فلورنس ببطء،
ومررت يدها على وجهها،
كأنها تحاول أن تتأكد
أن كل شيء انتهى.
نظرت إلى صديقتها،
بعينين نصف مستيقظتين،
ومليئتين بشيءٍ لم تفهمه غريس.
قالت غريس بنبرةٍ خفيفة:
"فلورنس، هيا… يومكِ حافل اليوم."
توقفت لثانية، ثم ابتسمت:
"لا تنسي، عندكِ معرض إيثان… وهو بانتظارك."
سكتت فلورنس.
اسمٌ واحد…
كان كافيًا ليعيدها إلى الواقع.
أغمضت عينيها للحظة،
ثم أخذت نفسًا عميقًا.
"معرض…"
همست بها بهدوء،
وكأنها تحاول إقناع نفسها.
نهضت ببطء،
وما زال أثر الحلم عالقًا بها،
وما زال…
جوليان هناك.
1 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.