وضع القراءة:

الطفلة التي كانت تسأل

كانت الجزائر العاصمة تستيقظ قبل أن تستيقظ الشمس.
في الصباح الباكر، كانت أصوات الباعة تتسلل بين الأزقة، وتختلط برائحة الخبز الساخن القادمة من المخابز القديمة. ومن بعيد، كان البحر يلمع تحت أشعة الشمس الأولى، وكأن المدينة تخفي وراء جمالها شيئًا لا يريد أحد أن يتحدث عنه.
في أحد البيوت، جلست طفلة صغيرة قرب النافذة.كانت تراقب المارة.
لم تكن تعرف لماذا كان بعض الرجال يتحدثون بصوت منخفض عندما يمر الجنود.
ولم تكن تفهم لماذا تتغير ملامح الكبار عندما يسمعون أخبارًا معينة.
لكنها كانت تلاحظ.واسمها كان حسيبة.
كانت حسيبة مختلفة عن الأطفال الآخرين.
لم تكن تكتفي بأن يقال لها: «هكذا هي الحياة».
إذا سمعت كلمة لا تفهمها، سألت.
وإذا لم تقتنع بالإجابة، سألت مرة أخرى.
وفي ذلك الصباح، دخل والدها الغرفة.
وجدها لا تزال عند النافذة.قال:
ماذا تفعلين هنا منذ الصباح؟
التفتت إليه.
أراقب الناس.
ابتسم.
وماذا وجدتِ؟
فكرت قليلًا.ثم قالت:
الناس لا يبتسمون كثيرًا.
تغيرت ابتسامة والدها.
اقترب من النافذة ونظر إلى الخارج.
قال بهدوء:
لكل إنسان أشياء يحملها في قلبه.
نظرت إليه حسيبة.
مثل ماذا؟
لم يجب فورًا.
ثم قال:
أحيانًا يحمل الإنسان الخوف.
صمتت.
ثم سألت:
ولماذا يخاف الناس؟
نظر إليها.
كانت مجرد طفلة.
لكنه أدرك أن هذا السؤال لن يكون الأخير.
قال:
ستفهمين عندما تكبرين.
عبست حسيبة.دائمًا تقولون لي ذلك.
ضحك والدها قليلًا.
لأنك تسألين كثيرًا.
أجابت بسرعة:
وهل كثرة الأسئلة شيء سيئ؟
هذه المرة لم يضحك.
نظر إليها طويلًا.
ثم قال:
لا.
ووضع يده على رأسها.
لكن تذكري يا حسيبة... بعض الأسئلة تغير حياة الإنسان.
لم تفهم معنى كلامه في ذلك الوقت.
كانت صغيرة جدًا.
لكنها حفظت الجملة.
ومرت الأيام.
ثم السنوات.
كبرت حسيبة، وكبرت معها الأسئلة.
أصبحت الكتب رفيقتها.
كانت تقرأ وتتعلم وتراقب ما يحدث حولها.
وبدأت تفهم شيئًا فشيئًا أن الجزائر التي تراها في الكتب ليست تمامًا الجزائر التي تعيش فيها.
هناك تاريخ.
هناك شعب.
وهناك وطن.
وهناك أيضًا واقع مفروض على الناس.
وفي أحد الأيام، خرجت من المدرسة وسارت في الطريق المؤدي إلى منزلها.
كان الشارع مزدحمًا.
توقفت فجأة.
رأت رجلًا جزائريًا يتحدث مع جندي فرنسي.
لم تسمع كل الكلام.
لكنها رأت شيئًا في وجه الرجل.
كان الغضب موجودًا.
والعجز أيضًا.
واصلت طريقها.
لكن الصورة بقيت في ذهنها.
في المساء، جلست إلى جانب والدها.
كانت تريد أن تسأله.
ترددت.
ثم قالت:
أبي؟
نعم؟
هل الجزائر لنا؟
رفع عينيه عن الكتاب الذي كان يقرأه.
ساد الصمت.
لم تكن حسيبة تعرف لماذا أصبح السؤال ثقيلًا فجأة.
قال والدها:
ماذا تقصدين؟
أقصد... هل نحن أحرار؟
هذه المرة لم يقل لها: «ستفهمين عندما تكبرين».
ظل صامتًا.
وحين لم يجب، فهمت حسيبة أن السؤال أكبر مما كانت تظن.
وفي تلك الليلة، لم تنم بسرعة.
كانت تحدق في سقف الغرفة.
تتذكر الشوارع.
الجنود.
الرجل الذي رأته.
كلمات أبيها.
ثم قالت لنفسها:
سأفهم.
كانت تلك أول مرة تتخذ فيها قرارًا لا تعرف إلى أين سيقودها.
لم تكن تعرف أن السنوات القادمة ستأخذها إلى قلب واحدة من أصعب صفحات تاريخ الجزائر.
ولم تكن تعرف أن الطفلة التي تسأل عن الحرية ستصبح يومًا شابة مستعدة للتضحية بحياتها من أجلها.
كل ما كانت تعرفه في تلك الليلة...
أن السؤال بدأ.
وأنها لن تتوقف عن البحث عن إجابته.
3 قراءة
1 إعجاب
1 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (1)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول
منذ 6 أيام
إنها اول رواية لي اتمن ان تعجبكم

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.