وضع القراءة:

ما بين الغياب والانتظار

مرت السنوات، لكن شيئًا واحدًا لم يتغير.
أبي لم يعد.
كنت أسمع أحيانًا أن الناس يتحدثون عنه، يسألون أين أصبح، ماذا يفعل، وكيف يعيش بعيدًا عنا.
لكنني لم أكن أملك جوابًا.
بالنسبة للجميع، كان أبي رجلًا اختار أن يبتعد.
أما بالنسبة لي…
فكان شخصًا لا أعرف هل أشتاق إليه، أم أغضب منه، أم ألومه على كل السنوات التي تركني أعيشها بدونه.
كنت أحيانًا أتساءل:
هل يتذكرني؟
هل يفكر بي كما أفكر به؟
هل مرّت في ذهنه صورتي وأنا أكبر سنة بعد سنة؟
أم أنه تعلّم ببساطة كيف يعيش من دوننا؟
كنت أخاف من السؤال الأخير أكثر من أي شيء.
في إحدى الأمسيات، كنت أجلس مع أمي في المطبخ.
كانت تحضّر العشاء، وأنا أراقبها بصمت.
لم أعرف لماذا شعرت في تلك اللحظة أنني يجب أن أسأل.
— أمي…
توقفت يدها للحظة.
— نعم؟
ترددت قبل أن أقول:
— أين أبي الآن؟
ساد الصمت.
لم تجب مباشرة.
خفضت عينيها إلى ما كانت تفعله، وكأنها تبحث عن كلمات لا تريد قولها.
— لماذا تسألين عنه الآن؟
— لأنه أبي.
خرجت الجملة مني ببساطة، لكنها حملت سنوات كاملة من الانتظار.
نظرت إليّ أمي.
رأيت شيئًا في عينيها لم أفهمه.
حزن؟
غضب؟
أم خوف؟
قالت بهدوء:
— بعض الأشخاص يختارون الغياب، وعندما يختارون ذلك… علينا أن نتعلم كيف نعيش بدونهُم.
شعرت بشيء ينكسر داخلي.
— لكنه لم يمت.
رفعت أمي رأسها فجأة.
— من قال إنه مات؟
— لم أقل إنه مات.
سكتت.
وكان صمتها هو الجواب الذي أخافني.
لأول مرة، شعرت أن هناك شيئًا لا أعرفه.
شيئًا يتعلق بأبي.
شيئًا ربما أخفته أمي عني طوال هذه السنوات.
في تلك الليلة، لم أستطع النوم.
فتحت صندوقًا قديمًا كنت أحتفظ فيه بأشيائي منذ الطفولة.
صور.
رسائل.
ألعاب صغيرة.
وأشياء كنت قد نسيتها تمامًا.
وبينما كنت أبحث دون هدف، وجدت صورة قديمة لأبي.
قلبتها.
كان خلفها تاريخ مكتوب بخط يده.
وتحته جملة واحدة:
«إذا احتجتِ إليّ يومًا، ستعرفين أين تجدينني.»
حدقت في الكلمات طويلًا.
أين تجدينه؟
أين؟
لم يكن هناك عنوان.
ولا رقم هاتف.
ولا أي دليل آخر.
فقط تاريخ.
تاريخ اليوم الذي غادر فيه أبي المنزل.
شعرت بأن قلبي بدأ يخفق بسرعة.
ربما لم يكن ذلك مجرد تاريخ.
ربما كان هناك شيء خلفه.
شيء لم أفهمه وأنا طفلة.
أعدت النظر إلى الصورة.
ثم قلت لنفسي للمرة الأولى:
سأبحث عنه.
ليس لأعاتبه.
وليس لأجبره على العودة.
بل لأعرف الحقيقة.
لماذا ذهب؟
ولماذا لم يعد؟
وهل كان رحيله اختياره فعلًا…
أم أن هناك شيئًا آخر لم يخبرني به أحد؟
وضعت الصورة داخل حقيبتي.
وفي صباح اليوم التالي، خرجت من البيت وأنا أحمل أول خيط يقودني إليه.
لم أكن أعرف إلى أين سيأخذني.
ولم أكن أعرف أن البحث عن أبي…
سيكشف لي أشياء لم أكن مستعدة لمعرفتها.
أشياء ستجعلني أعيد النظر في كل ما كنت أعتقد أنني أعرفه عن عائلتي.
وربما… عن نفسي أيضًا.
5 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.