ثمانيةُ أقمار
كانت ناديا على حق، فالجنازة الهائلة التي شهدت مرورها بعد يومين من حادثة إطلاق النار في الغابة كانت جنازة الزبون الذي لطالما عكّر صفو نُهُرها، العقيد فيكتور فليبوف.
كانت الرياح الشتوية تضرب بقسوة، وقد باءت محاولات النقيب غانديف لإثبات أنه مازال يُحكم السيطرة على الأوضاع جميعها رغم كل شيء بالفشل، وقد برز وضوح هذا في نظرة الهلع التي حاول جاهداً إخفائها حين وصل فوج من الجنود الهاربين من ساحات القتال إلى بلدتهم، يصيح غانديف بنبرته الصارمة كعادته "انتباه! أيها الجنود، تحرّكوا مباشرةً إلى الثكنات وسلّموا أسلحتكم، على النساء الاحتماء داخل الدور.." هرج ومرج في ساحة البلدة، والجموع المحتارة تجهل هل تُرحب بعودة الجنود من حربهم أم تنصاع لأوامر النقيب وتحتمي داخل دورهم.
قاطعه صوت أحد الجنود محتجاً "من تُخيف؟ أيها الوغد مصاص الدماء! إلى متى ستستمرون في تعذيب الناس؟"
"التزموا الهدوء! الحرب لم تنتهِ بعد" أجاب برصانة، ما أثار سخط جنوده أكثر
"سوف ننهيها بأنفسنا!" ارتفع صوت الجنود في احتجاج يهتفون "سحقاً للحرب!"
اندفعت ناديا وسط الجمع الذي أخذ يشارك الجنود هتافاتهم، ووقفت حيث تُصبح الساحة مكشوفة بأكملها أمامهما، تُفتش الجنود بعينيها أملاً أن ترى زوجها بينهم، صاح الرجل خلف مجموعةٍ من الجنود كانت قد تجاهلته وتوجهت بأسلحتها نحو الثكنات "إخوتي لا تذهبوا، ماذا أنتم فاعلون؟ ألم نُعاني بما فيه الكفاية بِيَد الكثير من الأجانب؟ .. إخوتي أيها الأبطال لقد أدّيتم واجبكم في ساحات القتال .."
صوت هامس من خلف ناديا جاء متسائلاً "هل يحاول إقناع الجنود بالعودة من حيث أتوا؟ إلامَ يرمي بالضبط؟" التفتت ناديا لترى صاحبة الصوت ثم هزّت رأسها ونظرها مثبّت على الجندي الغاضب وهو يُلقي بأوسمة أحد رفاقه على الأرض، "لا أريد ميدالياتك! نريد أن نعرف من يدير هذه الدولة!" هاج الجمع مجدداً وتوارى الضابط غانديف عن الأنظار وظهر عوضاً عنه العقيد ميخائيل، تراجعت النساء إلى الخلف وساد الصمت في الساحة ولم يبقَ إلا صوت العقيد الأشيب يأمر الجميع بالانضباط بعد أن أطلق رصاصتين في الهواء ليُعيد السّكّان إلى رشدهم. كانت قد بدأت بالانتشار شائعات عن معاهدات سلام يعمل على إتمامها ذوو السلطة العليا، وكان الجنود رافضين أن تنتهي الحرب دون نهايةٍ حاسمة، إما هزيمة أو انتصار، فالاستسلام للسلام كان يعني أن تذهب جميع تضحياتهم وأرواح رفاقهم سدى، لأجل لا شيء، لأجل أن يجلس القادة على كراسيهم منتشين بما يعتقدون أنه إنجاز عظيم قد ذاقوا الويليَن لأجله، بينما في واقع الأمر هُم يصيحون بصيحات الحرب التي تثير في دماء اليافعين الحماسة وتقودهم بلا تردد نحو حتفهم في ساحات القتال ثم يعودون ليجلسوا في مقاعدهم المريحة وغرفهم الكبيرة الواسعة، ومعظمهم لم يسمع صوت الرصاص في حياته ولو سمع لهرب إلى حيث لا ندري. لكنه كان الحل الأمثل لإنهاء الصراع ووضع حدّ للخسائر البشرية. وقد أذاع أملاً بِلَمّ شمل العائلات بأبنائها من جديد.
كانت مادلين تسكب النبيذ الرخيص في كؤوس العجائز، وتوزّع قطعاً من الخبز والجبن على الجنود العائدين، التفتت لناديا، صديقتها القديمة، التي آوت إلى حانتها الصغيرة بعد المشهد الذي جرى في ساحة البلدة، وقالت بقلق "لقد سمعت أن مئات الجنود قد لقوا حتفهم بحُمّى التيفوئيد .. إنه وباء .. هل ذَكَرَ أوبرينوفيتش أي شيء لكم؟" ، ارتجفت ناديا ذعراً من مجرد التفكير بأن زوجها العزيز ديمتري قد يكون رقماً وسط المئات من هؤلاء الجنود الذين تعثّر بهم القدر للموت بهذه الطريقة المأساوية، تناولت كأساً من الماء وارتشفت منه بهدوء وهي تصطنع الشجاعة الكافية للرد ثم قالت "أنّى لأوبرينوفيتش أن يعلم؟ المسكين حاله لا يختلف عن حالنا" ثم ظهر الارتجاف في صوتها وهي تسأل "هل عاد زوجكِ؟" رقّت عينا مادلين وظهر الحزن واضحاً فيهما ثم أومأت نفياً، وضعت ناديا كوبها وألقت نظرة بطيئة حولها، اعتراها شعور بالشفقة على كل بشريّ تورّط في هذه اللعبة، والأكثر شعور بالقلق من خسران الرجل الوحيد الذي تعتَضِد به، ثم قالت "أرجو أن تكون إشاعة" وضعت كفّها على بطنها، تُحسّس عليها بِرقّة وخوف. ارتدت مادلين معطفها وناولت سلّة الخبز للصبي كابي كي يواصل توزيعه على الجنود العائدين، "احذر أن يُسرَق، ووزِّعهم بِحرص" ، ثم غادرت مع ناديا. كانت مادلين من السكّان القلائل الذين لم يروا مشكلةً في اختلاف ناديا وخالتها، وقد خلق هذا مساحة آمنة لناديا كي تكون حولها، فاعتبرتها صديقتها الوحيدة، كان زوجها قد غادر والتحق بالجيش مجبراً من قبل أن يلتحق به ديمتري، ولم يعُد أبداً خلال السنوات الثلاث الماضية، ألقَتا التحية على الجدّ بيتروف حيث كان منهمكاً في إضاءة عواميد الإنارة العتيقة في البلدة، لوّح لهما من فوق سُلّمه ودعا لهما بحياةٍ مديدة، ثم سلكت مادلين المنعطف نحو بيتها تاركةً ناديا تُكمل الطريق وحدها نحو قمة التلّ.
كانت شمس الصباح التالي دافئةً على نحوٍ غريب، الدفء الذي يجعل الإنسان يتصالح مع جميع مشاكله ويتقبّلها بل ويُحبّها باعتبارها جزءاً من الصِّراط الذي عليه أن يخطو على كلّ طوبةٍ فيه لِيَصل إلى جنته المنشودة. غمر هذا الدفء ناديا حتى النخاع، لم تتسائل أثناء صلاتها عن سبب عدم استجابة دعائها، ولم تشعُر بالكراهية تجاه شرور العالم، كان لهُ مفعول المخدّر على بدنها فأنساها مشاكلها ونقّاها من كل ما يُعكّرها، ولوهلةٍ بدا وكأن لحظة سلامها الداخلي قد أصابت عدواها العالم فخلقت نوعاً من الهدوء. وضعت بعض الأزهار على قبر والدتها وهرولت بخفّة لتلحق بخالتها التي قد سبقتها بالفعل حتى الجسر. على عكس ناديا، بدت ديان مرتبكة هذا الصباح، كان حِدسها يشتم رائحة كارثة قريبة لكنها لم تكُن قادرةً على تحديد الاتجاه الذي ستظهر منه تلك الكارثة، فاستمرّت بإعطاء هذا الشعور التجاهل الذي ظنّت أنه يستحق. دفعة جديدة من الجنود قد عادت اليوم، وأوبرينوفيتش جالس في الحديقة منتظراً سيدتا المنزل ليبشرهما بالخبر السار آملاً أن يكون ديمتري بين الجنود العائدين، اقتطف لنفسه حبّة إجاص واستند على الجدار، يمسحها بمعطفه ثم يُقرّبها من فمه ليأكلها، أخذ يدندن بصوتٍ مرتجف أغنيته المفضلة التي تذكّره ببلاده، "بعيداً، بجانب البحر، هناك قريتي، حي.." قطع غنائه صوتٌ صدر من خلفه، صوت حجارةٍ تتكسر، انتفض مبتعداً عن الجدار وحدّق به بارتباك ثم اقترب مجدداً واضعاً أذنه عليه وتحرك ببطء باتجاه الصوت حتى وصل إلى نقطةٍ يُسمع منها صوت تشقق الحجارة بوضوح، وأُثير قلقه حين لاحظ هشاشة الجدار عند تلك النقطة ما دفعه لمحاولة تحريك الحجر للوصول لمصدر الصوت لكنه توقف حين سمع صوت ناديا من خلفه "أوبرينوفيتش؟ .. صباح الخير" التفت سريعاً ليُقابل ابتسامتها المشرقة بإحدى ابتساماته الصغيرة اللاتي تتعرّج فيها شفتاه، كان جليّاً لها ارتباكه وهو يحك رأسه قائلاً "صباح الخير سيدتي الشابة .. مزاجكِ مشرقٌ هذا الصباح" أومأت واقتربت منه قائلة "تجوّلتُ في البلدة قليلاً، فيليكو ترنوفو تحافظ على جمالها بطريقة غامضة رغم ما يواجهها من ظروف قاسية" ثم تداركت ما قالته بابتسامة خجولة وأسفٍ ضئيل بانَ في عينيها "اعذرني، أعتقد أنك تبغضها" فأردف ضاحكاً
-"لا تستعجلي الحكم على مشاعري لهذه البلدة، فأنا معجبٌ بها رغم وجود الأسلاك الشائكة"
تخطّته متجهةً نحو الباب "من الجميل سماع هذا.. هيا تفضل، أنتَ ضيفي على الفطور، ذهبت خالتي إلى بيت العقيد ولن تعود قبل الظهيرة" ، ألقى نظرةً قصيرة على الحجر الذي حاول تحريكه قبل دقائق ثم تبعها إلى داخل المنزل، صوتٌ مجهول بداخله قد وسوس له بتجاهل الأمر وتركه على حاله، لذا فقد تناساه ولم يذكُر لناديا شيئاً عن هشاشة حجارة الجدار في ذلك الجانب، لكنها قد لاحظت الأمر كله منذ رأته يحاول إزالة الحجر قبل أن تباغته بدخولها، وقررت أن تفحص الجدار بنفسها لتتأكد من صحة تفكيرها، فَبَعد أن تناول إفطاره وحمل قنينة من شراب البراندي وغادر قاصداً مركز البلدة ليتشارك الشراب مع رفاقه خرجت هي لفحص الجدار من الخارج ولم تحتج الكثير من الوقت، فقد كان الحجر بارزاً من مكانه وكأنه يدلها لتقترب منه وتزيله لتكشف ما خلفه، ولسببٍ ما لم تتفاجأ حين وجدت القلادة التي أخذتها ديان من جثة والدتها موجودة هناك بين فتات الحجارة، كانت تشعّ بشكل مريب مثل المرة الأولى التي رأتها فيها وقد انطفأ شعاعها حين وضعتها ناديا حول عنقها، أعادت الحجر إلى مكانه في الجدار ثم استدارت لتعود للمنزل وفي ذهنها تدور مشاهد من حلم لم تره من قبل، غرفة كبيرة مفروشة بسجادٍ ثمين وأثاث فاخر، لها شرفة تُطل على حديقة لا تكاد تُرى لها نهاية تتوسطها نافورة هائلة من الرخام الأبيض، ونساءٌ يرتدين أثوابَ تفضح ثرائهنّ الفاحش يتبخترن بين أزهارها وأشجارها، وعلى حافة الشرفة يرقد طاووس أبيض في ذيله ريشة ذهبية. شعرت بحرارةٍ تتسلل إلى رأسها فآلمته، ولم تجِد سوى النوم مهرباً.
كان أوبرينوفيتش قد طمأن ناديا بعودةٍ قريبة لزوجها، إذ أنّ معظم الجنود قد هجروا الخنادق سأماً من القتال، كانوا في حالة يرثى لها، غاضبون، جوعى ويرتدون السراويل البالية، يقاتلون بلا ضباط، فجميعهم قُتلوا، تفشّت الفوضى بين صفوفهم كما تفشتّ حمى الخنادق، وأصبح الفرار من المصير همهم الوحيد فهجروا مواقعهم دون أن يلقوا بالاً للكارثة التي ستحدث. لكن هذا كله لم يكُن يعني شيئاً للعوائل التي تنتظر عودتهم، فلتنطبق السماء على الأرض، لا ييُهم، ما يُهم هو أن يعود أبناؤهم سالمين. لكن للأسف، كانت الحالة التي عاد فيها ديمتري مفاجئة للجميع، وقد ارتعد أوبرينوفيتش قلقاً حين اصفرّ وجه ناديا ودارت عيناها كالمغشيّ عليه وهي تسمع الكلمات تسقط من فمه الواحدة تلو الأُخرى، فزوجها ديمتري قد عاد، حيّاً يُرزق، بكامل صحته وعافيته، مسجوناً لدى الاحتلال وينتظر محاكمته بتهمة قتل العقيد فيكتور فليبوف. لم تستطع ناديا كبح أنفاسها المتسارعة وهي تهرول قاصدةً ثكنة الاحتلال، حيث يمكث زوجها سجيناً، وقد استقبلتها بوابة الثكنة الحديدية بضخامتها المعهودة وصريرها الذي طالما أوحى بأنها تبتلع الداخلين إلى عالمِ غريب لا يدركونه استقبالاً بارداً مشبعاً بالحقد المتدلي من عيون الجنود المصطفّين على طرفيها، حرّاس الجحيم الذي ينتظر على الجانب الآخر، لم يكُن داخل الثكنة مكتظّاً كخارجها، وكانت أشعة الشمس الداخلة من النافذة التي في نهاية الردهة وحدها ما يُساعد على الرؤية في المدخل المظلم، على يسارها كرسيّ حديدي قديم مطليّ بالأسود بدا وكأن له جذوراً تمتد في أرضية هذا المكان الملعون، رمقته ناديا بنظرات شاحبة، لم يبدو لها أن هذا الكرسي صُمّم ليجلس عليه أصحاب البذلات العسكرية، أفاقها من شرودها اللحظيّ صوت خطوات ثابتة وسريعة، التفتت ناديا لتواجه النقيب غانديف الذي تباطئت خطواته حين رآها والتصقت بها عيناه مثل ذئب جائع، ثم جاءها صوته جافّاً "ما الذي تُريده ابنة الساحرة؟" ارتعشت ناديا ارتعاشةً طفيفة، لم يرُقها اللقب يوماً، لكنها كانت على استعداد أن تتحمله هذه المرة، فردت ظهرها ببطء وقالت بحذر "وصلتني أخبار أن زوجي مسجونٌ لديكم" ثم صمتت تراقب لغة جسده الساخرة، ثلاث نجمات فضية مصطفة على كتف سترته الزيتونية تبرق تحت الإضاءة الخافتة، رزمة من الأوراق يُقلبّها في يده وهو يهز رأسه بابتسامة شفقة، أثار المشهد انزعاجاً داخلها فخرج صوتها غاضباً حادّاً "لقد اتهمتموه بشيء لم يفعله، إنه بريء!" ، تعرجت شفتا النقيب ورمق ناديا بسأم ثم استدار عائداً إلى مكتبه متجاهلاً هرولتها الثقيلة خلفه وطلبها المستميت ليستمع لها، قال دون أن يتوقف بنبرة ثابتة "لم يتهم أحد زوجكِ بشيء، هو من سلّم نفسه" وقد كانت كلماته الغير مبالية كرصاصة استقرت في معدتها، دخلت المكتب خلفه وأعطت لنفسها الحق بأن تجلس دون أن يؤذن لها، حاولت تمالك أنفاسها وهي تقول "لم يفعلها.. كُنتُ هناك.. لم يكُن هو.." جذبت همساتها انتباه النقيب غانديف، وضع الأوراق بهدوء على الطاولة ثم جلس مقابل ناديا وسأل بجدية وقد غلف صوته الحماس رغم كونه ثابتاً هادئاً "هل رأيتِ من قتل العقيد فيكتور فليبوف؟" أومأت ناديا ثم أجابت "لم أرَ من قَتَله، لكنني على الأقل أعرف من كان موجوداً" ابتسم بخُبث صياد خدع فريسته للوقوع في الفخ بإرادتها، سأل مجدداً "من كان موجوداً؟" رمقته ناديا بندّيةٍ تفاجأت منها ورفضت أن تخبره قبل أن يسمح لها بلقاء زوجها والتحدث معه أولاً، ما دفع النقيب إلى اقتراح عرض فكّرت ناديا أنه من الأمثل أن تقبله، استدعى بصوته الأجش ونبرته الخشنة أحد الجنود الهزالى ثم عاد بنظره إلى ناديا "سيُرافقكِ هذا الجندي إلى زنزانة زوجكِ ثم سيُعيدكِ لي" اتسعت ابتسامته الماكرة "ستخبرينني بأسماء المجرمين وإن كانت إدعاءاتكِ حقيقية سأُفرج عن زوجكِ فور القبض عليهم، صبيحة الغد". شعرت ناديا بالاختناق وهي تسير بمحاذاة الجندي إلى زنزانة ديمتري، لم تدرِ أكان هذا بسبب عرض العقيد السام أم بسبب المزيج الذي غمر أنفها ما إن وطأت قدمها أرضية الطابق الثاني تحت الأرض، مزيج من رائحة التبغ الرخيص والرطوبة التي تعشش في الجدران مع رائحة العرق والجثث، كأن الجدران تتنفس بأفواه سجناء ما عادت أجسادهم تقوى على الصراخ، لم تعتقد ناديا أن الاحتلال قد يزداد وحشية حتى رأت هذا القسم من الثكنة العسكرية، ضرب الجندي بسلاحه القضبان الحديدية لزنزانة ديمتري فانتفض من مكانه وتقدم بحذر ثم بهلع حين رأى زوجته، تراجع الجندي قليلاً ليسمح لناديا بالاقتراب أكثر من الزنزانة، وقد فقدت صوابها حين رأت الحالة التي كان عليها زوجها، همست بغضب "هل فقدتَ عقلك؟"
تجولت عيناه بين ثنايا وجهها متجاهلاً سؤالها، ثم جاء صوته خافتاً ضعيفاً من أثر التجويع والتعذيب لفترات طويلة بين الجبهات والسجن متسائلاً "ما الذي تفعلينه هنا؟" ، كان جسده يظهر هزيلاً نحيلاً تحت الإضاءة الخافتة لمصباح زنزانته المتدلي من فتحة تراكمت فيها الأوساخ في السقف، وبينما يُفتش عن لمحةٍ من العطف تحت الغضب الجلي على وجه ناديا باغتته نبرتها اليائسة "بل ما الذي تفعله أنت هنا؟ هل فقدت عقلك يا ديمتري؟!" لم ترَ ناديا البؤس في عيني زوجها يوماً بقدر ما رأته اليوم، كان ينبعث منه مثل غازٍ سام يلوّث خلاياها، وكان هذا يقودها شيئاً فشيئاً للجنون، احتل ملامحها حتى أخفى الحنين ورغبتها العارمة بالارتماء في أحضانه بعيداً. أشاح بنظره بعيداً ثم ازدرد ريقه وأجاب "أنا أدفع ثمن فعلتي" اختطف نظرة سريعة إلى الجندي الواقف قربهم، لا يخجل من حقيقة أنه يسترق السمع على حديثهم، ثم أكمل "عليكِ المغادرة، ولا تعودي إلى هنا" ، رمقته ناديا بتحدٍ، اقتربت من الزنزانة ببطء حتى لم يعُد يفصل بينهما سوى قضبانها وهمست "هل تظن أنني حمقاء يا ديمتري؟ أنا أعلم أنك لم تفعل شيئاً.. لن أسمح لك بالتعفن في هذا المكان بينما هم يمرحون بالخارج، لن يدفع ثمن فعلة حمقى المقاومة الشعبية أحد سواهم.." جذبها ديمتري من ذراعها بقوّة وقال بضحكة ساخرة "بماذا تهذين؟"، رمق الجندي بنظرةٍ سريعة ليتأكد أنه لم يلتقط ما قالته ناديا ثم أكمل قائلاً بنبرة صارمة تخللها التهديد "أنتِ لن تقولي شيئاً، ستعودين إلى المنزل وتتلين صلواتك لأجلي كما تفعلين دائماً" ، اغرورقت عينا ناديا بالدموع، لطالما قبلت بالقليل من كل شيء، القليل من التسامح من سكان البلدة والكثير من الأذى، القليل من العطف من والدتها والكثير من التجاهل، القليل من الحب من زوجها والكثير من التحامل، القليل من المكافآت من الحياة والكثير من الدروس القاسية، هذه المرة لم تكُن على استعداد للتضحية ولا لقبولها، حررت ذراعها من قبضته ثم واجهته برجفة في صوتها وهي تسأل بكُل ألم "لِمن تُضحي بنا؟" كانت تلك المرة الأولى التي لاحظ فيها ديمتري بطن ناديا منذ أن دخلت برفقة الجندي، تلعثم قليلاً ثم قال بتردد وكأنه غير مقتنع بإجابته "حتى يكبر ابننا ويعيش في وطنه يا ناديا لا تحت ظل محتل" رمقته ناديا لوهلة ثم انفجرت ضاحكة وهي تهز رأسها بسخرية وقالت "وطن؟ أي وطن؟ قطعة الأرض التي تُسفك عليها دماؤنا في سبيل متعة الحمقى ذوي المناصب والشعارات الرنانة أم الشعب الذي يبصق في وجهي كل يوم ويتحين الفرصة المناسبة لإعدامي وحرقي؟ أيهما تريد مني أن أقبل منك التضحية بي وبطفلي لأجله؟" مرت لحظة طفيفة من الصمت قبل أن يجيب ديمتري "أنتِ لا تفهمين، هؤلاء الذين تنعتينهم بالحمقى سيذكرهم التاريخ لمئات السنين، سيقودون وطننا نحو الحرية.." قاطعته ناديا بحدة "لا يعنيني! ما تسميه وطناً لا يعنيني! لا أحد سيذكر تضحيتك، أنت لست سوى بيدق يا ديمتري يُلقى بك في النار لأجل أن يكتب الأخرون مجدهم!" ربما كانت كلماتها صحيحة، وربما كانت خاطئة، في تلك اللحظة اختار ديمتري أن يرفض تصديقها، وظل مؤمناً بأن ما يفعله هو في سبيل الخير الأعظم، أعظم من أن تفهمه ناديا، رمقها باشمئزاز وقال ببرود "أنتِ امرأةٌ لا جذور لكِ ولا انتماء، من الطبيعي ألا تفهمي معنى التضحية أو الوطن، لعلكِ تستحقين العذاب" لم تجد ناديا الكلمات المناسبة للرد فوراً فوقفت أمامه مصدومة من السهولة التي تدحرجت بها الكلمات من على لسانه لتكسر قلبها، أشاح بنظره عنها ثم استدار عائداً إلى ركنه المظلم في زنزانته، لملمت ناديا شتاتها وقالت قبل أن تغادر "قد أكون امرأةً بلا جذور أو انتماء حقاً، لكنني لا أتخلى عن أحبتي لأجل حفنة من التراب" ثم غادرت.
رافقها الجندي مجدداً ليعيدها إلى غرفة النقيب غانديف، فقد كان واجباً عليها أن تلتزم بطرفها من الاتفاق، وقد فعلت، ورغم أن النقيب لم يسمع سوى اسم واحد، الصحفي إيفان، وعنوان واحد وهو المنزل الذي رأته عنده تلك الليلة، إلا أن ابتسامته الخبيثة لم تفارق وجهه لأن هذه المعلومات البسيطة كانت أكثر من كافية بالنسبة له، وفي المقابل كانت ناديا على موعد مع زوجها ديمتري صبيحة الغد خارج السجن، امتلأ جسدها بالراحة وعادت إلى منزلها وهي تأمل بالغد، لكنه كان يُخبئ لها مفاجئآت عديدة. في اليوم التالي في تمام الساعة الواحدة ظهراً التقت عينا ناديا بعيني ديمتري، كان وجهها متجهماً خالياً من التعابير وهي تقف وسط الحشد العظيم في ميدان بلدة فيليكو ترنوفو بينما يتم جر زوجها برفقة صديقه إيفان وستة شباب آخرين إلى منصة الإعدام، نظرت بصدمة للنقيب الذي كان بدوره يُفتش عنها بين الجمع المحتشد وما إن رآها حتى أومأ برأسه مبتسماً كأنه يشكرها على خدمة قدمتها له ثم رفع يده في الهواء، أرادت أن تتقيأ أحشائها، نظرت للوجوه الغاضبة من حولها وشعرت أن الأرض تنزلق من تحتها، وبينما يندفع الجميع نحو منصة الإعدام تراجعت هي هرباً إلى منزلها، تجر قدميها بخيبة طوال الطريق. لم تعُد ديان إلى المنزل تلك الليلة، ولم تُفلح محاولات أوبرينوفيتش لمواساة ناديا أن ترفع عنها الأسى الذي غرقت فيه ولا أن تخففه قليلاً، فقد تجمدت على أريكة المنزل لساعات شاردةً في اللاشيء كتمثال حتى بدأت دموعها تنهال شيئاً فشيئاً، قرر أوبرينوفيتش أن يمنحها بعض الوقت بمفردها فخرج لينتظر في حديقة المنزل، أما ناديا فقد شعرت بالخواء، لم تدرِ إن كان هذا هو الشعور الصحيح في موقف كهذا لكنها لم تشعر بشيء سوى الخواء، لا الغضب ولا الخجل ولا الألم، فقط شعرت أنها بلا روح، أنها لا تستحق أن يكون لها روح، أرادت أن تتنفس فجففت دموعها وخرجت بعد دقائق قليلة لاستنشاق الهواء النقي، كان أوبرينوفيتش جالساً في الحديقة ينحت بعض الأخشاب، رفع نظره نحوها بابتسامة ضعيفة "تشعرين بحالٍ أفضل؟" لفت ذراعيها حول جسدها لتدفئه وأومأت برأسها نفياً، نهض من مكانه وسار نحوها، ثم ضمها لجسده في عناقٍ قصير شعرت فيه بشيءٍ من الطمأنينة، "لا بأس، لا عليكِ .. تعالي اجلسي، سأُغني لكِ أغنية" ابتسمت ناديا وربتت على كتفه قائلةً "سأخرج لأتجول، أنا أختنق هنا، وأحتاج أن أختلي بنفسي قليلاً"
"سأغني لنفسي إذاً، ريثما تعودين" قال وانسحب مبتعداً عنها عائداً إلى مجلسه في الحديقة، وسارت ناديا خارج أسوار المنزل باتجاه القرية، أثناء ابتعادها التطقت أذناها صوت أوبرينوفيتش وهو يغني "بعيداً بجانب البحر، هناك قريتي، حيث ترقد جميلتي..". لم تكُن تعلم أين تسير بها قدماها، ولم تشعر بنفسها إلا بعد أن عبرت جسر ستامبولوف متجهةً نحو الغابة، توقفت ونظرت حولها، كانت كالمغشي عليها ولم تدرك كيف وصلت إلى الغابة دون قصدٍ منها، كان شيءٌ مجهول ما يدفعها للتقدم دون رغبتها، نجمةٌ تلمع في اتجاه مجهول، حفيف أوراق الشجر الذي يبدو كهمساتٍ من كائنات مجهولة تُسيّرها في هذا الاتجاه دون شعور منها، ومياه النهر المتدفقة بنعومة تتلألأ تحت ضوء القمر الساقط عليها. كانت والدتها ترقد في قبرها في مكانٍ ليس بالبعيد، وظنّت ناديا أنها، لاشعورياً، تتجه نحو قبرها لطلب الطمأنينة التي لم تمنحها لها في حياتها. حدّقت لبرهةٍ في القمر الذي ينسلّ نورُه بين السحب الداكنة وأوراق الشجر، مثل لصٍّ محترف، يجد طريقه بسلاسة إلى الكنز المتدلي من عنقها، كانت القلادة تشع تحت ضوء القمر بشكلٍ أثار الفزع في قلب ناديا، كان ضوئها أشد من ضوء المصابيح التي يشعلها الجد بيتروف يومياً في شوارع البلدة، كادت تضيء الغابة بأكلمها، حاولت أن تخفت ضوئها بأن تدفنها جيداً في ثوبها، لكن الأمر كان بلا فائدة، لفّت معطفها الثقيل حولها وتلبّستها مجدداً تلك الرغبة بالوصول إلى وجهةٍ لا تعلمها، نظرت للطريق أمامها، كانت الأغصان المحترقة متناثرة في كل مكان، كأن البرق قد ضرب هذه البقعة منذ فترة، تعثرت بتلك الأغصان أثناء مرورها من فوقها وكادت أن تسقط، ترنحت وهي تحاول الوصول لأقرب شجرةٍ لتستند عليها وتمنعها من السقوط، لكن جذع الشجرة الجاف شق يدها فانبثق الدم دافئاً من بين أصابعها، "اللعنة!" همست متألمة، مسحت الدم في معطفها فترك مكانه بقعةً صغيرة وشعرت بسخطٍ على نفسها وعلى أشجار الغابة في تلك اللحظة، قررت أن تتراجع وتعود أدراجها إلى المنزل، لعلّ خالتها دَيَان قد عادت، ربما هي الآن في الحديقة توبّخ أوبرينوفيتش لتركه ناديا تخرج وحدها في هذا الظلام الدامس، لكنه شيء ما لا تستطيع رؤيته يُخبرها أن تكمل تقدمها، شيءٌ تشعر به في قلبها، ولا شيء أقوى من شعور القلب، أصبحت وجهتها معلومة حين رأت التلايولوتي في مكانها المعتاد، وبدت هذه الليلة أكثر شموخاً من المعتاد، ووجهها أكثر استرخاءً، ما أثار استغراب ناديا التي لا تذكُر أن وجه التلايولوتي قد تغيرت ملامحه أبداً طوال سنوات حياتها، ظنت أنه ربما يُهيّأ لها، واقتربت من الشجرة وجثت على ركبتيها، ثم رفعت رأسها وحدقت بأغصانها المتفرعة طويلاً، وسقطت دمعةٌ على خدها كانت تحبسها منذ أن غادرت المنزل، وجدت نفسها تبكي وترجو الإله وملائكته أن يرشدوها للسكينة، ثم اقتربت ومسحت بيدها على جذع الشجرة، "لا تتجاهل دموعي.. امنحني من عطفِك.. لم أرتكب أية خطيئة، لكن روحي تحترق بين يديك رغم ذلك، أشفِق عليها، أرجوك، إنني أختنق، خذ بيدي وأعنّي، أخشى أنك لم تنظُر لوجهي منذ زمن.. لستُ أدري أيُّنا أضاع طريق الآخر، لكنني أحتاجك، أحتاج رحمتك" ، كان الجرح في يدها يؤلمها إثر احتكاكه بالجذع الجاف لشجرة التلايولوتي، لكنها لم تُعره أي اهتمام، كانت منشغلة بالبكاء والتوسل للملائكة لتلحظ التغيير في ملمس الجذع، حين انبعث ضوء قوي آلم جفنيها اندفعت إلى الخلف وسقطت بخفة على الأرض الطينية تحتها، فتحت عينيها وصُعقت حين رأت اللحاء الخارجي للتلايولوتي ينسلخ عنها لتظهر تحته الشجرة شفافةً كالزجاج، ازدردت ريقها وجرى الرعب في عروقها مجرى الدم، أرادت الركض والصراخ، لكنها ظلّت متسمّرة في مكانها، تحدّق في الشجرة برُعب حتى انسلخ آخِر جزء من اللحاء كاشفاً عن شيء لم تتخيّله قطّ، كانت التلايولوتي قد تغيّرت هيأتها تماماً، أصبحت شفافةً ولامعة مثل نافذة يخترقها ضوء الشمس، كانت تتلألأ مثل مياه النهر المجاور لها، وكانت ناديا قادرة على رؤية الجزء المخفي من الغابة خلفها، وقد أصابها هذا المشهد بالانتشاء رغم الخوف، نهضت ببطء وتوجهت نحوها، أرادت استكشاف هذه الظاهرة التي تشهدها للمرة الأولى في حياتها ولم تسمع عنها من قبل أبداً، وأول شيءٍ خطر لها فعله هو لمسها، قرّبت يدها منها فشعرت بها ناعمة تحت أطراف أصابعها التي بدأت تخترقها، ذُعِرَت حين رأت كفّ يدها قد اختفى تماماً في قلب هذا الشيء ولم ترَ انعكاسه كما ترى انعكاس كل شيء آخر حولها فسحبت يدها سريعاً، كانت سليمة باستثناء الجرح السابق، رفعت نظرها للشجرة الزجاجية مجدداً، وتسائلت عمّا قد يحدث إذا أدخلت رأسها لتنظر داخلها، لم تبقَ هذه الفكرة في عقلها كثيراً إذ اندفعت بالفعل تطبقها، لكن ناديا لم تملك الوقت لتسحب نفسها إلى الخارج عندما ابتلعتها الشجرة تماماً.
وجدت نفسها تسقط على أرضٍ زجاجية، لكنها هشة، ارتطمت بها ارتطامة خفيفة أشبه بالسقوط على حشية ناعمة. وغمرها دفء ترافقه رائحة لحم محترق، رفعت نظرها لترى أمامها واقفةً امرأة يحترق ثوبها من جميع أطرافه، تُحدّق في وجه ناديا بعينيها الغائرتين الخاليتين من الحياة، ووجه شاحب مصفرّ، تقف ثابتةً كالتمثال لا تلقي بالاً للنار التي تأكل جسدها، كأنها لا تشعر بها أو لا تراها أصلاً. ذُعِرَت ناديا، نهضت واندفعت إلى الخلف بخطوةٍ سريعة فاصطدمت بجدار من الزجاج انشق جزءٌ منه نتيجة الاصطدام، تسارعت دقات قلبها وهي تنظر خلفها إلى الزجاج المتشقق ثم تعود بنظرها إلى المرأة الواقفة أمامها، تحركت شفتاها ببطء، لكنها لم تنبس بكلمة، من شدة الخوف لم يَعُد فمها قادراً على الكلام ولا جسدها قادراً على الحراك. لم ينبعث من تلك النار أي دخان، كانت الصورة أمامها واضحةً لا يشوبها شيء، وحوّط الهلع قلبها عندما رأت الدخان يخرج من فمها حتى اختنقت، أخذها السعال، وكلما سعلت، بصقت شيئاً من الرماد، كأن داخلها يحترق. تساقطت الدموع من عينيها، وحاولت الصراخ لكن دون جدوى، ارتشعت قدماها وسقطت على الأرض حين توجهت المرأة صوبها بخطواتٍ وئيدة حتى شعرت ناديا بدفء ألسنة اللهب وبمخالبها التي تحاول خدش جسدها، وسمعَت لحناً يُغنّى من بعيد كالموت الذي يجذب ضحاياه، وضعت المرأة يدها على صدر ناديا التي انقبضت عيناها بقوّة، تخشى أن تفتحهما فتصفعها حقيقة أن ما تراه ليس كابوساً، وشعرت باليد المحترقة تضغط على صدرها وتدفعها حتى تحطم الحائط الزجاجي خلفها واندفعت ناديا إلى فراغ مظلم. حين فتحت عيناها كانت النيران قد انخمدت آخذةً معها المرأة المجهولة إلى قدرٍ مظلم، وكانت الشجرة طبيعيةً كما عهدتها، والبرودة تفتك بجسدها الهزيل. ارتمت على الأرض بوهن، لم تقوَ على تحريك جسدها، انغلقت عيناها من تلقاء نفسها، ومن بعيد كان صوت أوبرينوفيتش يغني "بعيداً بجانب البحر، هناك قريتي...".
____
يُتبع..
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!