الفصل الأوّل : ومِيضٌ أَسْوَد
"لِكُلِّ عاصِفَةٍ صَوتٌ مَكتومٌ يَسبِقُ ضَربَتَها، قَد يكونُ هَمسًا مُرعِبًا، أو وَميضًا عَجيبًا، ولَكِنَّهُ حينَ يَقسو، يُدرِكُ المَرءُ أنَّ حَياتَهُ المألوفَةَ لَم تَكُن سِوى غَفوَة."
✶ لا تنسوا التصويت بالضغط على ✩
وترك تعليق بسيط، فآراؤكم هي وقود نيڤارس ✶
نورٌ مُتَجَدِّد:
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد.
∘─────⋅☾ ☽⋅─────∘
لم تكن الساعة قد قطعت من ليلها سوى شوطٍ قصير، لكنَّ وطأة التعب على جسد "لينا" كانت توحي بأن الفجر قد ضلَّ طريقه. تخطو الآن في تلك الشوارع الجانبية، حيث تتراقص أضواء خافتة فوق برك المطر الصغيرة، كأنها تستجدي الدفء من رصيفٍ بارد.
كانت رائحة الإرهاق تفوح من ثيابها؛ ذاك الإرهاق الذي لا يزول بالنوم، بل يتغلغل في العظام كصدأٍ قديم. يدها كانت تقبضُ بقوةٍ على حقيبتها المهترئة، وفي عقلها تدور حسابات لا تنتهي: 'إيجار المنزل، ثمن دواء أخيها "آدم"، وساعات العمل التي تنهبُ زهرة شبابها'.
بدت المدينة حولها مجرد جدرانٍ صامتة، لا تبالي بـفتاةٍ في أواخر عشرينياتها، تحاول وحدها أن تكون سدًا منيعًا أمام أمواج الحياة المتلاطمة.
بين حينٍ وآخر، كان يتردد في الأفق طنين محركاتٍ بعيدة، يخدشُ صمت الليل الشاحب ويُذكره بأن العالم الخارجي لا يزال يضج بالحركة، بعيدًا عن عزلتها الاختيارية.
قطعت الشارع الرئيسي بخطواتٍ شاردة، وعيناها معلقتان بظلّها الممتد أمامها، غافلةً عن تلك الأضواء القوية التي اخترقت الظلام فجأة من جهة اليمين. لم تسمع في البداية سوى زمجرةٍ مكتومة لمحركٍ جبار، سرعان ما تحولت إلى صرخةٍ معدنيةٍ مرعبة... عويل إطاراتٍ ينهش الإسفلت بجنون.
تجمّد العالم في عينيها...
الضوء المبهر عمى بصيرتها، والهواء البارد لُفح بحرارة المحرك المندفع نحوها كوحشٍ كاسر. في تلك اللحظة التي يسبق فيها الموت النبضة الأخيرة، لم تشعر بـالارتطام... فقط فراغ مباغت سحب بساط الواقع من تحت قدميها.
انبثق من قلب العتمة —وميضٌ أسود—، كثافة غامضة انتزعت الضوء من المكان. أحست وكأنَّ يدًا غير مرئية، منسوجةً من ظلالٍ سحيقة، قد انتشلتها من مسار القذيفة المعدنية. ثانيةٌ واحدة سقطت من حسابات الزمن؛ تلاشت فيها الأصوات، واختفت الجاذبية، وكأنها عبرت برزخًا لا ينتمي لهذا العالم، قبل أن تجد نفسها ملقاةً على الرصيف المقابل، وجسدها يرتجف بذهولٍ لا يستوعبه عقل.
استفاقت على صوت الباب المعدني وهو يُصفق بعنفٍ زلزل سكون المكان.
ترجّل من السيارة رجل كان حضوره يطغى على أرجاء المشهد، ملامحه كأنها قناع من الجليد والكبرياء. لم يسألها إن كانت بخير، ولم يرمقها بنظرة شفقة؛ بل كانت عيناه تفيضان باحتقارٍ لمن تجرأ وعرقل طريقه.
مدَّ يدهُ ببرودٍ يقتل الروح، وألقى بحزمةٍ من الأوراق المالية نحو وجهها بازدراء، لتتناثر عند قدميها كأوراق خريفٍ ذابلة.
نطق بصوتٍ حاد، فيه نبرة تشبه نصل السكين:
– هـه... سـلعةٌ رديـئة... وخـدعةٌ بلـيدة!
لم يمنحها فرصةً لتلتقط أنفاسها أو تدرك ماهية الوميض الذي أنقذها؛ استدار كإعصارٍ واثق، وانطلق بسيارته مخلفًا وراءه غبارًا اختلط بمرارة المذلّة في حلقها.
حدّقت "لينا" في الأوراق المالية المتناثرة تحت قدميها، وقد اشتعلت عيناها بشررٍ غريب. صرخت بصوتٍ محتدمٍ مزّق نسيج الليل:
– أيظنني بَغيًّا؟! أيحسبُ أنَّ كرامتي تُقايض بحفنةٍ من ورقِه؟! تبًّا له... ولعالمٍ يظن أنَّ المرأة مجرد سلعة!
انحنت تجمعُ المال بيدين ترتجفان بـنارٍ خفية، ثم مزقت الأوراق ورقةً تلو أخرى، تبعثرت الأشلاء في الهواء، وكأنها قرابينُ غضبٍ تُقدمها لليل الذي شهد انكسارها... وانبعاث شيءٍ ما داخلها.
∘─────⋅☾ ☽⋅─────∘
عادت إلى منزلها بخطىً مثقلةٍ بالأسى، تجرُّ خلفها خيبةً لا يمحوها تعب النهار. دخلت ذلك المبنى المتهالك الذي يفوح برائحة الزمن والوحدة. منذ —ثمانية أعوام—، وصمت الجدران هو عائلتها الوحيدة، بعد أن غاب الدفء وأصبحت هي الجذع الذي يستند إليه طفل لم يتجاوز العاشرة.
توقفت أمام باب جارتها، السيدة "خديجة". لم تكن مجرد جارة، إنما غصنًا جديدًا نبت في حياتها اليابسة، ومرفأَ الأمان.
هي التي فقدت زوجها ووحيدها في حادثةٍ قديمة، فوجدت في "لينا" و"آدم" سُلوةً وقَدرًا، فكانت تُقاسمهما الكِسرة وتُدفئهما بالحنان، حتى غدا لقبُ —أمي— على لسان "لينا" ليس مجرد نداء، بل اعترافًا بجميلٍ لا تسعه الكلمات.
∘─────⋅☾ ☽⋅─────∘
طرقت الباب بنقراتٍ خافتة، لتفتحه "خديجة" فورًا وكأنها كانت تنتظر خلفه. ارتسم القلق على ملامحها الطيبة وهي تتفرس في وجه "لينا" الممتقع وثيابها الملوثة بتراب الرصيف.
هتفت "خديجة" بلهفةٍ وهي تمسح على وجنة "لينا" الباردة:
– يا لطيف! ماذا جرى؟ تأخرتِ يا صغيرتي، وقلبي كان يغلي كالمرجل.
تنهدت بوجع وهي تزيح خصلة متمردة من شعر "لينا"، ثم تابعت بصوتٍ متهدج :
– وجهكِ ينطقُ بمرارةِ كتمانك حبيبتي.
حاولت "لينا" حبس غصةٍ تمزق حلقها، وهمست بوهن:
– لا تقلقي يا أمي... هو عناء العمل فحسب، وضجيج الطريق الذي لا يهدأ. هل غفا "آدم"؟
ردت "خديجة" بإشفاق، وهي تجذبها للداخل قليلًا لتفحصها بعين الخبير:
– أجل، منذ ساعتين... كان يسأل عنكِ حتى غلبه النعاس بين يدي... يا ابنتي، أنتِ تُحمّلين نفسكِ فوق طاقتها. انظري إلى حالكِ، الهالات السوداء نبتت تحت مقلتيكِ كأشواكٍ تسرق نضرة شبابكِ. ليتني أقدر على حملِ نصفِ همكِ عنكِ.
ترقرقت العبراتُ في عيني "لينا"، ومالت برأسها على كتف "خديجة" لثانيةٍ واحدة مستجديةً دفئًا افتقدته طويلًا:
– وجودكِ هو ما يمنحني الثبات يا أمي، لولاكِ لتهالكت قوايَ منذ زمن. سآخذ "آدم" الآن، أحتاجُ للنوم... أحتاجُ لأن أنسى هذا اليوم.
∘─────⋅☾ ☽⋅─────∘
حملت شقيقها الصغير بين ذراعيها، كان جسده ينضحُ ببراءةٍ خففت من وطأة جمرِ قلبها. دخلت شقتهما الباردة، ووسدت "آدم" فراشه، وبينما كانت تتأمل سكونه في عتمة الغرفة، دَوى في مسمعها —طنين— غامض، وصورة الوميض الأسود تلمع خلف جفونها بقوة.
تمددت في فراشها، بيدَ أن صمت الغرفة لم يكن هادئًا. كان همسًا مريبًا... ينبعث من الزوايا المظلمة. وحين شارفت على الانغماس في بئر النوم، انطلق رنين الهاتف ليشق نسيج السكون.
كانت صديقتها "سلمى".
أجابت "لينا" بصوتٍ مضطرب:
– أهلًا "سلمى"... أتمنى أن يكون هناك سببٌ قهرِيّ لاتصالكِ في هذه الساعة.
نبرة "سلمى" كانت مشحونةً بتوترٍ غير مألوف:
– "لينا"... دعينا من هذا الآن. صوتكِ يرتجف بوضوح رغم محاولتكِ لادعاء الثبات. ماذا حدث؟ هل عادت الظلال مجددًا؟
هنا انفجرَ الوجعُ المكتومُ في صدرِها، وهمست باختلاج:
– ليتها الظلال فحسب يا "سلمى"! الليلة.. كدتُ أبلغ رمقي الأخير في نكبةٍ وشيكة. انطلقت نحوي سيارة كالقضاء المحتوم، لولا أنَّ نسيج الزمن انفتق!
تحشرجت الأنفاس في صدرها كأنَّ الكلمات أشواك تمزق حنجرتها، لتتابع بنحيبٍ متقطع:
– وميضٌ أسود يا "سلمى"... كثيفٌ كـ ليلٍ سرمدي، ومخيف بجمالٍ لا عهدَ للأرض به. شعرتُ بكياني يُنتزع من مكانه، وكأنني لم أعد أنتمي لهذا الثرى البارد.
ساد صمت رزين على الطرف الآخر، قبل أن تنطق "سلمى" بصرامةٍ تغلغل فيها عتابٌ مرير وقلق ينهش قلبها:
– حَسبُكِ يا "لينا"! أرأيتِ الآن؟ لقد بطلت حُجّتكِ الواهية بأنه —إجهادُ عمل—.
أما آن لكِ أن تصدقي أنَّ حدسي لم يخطئ؟ الكوابيس، الظلال، والآن هذا الوميض المريب؛ كلها شواهد على خطرٍ يتربص بكِ في الخفاء، ولن أُسْلِمَكِ لغياهب هذا الظلام ما دامَ فيَّ عِرق ينبض.
أطرقت "لينا" برأسها، لتنهال عليها ذكريات الأيام الأخيرة كشظايا حادة: ظلال تقتات على سكون الزوايا وتترصد خطاها، همسات مبهمة تنزلق إلى مسمعها قبل أن تتلاشى، وليالٍ يمزقها ذعر الكوابيس... وأخيرًا، ذاك الوميض الأسود الذي جمد الدماء في عروقها.
بَدَّدت "سلمى" صمت الذكريات بنبرةٍ آمرة، انتزعت "لينا" من غياهب شرودها:
– غدًا صباحًا... استعدي!
تملَّكَ "لينا" ارتباك جَليّ، وشخصت ببصرها نحو الفراغ متوجسة:
– أستعدُّ لـ ماذا؟!
جاءها الرد جادًا، مثقلًا بيقينٍ لا يلين:
– سنذهبُ لمختصٍّ في الروحانيات... لا بدَّ من كشف كُنهِ تلك القوى قبل أن تُطيح بما تبقى من رصيد حياتكِ.
لم تكد "سلمى" تتم جملتها، حتى شعرت "لينا" ببرودةٍ مفاجئة تجتاح الغرفة، واستحالت أضواء الشقة ترتعش بخفقاتٍ مضطربة، وكأنَّ هناك نفسًا عميقًا يُسحب من جدران المكان.
استبدَّ الرعب بأوصالها، ولم تَعُد قادرةً على لجم صرخةٍ مزقت سكون الليل، صرخةٍ حملتْ ثِقل كل ما كتمته لأيام.
على الطرفِ الآخر، انتفضت "سلمى" بجسدٍ يرتجف، وصاحت بهلعٍ زلزل صمت سماعتها:
– "لينا"! "لينا" أجيبيني... ماذا يحدث؟! "لينااااا"!
∘─────⋅☾ ☽⋅─────∘
"ليسَ الصمتُ غيابًا للضجيج، بل هو حضورٌ طاغٍ لحقيقةٍ لا تتحمَّلُها الحناجر... ففي تلكَ العتمةِ المباغتة، لم يختفِ الصوتُ وحدهُ، بل انفرطَ عقدُ العالَمِ المألوف، لِيُولدَ من رَحِمِ اللاشيءِ ما لا يُمكنُ رَدُّه."
انتهى.
•شاركوني آراءكم وتوقّعاتكم في التعليقات، فالتفاعل يُسعِدني! أسأل الله لكم العافية والسلامة حتى نلتقي مجددًا.
...نلتقي حيث تتكشّفُ الظلال.
- يارا عادل ✶ يوريتا
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!