مذكرة
تسلّل فتى مراهق إلى غرفة جدّه الغائب بخطوات حذرة، يتلفّت حوله بين لحظة وأخرى، وكأن الجدران نفسها قد تفضحه.
كان الفتى دائما ما يتسلل للغرفة لاخذ كتاب لكي يقرئه من رف الكتب.
ما إن وطئت قدماه الداخل حتى استقبلته رائحة عتيقة، مزيج من الورق القديم والحبر الجاف . كان الرف يمتد على طول الجدار، مكتظ بكتب كثيرة، مصطفّة بعناية شديدة، حتى إن منظرها وحده كان يبعث في النفس شيئًا من الهيبة.
وفي أحد أركان الغرفة، إلى جوار تلك الرفوف، استقرت منضدة خشبية صغيرة. كان فوقها كرسي ، وعلى سطحها تناثرت أدوات كتابة؛ ريشٌ دقيقة، وقوارير حبر داكن، وأوراق تراكمت فوق بعضها.
لكن شيئًا واحدًا استحوذ على انتباه الفتى منذ اللحظة الأولى.
كتاب متوسط الحجم، يستقر في منتصف المنضدة تمامًا.
كان غلافه من جلد داكن أكلت أطرافه السنوات، وعلى سطحه نُقشت كلمة واحدة بحروف بارزة وواضحة:
مذكرة.
اقترب الفتى ببطء، ثم جلس على الكرسي .
التفت نحو الباب بسرعة، وظلّ ساكنًا لثوانٍ، يصغي إلى الصمت خلفه.
لم يسمع شيئًا.
عاد بنظره إلى الكتاب، وارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة امتزج فيها التردد بالحماس.
مدّ يده، وتوقفت أصابعه فوق الغلاف لحظة، قبل أن يلمسه أخيرًا.
كان الجلد باردًا.
فتح الكتاب.
وفي اللحظة التالية، اتسعت عيناه بدهشة.
صفحة... ثم أخرى... ثم أخرى.
كان الكتاب ممتلئًا بعدد هائل من الصفحات، أكثر بكثير مما يمكن لكتاب بهذا الحجم أن يحتويه. ومع ذلك، لم يكن ذلك أغرب ما فيه.
فالصفحات لم تنتهِ.
كلما قلب واحدة، ظهرت خلفها أخرى، ثم أخرى، ثم أخرى، وكأن الكتاب يخفي في جوفه عددًا لا نهائيًا من الأوراق.
كانت الكتابة تغطي معظمها بخط يد متناسق، داكن وواضح، يحمل في انحناءاته أثر يدٍ بشرية حقيقية، وكأن صاحبها لم يكتب تلك الكلمات منذ زمن بعيد... بل انتهى من كتابتها بالأمس.
ظلّ الفتى يقلب الصفحات دون أن يشعر بمرور الوقت.
ثم توقفت أصابعه عند إحدى الصفحات الأولى.
رفعها قليلًا، وحدّق في السطور المكتوبة في أعلاها.
لم يفهم في البداية سبب شعوره الغريب تجاهها.
لكن شيئًا ما في تلك الكلمات جعله يتوقف عن التنفس لوهلة.
قرأ السطر الأول.
وفي تلك اللحظة، بدأ فضوله يتحول إلى شيء آخر تمامًا.
السنة 986 — المكان: مملكة آثك
اليوم هو يوم المعركة.
انتهت المفاوضات على نحو أسوأ مما توقعت، ولم يعد هناك مجال للكلمات أو محاولات التفاهم. منذ ساعات، بدأت جيوش مملكة كتار بالتحرك نحونا، جموع هائلة من الجنود والسلاح، وكأن الحرب كانت تنتظر خلف الأبواب منذ البداية.
أما أنا، فقد أمضيت ما تبقى من وقتي أودّع عائلتي.
كان الوداع أصعب مما أحب أن أعترف به.
ودّعت زوجتي ماتيلدا، المرأة التي أحبها من أعماق قلبي، والتي لطالما بادلتني الحب نفسه. لكنها، رغم حبها لي، لم تستطع يومًا أن تحب عملي قائدًا للجيش.
لا ألومها.
في كل مرة أرتدي فيها درعي وأستعد للخروج، أرى الخوف في عينيها. تحاول إخفاءه، لكنها لا تجيد ذلك معي. تعرف أنني قد أعود إليها، وتعرف أيضًا أنني قد لا أفعل.
ومع ذلك، في كل مرة أتركها، أعدها بالعودة.
اليوم فعلت الشيء نفسه.
ثم ودّعت ابنتي الكبرى، جينيفير.
ما زالت صغيرة، لكنها تملك عقلًا يفوق عمرها بكثير. ذكية، لطيفة، وهادئة في معظم الأحيان... إلا عندما يتعلق الأمر بأخيها الصغير.
جينيفير تصبح شخصًا آخر حين يكون أرنولد هو الخطر.
أما أرنولد...
ذلك المشاغب الصغير.
لا أدري من أين ورث كل تلك الطاقة، لكنه يستطيع أن يملأ المنزل ضجيجًا في دقائق قليلة. والأغرب أنه، رغم كونه أصغر من جينيفير، يبدو وكأن لديه ضعف طاقتها.
رأيتهما آخر مرة قبل أن أغادر.
جينيفير تحاول أن تبدو قوية.
وأرنولد... يريد ان يأتي معي ، انا اضحك رغم الم الفراق.
والآن أنا هنا.
أكتب هذه الكلمات قبل أن أتوجه إلى ساحة المعركة.
لا أعرف ماذا ينتظرني هناك.
لكنني أعرف شيئًا واحدًا...
لقد وعدت ماتيلدا أن أعود.
وسأفعل كل ما أستطيع لأفي بوعدي.
بعد يوم كامل من المسير، بدأت ملامح أرض المعركة تلوح في الأفق.
امتدت السهول أمام جيش آثك بلا نهاية واضحة؛ أرض واسعة يغطيها العشب الجاف، تتخلله بقع من التراب القاسي الذي كانت الرياح تثيره في الهواء. وعلى الطرف الآخر من السهل، رفرفت رايات مملكة كتار فوق جيشها المحتشد، آلاف الجنود مصطفّين في صفوف منظمة، وقد انعكس ضوء الشمس على دروعهم ورماحهم.
أوقف ويليام حصانه.
ظل للحظات يحدق في الجيش المقابل بصمت، ثم التفت إلى أحد الضباط.
— أبلغ الجنود أن يتوقفوا هنا.
أدى الضابط التحية وانطلق لتنفيذ الأمر، وسرعان ما أخذت أوامر التوقف تنتشر بين صفوف الجيش، حتى خفتت حركة الجنود شيئًا فشيئًا.
ألقى ويليام نظرة أخرى نحو جيش كتار.
ثم قال:
— سأذهب للتحدث مع قائدهم.
نظر إليه الضابط باستغراب.
— وحدك؟
رفع ويليام عينيه إليه.
— وحدي.
اندفع ويليام مع حصانهإلى الأمام.
تحرك ببطء نحو منتصف الميدان، فيما بقي جيشه خلفه ساكنًا يراقبه. لم يمض وقت طويل حتى تحرك فارس من بين صفوف جيش كتار، واتجه بدوره نحوه.
استمر الرجلان في التقدم حتى التقيا في منتصف المسافة بين الجيشين.
كان قائد كتار رجلًا في منتصف العمر، يرتدي درعًا داكنًا تعلوه آثار السفر والغبار، وعلى كتفه عباءة تحمل شعار مملكته.
وحين رأى ويليام وجهه، ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة.
ابتسم ويليام بدوره.
— مرحبًا يا صديقي القديم.
ضحك الرجل ضحكة قصيرة.
— صديق الأمس... عدو اليوم.
ضحك الاثنان للحظة.
لكن الضحكة سرعان ما تلاشت.
تغيرت ملامح ويليام، وحدق في الرجل أمامه بحزن.
— بحقك يا راي... نحن صديقان منذ نعومة أظافرنا. عشت في آثك سنوات طويلة. تعرف أهلها، وتعرفني، وتعرف أن هذه الحرب لا معنى لها. فلماذا علينا أن نقاتل بعضنا؟
تنهد راي، وانخفضت ابتسامته.
— أعلم يا ويليام. صدقني... أعلم.
صمت قليلًا، وكأن الكلمات التالية أثقل من أن ينطق بها، ثم تابع:
— لكن الملك رفض جميع محاولات التفاوض. يريد الانتقام لمقتل ابنته.
قطب ويليام حاجبيه.
— ابنته كانت يجب ان تتزوج من ابن ملك آثك لتوحيد مملكتينا.
— كنا قريبين جدا لنكون امة واحدة .
— لكن الغبي قتل ابنة ملك كتار لاسباب تافهة.
هز راي رأسه ببطء.
— ولهذا السبب تحديدًا لن يتراجع الملك.
— ذلك المجنون اللعين.
ساد الصمت بينهما.
كانت الجيوش خلفهما تنتظر.
آلاف الرجال يقفون على أهبة الاستعداد، ولا يفصل بينهم سوى هذا السهل الممتد تحت شمس النهار.
ألقى ويليام نظرة خلفه، ثم نظر إلى راي.
— إذن اسحب جيشك.
رفع راي حاجبه.
— ماذا؟
— أنت القائد العام لجيش كتار، وأنا القائد العام لجيش آثك. نستطيع إنهاء الأمر هنا.
ظل راي يحدق فيه للحظات.
— أنت لا تعرف ملكنا, مقدار غضبه. ابنته الوحيدة قُتلت، وهو يرى أن دمها لن يهدأ إلا بدم من قتلها... وربما بدم المملكة بأكملها.
صمت ويليام.
تابع راي:
— إذا أمرت الجيش بالانسحاب، فسأُتهم بالخيانة قبل أن أصل إلى القصر. وربما لا أصل إليه أصلًا.
خفض ويليام عينيه.
ظل صامتًا لثوانٍ، وكأنه يبحث عن مخرج أخير لم يجده.
ثم رفع رأسه.
— إذن لا سبيل إلى ذلك؟
نظر راي إليه.
— لا سبيل.
ساد الصمت مرة أخرى.
هذه المرة كان أثقل.
كان كل منهما يعرف ما سيحدث بعد دقائق، ومع ذلك لم يكن أي منهما يريد أن يكون أول من يغادر.
وأخيرًا، قال راي بصوت خافت:
— أنا آسف يا صديقي.
ظهرت على وجه ويليام ابتسامة حزينة.
— لا بأس.
ثم أضاف:
— معك حق... ما باليد حيلة.
أومأ راي ببطء.
لم يكن هناك شيء آخر يمكن قوله.
استدار ويليام بحصانه، وبدأ العودة نحو جيش آثك.
وفي الجهة المقابلة، استدار راي وعاد إلى صفوف كتار.
لم يتبادلا كلمة أخرى.
وبعد دقائق قليلة، ارتفعت الرايات فوق الجيشين.
تقدمت الصفوف.
وتعالت أصوات الجنود والأسلحة فوق السهل.
وفي تلك اللحظة...
انتهت آخر محاولة للسلام.
انطلقت صيحة الحرب.
وفي اللحظة التالية، اندفع الجيشان نحو بعضهما.
اصطدمت الصفوف الأولى بعنف، وتداخلت الرايات والسيوف والدروع في فوضى عارمة. دوّى صليل الحديد في أرجاء السهل، وتعالت صرخات الجنود من كل جانب.
ثم انهمرت السهام من السماء.
اخترقت الدروع والأجساد، وسقط الرجال واحدًا تلو الآخر، بينما واصل الآخرون التقدم فوق الأرض التي بدأت تتشبع بالدماء.
كان ويليام في قلب المعركة.
تحرك بخبرة رجل أمضى سنوات طويلة في ساحات القتال. صد ضربة، ثم رد بأخرى، وأسقط جنديًا أمامه قبل أن يندفع نحوه اثنان آخران.
لم يتوقف.
في المعركة، لم يكن هناك وقت للخوف.
ولا للتردد.
ولا للتفكير.
كان عليه أن يقاتل.
وفي الجانب الآخر من الميدان، كان راي يفعل الشيء نفسه.
كان يقاتل كما عرفه ويليام دائمًا؛ ثابتًا، سريعًا، ودقيقًا.
وكلاهما لم يكن يريد أن يموت.
وكلاهما لم يكن يريد قتل الآخر.
لكن الحرب لم تكن تهتم بما يريدانه.
مر الوقت.
دقائق، وربما ساعات.
لم يعد أي منهما يعرف.
ثم، وسط آلاف الجنود المتقاتلين، وجد ويليام نفسه أمام راي.
توقفت يداه.
وتوقف راي في اللحظة نفسها.
ساد بينهما صمت غريب، رغم الضجيج الهائل المحيط بهما.
نظر ويليام إلى صديقه.
ونظر راي إليه.
لم يحتج أي منهما إلى الكلام.
كان كل شيء واضحًا.
رفع ويليام سيفه.
وفعل راي الشيء نفسه.
ثم اندفعا.
اصطدم السيفان.
تراجعا.
ثم اصطدما من جديد.
ضربة.
صدّ.
ضربة أخرى.
لم يتبادلا كلمة واحدة.
كانت أيديهما تتحرك وحدها، كأن سنوات التدريب قد انتزعت منهما القدرة على التفكير.
كل ضربة كانت تحمل شيئًا من الماضي.
كل صدّة كانت تؤجل النهاية لحظة أخرى.
لكن النهاية جاءت.
رأى ويليام ثغرة صغيرة.
لم يتردد.
اندفع بسيفه.
واخترق النصل بطن راي.
توقفت الحركة.
اتسعت عينا راي.
وتجمد ويليام في مكانه.
ظل السيف مغروسًا في جسد صديقه.
للحظة، لم يستطع ويليام أن يفعل شيئًا.
ثم تهاوى راي.
أمسكه ويليام قبل أن يسقط، واحتضنه بقوة.
سال الدم فوق درعه، وتسرب بين ذراعيه.
ارتجف صوت ويليام.
— أنا آسف يا صديقي...
ضمّه إليه أكثر.
— لم أرد ذلك.
حاول راي أن يتنفس.
لم يستطع.
رفع عينيه إلى ويليام.
وللمرة الأخيرة، لم يكن فيهما غضب.
ولا كراهية.
فقط حزن هادئ.
ثم ارتخى جسده.
ظل ويليام ممسكًا به.
وسط كل ذلك الضجيج، لم يسمع للحظة سوى أنفاسه.
ثم...
شعر بشيء يخترق عنقه.
تجمد.
اتسعت عيناه.
أنزل نظره ببطء.
كان ريش سهم يبرز من خلف رقبته.
رفع يده إليها، ولمس السهم بأصابع مرتجفة.
اختفت أصوات المعركة من حوله شيئًا فشيئًا.
لم يعد يسمع صليل السيوف.
ولا صرخات الجنود.
ولا وقع الخيول.
فقط طنين خافت في أذنيه.
ثم شعر بالدفء ينساب بين أصابعه.
رفع عينيه نحو السماء.
وفي تلك اللحظة، لم يفكر في الحرب.
لم يفكر في آثك.
ولا في كتار.
ولا في راي.
تذكر ماتيلدا.
وجهها.
عينيها وهي تودعه.
ثم تذكر جينيفير.
وأرنولد.
الوعد الذي قطعه لهم قبل أن يغادر.
سأعود.
ترنح جسده.
ثم انهار إلى الأمام.
استقرت جثته على الأرض بجانب جثة صديقه راي .
وبينما استمرت الجيوش في القتال من حوله...
مات ويليام دا سيلفا.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!