المذكرة
المذكرة
جزء 2 من 2
وضع القراءة:

البعث

كان ويليام يشعر بأنه يطفو في فراغ لا نهاية له، محاطًا بسواد قاتم لا يستطيع أن يرى فيه شيئًا، ولا يعرف أين ينتهي ذلك الظلام أو أين يبدأ. لم يكن يسمع صوتًا، ولا يشعر بوجود جسده، وكأن كل ما كان يعرفه عن نفسه قد اختفى فجأة، ولم يبقَ منه سوى وعي غامض تائه في ذلك الفراغ.
وبعد وقت لم يعرف طوله، سمع صوت فتاة يأتي من مكان مجهول، واضحًا رغم إحاطته بالظلام.
— قم من موتك، فقد بعثتك لتكون زميلي.
وقبل أن يتمكن من فهم كلماتها، انفجر أمامه نور ساطع أغرق كل شيء، ففتح عينيه على نحو مفاجئ، ووجد نفسه مستلقيًا فوق ما يشبه المذبح الحجري، وقد امتدت تحته نقوش غريبة تتوهج بضوء خافت، وكأنها مرسومة داخل الحجر نفسه.
رفع رأسه قليلًا ونظر حوله بارتباك. كان السقف مصنوعًا من الخشب، والجدران من الحجارة القديمة، وخلفه نافذة واسعة تتسلل منها أشعة الشمس إلى الداخل، فتسقط على أرض القاعة وتكشف الغبار العالق في الهواء.
لم يكن ويليام يتذكر شيئًا.
ظل ينظر حوله محاولًا استيعاب المكان، حتى وقعت عيناه على فتاة جاثية على ركبتيها بالقرب من المذبح. كانت تضع راحتيها على وجهها، وكتفاها يرتجفان من شدة البكاء، بينما خلفها امتدت مدرجات حجرية جلس عليها عدد من الطلاب، وكان بعضهم من أجناس لم يرَ ويليام مثلها في حياته؛ آذان طويلة ومدببة، أجساد ضخمة، وملامح مختلفة عن البشر الذين اعتاد رؤيتهم.
كان بعض الطلاب يضحكون بخفوت ويسخرون من الفتاة، غير مبالين بدموعها.
وفي تلك اللحظة، سمع ويليام صوت نقر عصا خشبية على الأرض يقترب منه ببطء.
رفع عينيه، فرأى رجلًا عجوزًا أشيب الشعر، على رئسه عش من اغصان صغيرة فيها طائر صغير جالس، طويل اللحية، يرتدي زيًا داكنًا يشبه زي ساحر مخضرم، ويتكئ على عصا خشبية قديمة. توقف أمام المذبح، لكنه لم ينظر إلى ويليام طويلًا، بل وجه كلامه إلى الفتاة.
— إليانور، لقد تلعثمتِ أثناء إلقاء التعويذة. بدلًا من أن تقولي «عبدًا»، جعلته زميلًا لك.
رفعت إليانور رأسها قليلًا، والدموع لا تزال تغطي وجهها.
تابع العجوز بنبرة صارمة:
— لن يتلقى أوامرك، ولن يطيعك كما يفعل العبيد الذين يستدعيهم الآخرون، لكنه أصبح مربوطًا بك الآن.
ثم هز رأسه بخيبة واضحة.
— خيبتِ ظني يا إليانور.
— انا...انا اسفة يا استاذ، ل...لقد توترت جدا.
استدار العجوز وعاد بخطوات هادئة نحو بقية الطلاب، ثم قال دون أن يلتفت إليها:
— كفى أعذار، لقد فشلت.
ثم تنهد واضاف بصوت هادء:
— انهضي يا إليانور. هناك طلاب آخرون ينتظرون دورهم لاستدعاء عبيدهم.
بقي ويليام مكانه للحظات، عاجزًا عن فهم ما يسمعه أو حتى عن معرفة من يكون هو نفسه. لم يتذكر اسمه، ولا المكان الذي جاء منه، ولا سبب وجوده هنا. وحين حاول النهوض، شعر بثقل جسده للمرة الأولى، فاستند إلى ذراعيه ورفع نفسه بصعوبة.
عندها لاحظ درعه.
كان الدرع الذي يرتديه ملطخًا بالتراب والدم، وبعض آثار المعركة لا تزال عالقة به. نظر إليه طويلًا، وكأن رؤية الدم كانت المفتاح الذي فتح بابًا مغلقًا داخل رأسه.
فجأة عادت إليه الذكريات دفعة واحدة.
السهم الذي أصابه،راي المقتول، و المعركة، وصوت جينيفير، والوعد الذي قطعه لها بأنه سيعود.
اتسعت عينا ويليام، وبدأ يتنفس بسرعة، ثم نظر حوله بجنون وكأنه يبحث عن تفسير لكل ما يحدث.
— أين أنا؟ ماذا حدث للمعركة؟ من أنتم؟!
لم يجبه أحد.
تقدم خطوة، ثم صرخ بصوت أعلى:
— أين عائلتي؟ أريد أن أراهم!
لكن قبل أن يتمكن من فعل شيء آخر، تجمد جسده فجأة. شعر بقوة غريبة تسيطر على أطرافه، وأخذت قدماه تتحركان من تلقاء نفسيهما خلف اليانور.
حاول ويليام التوقف، لكنه لم يستطع حتى تحريك جسده بالطريقة التي يريدها.
— ماذا تفعلين بي؟!
رفعت إليانور عينيها إليه، وقد امتلأتا بالخوف.
— لست... لست انا...
لكن ويليام لم يسمع بقية كلامها، كانت قدماه تواصلان السير.
قال العجوز من خلفه:
— انا الفاعل ، ألقيت عليك تعويذة تجبر جسدك على اتباع إليانور.
استدار ويليام نحوه بصعوبة.
— ماذا فعلت بي؟!
أجاب العجوز ببرود:
— لا شيء سيء.
ثم أضاف:
— سيزول تأثيرها عندما تصل إلى منزل اليانور.
حدق ويليام فيه ، لم يعرف ماذا يقول، لم يرَ ساحرًا في حياته، ولا تعويذة، ولا هذا العدد من المخلوقات المختلفة في مكان واحد، لقد عاش حياته كلها وهو يعرف العالم من حوله.
واصل جسده السير خلف إليانور رغمًا عنه، خرج من القاعة، وبقيت عيناه معلقتين بالمكان حتى اختفى خلف الباب، وفي أعماق عقله، لم يكن هناك سوى سؤال واحد.
اين انا بحق الجحيم؟
كان ويليام يسير قسرًا خلف إليانور، التي كانت تمضي أمامه بخطوات مثقلة بالحزن، ووجهها لا يزال يحمل آثار الدموع. أما هو، فلم يستطع أن يرفع عينيه عن المكان المحيط به؛ فكل خطوة كان يخطوها كانت تكشف له شيئًا جديدًا يجعله أكثر حيرة من السابق.
كانت هذه أكاديمية السحر، أو كما أخبره ما سمعه من العجوز، أكاديمية البومة البيضاء، لكنها بدت له أشبه بعالم آخر لا يمت بصلة إلى العالم الذي عرفه طوال حياته.
كان الطلاب يسيرون في الممرات والساحات بأشكال مختلفة؛ رأى إلفًا بآذان طويلة ومدببة، وأقزامًا قصار القامة، وأشخاصًا بملامح تشبه الحيوانات، إلى جانب أجناس أخرى لم يستطع حتى أن يعرف إلى أي فصيلة تنتمي. والأسوأ من ذلك كله أنهم كانوا يتعاملون مع السحر وكأنه أمر طبيعي.
رأى أحد الطلاب يرفع يده، فتشتعل فوق راحته كرة من النار دون أي مصدر ظاهر، بينما كان طالب آخر يحرك أصابعه، فارتفعت قطع من الأرض أمامه وتجمعت في الهواء قبل أن تهبط إلى مكانها من جديد.
ظل يحدق بهم بعينين متسعتين، عاجزًا عن استيعاب ما يراه.
في عالمه، كان الرجل يحتاج إلى سيف أو رمح أو قوس حتى يقاتل، أما هؤلاء فكانوا قادرين على استدعاء النار وتحريك الأرض بأيديهم، وكأن قوانين الطبيعة نفسها لا تعني لهم شيئًا.
واصل السير خلف إليانور، وكلما ظن أنه رأى أغرب ما يمكن أن يراه، ظهر أمامه شيء آخر.
وحين خرجا أخيرًا من بوابة الأكاديمية ودخلا المدينة، اتسعت دهشته أكثر.
كانت صناديق غريبة تطفو في الهواء وتنقل البضائع بين المباني، ومتاجر تصطف على جانبي الشوارع وتعرض الجرعات والكتب والتعاويذ والأدوات السحرية خلف نوافذها. وفوق رؤوس المارة، رأى أشخاصًا يحلقون في السماء على مكانس، بينما كان رجل يقف أمام متجره ويتحدث مع نبتة كبيرة في أصيص، فتجيبه النبتة بصوت واضح وكأن الأمر طبيعي تمامًا.
حدق في الشارع المكتظ من حوله، ثم نظر إلى إليانور التي كانت تواصل السير وكأنها لم ترَ شيئًا يستحق الدهشة.
وصل ويليام وإليانور إلى إسطبل للخيول، وكان المكان يبدو قديمًا ومهملًا، حتى إن ويليام ظن للحظة أنهما وصلا إلى المكان الخطأ. وفي الجزء الخلفي من الإسطبل كان هناك سلم خشبي متهالك يقود إلى الطابق الثاني، صعدته إليانور بصمت، بينما تبعها ويليام وهو لا يزال عاجزًا عن فهم ما يحدث حوله.
توقفت أمام بوابة خشبية بالية، دفعتها بصعوبة حتى انفتحت، ثم دخلت إلى شقة صغيرة بالكاد يمكن وصفها بأنها مكان للسكن.
كان كل شيء فيها متهالكًا؛ الجدران باهتة، والأثاث قليل وقديم، والأرضية تصدر أصواتًا مزعجة مع كل خطوة. لم يكن في المكان ما يدل على الراحة أو الرفاهية، وكأن إليانور تعيش هنا لأنها لا تملك خيارًا آخر.
دخلت إليانور دون أن تقول شيئًا، ثم جلست على السرير الوحيد في الغرفة وغطت وجهها بيديها، قبل أن تعود إلى البكاء.
أما ويليام، فما إن تجاوز عتبة الباب حتى شعر بشيء يتغير.
اختفى الضغط الغريب الذي كان يجبر جسده على الحركة، وعادت السيطرة إلى أطرافه بالكامل.
نظر إلى يديه، ثم حرّك أصابعه ببطء، قبل أن يدرك أنه أصبح حرًا.
للحظة، شعر بالارتياح.
ثم وقعت عيناه على إليانور.
عاد الغضب دفعة واحدة.
اندفع نحوها، وأمسك بملابسها من عند كتفيها، ثم دفعها إلى الحائط بقوة جعلتها تنتفض من الخوف.
— من أنتِ؟ وما هذا المكان الملعون؟ أريد العودة إلى مملكة آثك!
ارتجف صوت إليانور، ورفعت يديها محاولة إبعاده عنها.
— اهدأ... أرجوك، اهدأ فقط، وسوف أجيبك.
ظل ويليام يحدق فيها بغضب، لكنه أفلت ملابسها وتراجع خطوة، مع بقائه مستعدًا لأي شيء.
مسحت إليانور دموعها بسرعة، ثم قالت بصوت متوتر:
— أنت في مملكة تيرانس. وأنت الآن مربوط بي بسبب مخطوطة وضعها كبار السحرة في المملكة منذ زمن طويل.
قطب ويليام حاجبيه.
— مربوط بك؟
— نعم، انضر الى ظهر يدك، يوجد فيه وشم ربط كما في يدي ايضا.
ترددت للحظة، ثم تابعت:
— تنص المخطوطة على أن كل أكاديمية سحر يُسمح لها، بعد أن يجتاز طلابها اختبارات معقدة وصعبة للغاية، بمنح بعضهم حق استدعاء عبد من الموت. يجب ألا يكون قد مضى على موت الشخص أكثر من سنة، وعند استدعائه يعود إلى الحياة ليصبح عبدًا للطالب الذي استدعاه.
ظل ويليام ينظر إليها وكأنه ينتظر منها أن تقول إنها تمزح.
لكن إليانور واصلت:
— وينص العقد أيضًا على أن العبد إذا عصى أوامر سيده، سيحترق فورًا ويتحول إلى رماد. وإذا مات سيده، يحدث له الشيء نفسه. وإذا حاول الهرب من سيده والبقاء بعيدًا عنه لمدة ثلاثة أيام، سيحترق حتى الموت.
توقفت إليانور قليلًا، ثم خفضت عينيها.
— الذين يحصلون على هذا الحق قليلون جدًا بسبب صعوبة الاختبارات. وأنا... كافحت كثيرًا واجتهدت حتى أصل إليه. قضيت وقتًا طويلًا وأنا أستعد من أجله، وكنت أظن أنني عندما أنجح أخيرًا سأتمكن من استدعاء عبد كما يفعل بقية الطلاب الذين اجتازوا الاختبارات، لكي اكون غير مكروهة من الكل بعد الان.
رفعت عينيها إليه، وامتلأت عيناها بالدموع مجددًا.
— لكنني أفسدت كل شيء بنفسي... أخطأت في نطق التعويذة، ولهذا لم تعد عبدًا لي. أصبحت زميلي بدلًا من ذلك.
حدق ويليام فيها غير مصدق.
— بماذا تتفوهين أنتِ؟ هذا هراء.
استدار نحو الباب.
— أنا مغادر.
لكن إليانور أسرعت تقول:
— إذا غادرت وتركتني لمدة ثلاثة أيام، سنحترق كلانا!
توقف ويليام.
ساد الصمت للحظات.
ثم استدار ببطء.
— ماذا قلتِ؟
— العقد الذي ربط بيننا مختلف عن عقد العبد. إذا ابتعدنا عن بعضنا أكثر من ثلاثة أيام، سيحرقنا العقد معًا.
لم يحتمل ويليام سماع المزيد.
عاد إليها بخطوات غاضبة، وأمسك بعنقها بيده، ثم دفعها إلى الحائط.
شهقت إليانور، وارتفعت يداها إلى معصمه محاولة إبعاده، بينما بدأ الهواء ينقطع عن رئتيها.
— إذًا سأقتلك وأتحرر منك ومن شرك!
كان صوته مليئًا بالغضب واليأس.
— لن أبقى هنا بينما عائلتي هناك... وأنا حتى لا أعرف ماذا حدث لهم!
ظل ممسكًا بها للحظات، لكن شيئًا في وجهها جعله يتوقف.
كانت إليانور تنظر إليه بعينين مذعورتين، تحاول التقاط أنفاسها، وملامحها التي لم يرَ فيها قبل ذلك سوى الحزن والخوف بدت فجأة أصغر مما توقع.
تراخت أصابع ويليام.
حدق فيها طويلًا، وكأن سؤالًا واحدًا ظهر في ذهنه فجأة، سؤال لم يستطع تجاهله:
ماذا أفعل؟
إنها لم تكن جنديًا من أعدائه، ولا قاتلًا واجهه في ساحة المعركة. كانت فتاة خائفة، تبكي في غرفة متهالكة، وكل ما حدث بينهما بدأ بخطأ لم تكن تقصد وقوعه.
أفلت ويليام عنقها فجأة.
سقطت إليانور وهي تسعل وتحاول استعادة أنفاسها، بينما تراجع هو عنها.
ظل واقفًا لثوانٍ، ينظر إليها بصمت، ثم استدار وخرج من الشقة مسرعًا، تاركًا الباب خلفه مفتوحًا.
كان يحتاج إلى الهواء، وإلى مكان يستطيع فيه أن يفكر بعيدًا عن تلك الفتاة وعن هذا العالم الذي لم يعد يفهم منه شيئًا.
خرج ويليام من الشقة دون أن يعرف إلى أين يتجه، ومضى في شوارع المدينة ليلًا، تاركًا خطواته تقوده حيث تشاء. كانت المدينة مختلفة تمامًا عما عرفه طوال حياته؛ الأضواء السحرية تملأ الشوارع، والناس يتنقلون بين المتاجر والمباني، وأشياء غريبة لا يزال عاجزًا عن تفسيرها تتحرك من حوله وكأنها جزء طبيعي من الحياة.
ومع ذلك، لم يكن عقله منشغلًا بالسحر هذه المرة.
بعد مسافة من السير، لمح حديقة واسعة تمتد بين المباني، وكانت مليئة بالشباب والأطفال الذين ما زالوا يقضون وقتهم في اللعب والمرح رغم حلول الليل. توقف ويليام عند طرفها، وظل يراقبهم بصمت.
رأى الأطفال يركضون خلف بعضهم، ويتعالى ضحكهم كلما تعثر أحدهم أو فشل في الإمساك بصديقه. رأى أبًا يرفع ابنه الصغير فوق كتفيه، والطفل يضحك ويمسك برأس والده، بينما كانت امرأة تقف غير بعيد وتنادي ولديها كي يعودا إليها.
ظل ويليام ينظر إليهم دون أن يتحرك.
لم يرَ في تلك اللحظة عالم السحر، ولا الأجناس الغريبة، ولا المدينة التي لا يعرف عنها شيئًا.
رأى عائلته.
تذكر جينيفير، وأرنولد، وماتيلدا التي كانت تنتظره دائمًا عند عودته من المعارك، وتذكر الوعد الذي قطعه لهم قبل أن يغادر آخر مرة.
شعر بوخزة حادة في صدره، وكأن شيئًا انكسر داخله من جديد.
ثم سقطت دمعة واحدة على خده.
اقتربت منه فتاة شابة ذات ملامح بشرية وجزء من ملامح السحالي، ونظرت إليه بقلق.
— سيدي... هل أنت بخير؟
لم يجبها ويليام.
ظل واقفًا للحظات، ثم مسح وجهه بيده وغادر المكان بصمت، دون أن يلتفت إليها.
استمر في السير حتى ابتعد عن ضجيج الشوارع، ودخل زقاقًا ضيقًا مظلمًا بين المباني، ثم جلس على الأرض وأسند ظهره إلى أحد الجدران.
ضم ساقيه إلى صدره، وأخفى وجهه بين ذراعيه، وانفجر بالبكاء.
وبينما كانت كتفاه ترتجفان، مدت يده إلى صدره وأخرجت الصليب المعدني الصغير الذي أعطته له ماتيلدا قبل المعركة.
قبض عليه بقوة، وكأنه الشيء الوحيد الذي بقي له من حياته السابقة، ثم رفع عينيه نحو السماء وقال بصوت متقطع:
— لماذا يا رب؟
صمت للحظات، عاجزًا عن حبس دموعه.
— هل فعلت شيئًا خاطئًا حتى تضعني في هذا العذاب؟ أم أنها فرصة أخرى منك لي؟
شد أصابعه حول الصليب، وأغمض عينيه.
— أتوسل إليك يا إلهي... أن تحفظ عائلتي من كل سوء. لا أعرف أين أنا، ولا أعرف لماذا أعدتني إلى الحياة، لكنني أريد رؤيتهم مجددًا.
انخفض صوته حتى أصبح أشبه بالهمس.
— أريد العودة إليهم... فقط.
بعد فترة طويلة، عاد ويليام إلى الشقة، كان قد تخلص من درعه في الزقاق، كان يرتدي قميص ابيض خفيف ذو اكمام طويلة وبنطال اسود.
صعد الدرج المتهالك بحذر، وكانت ألواح الخشب تصدر أنينًا خافتًا تحت قدميه. وصل إلى الباب الخشبي ودفعه ببطء، ثم دخل دون أن يصدر صوتًا.
وجد إليانور جالسة على كرسي أمام منضدة صغيرة، وقد أسندت رأسها إلى ذراعيها فوق المنضدة وغلبها النوم. كان وجهها لا يزال يحمل آثار البكاء، وشعرها مبعثرًا حول وجهها.
توقف ويليام عند الباب للحظات.
نظر إليها، لكنه لم يقل شيئًا.
ولسبب لم يفهمه، تذكر وجهها عندما كان يمسك بعنقها، والخوف الذي ظهر في عينيها، ثم تذكر أنها كانت تبكي قبل أن يصل إليها أصلًا. لم يكن يعرف عنها شيئًا، ومع ذلك بدا له أن هذه الفتاة تحمل من الهموم أكثر مما يستطيع فهمه.
أبعد نظره عنها.
لم يفعل شيئًا، واستدار بهدوء وخرج من الشقة، ثم نزل الدرج من جديد.
في الجهة الخلفية من المبنى، وجد سلمًا حديديًا عموديًا مثبتًا في الجدار، يقود إلى السطح. أمسك بالقضبان وصعد حتى وصل إلى الأعلى.
كان الليل هادئًا، والمدينة تمتد تحته بأضوائها الغريبة، بينما ارتفع القمر المكتمل في السماء، واضحًا وسط الظلام.
جلس ويليام على حافة السطح، وأسند ذراعيه إلى ركبتيه، وظل يتأمل القمر في صمت.
مد يده إلى صدره، وتحسس الصليب المعدني الصغير الذي أعطته له ماتيلدا.
أخرجه من تحت قميصه، وتركه يستقر بين أصابعه، يتأمل سطحه البارد تحت ضوء القمر.
رفع الصليب إلى شفتيه وقبّله برفق، ثم أعاده إلى صدره وضم قبضته حوله.
ظل هكذا وقتًا طويلًا، يتأمل القمر ويتساءل عن عائلته، وعن المملكة التي تركها خلفه، وعن العالم الغريب الذي وجد نفسه فيه، وحتى عن الفتاة التي أصبحت حياته مرتبطة بها رغمًا عنه.
لم يكن يعرف كم سيبقى في هذا العالم، ولا إن كان سيجد طريقًا للعودة إلى عائلته، لكنه في تلك الليلة لم يكن يريد سوى أن يبقى قريبًا من آخر شيء يربطه بالحياة التي فقدها.
أما إليانور، فلم يكن يعرف بعد أنها ستكون جزءًا من تلك الحياة الجديدة، سواء أراد ذلك أم لم يرد.
كان لارس لا يزال غارقًا في صفحات المذكرة، حتى إنه لم يعد يشعر بمرور الوقت. كان يتابع حياة ويليام وكأنه يقف إلى جواره، حتى قطع اندماجه صوت خافت من خارج الغرفة.
خطوات.
رفع لارس رأسه.
توقفت يده فوق الصفحة، وأصغى باهتمام.
خطوة أخرى.
ثم أخرى.
اقترب الصوت من الغرفة ببطء.
اتسعت عينا لارس، وأغلق المذكرة بسرعة، ثم أعادها إلى مكانها فوق المكتب. حاول أن يعيد كل شيء إلى موضعه كما كان، لكنه أسقط أحد الأقلام من شدة ارتباكه.
تجمد.
نظر إلى القلم على الأرض، ثم إلى الباب.
كانت الخطوات تقترب.
انحنى بسرعة والتقطه، وأعاده إلى مكانه، ثم مسح بيده على سطح المكتب وكأنه يحاول محو أي أثر لوجوده.
وصلت الخطوات إلى الممر.
لم يعد أمامه وقت.
اتجه إلى النافذة وفتحها، لكن صوت مقبض الباب وهو يتحرك جعله يلتفت.
بدأ الباب ينفتح.
اندفع لارس نحو النافذة، ووضع قدمه على حافتها وقفز إلى الخارج في اللحظة التي انفتح فيها الباب.
هبط على العشب و ختبأ تحت النافذة مباشرة.
خلفه، بقي باب الغرفة مفتوحًا.
دخل جده ببطء، ونظر إلى الغرفة دون أن يلاحظ شيئًا في البداية.
ثم توقف.
كانت النافذة مفتوحة.
اقترب منها ونظر إلى الخارج.
أما لارس، فكان يضع يده على فمه حتى لا يصدر صوتًا، وقلبه يخفق بعنف.
ظل جده واقفًا عند النافذة لثوانٍ، ثم أغلقها بهدوء.
انتظر لارس حتى ابتعدت خطواته، وبعدها فقط أخرج نفسًا طويلًا كان يحبسُه منذ لحظة قفزه.
رفع عينيه نحو النافذة.
لم يكن يعرف إن كان جده قد لاحظ شيئًا أم لا.
لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا.
لو تأخر لثانية واحدة فقط، لكان قد أُمسك به.
في صباح اليوم التالي، دخل توني غرفة لارس بهدوء.
كان لارس غارقًا في النوم في غرفته، ملتفًا تحت غطائه، غير مدرك لما يدور حوله. اقترب منه توني ومد يده ليوقظه برفق.
— لارس... استيقظ.
تحرك لارس بتثاقل، ثم فتح عينيه بصعوبة وفركهما بيديه.
— ماذا هناك يا جدي؟
لم يجبه توني مباشرة. كان يحمل شيئًا بين يديه.
وضع المذكرة أمامه.
اتسعت عينا لارس فورًا، واستيقظ تمامًا.
— ما هذا يا جدي؟
ابتسم توني ابتسامة هادئة.
— أنت تعرف أنني أعرف أنك قرأت الكتاب.
تجمد لارس في مكانه.
نظر إلى المذكرة، ثم إلى جده، ولم يعرف ماذا يقول.
— والآن... هي لك.
رمش لارس بدهشة.
— بهذه البساطة؟
ضحك توني بخفة.
— نعم، بهذه البساطة. بل يجب عليّ أن أفعل ذلك.
جلس على طرف السرير، ثم نظر إلى حفيده.
— والدك لم يكن مهتمًا بقراءة مذكرة أسلافه، كل ما يريده هو الحفاظ على عائلته والاهتمام بكم. وأخوتك أيضًا... لم يهتم أحد منهم بالقراءة.
نظر لارس إلى المذكرة في صمت.
تابع توني:
— أما أنت، فعلى الرغم من أنك ما زلت مراهقًا، فإنك دائمًا ما تتسلل إلى غرفتي، وتأخذ أحد كتبي دون إذن، ثم تختبئ في مكان ما وتقرأه.
رفع لارس حاجبيه.
— أوه... لقد لاحظت ذلك أيضًا؟
انفجر توني بضحكة قصيرة.
— بالطبع لاحظت. كنت أعرف كل مرة تسرق فيه كتاب من الرفوف.
ثم هدأت ابتسامته قليلًا، وأصبح صوته أكثر جدية.
— لكنني كنت سعيدًا بذلك. لطالما كنت أخشى أن تدفن مذكرة العائلة وتنتهي معي للابد. لذلك قررت أن أورثك إياها الآن.
مد توني المذكرة إليه.
تردد لارس لحظة، ثم مد يديه وأخذها منه بحذر، وكأن الكتاب أصبح فجأة أثقل بكثير مما كان عليه في الليلة الماضية.
مرر أصابعه فوق غلافه الجلدي القديم.
ثم رفع عينيه إلى جده.
— سؤال واحد يا جدي.
— اسأل.
رفع لارس المذكرة قليلًا.
— كيف يمكن لهذا الكتاب الصغير أن يحتوي كل هذه الكم من ذكريات اجدادي الاولين؟ ومع ذلك ما زال بداخله المزيد من الفراغ. لا يبدو هذا منطقيًا.
نظر توني إلى الكتاب للحظات، ثم أجاب ببساطة:
— لأنه كتاب سحري.
تجمد لارس.
— ماذا؟
نهض توني من مكانه واتجه نحو الباب.
— السحر كان موجود يا فتى .
— كيف ذلك؟ السحر مجرد أسطورة.
توقف توني عند الباب، لكنه لم يلتفت إليه.
— ستعرف حقيقة السحر عندما تقرأ المذكرة.
ثم خرج من الغرفة، وأغلق الباب خلفه بهدوء.
بقي لارس جالسًا على سريره وحده.
نظر إلى الباب، ثم إلى المذكرة بين يديه.
قبل دقائق فقط، كان يظن أنه اكتشف سرًا عائليًا غريبًا.
أما الآن، فقد أصبح أمام احتمال أكبر بكثير.
1 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.