|1| الفصلُ الأول .
كانت الملاعق تصطدم بحواف الأواني، فيما لم تتوقف أصوات السكاكين عن طرق ألواح التقطيع، وكان الماء يجري في الحوض بلا انقطاع، بينما تتصاعد من الموقد المجاور رائحة البصل والزبدة الممتزجة بحرارة المطبخ
كنت أمسك سكينًا حادًا بيدي، أقطّع الخضراوات فوق لوح التقطيع... مركزة على ما أمامي وعلى ما يحدث فوق الموقد القابع جواري، بالكاد ألتفت نحو السكين الذي يتحرك بين أصابعي؛ فقد اعتدت على المسافة الفاصلة بين نصله وأطراف أصابعي
خلفي كان الباب يُفتح ويُغلق باستمرار، فيما تراكمت أوراق الملاحظات إلى جانبي، وامتزجت الروائح المتنوعة المنبعثة من الأطباق والخلطات المختلفة في أرجاء المكان... الحرارة المرتفعة، والضجيج المتواصل، والأصوات المتداخلة التي تكاد تصيب المرء بالصداع... لم يكن أيٌّ منها يثير توتري، بل على العكس تماما فقد كنت أشعر براحة داخلية كلما وجدت نفسي وسط هذه الفوضى و وسط هذه الأجواء التي قد تبدو خانقة بالنسبة للغير
ربما لأنني اعتدت عليها؟ أو لأنها أصبحت جزءًا مني، أو لأن انشغالي بكل هذه التفاصيل الصغيرة يمنحني فرصة ثمينة للابتعاد عن كل ما يدور في رأسي
"ليارا! الطاولة الرابعة طلبوا تغيير الطبق!"
وصلني صوت أحد العاملين من خلفي بصوت مرتفع لكن ومع ذلك لم أتمكن من سماعه بوضوح إلا بعد أن كرر كلامه. قطبت حاجبيّ باستغراب، ثم التفتُّ إليه للحظة
"لماذا؟"
"قالوا أنهم لا يرغبون بالبصل في السلطة
قال بينما هز كتفيه بلا مبالاة و توقفت عن تقطيع الخضراوات للحظة، ونظرت إليه بنفاد صبر
"و لما لم يقولوا ذلك منذ البداية؟"
لم أكن أنتظر منه إجابة بقدر ما كنت أفرغ انزعاجي ... وهو بالمقابل لم يهتم لتذمري أساسا و أمسك بطبق أخر جاهز ذاهبا لتسليمه إلى العميل المطلوب... راقبته للحظة قبل أن أعود إلى عملي
"أنطون! الطلب رقم أربعة! لماذا أرى ثلاثة أطباق فقط؟ هل ابتلعت الطبق الرابع مثلًا؟"
التفتُّ نحو أحد الطهاة الذي كان يقف أمام الموقد، فأشار إليّ بيده مرتبكًا، محاولًا تبرير تأخره، لكنني لم أمنحه فرصة طويلة للكلام
"ميرا!... النار! اخفضيها أكثر، سيحترق الطعام"
انتقلت بنظري إلى الجهة الأخرى، حيث كانت إحدى العاملات تتعامل مع قدر كبير فوق الموقد، فاندفعت نحوها لخفض درجة الحرارة بنفسي قبل أن تفسد ما بداخل القدر.
"وهذا الطلب من دون مكسرات! العميل يعاني من حساسية تجاهها فلماذا أضفتِها؟ أعيدي تحضيره من البداية، ولا تلمسي أي شيء آخر قبل أن تتأكدي من الملاحظات"
كنت أتنقل بين الطاولات والأفران، أراجع الطلبات، وأتأكد من المكونات... و أراقب ما يحدث حولي... بينما تتعالى الأصوات من كل اتجاه... لم أعد أملك الوقت الكافي للتفكير في أي شيء آخر، حتى إنني لم أعد أشعر بمرور الدقائق بل الساعات
ربما لهذا السبب أحب الطبخ؛ لأنه يبقيني منشغلة بما يحدث حولي و يعزلني حتى لو كان لساعات قليلة، عن العالم خارج هذه الجدران، عن مشكلاته وأسئلته التي لا تنتهي...
رفعت رأسي نحو الساعة المعلقة على الجدار، فوجدت عقاربها تشير إلى الثانية عشرة صباحا
أطلقت زفرة طويلة
لم أصدق أنني بالكاد أنهيت نصف فترة دوامي، ومع ذلك شعرت وكأنني استهلكت كامل طاقتي بالفعل. كنت بحاجة إلى مشروب طاقة... أو ربما إلى إبريق كامل من القهوة... مع أنني لا أحبذها إطلاقا
عدت إلى أفكاري بسبب صوت البصل المتصاعد من المقلاة خاصتي تغير فجأةد
لم يعد ذلك الأزيز الخافت الذي اعتدت سماعه بل أصبح أكثر حدة مصحوبًا برائحة مختلفة
حدّقت في المقلاة ولاحظت أن أطراف البصل بدأت تكتسب لونًا ذهبيًا داكنًا بينما أخذت رائحته تميل للاحتراق قليلا... أكثر شيء أخشاه
مددت يدي نحو الموقد وأطفأت النار على الفور
"تبا ! "
تمتمت بانزعاج، ثم حملت المقلاة وأفرغت محتوياتها في سلة المهملات... لم يعد البصل صالحا للاستخدام، و ستفسد الوصفة تماما لو أكملت ... لم يكن أمامي سوى البدء من جديد وهو آخر ما كنت أحتاج إليه وسط هذا القدر من الطلبات المتراكمة
أمسكت سكينا آخر وسحبت بصلة جديدة نحوي ثم بدأت بتقطيعها من جديد هذه المرة وأنا أراقب النار بعناية أكبر
حين أوشكت الشمس على المغيب وتحديدا عند الخامسة مساءً تمكنت أخيرًا من إنهاء عملي
أو هكذا كنت أظن قبل أن يقرر أحد الزبائن إفساد الأمر علي... بسبب الكبد الموجود في الطبق الجانبي مدعيا أنه لم يطه بما يكفي رغم أنه طلبه بنفسه! و أجل إنه يطهى هكذا وأول قاعدة بالنسبة لي هي لا تتجرأ أبدا أبدا على انتقاد أي شيء أقوم بطهيه لأن العواقب وخيمة...
لا أفهم حقا كيف يستطيع بعض الناس استفزاز الناس بهذه الطريقة؟
أعني، لماذا لا يبتلع ما طلبه فحسب ثم يغادر من دون كل هذه الدراما؟ لكن لحظة أظنني أنا الدرامية هنا... أيا يكون ليارا تنفسي بعمق... العميل دائما على حق
زفرت بضيق ثم عدلت الوشاح الأبيض حول رقبتي وتوجهت نحو الباب... وما إن دفعته حتى لفح الهواء البارد بشرتي التي احمرت قليلا بسبب حرارة المطبخ
أغمضت عيني للحظة، واستنشقت الهواء بعمق شاعرة براحة لم أدرك مقدار حاجتي إليها إلا بعدما خرجت
تقدمت بضع خطوات حتى بلغت حافة الرصيف، ثم رفعت رأسي نحو السماء التي غطتها الغيوم الرمادية... كانت الأجواء توحي بهطول المطر... لكنني لم أكن أمانع ذلك بل على العكس فقد كنت أفضل هذا الطقس على الأيام المشمسة التي تجعل نفسيتي أسوء
كما أننا على مشارف نهاية الأجواء الشتوية
سقطت قطرة باردة فوق خدي ثم تبعتها أخرى
ابتسمت دون وعي وأغمضت عينيّ تاركة قطرات المطر تتساقط فوق وجهي وتبلل بشرتي التي أنهكتها حرارة المطبخ
أريد اللعب تحت المطر كطفلة صغيرة ... لكنني لست كذلك
كان بوسعي الوقوف هناك لبضع ثوان فقط والاستمتاع بهذا الهدوء المختلط مع مرور العامة و السيارات من الطريق أمامي
لكنني لم أستطع البقاء طويلا
أخرجت مفاتيح سيارتي من جيب سترتي البيضاء و التي عكست تباين لون شعري الأسود معها... فتحت الباب ثم جلست خلف المقود وأغلقته خلفي ومن ثم مددت يدي تلقائيا نحو المكان الذي أضع فيه هاتفي عادة لكنني لم أجده
فتشت جيوب سترتي، ثم الحقيبة الموضوعة بحجري قبل أن أتوقف وأحدق أمامي باستيعاب... لقد تركته في المنزل
"اه أين ذهب عقلي؟"
تمتمت بانزعاج ثم ألقيت رأسي إلى الخلف للحظة.
والآن كيف سأستمع إلى الموسيقى في طريق العودة؟
زفرت بملل وأدرت المحرك ثم بدأت بالتقليب بين محطات المذياع بحثا عن شيء يستحق الاستماع إليه... تنقلت بين الأخبار والبرامج الحوارية إلى أن استسلمت في النهاية وأبقيت إحدى المحطات تعمل بصوت منخفض
يبدو أن الحياة لا تحبذني
واصلت القيادة بصمت لفترة قصيرة حتى وصلت إلى روضة الأطفال التي يرتادها آدم... أوقفت سيارتي أمام المدخل على عجل فقد كنت انوي الرحيل مباشرة بعد أخذه
وما إن اقتربت من المدخل حتى وقعت عيناي على تولغا أحد المعلمين التربويين في المركز وقد كان يقف بجانب الباب الزجاجي ممسكا بهاتفه في إحدى يديه، بينما كانت يده الأخرى تقبض على يد طفل صغير
توقفت خطواتي فجأة فقد ميزت الطفل مباشرة
أدم؟
اشتعل شعور غريب بداخلي مزيج من القلق والهلع، ولم أنتظر حتى ينتهي تولغا من مكالمته و أسرعت نحوهما، وما إن لاحظ اقترابي حتى أبعد الهاتف عن أذنه و أعاده لجيبه
انحنيت فورا نحو طفلي وأحطته بذراعي... فوجدته يغطي أذنيه بكلتا يديه ويتنفس بسرعة واضطراب
"آدم، حبيبي..."
همست وأنا أضمه إلى صدري ثم مررت يدي فوق خصلات شعره الداكنة محاوِلة تهدئته
أنزل تولغا نظره إلي وقال بنبرة مستنكرة و معاتبة:
"ليارا أحاول الاتصال بك منذ ما يقارب الساعة، لكن هاتفك مغلق. أنت تعرفين كيف يتصرف آدم عندما يتغير شيء في روتينه، خصوصًا إذا لم يكن مستعدًا لذلك. كان من المفترض أن تأتي في موعدك، وقد بدأ يشعر بالتوتر منذ فترة"
شددت ذراعي حول آدم، ثم وقفت وأنا أحمله معي
"تولغا، لقد لتأخرت في العمل بسبب أمر طارئ ولم يكن بإمكاني المغادرة في وقت أبكر.... لم أتوقع أن تتغير حالته بهذه السرعة خصوصًا أنني ظننت أن العلاج بدأ يساعده على التعامل مع هذه المواقف بصورة أفضل"
توقفت قليلا، ثم أضفت بصوت خافت
"أنا آسفة، إنه خطئي"
مددت يدي لأعدل وضعية آدم بين ذراعي لكن تولغا أمسك بمعصمي قبل أن أبتعد
لم تكن قبضته مؤلمة إلا أنني انتفضت من لمسته على نحو لا إرادي... وسحبت يدي بتوتر... أكره حينما يلمسني أو يقترب أحد مني
تراجع قليلا ثم أشار نحو الداخل
"لنتحدث في المكتب"
كان صوته هادئا ونظرته تمنح الطمأنينة... شعرت بالتردد ومع ذلك اتجهت نحو المدخل الزجاجي وفتحته ثم تبعني بدوره
دفن آدم وجهه في عنقي متشبثا بي بحزم بينما مررت يدي على شعره بحركات هادئة ومتكررة وقد بدأت أنفاسه تستقر تدريجيا وإن ظل جسده متوترا بين ذراعي
سرنا عبر ممرين طويلين وعلى امتداد الطريق كانت الجدران الزجاجية تسمح لي برؤية الأطفال داخل القاعات والصفوف
بعضهم كان يركض بين الطاولات وآخرون يجلسون في مجموعات صغيرة يرسمون ويلونون الأوراق،، فيما تعالت ضحكات متفرقة من إحدى الغرف... رأيت طفلين يتشاجران على لعبة ثم المعلمة التي تحاول الفصل بينهما
أطفال عاديون يمارسون يومهم كما ينبغي للأطفال أن يفعلوا
ظللت أراقبهم لثوان أطول مما ينبغي حتى إنني لم أنتبه إلى أن تولغا قد فتح باب مكتبه إلا حين سمعت صوته يدعوني للدخول
دخلت خلفه ثم أغلقت الباب بهدوء
كان يقف مستندا بجسده إلى حافة المكتب عاقدا ذراعيه أمام صدره وقبل أن أتمكن من الجلوس أو حتى السؤال عن سبب إصراره على الحديث قال بنبرة يغلب عليها الاستنكار :
"إلى متى تنوين الاستمرار على هذا النحو؟ لقد ناقشت معك الموضوع مرارًا وتكرارًا لكن يبدو أنك تستوعبين ما أحاول قوله لك"
تجنبت النظر إليه وأخذت أتفحص الأشياء الموضوعة فوق المكتب المقابل لي كانت هناك ملفات مكدسة، وأقلام متناثرة، وقنينة مياه
أي شيء كان أفضل من النظر في عينيه
حين لاحظ عدم رغبتي في الرد تنهد وغيّر نبرة صوته محاولًا التحدث معي بهدوء أكبر
"ليس الأمر أنني لا أريد وجود ابنك هنا يا ليارا... أنت تعرفين ذلك ، لكن هناك مراكز أخرى تستطيع توفير بيئة أكثر ملاءمة لحالته ...ومختصون يمكنهم مساعدته على تطوير مهاراته والتعامل مع التغييرات والضغوط بصورة أفضل، نحنُ....:
توقف لحظة، ثم أكمل:
"نحن لا نستطيع أن نقدم له كل ما يحتاج إليه"
شعرت بشيء ينقبض في صدري
لم أكن أريد سماع هذا الكلام مجددا لا منه ولا من غيره لقد أمضيت وقتا طويلا وأنا أحاول العثور على مكان لا ينظرون فيه إلى آدم باعتباره مشكلة يجب التخلص منها مكان يستطيع فيه أن يكون طفلا لا حالة تحتاج إلى معالجة مستمرة...
أريده ان يعيش ما لم اتمكن من عيشهِ أنا غكن لما القدر ضدي دائما؟
"لماذا؟"
خرج السؤال من فمي بصوت مرتجف و كأنني كنتُ على وشك البكاء
"ما المشكلة؟! لا أحد يعترض على وجوده هنا غيرك !! والأطفال يتعاملون معه بصورة طبيعية.... كل ما أريده هو أن ينعم طفلي ببيئة طبيعية وأن يكون بين أطفال آخرين وأن يتعلم منهم ويشاركهم يومهم!"
نظر إلي تولغا و أجاب كذلك بإنفعال يطابق خاصتي
"لكنه ليس مثلهم ليارا"
ساد الصمت...
لم أسمع شيئًا بعد تلك الجملة ... لم يكن هناك ما يمكن سماعه أساسا لكن عقلي رفض استيعابه... شعرت بحرارة تتصاعد خلف عيني وشددت قبضتي على جسدي محاولة منع نفسي من البكاء أمامه
لم أعد أحتمل البقاء في الغرفة فاستدرت نحو الباب عازمة على المغادرة
لكنني لم أبلغ الباب حتى سمعت وقع خطواته خلفي ثم امتدت يده لتستقر على الباب مانعة إياي من فتحه
"لم أنهِ كلامي بعد اجلسي أرجوكِ"
هززت رأسي رافضة ومددت يدي نحو المقبض إلا أنه اقترب مني ثم حمل آدم من بين ذراعيه
تراجعت خطوة، ونظرت إليه بصدمة
"تولغا أعده إلي! دعني أغادر مع ابني...لماذا تفعل هذا؟"
«من أجلك!»
تجمدت في مكاني
حدقت فيه غير مصدقة، بينما أشار بيده نحو المقعد المقابل لمكتبه يأمرني بالجلوس... لم أكن أرغب في ذلك، لكنني كنت مرهقة إلى درجة أنني لم أعد أملك الطاقة الكافية لخوض جدال آخر... أو لمجادلته..
جلست ببطء وأبقيت عيني معلقتين على آدم الذي كان يراقبني من بين ذراعي تولغا بصمت... كانَ مرتاحاً معه...
بدأ الأخير حديثه...
"ليس الأمر أننا لا نريد آدم بيننا...على العكس لقد حاولنا مساعدته قدر استطاعتنا لكن هناك مراكز متخصصة تملك وسائل لا تتوفر لدينا ليارا... وأشخاصًا مدربين على التعامل مع احتياجات الأطفال الذين يواجهون صعوبات مشابهة قد يتمكنون من مساعدته على اكتساب مهارات جديدةوتوفير بيئة تناسب احتياجاته بصورة أفضل!"
أخذ نفسا عميقا بينما كان يعدل وضعية آدم بحجره...ثم تابع:
"أنا مجرد موظف هنا، ولا أملك السلطة لاتخاذ كل القرارات، لكنني أعرف ما الذي قد يكون في مصلحة آدم... هو يتلقى العلاج من أطباء خاصيين لكن ليس كافياً!"
شعرت وكأن كلماته تضغط على صدري من كل اتجاه
كنت أعرف أن تولغا لا يحاول إيذائي وأنه لا يتحدث بدافع الكراهية أو الحقد لكن ذلك لم يجعل كلامه أقل قسوة ربما كان محقا في بعض ما يقوله... لكنني لم أستطع الإعتراف بذلك..
لم أعد أحتمل هذا الضغط.
نهضت من مقعدي وتقدمت نحوهما ثم أخذت يد آدم برفق.... لم أقل شيئًا.... ولم أحاول الدفاع عن نفسي بل اكتفيت بالتوجه نحو الباب والخروج من المكتب كليا
هذه المرة لم ينادني تولغا ولم يحاول منعي...
كان الطريق إلى المنزل قصيرا، أو هكذا خيّل لي لأن أفكاري لم تمنحني فرصة للانتباه إلى الوقت
حاولت إشغال نفسي بالقيادة ومراقبة السيارات التي تمر من حولي... والإشارات الضوئية التي تتبدل أمامي، لكن كل شيء كان يعيدني إلى النقطة ذاتها
إلى كلام تولغا
إلى آدم
إلى ذلك السؤال الذي لم أجد له إجابة مناسبة: هل كنت أفعل حقا ما هو الأفضل لطفلي؟ أم أنني كنت أحاول إقناع نفسي بذلك لأنني لا أحتمل فكرة أن يكون مختلفًا عن الآخرين... ببساطة أنني أنانية ؟
وصلت إلى العمارة التي أسكن فيها وأوقفت سيارتي في المكان المعتاد ثم نزلت وفتحت الباب الخلفي سامحة لآدم بالخروج
لم ينتظرني، بل انطلق نحو مدخل العمارة بخطواته الصغيرة بينما أغلقت الباب خلفه ولحقت به
أثناء صعودنا الدرج صادفت جاري الذي يسكن الشقة المجاورة لشقتي
كان السيد واتسون يقف عند بداية الدرج يرمقني بنظرات ازدراء لم أفهم سببها يوما هو ببساطة يمقتني لكن لماذا؟ لأنني إمراة مستقلة؟ أم عزباء؟ حتى أن ذاكرتي لا تسعفني أبدا إذ ربما كنتُ اسأتُ له بالماضي..؟
شعرت بالتوتر يتسلل إلى ملامحي فرفعت يدي وعدلت الوشاح حول وجهي متظاهرة بالانشغال... بينما كنت أدعو في داخلي ألا يوقفني لبدء واحدة من محادثاته السخيفة التي لا تنتهي إلا بعدما يستنزف ما تبقى من صبري
لكن يبدو أن دعواتي لم تكن مستجابة في ذلك اليوم
"مساء الخير ليارا.... كيف كان يومك؟"
ابتسمت ابتسامة مصطنعة، وأجبته وأنا أواصل صعود الدرج:
«مرحبا سيد واتسون سررت برؤيتك لكن ابني صعد للتو... وأخشى أن يقع أو يفتعل شيئا ما أراك لاحقًا!»
لم أمنحه فرصة للرد بل تابعت طريقي بسرعة نحو الطابق الثالث حيث كانت شقتي
أسهلُ طريقة للتخلص من متطفل بخمس ثوانٍ
وجدت آدم جالسا على إحدى الدرجات يحدق في الأرض بشرود فربتتُ على رأسه أحثه على إكمال السير معي
وصلنا إلى الباب فأخرجت المفاتيح من جيب سترتي وأدخلتها في القفل ثم فتحته
سبقني آدم إلى الداخل مجددًا... وألقى حقيبته الزرقاء على الأرض بإهمال قبل أن يتجه مباشرة نحو غرفته
أغلقت الباب خلفي وخلعت معطفي ثم ألقيته فوق الأريكة دون اهتمام
وقفت للحظات مستندةً بكتفي إلى الجدار، أراقب ما يفعله الصغير من بعيد
لم تكن هذه المرة الأولى التي أراقبه فيها، لكن ما كان يثير انتباهي في كل مرة هو مدى التزامه بروتينه المعتاد
جلس على الأرض بجانب مجموعة سياراته الصغيرة المبعثرة ثم بدأ بترتيبها واحدة تلو الأخرى في خط مستقيم مع ترك مسافات متساوية بينها
الخضراء أولا ثم الحمراء وبعدها الصفراء
ظل يحرك السيارات ببطء يعدل مواضعها حتى تصبح مصطفة كما يريد تماما ثم يبعثرها مجددا
غادرت غرفته واتجهت نحو غرفتي أبحث عن هاتفي الذي وجدته ملقى فوق السرير التقطته ووصلته بالشاحن مباشرة فقد كنت متأكدة من أن بطاريته قد نفدت تقريبا
انتظرت بضع دقائق حتى تمكنت من تشغيله ثم بدأت الإشعارات تظهر تباعا على الشاشة
كانت هناك مكالمات فائتة من تولغا.. ورسائل... رسائل... رسائل أكثر... لم أفتحها بالطبع الأمر متعب... وتنبيهات أخرى لم أهتم بقراءتها
حدقت في عدد المكالمات للحظة ثم أغلقت الشاشة ووضعت الهاتف جانبا
لم تكن لدي الرغبة في العودة إلى ذلك الحديث ولا في سماع المزيد من الكلمات التي ستجعلني أشك في نفسي أكثر مما أفعل بالفعل
استلقيت فوق السرير وأخذت أحدق في السقف بشرود
كل ما أردته هو أن أرتاح وأن أنام ثلاثة أيام متواصلة من دون أن يطالبني أحد بشيء أو يذكرني بشيء...
لكن حتى الراحة بدت لي في تلك اللحظة ترفا لا أستطيع الحصول عليه
لم نأتِ للحياة كي نرتاح فقط صحيح؟
نظرت إلى الساعة المعلقة على الجدار فوجدتها تشير إلى السادسة مساءً
نهضت أخيرا وغيرت ملابسي ثم اتجهت نحو المطبخ لإعداد العشاء، كانت معدتي فارغة منذ ساعات ...
حضرت الطعام ورتبت الأطباق فوق الطاولة بينما بدأنا بتناول الطعام...
لم أستطع إكمال وجبتي
أما آدم فقد أنهى طبقه الصغير بهدوء ثم حمل نفسه يذهب بعيدا خلف الممر..
جمعت الأطباق ثم نظفت المكان وأطفأت الأنوار قبل أن أتجه أخيرا إلى غرفتي
ارتميت فوق سريري و أغمضت عيني وأنا أستمتع بالسكون و الراحة الاي طغت علي
لكنني لم أكن أعلم أن تلك الليلة لن تمر بسلام
انتفضت من مكاني فجأة وأنا ألهث ...
كان جسدي يتصبب عرقا وصدري يرتفع وينخفض بسرعة كبيرة بينما حاولت استيعاب المكان الذي أوجد نفسي فيه.... نظرتُ حولي بعينين مذعورتين قبل أن أستعيد وعيي تدريجيًا وأدرك أنني ما زلت في غرفتي
مجرد حلم.
كان مجرد حلم.
عدت إلى الاستلقاء لكن الدوار الذي اجتاحني أجبرني على البقاء ساكنة لبعض الوقت رفعت يدي إلى صدري وأخذت أحاول تنظيم أنفاسي أستنشق الهواء ببطء ثم أخرجه وأكرر ذلك مرة تلو الأخرى عسى قلبي يتوقف عن الخفقان بهذه السرعة الجنونية
"إنه مجرد كابوس، ليارا... مجرد كابوس"
همست لنفسي محاولة تصديق الكلمات التي أقولها ... فهذا الكابوس كان حقيقة وواقعاً عشته يوما
أغمضت عيني مجددا إلا أن الصور كانت قد بدأت تتشكل في مخيلتي واضحة إلى حد جعلني أشعر وكأنها واقع
إلى الكنيسة....
إلى ذلك المكان الذي قضيت فيه سنوات من حياتي حيث تعلمت أن الصمت فضيلة وأن الطاعة واجب، وأن الخطأ مهما كان صغيرا يستحق العقاب
فلاش باك:
كانت الشموع مشتعلة في أرجاء الكنيسة فيما امتزجت رائحة البخور برائحة خشب الصندل فملأت المكان بأجواء ثقيلة
في مقدمة الكنيسة و أمام المذبح مباشرة اصطفت صفوف طويلة من الفتيات اللواتي لم تتجاوز أعمارهن الرابعة عشرة و قد كن يرتدين فساتين زرقاء واسعة تخفي أجسادهن بالكامل و قد إنمحى لونها ليصبح باهتاً ... وباليا
وقفت الأم الروحية إلى جانب القسيس فوق المذبح مرتدية ثوبا لا يختلف كثيرا عن ثياب الفتيات باستثناء بعض التفاصيل التي جعلتها تبدو أكثر وقارا في أعينهن... إلا ان الوقار هنا يساوي الرهبة و الخوف
تقدمت بخطوات بطيئة ثم نزلت الدرجات الصغير وبدأت تدور بين الصفوف تحمل في يدها خيزرانة رفيعة تضرب بها راحة يدها الأخرى بين الحين والآخر...
كان صوت الخيزرانة وهي ترتطم بكفها كافيًا لجعل قلوب الفتيات تدق خوفاً..
بعضهن اعتصرن أصابعهن بقوة وأخريات خفضن رؤوسهن حتى كادت ذقونهن تلامس صدورهن... فيما حاولت إحداهن كتم بكائها خلف شفتيها المرتجفتين
البكاء ممنوع... و الضحك كذلك محرم.
توقفت الأم الروحية أمام الصفوف ثم رفعت رأسها قليلا وأخذت تتفحص الوجوه واحدة تلو الأخرى قبل أن تتحدث بنبرة صارمة:
"الخضوع واجبكن والخطأ غير مسموح به خصوصا لكن لأنكن مجرد فتيات... إنكن تحملن مسؤولية الطهارة والابتعاد عن أوساخ الدنيا ، فلا تسمحن لأنفسكن بالانجراف وراء الرغبات أو المظاهر الزائفة... لم يخلقكن الرب للتزين والتباهي بل لطاعته!! وخدمته!! ومن تخالف أوامره فإنها تستحق التأديب"
توقفت للحظة ثم رفعت الخيزرانة أمامهن
"والآن وبالترتيب ومن دون أي صوت أو إزعاج اعترفن بأخطائكن واطلبن المغفرة لا تخفين شيئا فالرب يراكن"
كان هذا أسوأ جزء في الأمر كله
أي أخطاء كان عليهن الاعتراف بها؟
حتى حين لا يرتكبن شيئًا كان عليهن البحث عن شيئ ما... عن كلمة قلنها في غير موضعها أو فكرة راودتهن... أو ربما إتفقن فيما بينهن ...
وإن لم يجدن شيئا، كان عليهن توليد شيئ من العدم
وإن ترددن في الكلام... ضُربنَ.. إن كذبن؟ ضُربنَ.. و إن إلتزمن الصمت عوقبنَ بالضرب كذلك..
لم يكن هناك مخرج من تلك الدائرة
لكن ذلك اليوم شهد أمرا لم يكن مألوفا
جاء صوت فتاة من الصف الأخير هادئا لكنه واضح بما يكفي ليصل إلى الجميع وسط السكون الذي خيم على الكنيسة
"أليس الرب رؤوفا بعباده؟ الإنسان يخطئ... وهو يغفر له حين يتوب... لماذا العكس هنا؟"
ساد الصمت...
لم تتحرك فتاة واحدة في مكانها ولم تجرؤ أي منهن على رفع رأسها حتى القسيس بدا وكأنه توقف عن متابعة ما كان يفعله بالكتاب المقدس فيما استدارت الأم الروحية ببطء نحو مصدر الصوت
كانت الفتاة لا تزال واقفة في مكانها وقد رفعت رأسها لتنظر إليها مباشرة
خطأ !!.
اقتربت الأم الروحية منها وقد تبدلت ملامحها وغامت عيناها بنظرة جعلت الفتيات يتراجعن في أماكنهن من شدة الخوف
أما الفتاة فقد حافظت على ثباتها لثوان قليلة قبل أن تهوي الصفعة على خدها بقوة فاختل توازنها وسقطت أرضا من قوتها
ارتطم جسدها بالأرضية لكنها لم تصرخ
رفعت يدها إلى موضع الصفعة ثم خفضت رأسها ولم تجرؤ على النظر إلى المرأة الواقفة فوقها
"ألا تعلمين أنه لا يسمح لك بالكلام من دون إذن أيتها الصغيرة الجاهلة؟"
"لقد تجاوزت حدودك !! وتجرأت على التشكيك في النظام الذي نحافظ عليه هنا منذ سنين وحتى قبل ولادتك!... إن الرب يراقبنا وهو لا يرضى بالعصيان ومن يخطئ يجب أن يتحمل عاقبة خطئه..."
رفعت الخيزرانة ثم بدأت تضرب الفتاة الراقدة على الأرض غير عابئة بتوسلاتها أو محاولاتها لحماية نفسها التي باءت بالفشل
كانت الفتاة تبكي وتطلب منها التوقف .... تترجاها للتوقف، بينما استمرت الضربات في الهبوط على جلدها وانتقلت لموضع أخر حتى انكمشت الصغيرة على نفسها عاجزة عن فعل أي شيء سوى محاولة الاحتماء بذراعيها...
لم يظهر على وجه الأم أي ندم
لم تتردد ولم تتوقف لتسأل نفسها إن كانت قد تجاوزت الحد
وحين انتهت أخيرا بدا التعب على حركاتها لكنها لم تبد نادمة على ما فعلته
ألقت نظرة أخيرة على الفتاة الممددة أمامها ثم أدارت ظهرها وعادت باتجاه المذبح قبل أن تتوقف وتلتفت نحو بقية الصفوف
"ومن تخالف أوامري أو تعارض كلامي أو تتجرأ على الاعتراض ولو بكلمة واحدة فسيكون هذا مصيرها"
لم ترفع أي فتاة رأسها
لم تتحرك واحدة منهن
ولم يصدر عن أي منهن صوت
أما الفتاة التي تلقت العقاب فقد ظلت على الأرض للحظات تحاول استجماع قوتها بينما أخذت دموعها تتساقط بصمت فوق الأرضية الباردة
لم يقترب منها أحد
لم يجرؤ أحد على ذلك
كنتُ ولا زلتُ وحيدة....
في كل مرة أعود فيها إلى تلك الذكريات تكون النتيجة واحدة...
الماضي لا يفارقني
شعرت بقلبي يخفق بسرعة، وبأطرافي ترتجف، بينما ازدادت الدوخة حتى أصبحت الغرفة من حولي تبدو وكأنها تتحرك
لا أستطيع...
لا أستطيع التنفس...
حاولت النهوض لكنني لم أتمكن من ذلك فبقيت جالسةً فوق السرير أتشبث بملاءته بيدي المرتجفتين وأحاول إقناع نفسي بأنني في أمان..
لكن جسدي لم يستجب لكلماتي
كانت نوبة هلع
وكنت أكرهها
أكره أن أجد نفسي عاجزة عن تهدئة نفسي وأن أضطر إلى خوض هذا وحدي...
كنت أحاول تهدئة نفسي كما أفعل دائما لكنني في تلك اللحظة لم أكن أريد أن أكون وحدي...
شخص واحد فقط، أستطيع أن أستند إليه حتى أستعيد قدرتي على التنفس!
لكن من؟
لم يكن لدي أحد
لم أجد إجابة ولم أجد سوى الصمت الذي أحاط بي
وبعد عدة دقائق طويلة... بدأت أنفاسي تستقر تدريجيا
اتجهت نحو الحمام بخطوات بطيئة،ذ وفتحت الصنبور ثم غسلت وجهي بالماء البارد
رفعت رأسي أخيرًا، فوقعت عيناي على انعكاسي في المرآة
بشرة شاحبة وملامح مرهقة وشفتان متشققتان وآثار التعب واضحة تحت عيني بدا شعري فوضويا و أشعث فيما جعلني الإرهاق أبدو أكبر من عمري الحقيقي...
حدقت في نفسي لثوانٍ ثم أبعدت نظري
لا يهم
بعض مساحيق التجميل كافية لإخفاء كل ما سبق
و حين التفتُّ نحو الساعة اكتشفت أنها تشير إلى السادسة صباحا.. مازال هناك ثلاث ساعات قبل بدأ عملي
أطلقت زفرة متعبة ثم اتجهت نحو غرفة المعيشة وارتميت فوق الأريكة وأمسكت بجهاز التحكم لتشغيل التلفاز
ظهرت على الشاشة نشرة الأخبار الصباحية وكانت المذيعة تتحدث بنبرة رسمية عن تطورات الأوضاع السياسية بينما تتوالى خلفها صور لشوارع مزدحمة وحشود من الناس ...
لم أكن أنوي متابعة الأخبار لكن شيئًا في نبرة صوتها جعلني أتوقف وأرفع رأسي نحو الشاشة بالإضافة إلى كلمة 'عاجل' التي تكتسح الشاشة
شعرتُ بالقلق فخلال الأيام الماضية امتلأت وسائل الإعلام بالحديث عن احتمالات الحرب وعن التحذيرات التي صدرت من جهات مختلفة لكن كثيرًا من الناس ظلوا يتعاملون معها باعتبارها مجرد تهديدات لن تصل إلى شيء
حتى أنا لم أكن أتصور أن الأمور قد تتغير بهذه السرعة...
واصلت المشاهدة، إلى أن سمعت المذيعة تعلن أن كييف وعدة مناطق أوكرانية أخرى تعرضت، قبل ساعات لقصف جوي روسي وأن الهجمات بدأت تتوسع ...
كييف؟ أوكرانيا؟!
بلدي و مدينتي؟!!
تجمدت في مكاني
روسيا
أوكرانيا
قصف جوي
لم أستطع استيعاب الكلمات التي سمعتها ... وظللت أحدق في الشاشة
لكنها واصلت الحديث عن الأضرار التي لحقت بالمباني والمنشآت وعن حالة الارتباك التي تسود عددًا من المدن، وعن المواطنين الذين بدأوا بمغادرة مناطقهم بحثًا عن الأمان بينما أُعلن عن تعليق الرحلات الجوية وإغلاق المطارات
رمشت عدة مرات، وأنا أحاول ترتيب أفكاري
هل بدأت الحرب فعلًا؟!
وكيف سنغادر وقد تم إغلاق المطارات و الرحلات الجوية؟!
نهضت من مكاني واتجهت بسرعة نحو غرفتي ثم أمسكت بهاتفي وفتحته ودخلت إلى مواقع التواصل الاجتماعي
كان الخبر قد انتشر في كل مكان
مقاطع مصورة،وصور لشوارع مزدحمة ورسائل تحذيرية و مباني متداعية ومنشورات لأشخاص يحاولون معرفة ما يحدث في مناطقهم...وآخرين يبحثون عن وسيلة لمغادرة البلاد
كان الجميع يتحدث عن الحرب..
الحرب التي ظن كثيرون أنها لن تقع...
الحرب التي أصبحت خلال ساعات قليلة واقعًا لا يمكن تجاهله
وبينما كنت أتصفح المنشورات بارتباك لفت انتباهي إشعار جديد من شركة الاتصالات التي أستخدمها
فتحته بسرعة
"نرجو من جميع المواطنين التوجه إلى أقرب منطقة آمنة واتباع تعليمات الجهات المختصة نؤكد أن هذا ليس تدريبا ونحث الجميع على التعامل مع التحذيرات بجدية وإخلاء المناطق المعرضة للخطر"
قرأت الرسالة مرة
ثم أعدت قراءتها
لم أكن أعرف إن كانت قد أُرسلت إلى جميع المواطنين، أم أنها موجهة إلى مناطق محددة... لكنني أدركت أن الوضع أصبح أخطر مما كنت أتصور
والآن ماذا أفعل؟!
ما الذي يقصدونه بأقرب منطقة آمنة؟
هل علينا مغادرة كييف أم مغادرة البلاد بأكملها؟
وإلى أين أذهب أساسا؟
كانت الأسئلة تتزاحم في رأسي وكلما حاولت العثور على إجابة ظهرت أمامي أسئلة أخرى أكثر تعقيدا
لم أكن أملك خطة
لم أكن مستعدة
لن أكن مستوعبة!
ولم أكن أعرف حتى من أين أبدأ
نهضت من مكاني واتجهت نحو خزانتي ثم أخرجت حقيبة سوداء ووضعتها فوق السرير
بدأت أجمع أوراقي المهمة بأسرع ما أستطيع... نسخة من بطاقة هويتي وجواز سفري وشهادة ميلاد آدم إلى جانب بقية المستندات التي قد أحتاج إليها خلال الأيام المقبلة...
أضفت مبلغا بسيطا من المال ثم وضعت بطاقاتي المصرفية داخل جيب جانبي للحقيبة
توقفت للحظة وأنا أنظر إلى الملابس المكدسة داخل الخزانة
هل آخذ بعض الملابس؟
ماذا عن الطعام والماء؟
وماذا عن الأشياء التي يحتاج إليها آدم؟
كان عليّ التفكير في كل شيء، لكنني لم أكن أعرف مقدار الوقت المتاح لي ولا ما الذي قد يحدث خلال الساعات المقبلة
حاولت تهدئة نفسي وأخذت أفتش في ذهني عن قائمة بالأشياء الأساسية التي يجب أن أحملها، لكن أفكاري تشتتت فجأة حين دوّت طرقات قوية على الباب
انتفضت في مكاني
من هذا؟
تركت الحقيبة فوق السرير ثم أسرعت نحو المدخل ووقفت أمام الباب للحظة قبل أن أنظر من خلال العدسة الصغيرة
كانت السيدة العجوز، صاحبة العمارة
شعرت ببعض الارتياح وفتحت الباب بسرعة
"ليارا لماذا ما زلت هنا؟ ألا تعرفين ما الذي يحدث؟"
كان صوتها متوترا وحركاتها سريعة وبشرتها تميل للشحوب
"أعرف لكن ماذا أفعل؟ وإلى أين أذهب؟ ماذا يجب أن آخذ معي؟ أنا..."
توقفت ولم أتمكن من إكمال كلامي
"لا تأخذي معك إلا الأشياء الأساسية التي تستطيعين حملها لا تضيعي وقتك في جمع الملابس والأغراض التي يمكنك الاستغناء عنها...الناس بدأوا بالفعل بالتوجه نحو الحدود البولندية وكثيرون يحاولون الوصول إلى لفيف، لكن الأوضاع هناك قد تتغير في أي لحظة. عليك أن تغادري في أقرب وقت ممكن وأن تبتعدي عن المناطق التي قد تتعرض للقصف!"
أومأت ببطء أحاول استيعاب ما تقوله
"وماذا عنكِ؟"
سألتها دون تفكير
"هل ستغادرين أيضًا؟"
"نعم أنا وعائلتي سنغادر الآن لا يمكننا البقاء هنا بعد اليوم"
كانت كلماتها الأخيرة أشبه بصفعة
متى سنتمكن من العودة؟
أغلقت الباب، ثم عدت إلى الداخل بخطوات متسارعة نحو غرفة آدم..
وقفت إلى جوار سريره للحظة أراقب ملامحه الهادئة وشعرت بغصة في حلقي
كيف سأشرح له ما يحدث؟
انحنيت نحوه، ثم حملته بحذر، محاوِلةً ألا أوقظه استند رأسه إلى كتفي وظل جسده مسترخيا بين ذراعي....زفشددت قبضتي حوله قليلا وقد إلتقطت معطفه من الشماعة كذلك
خرجت من الغرفة لكنني توقفت فجأة في منتصف الطريق
حقيبتي..
عدت بسرعة إلى غرفتي والتقطت الحقيبة السوداء من فوق السرير ثم ألقيت نظرة أخيرة على المكان قبل أن أغادر
لم آخذ معي شيئًا آخر
أغلقت باب الشقة خلفي وبدأت أنزل الدرج بسرعة
كان المبنى هادئا على نحو غريب لكنني استطعت سماع أصوات متفرقة من الطوابق الأخرى وأبواب تفتح وتغلق وخطوات متعجلة تتجه نحو المدخل
لم ألتفت خلفي...
واصلت النزول حتى بلغت الطابق الأرضي ثم خرجت من العمارة إلى الشارع
كانت الأجواء ضبابية... كيف سأقود هكذا؟؟
مهلا إلى أين أساسا؟
لفيف...
ثم الحدود البولندية...
وبعد ذلك؟
لم أكن أعرف....
لم أكن أعرف إلى أين ستأخذني هذه الرحلة ولا كم ستستغرق ولا ما الذي ينتظرني في نهايتها
تقدمت نحو سيارتي وفتحت الباب الخلفي؛ثم وضعت آدم في مقعده الخاص وأحكمت حزام الأمان حول جسده الصغير و رميتُ معطفه بحانبه... عدلتُ وضعية رأسه برفق وأبعدت خصلة من شعره عن جبينه، ثم أغلقت الباب بهدوء
انتقلت بعدها إلى مقعد السائق وجلست خلف المقود قبل أن ألقي نظرة أخيرة على العمارة التي عشت فيها سنوات من حياتي
لم يكن هناك شيء مختلف في شكلها....
النوافذ نفسها والشرفات نفسها والباب الذي مررت عبره مئات المرات من قبل...
ومع ذلك شعرت وكأنني أراها للمرة الأولى
أدرت المحرك، ووضعت يدي فوق المقود ثم أخذت نفسًا عميقا
كان عليّ أن أتحرك فحسب...
🎬🎬🎬
نهاية الفصل الأول...
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!