وضع القراءة:

الفصل التاني

افلت كل منهما يد الاخر واستمرت نظراتهم المتحدية بضع دقائق.
جلس كيان خلف مكتبه ببرود بينما جلست نورين في الكرسي المقابل له واضعة قدما فوق الأخرى.
كيان: تفضلي ما سبب زيارتك لنا وادخلي في صلب الموضوع ليس لدي وقت للمقدمات.
نورين بابتسامة واثقة: لم آتي لأدردش معك لدي سبب وجيه لقدومي.
أومأ كيان لها بصمت.
نورين: أخي مريض قلب وبحاجة الى زرع هذه الشريحة الأدوية لم تعد تجدي نفعا معه.
كيان باستفزاز: إذا أنت بحاجة إلى مساعدتي.
نورين بنفس نبرته المستفزة: ليست مساعدة فهذا عملك وستأخذ مقابل تعبك لذلك لا نسميها مساعدة بل مصلحة متبادلة.
أطلق كيان ضحكة ساخرة: وما المقابل الذي يمكن ان تقدمه عميلة في الاستخبارات لي.
نورين بنبرة قوية: أستطيع جلب الكود المصدري للمشروع 'س'، من داخل الخوادم المعزولة في الطابق السفلي للوكالة... شيء لن تصل إليه ببراعتك السيبرانية لأن أسلاكك لا تصل إلى هناك.
اعتلت معالم الصدمة وجه كيان متسائلا بين نفسه كيف لها أن تعرف عن الكود.
أخفى معالم الصدمة تحت قناع البرود وبنبرة حذرة : كيف عرفت عن هذا الكود وكيف أدركت أنني بحاجة ماسة له.
نورين بابتسامة واثقة والتزمت الصمت.
كيان برفعة حاجب : آه فهمت قمت بالبحث عن خلفيتي قبل قدومك الى هنا.
ثم صفق بيديه: جريئة وقوية وذكية أيضا.
اعتدلت نورين في جلستها بعدما كانت مرتخية على ظهر الكرسي وواضعة قدما فوق الأخرى.
نورين: أكيد لن آتي لرؤية شخص دون أن أبحث عنه، وبخصوص نعتك لي بالجريئة والقوية والذكية فأنا أعرف هذا ولست بحاجة إلى رأيك.
كيان: موافق على عرض، فور أن تتم عملية شقيقك ستأتين لي الكود.
نورين: موافقة.
وقفت وإلتفت لتغادر وتقدمت بضعة خطوات أخرى لكنها التفت ناحيته: أنصحك بخصوص السكرتيرة التي في الخارج لا توظف سكرتيرة بلهاء فقط تستفز بعض زوارك.
كيان: ليست بلهاء بل لطيفة ومؤدبة أكيد لن تعرفي هذه المصطلحات.
نظرت له نظرة غاضبة ولو كانت نظرات تقتل لكانت لصورته جثة في المكان.
ارتدت نظارتها سوداء تخفي خلفها غضبها وغادرت المكتب.
اتجهت إلى سيارتها وهي تحاول أن تفكر في طريقة لسرقة الكود.
أما عند كيان فور أن انغلق الباب خلف نورين وغادرت مكتبه.
اختفت معالم البرود من على وجهه وانتفض من مكانه والتفت نحو الجدار الزجاجي الضخم الذي يتوسط مكتبه، حيث كان مجسم قلب بشري ثلاثي الأبعاد يضيء بعتمة المكان باللون الأزرق النيون، عارضاً خوارزميات وتحليلات حيوية معقدة يظن الجميع أنها مجرد أبحاث طبية عادية.
تقدم نحوها ومرر باطن يده على زاوية غير مرئية في الاطار المعدني للشاشة ليتجاوز نظام التعرف على البصمة الحيوية وساعته الفاخرة.
في ثوانٍ معدودة، انزلق جزء من اللوحة الرقمية بنعومة فائقة، مبرزاً من عتمة الجدار الخفي حاسوبه المحصن والمعزول تماماً عن شبكة الإنترنت العامة؛ سلاحه السري في الأمن السيبراني.
جلس على كرسيه ووضع الحاسوب أمامه تنتقل أنامله الرقيقة والطويلة بين أزرار لوحة المفاتيح.
يحاول إختراق السجلات المدنية أو يتتبع بصمتها الرقمية.
لحظات، ثواني، دقائق لا يدري كيان كم من الوقت مر وهو أمام الشاشة التي ينعكس شعاعها على وجهه ونظاراته الطبية.
مرت دقيقتين كاملتين حتى نجح في فتح ثغرة خلفية مشفرة وتجاوز جدران الحماية الرسمية لـ يخترق السجلات المدنية لمدينة 'إيريس'.
ظهرت الشاشة الزرقاء تعكس بريقها في عينيه، ثم كتب اسمها بحروف دقيقة: 'نورين'. ضغط على زر الإدخال وانتظر لثوانٍ، بينما كان عقله يراجع تفاصيل مواجهتهما الشرسة، متوقعاً أن يجد أمامه ملفاً تقليدياً يكشف له عن عائلتها، تاريخها، ومسار حياتها.
لكن ما ظهر على الشاشة فجأة جعل أصابعه تتوقف تماماً عن الحركة، وانعقد حاجباه بذهول
اختفت قائمة الأسماء و انبثقت شاشة رمادية يتوسطها
شريط أحمر قاطع يحمل رمزا أمنيا:
[خطأ في النظام: الرمز 403 - الوصول محجوب. الهوية المطلوبة تخضع لبروتوكول السرية الاستخباراتية المدمج رقم (A-100). تم إخطار وحدة الرقابة الرقمية تلقائياً].
أدرك كيان في تلك اللحظة أنه ليس عطلا تقنيا بل مصيدة أمنية ' تنبيه مصيدة ' (Honey pot).
في تلك الثواني الشحونة على الجانب الآخر من مدينة إيريس المهجور.
وتحديدا في ذلك القبو المظلم المعروف باسم نقطة الصفر حيث رائحة الأسلاك المحترقة.
كانت تومض الشاشات ببريق يعكس غل وحقد كبير، جلس الهاكر الخفي يخترق الانظمة الطبية ويتابع تدفق البيانات الرقمية للشريحة المخصصة لشقيق نورين قبل زرعها.
لم يكن يراه كإنسان مريض بل كثغرة حية وأول عملية اختراق لأسباب انتقامية.
وخلف شاشاته المتعددة، تبرز على جدار القبو المتآكل لوحة خشبية ضخمة عُلقت عليها خيوط ومستندات متشابكة، تتوسطها صورة فوتوغرافية واضحة لنورين بملامحها الصارمة.
وبجانبها تماماً استقرت صورة شقيقها المريض، وقد طُمست معالم وجهه بعلامة X عريضة ومخيفة باللون الأحمر القاني، كإعلان صريح بأن أيامه باتت معدودة.
كانت أصابعه تنقر بسرعة جنونية على لوحة المفاتيح يبرمج تلك الشقرة الخبيثة بدقة متناهية.
معتمداً على الهندسة العكسية لبروتوكول الاتصال اللاسلكي الخاص بالشريحة (Telemetry Protocol).
قام بحقن برمجية خبيثة صامتة من نوع (Trojan Rootkit) داخل حزمة التحديثات البرمجية الجاهزة للشريحة في خوادم المشفى.
لم تكن الشيفرة تهدف لتعطيل الجهاز فوراً، بل صُممت لتظل كامنة في سبات رقمي بعد الجراحة.
كانت خطته تقتضي الانتظار حتى تُزرع الشريحة وتتصل بالشبكة الحيوية، ليرسل عبر جهاز إرسال راديوي مخصص أمراً مشفراً عن بُعد يُجبر الشريحة على إطلاق صدمة كهربائية عالية الجهد (Over-pacing deadly shock)، أو إيقاف النبض بالكامل، مما يؤدي إلى سكتة قلبية فورية لا تترك وراءها أي أثر برمجى يُشير للاختراق.
عند كيان.
لم يكتفي النظام بإخفاء سجلات نورين بل قام في نفس الثانية بإرسال تقرير مشفر بالبصمة الرقمية للجهاز المحاوِل إلى خوادم الوكالة.
ليعلم أن أي نقرة إضافية قد تجعل مركبات الاستخبارات تقف أمام مختبره الخاصة به خلال دقائق.
لم يصب كيان بالذعر بل بل تحركت أصابعه في حركة إيقاعية انتحارية ليطلق بروتوكولا محميا كان قد برمجه مسبقا لمثل هذه الازمات طارئة.
قام بـتفعيل بروتوكول 'تزييف البصمة الرقمية' (IP Spoofing)، ناقلاً إشارات التتبع الحكومية بعيداً عن مختبره الخاصة به ليغرسها في خادم وهمي عام يقع في أطراف مدينة 'إيريس' المهجورة.
وفي الثانية التي تلتها، ضغط على زر فيزيائي أحمر مخفٍ أسفل حاسوبه، ليفصل وحدة المعالجة بالكامل عن الشبكة الخارجية عبر تقنية العزل الفيزيائي (Air-gapping)، قاطعاً دابر الاتصال اللاسلكي قبل أن تتمكن خوادم الوكالة من تأكيد موقعه الحقيقي.
تنفس الصعداء عندما عادت الشاشة الى لونها الاصلي واختفى ذلك الشريط الاحمر والتحذير الأمني .
لكنه لم ينتهي بعد.
انحنى للأمام ليمسح مسام اللمس، وبدأ في تنظيف الذاكرة العشوائية (RAM)
و سجلات الأحداث(Log Files) للحاسوب، متلفاً أي أثر متبق لعملية البحث عن اسم نورين.
كان يعلم أن المخابرات ذكية لكنه اليوم أثبت لنفسه أنه أسرع وأذكى وسبقها بخطوة.
تراجع للخلف واستند بظهره على ورأسه على كرسيه الفاخر ومسح حبات العرق التي تجمعت على جبينه واعزلت ثغره ابتسامة نصر.
تذكر نورين فجأة.
فتح حاسوبه المحمول الخاص بعمله غير ذلك الحاسوب الذي يخصصه لعمليات الاختراق.
وراجع سجلات الكاميرا الخارجية ليلتقط رقم سيارتها ويتتبع سير حركتها والمكان الذي تتوجه له.
عند نورين.
وصلت الى مبنى الاستخبارات الوطنية.
ودخلت الى الداخل.
تتقدم الى مكتبها لم تكد تلتقط انفاسها حتى رن جرس الانذار الخاص بعمليات الطوارئ. وتلقى القسم بلاغا عاجلا تقدم منها القائد الميداني بملامح صارمة، واضعاً أمامها شاشة لوحية تعرض خريطة رقمية لشبكة قطارات السير السريع في "إيريس".
قال بنبرة حازمة: نورين، لدينا هجوم سيبراني نشط الآن. منظمة رقمية معادية اخترقت أنظمة التحكم والإشارات (SCADA) وتحاول تغيير مسارات القطارات للتسبب في كارثة اصطدام جماعي. أنتِ الوحيدة الجاهزة لقيادة فرقة الاقتحام ومداهمة مقر الملقمات الوهمية الذي يديرون منه الهجوم.
نورين بطاعة: حاضر يا سيدي.
نورين لأحد أعضاء الفرقة: فهد حدد موقع الهاكرز.
فهد بطاعة: علم.
نورين بأمر لباقي الفرقة: سنداهم المكان استعدوا.
أسرعت نحو سيارتها وركبتتها ولحقت بها ثلاث سيارات لأعضاء الفرقة.
وصلوا إلى المحطة تقع في الطوابق السفلية المهجورة لمدينة إيريس.
كان المكان يعم بالظلام الدامس وتنبعث من المكان رائحة الرطوبة المختلطة برائحة الأسلاك المحترقة.
وتتوسطه شاشات المحمولة التي أحضرها المخترقون.
نزلت نورين وفريقها خلفها كل مستعد لاي هجوم غدار.
كانت نورين تقود بحرفية مخابرتية قادت العديد من المهام الصعبة ونجحت فيها.
اقتحموا المكان تحت قيادة نورين واعلن الهاكرز بداية حرب تبادل إطلاق النيران.
في حين انشغال الجميع تقدمت نورين نحو شاشة الرئيسية الموصولة كابلات شبكة فيزيائية سميكة (Ethernet Cables).
التي نعرض باللون الاحمر.
سيتم الارسال بعد دقيقتين.
كانت الاجواء مشحونة بالتوتر والضغط وقبل أن تقوم بأية حركة تقدم نحوها أحد الهاكر يمنعها عن القيام بشيء ما.
سحبت سلاحها من على خصرها و صوبته ناحيته لكنه كان اسرع منها ووجه ركلة عالية نحو يدها اسقطتها السلاح.
زوجه ناحيتها لكمة تفادتها بسرعة ونظرت في عينيه لتحدد حركته التالية وكما توقعت وجه ناحيتها لكمة اخرى بيده اليسرى نحو وجهها.
أمسكت يده ووجهت له ضربة بركبتها الى منتصف البطن جعلته يتراجع خطوات ثم تقدمت منه ووجهت له لكمة في وجهه اسقطته ارضا.
التفت براسها ناحية الشاشة.
سيتم الارسال بعد دقيقة.
بدأ العد التنازلي للمؤقت: 59،58،57 وأشعة الضوء الأحمر تنعكس على جدران القبو لتزيد الجو اثارة مع تصاعد أصوات اطلاق النار.
نهض الهاكر وسحب سكينته ناحيتها حيث كان نصله يلمع مع في وسط الظلام الذي يحيط بالمكان. في كل مرة يوجه لها ضربة تتفاداه وصوت شفرة السكين وهي تشق الهواء بإيقاع سريع.
في حين غرة اصيبت بخدش بسيط في ذراعها شعرت بالحرارة تتصاعد في موضع الاصابة ودم دافئ الذي يبلل كم جاكيتها والمؤقت باقي 30 ثانية.
دفعها هذا الألم الى أن تفرغ جام غضباه وألمها.
فوجهت له ركلة اسفل الحزام بكل ما تملكه من قوة جعلته يسقط متألما وحملت سلاحها الذي كان اسفل الطاولة واطلقت الناار على قدمه لمنعه من التحرك فدوى صوت الرصاصة مع صراخ الهاكر في جوف الظلام.
توجهت نحو الشاشة وباقي ليتم الارسال 10 ثواني.
وضعت فوق وحدة التوزيع المحلية السلكية أداة التعطيل النبضي المصغرة EMP device أداة بحجم علبة ثقاب مغطى بمعدن مطلية باللون الأسود لامتصاص الضوء في منتصفها زر دائري يضيء بوميض أحمر متقطع.
فور تفعيلها أصدرت طنينا حادا وفي أجزاء من الثانية انختى اللون النيوني من الشاشات العملاقة وتصدور الداوئر الالكترونية يشبه صوت طقطقة تتجمد الارقام على الشاشات وتصبح مشوشة.
لتطلق شحنة كهربائية صامتة تجمد المؤقت لتستغل فرصة تعليق المؤقت وتضع الفلاش الميموري وتسحب الذاكرة الحية RAM Dump.
الفلاش الميموري أداة صغيرة بحجم الاصبع الصغير مصنوعة من سبيكة التيتانيوم المقاومة للصدمات والموجات الكهرومغناطيسية.
دفعت الفلاش بسرعة داخل المنفذ الرقمي المعزول فبدأ ضوء صغير مدمج في الفلاش يخفق باللون الأزرق المتسارع دليل على بدء عملية السحب ونسخ البيانات الخام قبل أن تتلاشى.
فانهار النظام بالكامل وتم انقاض القطارات من التصادم.
القت القبض على جميع الهاكرز.
وعادت الى مبنى المخابرات برفقة فريقها منتصرين.
في المبنى.
وقفوا جميعا امام القائد الميداني باحترام.
القائد: قمتم بعمل رائع يا رفاق اوقفتم كارثة كادت ان تصيب مدينة ايريس اهنئكم على هذا اثبتم جدارتكم اليوم.
ثم وجه حديثه نحو نورين: وأنت قمت بقيادة الفريق باحترافية أحسنت صنعا نورين.
تقديراً لشجاعتكم الباسلة في إحباط الهجوم السيبراني على شبكة القطارات، وتقديراً لروح التضحية والعبقرية التي أبديتموها، تقرر منح كافة أفراد الفرقة ترقية استثنائية فورية ليرتقي كل منكم رتبةً أعلى في سلك الخدمة الوطنية. وبصفتكِ قائدة هذا النصر، نعلن ترقية النقيب نورين إلى رتبة رائد مع منحها إجازة مكافأة مدفوعة الأجر تبدأ من الغد.
غادر القائد بعد المديح والثناء وبعد فرحة الفريق بترقيته.
غادرت نورين المبنى ووقفت أمام الحارس.
نورين: مرحبا
الحارس بلطف : أهلا سيدتي الرائد مبروك الترقية، المبنى كله يتحدث اليوم عن شجاعتك قي احباط كارثة القطارات.
خطت نورين خطوات قليلة حتى أصبحت بمحاذاته، متظاهرة بالبحث عن مفاتيح سيارتها في حقيبتها.
مما جعل جيب معطفها الايمن على بعض سنتيمترات من حزامه العسكري حيث تقبع بطاقته الرئيسية.
نورين تبتسم ابتسامة دافئة : شكراً لك يا سيلفان، كان يوماً طويلاً وقاسياً على الجميع.. على أية حال، أنا في إجازة مكافأة تبدأ من الغد، لذا لن تراني هنا لفترة. أتمنى أن تكون نوباتك الليلية هادئة في هذا الصقيع.
سيلفان: إجازة مستحقة تماماً يا سيدتي. أما عن الصقيع.. فقد اعتدنا عليه، نظام التدفئة في البهو معطل منذ يومين، ونوبات الحراسة ليلاً في إيريس تجمد العظام، لكن الشاي الساخن يفي بالغرض.
نيرين تومئ برأسها وهي تتابع حركة يدها في الحقيبة لتكسب مزيداً من الوقت: انتبه لنفسك إذن، فالليالي القادمة قد تكون أكثر برودة ومفاجأة مما نظن.. خذ قسطاً من الراحة كلما سمحت لك الفرصة.
سيلفان مبتسماً بامتنان: شكراً للطفكِ يا سيادة الرائد، هذا يعنيني كثيراً. ليلة سعيدة.
ودعته وغادرت المكان بخطى ثابثة.
سيلفان باستغراب: مابها هل هي بخير هذه أول مرة تتحدث معي هكذا.
أما نورين فور أن التفتت لتغادر اتسع ثغرها بابتسامة واسعة وارتدت نظارتها التي تخفي عينيعا التي تلمعان ببريق مريب.
خطت نحو مخرج المبنى بخطوات بطيئة، كمن يودع مكاناً يعلم أنه قد لا يراه مجدداً بنفس الصفة.بمجرد أن خطت إلى الخارج، لفح وجهها صقيع مدينة "إيريس" القارس، وتصاعدت أنفاسها الثقيلة على شكل بخار أبيض في عتمة الليل الموحشة.
توجهت نحو سيارتها الراكنة في زاوية المرأب شبه المهجورة. فتحت الباب واستقلت مقعدها الجلدي، ثم أغلقت الباب بقوة ليعزلها الزجاج المعتم تماماً عن ضوضاء العالم الخارجي.لم تدير محرك السيارة فوراً. جلست في عتمة المقصورة لعدة دقائق، تراقب عبر الزجاج الأمامي المبلل بقطرات المطر الرمادية أنوار برج الاستخبارات الشاهق الذي يتحدى السماء.
تحسست بأصابعها رتبتها الجديدة الملقاة على المقعد المجاور، ونظرت إليها بنظرة فارغة، خالية من أي فخر؛ ففي عالم كإيريس، الألقاب لا تحمي أحداً من الموت.
تلاشت الابتسامة الدافئة عن وجهها ببطء، ليحل محلها قناع مألوف من البرود الحاد والتركيز القاتل. أمالت مرآة السيارة لتنظر إلى انعكاس عينيها في الظلام، وهمست لنفسها بنبرة خفيضة حملت وزناً مرعباً:
"اللعبة لم تبدأ بعد.. الليلة، سأعيد كتابة القواعد."
أدارت المحرك، وانطلقت السيارة لتختفي في جوف الشوارع المظلمة، تاركة وراءها صمتاً يسبق عاصفة ستقتلع كل شيء
3 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.