حين غاب أبي 💔
لا أتذكر اليوم الذي بدأ فيه كل شيء كما يتذكر الناس أيامهم الجميلة.
لا أتذكر تفاصيله كاملة، ولا أستطيع أن أقول إنني كنت أفهم ما يحدث حولي حينها. كنت صغيرة، أصغر من أن أفهم معنى أن يغيب شخصٌ تحبه إلى الأبد، وأكبر قليلًا من أن أنسى ذلك الفراغ الذي تركه خلفه.
كنت أظن أن الغياب يعني أن الشخص سيعود بعد قليل.
أن الباب سيفتح.
أن صوته سيملأ البيت من جديد.
أنني سأراه يدخل كما اعتدت، وسأتصرف وكأن شيئًا لم يحدث.
لكن الباب لم يُفتح.
والصوت الذي كنت أبحث عنه بين أصوات البيت لم يعد.
غاب أبي.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد البيت كما كان.
كان كل شيء في مكانه؛ الأثاث، النوافذ، الطاولة، وحتى الأشياء الصغيرة التي تركها خلفه… لكن شيئًا واحدًا لم يكن في مكانه.
أنا.
أو ربما الجزء مني الذي كان يشعر بالأمان.
كبرت وأنا أحاول أن أفهم كيف يستطيع شخص واحد أن يترك خلفه كل هذا الفراغ.
كنت أرى أبي في أشياء لا علاقة لها به.
في رجل يمشي مع ابنته في الطريق.
في يد أب تمسك بيد طفلة.
في صوت أب ينادي ابنته من بعيد.
كنت ألتفت دون وعي، ثم أتذكر.
ليس أبي.
وكنت أبتسم أحيانًا حتى لا يلاحظ أحد شيئًا، ثم أعود إلى غرفتي وأغلق الباب.
هناك فقط، كنت أسمح لنفسي بأن أفتقده.
لم أكن أعرف كيف أشرح للآخرين ما أشعر به.
كيف أقول إنني لا أفتقد شخصًا فقط؟
أنا أفتقد شعورًا كاملًا.
أفتقد أن يكون هناك شخص أعود إليه عندما أخاف.
شخص أشعر أمامه أن العالم، مهما كان قاسيًا، لن يستطيع أن يؤذيني.
كبرت وأنا أتعلم أن أخفي أسئلتي.
لماذا رحل؟
لماذا لم يأخذني معه؟
لماذا يستطيع الآخرون أن يعيشوا حياة طبيعية مع آبائهم، بينما كان عليّ أن أتعلم كيف أعيش مع غيابه؟
كنت أطرح الأسئلة في داخلي، ثم أدفنها قبل أن يسمعها أحد.
ومع مرور السنوات، تعلّمت شيئًا آخر.
أن بعض الجروح لا تختفي عندما نكبر.
نحن فقط نتعلم كيف نعيش وهي بداخلنا.
كنت أبدو بخير.
أضحك، أتحدث، أعيش أيامي، وأتصرف وكأنني تجاوزت الأمر.
لكن في داخلي كانت طفلة صغيرة لا تزال تنتظر ذلك الباب.
تنتظر صوتًا لن يأتي.
وتنتظر حضنًا لم يعد موجودًا.
لم أكن أعرف وقتها أن هذا الفراغ سيقودني يومًا إلى شخص آخر.
شخص سأظنه الأمان الذي بحثت عنه طويلًا.
شخص سأعطيه قلبي دون أن أدرك أنني لم أكن أبحث عنه وحده…
كنت أبحث عن شيء فقدته منذ سنوات.
كنت أبحث عن الدفء.
عن الطمأنينة.
عن قلبٍ أستطيع أن أضع فيه خوفي دون أن أخاف من الرحيل.
ولهذا، عندما جاء هو، لم أسأل نفسي لماذا تعلقت به بهذه السرعة.
لم أسأل إن كنت أحبه فعلًا، أم أنني أحببت الشعور الذي منحني إياه.
كنت فقط سعيدة لأنني شعرت، للمرة الأولى منذ زمن طويل، أن هناك من يراني.
من يسمعني.
من يجعلني أنسى، ولو لساعات، ذلك الفراغ القديم.
ولم أكن أعرف أن بعض الأشخاص يدخلون حياتنا كالإجابة عن سؤال ظللنا نطرحه سنوات…
ثم نكتشف، بعد فوات الأوان، أنهم كانوا سؤالًا جديدًا.
سؤالًا سيؤلمنا أكثر من كل الإجابات السابقة.
وهكذا بدأت حكايتي…
حكاية فتاة فقدت أباها، فبحثت عن الأمان في قلبٍ آخر.
ولم تكن تعرف أن قلبها كان على موعد مع خيبة لم تستعد لها.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (1)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخول