|2| الفصلُ الثاني .
عندما فتحت باب العمارة لم يكن ثمة شيء قد تغيّر الشوارع هي ذاتها والمباني هي ذاتها وكل شيء بدا كما عهدته دائمًا
ومع ذلك كان ثمة شيء مختلف في الأجواء
اصطفت السيارات بعشوائية على جانبي الشوارع واعتلى بعضها الأرصفة المحاذية للمباني فيما انشغل أُناس بالخروج من منازلهم حاملين حقائب سفر كبيرة يكدسونها في سياراتهم على عجل كانت ملامح الخوف بادية على وجوههم الشاحبة وأيديهم تتحرك باضطراب وهم يحاولون حشر ما استطاعوا حمله من أمتعة
لم أكن أفضل حالا منهم بل لعل وضعي كان أسوء
فعلى الأقل كان أولئك يعرفون ما ينبغي عليهم فعله ربما كانت لديهم وجهة يقصدونها أو أشخاص يلجؤون إليهم وعائلات يجتمعون حولها
أما أنا فلم أكن أعرف شيئا كنت أقف وسط كل هذه الفوضى أحاول استيعاب ما يحدث وكأنني أراقب مشهدا لا يمت إلي بصلة مع أنني كنت واحدة من أولئك الذين انقلبت حياتهم رأسًا على عقب...
كان جسدي يرتجف لم أكن أعرف إن كان السبب هو البرد، أم الخوف؟ أم كليهما معًا كل ما أحمله معي حقيبة صغيرة تحتوي على أوراقي المهمة لا أكثر...
بدأ الندم يتسلل إلي فور استيعابي لحجم ما فعلته لم أحضر ملابس ولا طعاما ولا حتى بعض الأشياء الضرورية التي قد أحتاج إليها خلال الأيام المقبلة
كانت لدي رغبة ملحة في العودة إلى شقتي والصعود إلى غرفتي وجمع كل ما يمكن أن تقع عليه يداي لكن فكرة العودة وحدها كانت كافية لتجعل أطرافي ترتعش أكثر
كنت خائفة
خائفة إلى الحد الذي لم أعد معه قادرة على التفكير بصورة سليمة... ارتجفت من الخارج والداخل وشعرت بأن الدموع تتجمع خلف جفوني
كان كتفي الأيسر كذلك يؤلمني قليلا من ثقل آدم الذي كدت أنسى وجوده بسبب صمته الشديد؛ كان مستندا إلي دون حراك
تمنيت ألا يستيقظ في هذه اللحظة
لم أكن أملك الطاقة الكافية للتعامل مع مخاوفه ولا أعرف كيف سأشرح لطفل في الخامسة من عمره أن العالم الذي يعرفه لم يعد آمنا ... لم يكن كذلك قط !
التفتّ نحو سيارتي ثم فتحت باب المقعد الخلفي واجلسته في كرسيه المخصص للأطفال ثبت حزام الأمان حوله بعناية وتأكدت من أنه في مكانه الصحيح قبل أن أغلق الباب برفق وأتجه إلى مقعد السائق
فتحت الباب وجلست خلف المقود وما إن أغلقت الباب حتى شعرت بشيء من الدفء يحيط بي كان ذلك الشعور ضئيلا لكنه منحني لحظة قصيرة من الراحة وسط الفوضى التي تحيط بي أغمضت عيني لثانية وأخذت نفسًا عميقًا محاوِلة جمع شتات نفسي قبل أن أبدأ رحلتي
ثم أمسكت هاتفي وضغطت على أيقونة جهات الاتصال أخذت أتنقل بين الأسماء بعينين متوترتينِ حتى وجدت الاسم الذي أبحث عنه
'ناديا'
ضغطت على زر الاتصال ووضعت الهاتف على أذني أنتظر
رنة
أخرى
وثالثة
وكلما طال الانتظار شعرت بأن قلبي يزداد انقباضًا إلى أن جاءني صوتها أخيرا
«ناديا»
سبقتها أنا بالكلام أناديها
"لِيارا أنتِ بخير؟"
هل أنا كذلك ؟
ابتلعت ريقي ثم قلت بسرعة قبل أن أفقد شجاعتي
"غادرت الشقة للتو بعدما سمعت بالخبر ولا أعرف ما الذي ينبغي علي فعله !...هل آتي إليك ثم نغادر معا إلى..؟"
لم أكمل جملتي إذ قاطعتني على عجل
"آسفة يا عزيزتي لكنني غادرت بالفعل مع عائلتي منذ قليل"
تفرقت شفتاي من الصدمة وبقيت أحدق أمامي دون أن أستوعب ما سمعته في اللحظة الأولى..
لقد غادرت...
مع عائلتها...
تسللت الخيبة إلى صدري ببطء حتى شعرت بها تستقر في مكان ما داخلي كنت أعتبرها صديقة ...أو ربما أردت تصديق أنها كذلك؟ لم أكن أعرف كيف تراني هي ولا إن كنت أعني لها شيئا يتجاوز الأحاديث العابرة التي اعتدنا تبادلها... لكن لا بأس لم تكن تلك معضلة كبيرة أليس كذلك؟
كان بإمكاني تقبل الأمر
كان بإمكاني إقناع نفسي بأن لها الحق في ذلك
لكن كلمة "عائلتي" حين نطقت بها بتلك الطريقة بدت لي وكأنها تختصر كل ما كنت أفتقده
'العائلة'
شعرت وكأن سكينا حادة غرست في صدري لا بسبب ما فعلته ناديا بل بسبب ما ذكرتني به دون أن تقصد
لم أكن أملك عائلة أعود إليها
ولم يكن لدي أحد أستطيع الاتصال به والقول ببساطة أنا خائفة تعال وخذني معك
ربما بقيت صامتة مدة أطول مما ينبغي لأنني لم أسمعها تناديني مجددا ولم تحاول حتى التأكد من أنني ما زلت على الطرف الآخر وبعد لحظات انقطع الاتصال
أنزلت الهاتف عن أذني وحدقت في الشاشة
لقد أغلقت الخط
لم أستطع لومَها ومع ذلك شعرت بالمرارة
ربما كنت أنا من يبالغ في الأمر ربما أحببت تقمّص دور الضحية والاعتقاد بأن العالم بأسره قد تخلى عني...
لم أجرؤ على الاتصال بشخص آخر من دائرة معارفي الصغيرة، لم أكن أريد سماع اعتذار جديد ولا أن أجد نفسي مضطرة إلى تبرير حاجتي للمساعدة... كان لديّ شعور دائم بأنني عبء على الآخرين حتى حين لا أفعل شيئا سوى التحدث إليهم
ولم أكن مستعدة لاختبار ذلك الشعور مجددا في يوم كهذا
أعدت الهاتف إلى مكانه ثم ألقيت نظرة على الطريق أمامي
لم يكن بإمكاني اتباع إحدى السيارات التي بدأت تغادر تباعًا لأنني لم أكن أعرف إلى أين تتجه كل ما سمعته من السيدة العجوز هو أن معظم الناس يحاولون الوصول إلى الحدود البولندية وأن مدينة لفيف تعد إحدى الوجهات التي يمكن الوصول منها إلى المعابر
لفيف
كررت الاسم في رأسي، ثم فتحت تطبيق الخرائط على هاتفي
كانت المسافة والمدة المقدرتان تظهرانِ على الشاشة بوضوح؛ ست ساعات من القيادة المتواصلة في الظروف العادية على الأقل
مسحت جبيني بيدي وضغطت عليه بقوة محاولة تهدئة الصداع الذي بدأ يتسلل إلي ثم أدرت المفتاح وشغلت السيارة، أدخلت وجهة الرحلة في التطبيق قبل أن أتحرك غربًا وفقا للتعليمات التي ظهرت أمامي
لم أكن أعرف إلى متى سأظل أسير على هذا النحو ولا إن كنت سأصل فعلًا إلى وجهتي..
ربما ينفد الوقود قبل أن أقطعَ نصف المسافة أو ربما سأضطر إلى التوقف في مكان مجهول لا أعرف فيه أحدا و أواجه مصيري
لكن لم يكن لدي خيار أفضل
لم أستطع البقاء في الشقة جالسة بين الجدران، ولم أستطع أيضًا الوقوف في مكاني ومراقبة الجميع وهم يغادرون بينما أبقى أنا وحدي عاجزة عن اتخاذ قرار واحد
لذا قدت السيارة
كان الطريق مزدحما إلى حد لم أتوقعه تحركت السيارات ببطء شديد تتقدم أمتارا قليلة ثم تتوقف ..
كان ذهني يتنقل بين عشرات الاحتمالات وكلما حاولت التركيز على أحدها قفزت إلى آخر قبل أن أتمكن من إيجاد إجابة كيف سأدبّر أمر الطعام والشراب ماذا سأفعل إذا احتجت إلى التوقف هل سأجد مكانا آمنا لنقضي فيه الليل وماذا لو احتجت إلى شيء يخص آدم ولم يكن بحوزتي؟
لو كنت وحدي لربما استطعت تحمل الجوع والعطش والتعب حتى أجد حلا ما كنت سأدبر أمري بطريقة أو بأخرى مهما كانت الظروف
لكنني لم أكن وحدي
زفرت باضطراب محاولة استعادة السيطرة على أفكاري وحين ظننت أن الأمور لا يمكن أن تزداد سوءًا حدث ما جعلني أغير رأيي
"اللعنة"
خرجت الكلمة من فمي بسخط وأنا أحدق في مؤشر الوقود
كان منخفضًا أكثر مما توقعت ولم يكن ذلك مطمئنًا على الإطلاق
فتحت عينيّ على اتساعهما قليلا ثم ألقيت نظرة سريعة على خريطة الطريق كانت هناك محطة وقود قريبة نسبيا لكن كلمة "قريبة" فقدت معناها في ظل هذا الازدحام
بدأت أعد الثواني والدقائق في رأسي أراقب السيارات أمامي وهي تتحرك ببطء وأحاول تقدير المسافة التي تفصلني عن المحطة
وفي خضم انشغالي لم أنتبه إلى آدم الذي بدأ يتململ في مقعده الخلفي مستيقظا من نومه
لم أدرك ذلك إلا حين رأيت حركته في المرآة الأمامية
كان ينظر حوله بهدوء أولا نحوي ثم نحو النافذة المجاورة له بعد ذلك أنزل بصره إلى حزام الأمان الذي يحيط بجسده وبدأ يتحسس أطرافه بأصابعه
"آدم؟"
ناديته وأنا أراقبه من المرآة لكنه لم يجبني
واصل تمرير أصابعه على سترته يفرك قطعة القماش بالحركة نفسها مرارا وتكرارا وكأنها الشيء الوحيد الذي يستطيع التركيز عليه وسط هذا المكان الغريب
"استيقظت؟"
رفع عينيه نحوي لثانية واحدة ثم أشاح بوجهه وعاد إلى النظر في الفراغ... لم يقل شيئا واستمر في فرك سترته
"بيتي..."
توقفت أصابعي عن الحركة فوق المقود لثانية
كان ينظر إلى النافذة لا إلي وهو يكرر الكلمة بصوت طفولي هادئ
البيت
شعرت بانقباض في صدري ولم أعرف بما أجيبه
"أجل... سنعود قريبا"
ما الذي قلتهُ للتو؟ أنا أساسا لا أعرف هل سنعود لحياتنا السابقة أم لا..
أقصد نحن ذاهبون إلى مكان ما الآن وبعدها" سنعود إلى البيت أجل سنعود"
رمشت عدة مرات وأنا أنطق الجملة أحاول أن أجعل صوتي يبدو طبيعيا ثم ألقيت نظرة عليه من المرآة
لم يُبدِ أي رد فعل
ظل جالسا في مكانه ينظر إلى الفراغ وكأن كلماتي لم تصل إليه أصلا... لم أعرف إن كان علي الاطمئنان إلى هدوئه أم القلق منه...
وبعد فترة قصيرة فاجأني صوته مجددًا
"بطانيتي"
شعرت بالذنب يعتصر صدري
بطانيته..
كانت في غرفته في المنزل الذي غادرناه دون أن أحمل معي شيئـا تقريبـا... لم أفكر في بطانيته ولا في ألعابه ولا في الأشياء الصغيرة التي تمنحه السعادة
لم أحضر له شيئا
"ليارا"
كان يناديني باسمي دائمـا لم أسمع منه كلمة «ماما» قط مهما حاولت تعويده عليها ،ولم أكن أعرف إن كان ذلك سيتغير يومًا
همهمت له إشارة إلى أنني أسمعه
"أريد البيت"
أغمضت عيني للحظة ثم فتحتهما مجددا أحاول منع نفسي من الانهيار
"أنا أيضا.."
خرجت الإجابة مني بصوت خافت
ولم أكن أكذب
كنت أريد العودة إلى البيت مثله إلى تلك الجدران التي كنت أشتكي منها أحيانا وإلى الأشياء التي لم أكن أقدر وجودها...
لم أعد أشعر بالدقائق كما كنت أشعر بها في البداية ولم أعد أجرؤ على النظر إلى الساعة لأنني كنت أعرف أن كل ثانية تمر ستزيد من توتري
كنت أقف في صف طويل أمام محطة الوقود وقد اصطفت أمامي عشرات السيارات كانت إحداها تتحرك أخيرا بعد انتظار طويل ثم تتقدم أخرى إلى المضخة وتبدأ عملية التزود بالوقود التي بدت وكأنها تستغرق دهرا كاملا
حين اقترب دوري وبينما كان الشخص الذي يسبقني يملأ خزان سيارته أدركت أنه سيستغرق وقتًا أطول من المعتاد مثلما حدث مع جميع الذين سبقوه
استغليت الفرصة وفككت حزام الأمان عن جسدي
"آدم إبقَ هنا سوف أعود فوراً"
لم يجبني ولم أكن أتوقع منه أن يفعل
فتحت الباب ثم نزلت وأغلقته وتأكدت من أن الأبواب مغلقة بإحكام قبل أن أركض نحو متجر البقالة التابع للمحطة
دفعت الباب الزجاجي فصدر عنه رنين الجرس المعتاد ..
تقدمت بسرعة والتقطت قنينتين من الماء ثم توقفت لحظة وأنا أتأملهما، لم تكونا كافيتين بالطبع أعدت النظر إلى الرف وأضفت أربع قنينات أخرى إلى السلة
بعدها بدأت ألتقط المعلبات بصورة عشوائية دون أن أكلف نفسي عناء قراءة محتوياتها وضعت بعضها في السلة ثم اتجهت نحو رف الخبز حيث لم يتبقَّ سوى قطعتين تقريبا... أخذتهما كلتيهما وأضفت إليهما بعض البسكويت والعصائر وأي شيء آخر وقعت عليه عيناي واعتقدت أنه قد ينفعنا
حملت السلة واتجهت إلى المحاسب الذي أخذ يفحص الأغراض واحدا تلو الآخر ثم أخبرني بالمبلغ المطلوب؛ أخرجت النقود من حقيبتي وعددتها بسرعة ثم دفعتها إليه وتسلّمت الإيصال والأغراض
لم أفهم لماذا أعطاني الإيصال أصلا..؟ هل كان يتوقع أن أعود مثلا؟
كدت أضحك من الفكرة لكنني اكتفيت بزفرة ضجر وحملت الأكياس متجهة إلى السيارة
كان الشخص الذي يقف في المقدمة قد غادر لتوه وهذا يعني أن دوري اقترب أخيرًا
جيد...
فتحت باب السيارة وجلست خلف المقود ثم ألقيت نظرة سريعة على آدم قبل أن أتقدم بها إلى المضخة لم يكن أمامي سوى القليل من الوقود ومع ذلك فقد أوصلني إلى هنا وربما كان ذلك أول شيء محظوظ يحدث لي منذ أن غادرت المنزل!...
أوقفت السيارة في المكان المناسب ثم بدأت عملية ملء الخزان
وأثناء انتظاري سحبت زجاجة عصير وعلبة بسكويت من أحد الأكياس ثم التفتُّ نحو المقعد الخلفي ومددتهما إلى آدم
"آدم أتريد هذا؟ أافتحها لك؟"
اومأ بصمت فقط...
فتحت زجاجة العصير أولًا ثم ناولته إياها وبعدها فتحت علبة البسكويت ووضعتها في متناوله أخذ يتناول ما أعطيته إياه بهدوء وكأن شيئًا لم يحدث بينما كنت أراقبه من حين إلى آخر أتأكد من أنه بخير
أما أنا فلم تكن لدي شهية للطعام أصلًا
ولا حتى للحياة
لم أكن أعرف متى تناولت آخر وجبة حقيقية ولم يكن ذلك مهمًا في الوقت الحالي كان رأسي ممتلئًا بما يكفي من المخاوف ولم أكن أريد إضافة الجوع إليها
وحين امتلأ الخزان أخيرًا أعدت تشغيل السيارة وتحركت من مكاني
لكنني كلما ابتعدت عن المدينة لاحظت أن الازدحام بدأ يختفي تدريجيا... صارت السيارات أقل عددا وأصبح بإمكاني القيادة بسرعة أكبر ولو قليلا
مررنا بجانب مبانٍ مدمرة كانت نوافذها قد فقدت زجاجها، وجدرانها مشققة وواجهاتها مغطاة بالسواد... والغبار...
كانت الأنقاض متناثرة حولها وبعض الأجزاء قد سقطت إلى الشارع فيما بدت مبان بجانبها و كأنها ستناهر هي الأخرى
حدقت في المشهد وشعرت بأن شيئا ما يضيق في صدري
ماذا عن الناس الذين كانوا يعيشون هناك؟
هل تمكنوا من المغادرة؟ هل وجدوا مكانا آمنًا؟
لم أستطع إكمال الفكرة
حاولت تشتيت نفسي ونقلت نظري إلى الطريق أمامي لكن الدموع كانت قد بدأت تنحدر على وجهي مبللة خدي بصمت
فالحرب مهما قرأت عنها أو سمعت قصص الآخرين بشأنها كانت تظل كلمة بعيدة... شيئا يحدث في مكان ما لأناسَ لا أعرفهم
أما الآن فقد أصبحت واقعًا أعيشه...
حرب
حرب
كررت الكلمة في رأسي أحاول استيعابها
...بدأ التعب ينهش جسدي مع مرور الساعات
كانت الساعة قد شارفت الخامسة مساءً وما زال أمامي طريق طويل قبل الوصول إلى لفيف شعرت بتيبسٍ في كتفي الأيسر
لم أكن واثقة تماما من المسافة التي قطعناها لكن الطريق بدا أقل ازدحاما بكثير ولم تعد السيارات تحاصرني من كل جانب كما حدث في بداية الرحلة
نظرت إلى شاشة الهاتف ثم إلى الطريق مجددا
كان علي الوصول إلى المدينة أولـا وبعدها سأبحث عن الطريق المؤدي إلى الحدود البولندية، ربما أستطيع العثور على مكان للإقامة مؤقتًا أو على الأقل معرفة ما ينبغي ...عليّ فعله بعد ذلك
لكن حتى لو وصلت إلى بولندا فماذا بعد
إلى أين سأذهب؟...
وماذا سيكون مصيرنا؟...
كنت بحاجة إلى الراحة ولو لبضع دقائق أردت التوقف وإراحة كتفي وشرب بعض الماء ثم مواصلة الطريق بعقل أكثر صفاء
لكن السيارة لم تمنحني فرصة التفكير في ذلك طويلا
فجأة بدأت تصدر صوتًا غريبًا ...
التفتُّ نحو لوحة القيادة بهلع
"ما هذا؟!"
حاولت تخفيف السرعة ثم ضغطت على المكابح لكن استجابة السيارة لم تكن كما توقعت ... ضغطت عليها مجددا وأخذت أحاول السيطرة على السيارة بينما كانت تتباطأ بصورة غير منتظمة!!.
"لا لا لا"
بدأ قلبي يخفق بعنف
حمدت الله أن الطريق أمامي كان مستقيمًا نسبيًا وخاليًا من المنعطفات الحادة في تلك اللحظة أخذت السيارة تفقد سرعتها شيئا فشيئا حتى ا
ساد الصمت
بقيت ممسكة بالمقود أحدق أمامي بذهول ثم حاولت إعادة تشغيل المحرك
مرة
مرتين
ثلاثًا
لا شيء
ضربت المقود بقبضتي أفرغ فيه شيئًا من الغضب الذي كان يتراكم داخلي منذ الصباح
"اللعنة! ليسَ الأن... أرجوكِ ليس الأن!!"
أخذت نفسًا مضطربا ثم فتحت الباب ونزلت
تقدمت نحو مقدمة السيارة ورفعت غطاء المحرك بحذر تصاعد منه دخان خفيف وكانت هناك رائحة لاذعة جعلتني أتراجع خطوة إلى الوراء
لم أكن خبيرة بالسيارات ولم أكن أعرف ما الذي ينبغي علي فعله وكل ما استطعت فعله هو الوقوف أمام المحرك المفتوح أحدق فيه بإرتباك
لم أعد أستطيع تحمّل المزيد
شعرت بالدموع تتجمع في عينيّ لكنني مسحتها بسرعة قبل أن تسقط
تعطلت سيارتي في منتصف الطريق
وأنا بكل ما أملكه من جهل وعجز وإرهاق كنت في ورطة حقيقية
أغلقت غطاء المحرك ثم وقفت إلى جانب الطريق أراقب السيارات المارة رفعت يدي محاوِلة لفت انتباه السائقين لكن السيارة الأولى مرت دون أن تخفف سرعتها
الثانية كذلك
والثالثة
شعرت بأنني غير مرئية وكأنني مجرد جزء من المشهد الذي يحاول الجميع الفرار منه شيء يمكن تجاوزه دون الحاجة إلى الالتفات إليه...نَكرة
إلى أن توقفت سيارة رابعة أخيرا
انحنت المرأة الجالسة بجوار السائق قليلا ونظرت إلي من النافذة
"هل حدث شيء؟"
أسرعت إلى شرح ما حصل وأخبرتها بأن سيارتي تعطلت وأنني لا أستطيع إعادة تشغيلها ثم ترددت لحظة قبل أن أضيف:
"هل يمكنكم إيصالي إلى مكانٍ قريب؟، لدي طفل صغير ولا أعرف ما الذي قد أقوم به..."
نظرت المرأة إلى داخل سيارتها ثم عادت لتنظر إلي بأسف
"أنا آسفة لا نستطيع السيارة ممتلئة بالفعل"
لم أجد ما أقوله
أومأت برأسي وتراجعت خطوة إلى الوراء بينما أغلقت النافذة وانطلقت السيارة مبتعدة عني
رحلت
ببساطة
دون أن تلتفت مجددا
وقفت في مكاني لثوان أراقب السيارة حتى اختفت من مجال رؤيتي ثم خفضت يدي ببطء
لم أكن ألومهم لم أكن أعرف ظروفهم ولا إن كان لديهم مكان إضافي ولا إن كانوا يخشون أن يعرضوا أنفسهم للخطر بالتوقف في منطقة كهذه
لكنني كنت متعبة
مرت سيارة أخرى ثم ثانية وثالثة
لم يتوقف أحد
لم يسألني أحد إن كنت بحاجة إلى المساعدة
عدت إلى السيارة بخطوات بطيئة وفتحت الباب لأخرج كيس الأغراض الذي اشتريته من محطة الوقود حملته بيدي ثم وضعت حقيبة الأوراق المهمة على ظهري وأعدت إغلاق الباب
بعدها انتقلت إلى المقعد الخلفي وفتحته
كان آدم ينظر إليّ باستغراب وكأنه يحاول فهم سبب كل هذه الحركة المفاجئة
مددت يدي إليه
"إنزل"
لم يتحرك في البداية
نظر إلي ثم إلى السيارة قبل أن يسألني بصوته الخافت
"البيت..؟"
شعرت بشيء حاد ينغرس في صدري
البيت
مرة أخرى
شعرت بالغضب يتصاعد داخلي غضب لم يكن موجهًا إليه بل إلى نفسي وإلى الظروف وإلى كل شيء لم أستطع تغييره
كنت على وشك الانفجار
ومع ذلك أمسكت بيده ليس بقوة بل بحزم وساعدته على النزول إلى الأرض
لم أكن أستطيع حمله في تلك اللحظة كان جسدي مرهقًا من القيادة وكتفي يؤلمني والأغراض التي أحملها تثقل ذراعيّ، لم أعد أملك الطاقة اللازمة لحملهِ لمسافات طويلة لذا لم يكن أمامنا سوى المشي
أغلقت باب السيارة وألقيت عليها نظرة أخيرة، سيارتي الثمينة... لم أكن استوعب ان علي تركها هنا لقد عانيتُ حرفياً كي أشتريها..
أمسكت بيد آدم وانطلقنا سيرا على الأقدام
مر الوقت وامتدت الطريق أمامنا بلا نهاية
كنت أمشي وأنا أحمل كيس الأغراض بيد وأمسك بيد آدم باليد الأخرى بينما كانت حقيبة الأوراق تثقل ظهري حاولت الحفاظ على وتيرة ثابتة لكن التعب بدأ يظهر على خطواتي وأصبحت قدماي تؤلمانني مع كل خطوة جديدة
كان آدم يمشي بجانبي في البداية يتبعني بصمت حتى بدأ يتذمر من التعب
توقف مرة ثم أشار إلى أنه لا يستطيع المتابعة حملته لبعض الوقت رغم الألم الذي أخذ يشتد في كتفي ثم أنزلته حين شعرت أنني لم أعد أستطيع حمله
واصلنا السير
وبعد فترة بدأ يتذمر مجددًا فأعدت حمله ثم اضطررت إلى إنزاله مرة أخرى حين لم تعد ذراعاي قادرتين على تحمّل وزنه
تكرر الأمر أكثر من مرة
كان يتعب فأحمله ثم يتململ ويرغب في المشي فأتركه ينزل وبعد خطوات قليلة يعلن أنه لم يعد يستطيع الاستمرار فأعود إلى حمله
رائع!
هذا ما كان ينقصني تماما
ومع ذلك واصلت السير
كنت قد أطفأت هاتفي لتوفير البطارية فقد أحتاج إليها لاحقًا لمعرفة الطريق أو طلب المساعدة لم أكن أريد إهدار ما تبقى من شحنه على شيء لن يفيدنا في الوقت الحالي
وحين مرّت ساعة ونصف تقريبًا بدأت ملامح المنطقة تتغير ظهرت عدة مبانٍ متفرقة تحيط بها مساحات واسعة من الأراضي الخالية فعرفت أننا اقتربنا من أطراف المدينة أو من منطقة سكنية تقع خارج مركزها
جلستُ بعدها على طرف الطريق
أرخيت كتفيّ و أخذت أتنفس بعمق محاوِلة استعادة بعض الطاقة قبل أن نواصل طريقنا
كان آدم صامتا لكنه لم يكن ينظر إلي
كان يحدق في شيء ما خلفي وقد بدت على ملامحه علامات مفاجأة لم أعتد رؤيتها عليه بهذه الصورة
لم أعر الأمر اهتماما في البداية
ظننت أنه ربما رأى سيارة أو شخصا يتحرك في مكان ما أو شيئا آخر جذب انتباهه كنت بحاجة إلى بضع دقائق من الراحة ولم أكن أملك الطاقة الكافية للالتفات إلى كل ما قد يثير فضوله
لكن الهواء اهتز
لم يكن مجرد شعور عابر ولا حركة خفيفة يمكن تجاهلها أحسست بالاهتزاز يمر عبر جسدي وكأن شيئًا ضخمًا يشق طريقه في السماء
رفعت رأسي تلقائيًا
وفي اللحظة التالية التفتُّ نحو السماء
رأيت شيئــا يعبرها بسرعة هائلة لم أتمكن من تحديد ماهيته... ظهر للحظات قصيرة ثم اختفى خلف المباني المقابلة لنا
لم أملك الوقت لاستيعاب ما رأيته
وقع الانفجار...
انفجر الضوء أمام عيني وملأ المكان وميض ساطع أفقدني القدرة على الرؤية لثانية واحدة أعقبه صوت هائل هزّ الأرض تحتنا حتى شعرت بأن جسدي كله ارتجف من شدته... هو كذلك
اهتزت النوافذ وتداعـت أجزاء من المباني وتناثرت قطع الحطام في الهواء قبل أن تبدأ بالسقوط حولنا
لم أتحرك
لم أستطع
كنت جالسة في مكاني أحدق أمامي بعينين متسعتين بينما كان عقلي يحاول استيعاب ما حدث للتو لم أكن أعرف إن كان عليّ الهرب أم الاحتماء أم البحث عن مكان أختبئ فيه لم أكن أعرف حتى إن كنت قد أصبت أو هل مازلتُ على قيد الحياة؟
كل شيء حدث بسرعة تفوق قدرتي على الفهم
لم أعد أرى اللون الأزرق الصافي الذي كان يملؤها قبل لحظات...
لم أرى سوى الرمادي والغبار وبقايَ المبان
وبينما كنت أحاول استيعاب ما حدث دوى انفجار آخر
انتفض جسدي وشعرت بقلبي يقفز إلى حلقي
"أدم.."
ناديت اسمه بقلق محاوِلة الالتفات نحوه
لم يكن بجانبي
تسارعت أنفاسي وأخذت أبحث عنه بعينيّ في كل اتجاه حتى رأيته يركض مبتعدًا عني
«آدم»
صرخت بأعلى صوتي لكنه لم يتوقف
كان يركض بخطوات متعثرة لا ينظر خلفه ولا يستجيب لندائي ... و الطامةُ الكبرى انه اندفع نحو أحد المباني المتداعية واختفى خلف إحداها
نهضت من مكاني بسرعة وركضت خلفه
"أدم توقف!!"
لم يجبني
كنت أسعل بسبب الغبار الذي ملأ الهواء وأحاول الرؤية وسط الحطام المتناثر شعرت بشظايا صغيرة من التراب والحجارة تلامس وجهي لكنني لم أتوقف لم يكن يهمني شيء سوى العثور عليه
دخلت المبنى الذي اختفى خلفه وأخذت أبحث عنه بين الجدران المتشققة ...
ناديت مجددا و مجددا لكنني لم أتلق إجابة
لم أسمع سوى صوت بكائه الخافت..اتبعت الصوت وحينها رأيته...
كان جالسا تحت جزء من مبنى آخر متداع... كان يغطي أذنيه براحتي يديه ويضرب رأسه مرارا بينما انكمش جسده على نفسه من شدة الخوف
توقفت أنفاسي...
لم أستطع تصديق ما أراه
كان المكان خطرا !... أجزاء صغيرة من السقف كانت تتساقط على الأرض والغبار يملأ الهواء و الذي جعلني أسعل بشدة حتى ألمني حلقي...
ومع ذلك لم يكن آدم يتحرك
ركضت نحوه بينما قدماي كانت تتعثران بالأنقاض أرضا بين الحين والآخر..
"أدم حبيبي تعال إلي.."
حاولت مخاطبته بنبرة هادئة رغم أن صوتي كان يرتجف بصورة فضحت خوفي
كنت على بعد متر واحد منه تقريبًا ولم أكن أريد الاقتراب بسرعة مفاجئة فتجعله يهرب مجددًا كنت أعرف أنه لا يحتمل الضوضاء والتغيرات المفاجئة وأن ما يحدث حوله قد يكون أكثر مما يستطيع التعامل معه
اقتربت خطوة صغيرة
ثم أخرى
مددت يدي نحوه بحذر محاوِلة الإمساك به من قميصه لأجذبه بعيدا عن المكان لكنه انتفض بعنف من لمستي
صرخ بي حينها و تراجعت يدي تلقائيا
"حسنًا حسنًا لن ألمسك أعدك أنني لن ألمسك"
حاولت إبقاء صوتي ثابتا قدر المستطاع وأبقيت يدي بعيدا عنه حتى لا يشعر بأنني أحاصره
"لكن تعال معي أرجوك سنخرج من هنا ثم نبحث عن مكان آمن لا بأس أنا هنا هيا يا "حبيبي
ثم سمعت اهتزازا قويا فوقنا
رفعت رأسي فرأيت قطعًا صغيرة من السقف تتساقط على الأرض بينما بدا الجزء العلوي من المبنى وكأنه على وشك السقوط
توقف قلبي للحظة
سنموت
لم يعد هناك وقت للتردد ...نظرت إلى آدم الذي ظل منكمشا في مكانه ثم اندفعت نحوه
لم أفكر في شيء آخر
🎬🎬🎬
نهاية الفصل الثاني .
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!