مدينة التي لا تشبه نفسها
الفصل الثاني:
مرت سنوات قليلة منذ الليلة التي سألت فيها حسيبة والدها: «هل نحن أحرار؟»
لكن السؤال لم يختفِ.
كان يكبر معها، مثل ظلّ لا يفارقها.
في صباحٍ بارد، خرجت حسيبة من منزلها متجهة إلى المدرسة. كانت تحمل كتبها بين ذراعيها، وتمشي بسرعة بينما كانت خصلات شعرها تتحرك مع نسيم الصباح.
كانت الجزائر العاصمة تبدو جميلة كعادتها.
البحر في البعيد.
البيوت البيضاء فوق المنحدرات.
الأزقة الضيقة.
أصوات الباعة.
لكن حسيبة لم تعد ترى المدينة كما كانت تراها وهي طفلة.
أصبحت ترى أشياء أخرى.
نظرات الناس.
الجنود المنتشرين في بعض الشوارع.
الحديث الخافت بين الكبار.
والصمت الذي يأتي فجأة عندما يمر أحد الغرباء.
دخلت المدرسة وجلست في مكانها.
فتحت كتابها.
لكنها لم تستطع التركيز.
كانت تفكر في شيء حدث في اليوم السابق.
رأت امرأة جزائرية تقف أمام متجر، تحمل بعض الأغراض، بينما كان رجل فرنسي يتحدث معها بلهجة قاسية.
لم تعرف حسيبة ماذا قال.
لكنها عرفت من وجه المرأة أنها تأذت.
وفي طريق العودة، مرت بالمكان نفسه.
كان المتجر قد أغلق.
وقفت للحظة.
ثم تابعت سيرها.
في المساء، كانت العائلة مجتمعة حول المائدة.
وضعت والدتها الطعام، وجلس الجميع.
كانت حسيبة صامتة.
لاحظ والدها ذلك.
— ما بكِ؟
رفعت عينيها.
— لا شيء.
ابتسم.
— أعرفكِ. عندما تقولين «لا شيء»، فهذا يعني أن في رأسك عشرات الأسئلة.
ابتسمت حسيبة رغمًا عنها.
ثم قالت:
— أبي... لماذا أشعر أن هناك فرقًا بين الناس؟
توقف عن الأكل.
— أي فرق؟
— بعض الناس يتحدثون وكأنهم أصحاب المكان... وبعضهم يتحدث وكأنه يجب أن يعتذر لأنه موجود.
ساد الصمت.
رفعت والدتها عينيها إليها، ثم إلى والدها.
قال والدها:
— لأن العالم ليس عادلًا دائمًا.
اعترضت حسيبة:
— لكن لماذا نقبل به؟
نظر إليها والدها طويلًا.
— ومن قال إن علينا أن نقبله؟
اتسعت عيناها.
كانت تلك أول مرة تسمع منه إجابة كهذه.
اقترب منها قليلًا.
— لكن لا تتعجلي يا حسيبة. هناك فرق بين أن تعرفي أن شيئًا خاطئ، وبين أن تعرفي كيف تواجهينه.
سألته:
— وكيف أواجهه؟
ابتسم بحزن.
— أولًا... تعلمي.
نظرت إلى كتبها.
— أتعلم ماذا؟
— كل شيء.
ثم أضاف:
— التاريخ. اللغة. الناس. الحياة. نفسك.
صمتت حسيبة.
كانت كلماته بسيطة.
لكنها شعرت بأنها تحمل معنى أكبر.
ومنذ ذلك اليوم، بدأت تتعامل مع دراستها بطريقة مختلفة.
لم تعد الكتب مجرد واجبات مدرسية.
أصبحت وسيلة لفهم العالم.
كانت حسيبة تقضي ساعات طويلة في القراءة.
تقرأ عن تاريخ الجزائر.
عن المدن القديمة.
عن الشخصيات التي مرت على هذه الأرض.
عن الشعوب التي قاومت الاحتلال عبر التاريخ.
وكان أكثر ما يثيرها هو سؤال واحد:
كيف يستطيع شعب أن يستعيد حريته؟
كلما قرأت أكثر، زادت أسئلتها.
وكلما زادت أسئلتها، أصبحت أكثر إصرارًا على البحث عن الإجابات.
لكن المدرسة لم تكن المكان الوحيد الذي تتعلم فيه.
كانت الحياة نفسها مدرسة.
وفي أحد الأيام، كانت تسير في أحد أحياء الجزائر العاصمة عندما سمعت نقاشًا بين رجلين.
قال أحدهما:
— الوضع لن يبقى هكذا إلى الأبد.
رد الآخر بسرعة:
— اخفض صوتك!
نظرت حسيبة نحوهما.
لم تسمع المزيد.
لكنها حفظت الجملة.
لن يبقى هكذا إلى الأبد.
من قالها؟
ولماذا كان الرجل الآخر خائفًا؟
عادت إلى المنزل وهي تفكر فيها.
وفي تلك الليلة، فتحت دفترًا صغيرًا.
كتبت في أعلى الصفحة:
أسئلة لا أملك لها إجابة.
ثم كتبت:
«لماذا يخاف الناس من الكلام؟»
تحتها:
«لماذا لا يكون الجميع متساوين؟»
ثم:
«ماذا يعني أن تكون الجزائر حرة؟»
توقفت.
نظرت إلى الكلمات.
ثم أغلقت الدفتر.
مرت السنوات.
وأصبحت حسيبة شابة.
لم تعد الطفلة التي تقف عند النافذة وتسأل والدها عن الجنود.
لكن شيئًا من تلك الطفلة بقي فيها.
فضولها.
عنادها.
ورفضها أن تقبل الإجابات السهلة.
كانت تملك شخصية قوية، وكانت ترى أن العلم لا قيمة له إذا لم يجعل الإنسان أكثر وعيًا بما يحدث حوله.
ثم جاء عام 1954.
كان ذلك العام مختلفًا.
بدأت أخبار تصل من أماكن مختلفة.
أحاديث عن رجال تحركوا.
عن عمليات.
عن ثورة.
عن شيء جديد بدأ في الجزائر.
لم تكن الصورة واضحة في البداية.
لكن حسيبة شعرت أن التاريخ يتحرك أمام عينيها.
وفي أحد الأيام، عادت إلى المنزل ووجدت والدها يتحدث مع رجل لم تره من قبل.
عندما دخلت، توقف الحديث.
نظر الرجل إليها.
ثم نهض.
— مساء الخير.
أجابته:
— مساء الخير.
خرج الرجل بعد لحظات.
انتظرت حسيبة حتى أغلق الباب.
ثم نظرت إلى والدها.
— من هذا؟
— رجل أعرفه.
— ولماذا كنتما تتحدثان بصوت منخفض؟
لم يجب.
اقتربت منه.
— أبي.
قال بهدوء:
— هناك أشياء تحدث في البلاد.
— أعرف.
تفاجأ.
— ماذا تعرفين؟
قالت:
— الثورة بدأت.
ظل ينظر إليها.
لم تكن في عينيها تلك المرة أسئلة الطفولة.
كان هناك شيء آخر.
تصميم.
قال:
— هذه ليست لعبة يا حسيبة.
أجابته:
— أعرف.
— الناس قد يموتون.
صمتت.
ثم قالت:
— وأناس آخرون يموتون وهم لا يملكون حتى فرصة للدفاع عن أنفسهم.
لم يجد والدها جوابًا.
كانت تلك أول مرة يشعر فيها أن ابنته لم تعد طفلة.
في تلك الليلة، خرجت حسيبة إلى الشرفة.
كانت المدينة مضاءة.
البحر هادئ.
لكن شيئًا في قلبها لم يكن هادئًا.
وضعت يديها على الحاجز الحجري.
تذكرت كل الأسئلة التي كتبتها في دفترها.
ثم تذكرت جملة والدها:
«تعلمي أولًا.»
لقد تعلمت.
قرأت.
راقبت.
وفهمت.
والآن بدأ سؤال جديد يظهر.
ليس:
لماذا؟
بل:
ماذا سأفعل؟
رفعت حسيبة عينيها نحو سماء الجزائر.
ولم تكن تعرف أن الإجابة ستغير حياتها إلى الأبد.
في مكان ما من المدينة، كان رجال آخرون يتخذون قراراتهم أيضًا.
والطريق الذي كانت حسيبة تقترب منه...
لم يكن فيه مجال للعودة.
نهاية الفصل الثاني.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!