تحذير المحتوى
هذا الفصل من رواية مصنفة بالغين +16 وقد يحتوي على محتوى غير مناسب لجميع الأعمار.
الفصل الثاني: حلم ارتدى الزي الرسمي
لم أعد ذلك الطفل الذي كان يقضي أيامه دون أن يفكر كثيرًا في الغد. بدأت السنوات تمر، وبدأت معها تتغير نظرتي إلى نفسي وإلى الحياة. دخلت مرحلة المراهقة، تلك المرحلة التي يشعر فيها الإنسان أنه لم يعد طفلًا، لكنه لم يصبح الرجل الذي يتخيله بعد.
كنت أريد أن أكبر بسرعة، أن أثبت نفسي، وأن أجد لنفسي مكانًا بين الرجال الذين كنت أنظر إليهم بإعجاب. لم تكن المسألة مجرد رغبة في أن أكبر في العمر، بل كنت أريد أن أشعر بأن لي قيمة، وأن أكون شخصًا يستطيع الآخرون الاعتماد عليه واحترامه.
كان أبي حاضرًا في ذهني، حتى عندما لم أكن أفكر فيه بصورة مباشرة.
أبي رجل شرطة. لم تكن هذه الجملة بالنسبة إليّ مجرد وصف لمهنته، بل كانت صورة ارتبطت في ذاكرتي بالانضباط والمسؤولية والهيبة. كنت أعرف أنه محبوب بين الناس، وأن مهنته جعلته يتحمل واجبات لا يتحملها الجميع.
وحين يكون الأب هو أول نموذج للرجولة يراه ابنه، فمن الطبيعي أن تترك صورته أثرًا عميقًا في أحلامه، حتى لو لم يعترف بذلك في ذلك الوقت.
ربما بدأت الفكرة صغيرة، مجرد احتمال يمر في ذهني من حين إلى آخر. وربما كنت أتخيل نفسي في مكانه دون أن أقول ذلك لأحد. لكن مع مرور الوقت، أخذت فكرة دخول الشرطة تقترب مني أكثر، حتى أصبحت أراها طريقًا ممكنًا لمستقبلي.
كنت أتخيل الرجل الذي سأصبح عليه، والمسؤولية التي سأحملها، واللحظة التي أرتدي فيها الزي الرسمي وأبدأ حياة مختلفة عن حياتي السابقة.
لم أكن أعرف تفاصيل تلك الحياة، ولم أكن أدرك تمامًا ما الذي تتطلبه هذه المهنة من تضحية وانضباط وصبر. كنت أرى الحلم من بعيد، كما يراه شاب لم يدخل التجربة بعد، ولم يكتشف أن وراء كل زي رسمي إنسانًا له تعبه ومخاوفه وأيامه الصعبة.
كنت أريد أن أثبت نفسي.
وربما كان ذلك هو الجزء الأكبر من الحكاية؛ لم أكن أبحث فقط عن مهنة أعيش منها، بل كنت أبحث عن شعور داخلي يخبرني أنني أصبحت رجلًا، وأنني استطعت أن أصنع لنفسي مستقبلًا أفتخر به.
لكن الإنسان في شبابه لا يعرف دائمًا الفرق بين أن يختار طريقًا لأنه يحبه، وأن يختاره لأنه يريد أن يثبت شيئًا لنفسه أو للآخرين. وأحيانًا تجتمع الأسباب كلها في قرار واحد، فلا يعود قادرًا على فصل أحدها عن الآخر.
هكذا بدأت الشرطة تحتل مكانًا أكبر في تفكيري.
لم أكن أعرف أن هذا القرار سيأخذني بعيدًا عن الأيام التي عرفتها في طفولتي، وأنني سأعيش بسببه تجارب ستبقى محفورة في ذاكرتي. لم أكن أعرف أنني سأقف يومًا أمام مواقف تتطلب مني أكثر من الشجاعة، وأن الحياة ستعلمني أن القوة ليست دائمًا في الوقوف بثبات، بل أحيانًا في الاعتراف بأن الإنسان قد يتعب، وقد يخطئ، وقد يحتاج إلى بداية جديدة.
في ذلك الوقت، لم أكن أفكر في الندم، لأن الندم لم يكن قد وجد طريقه إلى حياتي بعد. كنت أنظر إلى الأمام، وأرى مستقبلًا أريد الوصول إليه.
كنت شابًا يحمل حلمًا، وربما يحمل معه أيضًا اندفاع المراهقة وثقة من لم يختبر الحياة بما يكفي.
واليوم، عندما أعود بذاكرتي إلى تلك المرحلة، لا أريد أن أحاكم الشاب الذي كنته بعقل الرجل الذي أصبحت عليه. أريد فقط أن أفهمه؛ أن أفهم لماذا أراد ذلك الطريق، وماذا كان ينتظر منه، وما الذي كان يتمنى أن يجده في نهايته.
فكل إنسان يبدأ رحلته وهو يعتقد أنه يعرف ما يريد، لكن الأيام وحدها تكشف له ما كان يبحث عنه حقًا.
أما أنا، فقد كنت على وشك الانتقال من الحلم إلى الواقع.
وكانت الخطوة التالية هي دخول عالم الشرطة، العالم الذي سيمنحني سنوات من التجارب، ويغير نظرتي إلى الحياة، ويترك في داخلي ذكريات لن أستطيع روايتها كلها إلا عندما أكون مستعدًا لمواجهتها من جديد.
لم أكن أعرف ما الذي ينتظرني خلف الباب الذي كنت أحلم بفتحه. كنت أريد فقط أن أعبره.
يتبع…
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!