تحذير المحتوى
هذا الفصل من رواية مصنفة بالغين +16 وقد يحتوي على محتوى غير مناسب لجميع الأعمار.
الفصل الأول: البدايات التي لا نعرف قيمتها
لكل إنسان حكاية تبدأ قبل أن يفهم معنى الحياة، وقبل أن يعرف أن الأيام التي يعيشها ببساطة ستصبح يومًا ذكريات يبحث عنها بين زحام الندم.
أما حكايتي، فقد بدأت في سكيكدة، وسط عائلة محافظة، وفي بيت كان لأبي فيه مكانة خاصة، ليس لأنه والدي فحسب، بل لأنه كان رجلًا يعرفه الناس ويحترمونه.
كان أبي رجل شرطة ملتزمًا، محبوبًا بين من عرفوه. كنت أراه بعيني طفل لا يعرف الكثير عن العالم، لكنه يشعر أن أباه رجل مختلف، رجل يحمل مسؤولية كبيرة ويقف أمام الناس بثبات. لم أكن أفهم آنذاك تفاصيل مهنته، ولا ما تخفيه الأيام خلف ذلك الزي الرسمي، لكن صورته بقيت راسخة في ذهني.
كنت أحب والديّ وأطيعهما، وأجد في وجودهما الأمان الذي يحتاج إليه كل طفل. ومع ذلك، لم أكن طفلًا هادئًا في كل الأوقات؛ كان في داخلي شيء من الشغب وحب التجربة، ورغبة في اكتشاف ما يدور حولي. كنت أعيش بعفوية، لا أفكر كثيرًا في عواقب الغد، ولا أتخيل أن القرارات الصغيرة قد تقود الإنسان، مع مرور السنوات، إلى أماكن لم يكن يتوقعها.
كانت العائلة عالمي الأول، وكانت طفولتي تحمل تفاصيل لا تزال تسكن ذاكرتي. ومن بين تلك التفاصيل، بقيت رحلات العطل إلى عنابة من الذكريات التي لا أنساها بسهولة.
هناك، عند جدتي، كانت الأيام تحمل طعمًا مختلفًا. وكانت رفقة ابن خالتي جزءًا من تلك المرحلة؛ رفيقًا شاركني أوقاتًا كثيرة، وارتبط اسمه في ذاكرتي بتلك الأيام التي كانت فيها الحياة أبسط مما أصبحت عليه لاحقًا.
لم أكن أعرف قيمة تلك اللحظات في وقتها. فالطفل لا يفكر في أن الزمن يمضي، ولا يتصور أن الوجوه التي يراها كل يوم، والأماكن التي يعتادها، والأحاديث العابرة التي لا ينتبه إليها، قد تصبح يومًا أشياء يتمنى لو استطاع العودة إليها ولو لدقائق.
كنت أظن أن الحياة أمامي طويلة، وأن كل شيء سيبقى كما هو. لم أكن أعرف أن الإنسان قد يبتعد عن بداياته كثيرًا، وأنه مهما حاول الهروب إلى الأمام، ستبقى هناك أشياء من ماضيه تسير معه بصمت.
ومع مرور السنوات، بدأت أكبر، وبدأت نظرتي إلى نفسي وإلى الآخرين تتغير. لم أعد ذلك الطفل الذي يكتفي بما تمنحه له الأيام؛ بدأت تتشكل داخلي رغبة في أن أكون شخصًا مميزًا، وأن أثبت نفسي، وأن يراني الآخرون رجلًا له حضوره ومكانته.
لم أكن أعرف كيف أحقق ذلك، ولم أكن أملك الخبرة التي تساعدني على التمييز بين القوة الحقيقية والرغبة في إثبات الذات. كنت فقط أشعر بأنني أريد أن أكون مختلفًا، وأن أترك أثرًا في حياة من حولي.
ربما كانت تلك الرغبة بداية الطريق الذي سأسلكه لاحقًا، وربما لم تكن سوى واحدة من تلك المشاعر التي يمر بها الشباب وهم يبحثون عن هويتهم.
لكنني اليوم، عندما أنظر إلى الوراء، أفهم أن الإنسان لا يعرف دائمًا أين تبدأ الحكايات التي ستغير حياته. أحيانًا تبدأ من بيت العائلة، ومن صورة أب نحترمه، ومن أيام طفولة نظن أنها عادية، ومن أحلام صغيرة تكبر معنا دون أن ننتبه.
لم أكن أعرف ما الذي ينتظرني، ولا كم سأحتاج من الوقت لأفهم نفسي، ولا كم من القرارات سأعيد النظر فيها عندما أكبر.
كنت مجرد شاب يحاول أن يجد مكانه في هذا العالم.
ولم أكن أعلم أن الطريق الذي سأختاره يومًا سيحمل لي لحظات من الفخر، ولحظات من الألم، وذكريات سأعود إليها مرارًا، محاولًا أن أفهم أين تغير كل شيء.
هذه حكايتي، كما أبدأ في روايتها اليوم؛ لا لأجعل من نفسي بطلًا بلا أخطاء، ولا لأبحث عن أعذار لكل ما حدث، بل لأروي ما عشته، وما تعلمته متأخرًا، وما لا يزال يؤلمني حتى الآن.
فأنا لا أكتب لأن النهاية أصبحت واضحة، بل لأنني، رغم كل شيء، ما زلت أحاول أن أفهم الطريق.
ولأن بعض الحكايات، مهما أثقلها الندم، لا تنتهي عند الصفحة الأخيرة.
لم تُكتب النهاية بعد…
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (1)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخول