1. صوتٌ مألوف يُحذرها
رفع النقيب غانديف يده في الهواء في إشارة منه للجنود لتذخير أسلحتهم وتصويبها نحو الهدف، وحبس الجمهور أنفاسه.
كان الصمت والترقب يُخيّمان على الميدان العام لبلدة فيليكو ترنوفو، وفي الحقيقة لا تذكُر ناديا قطّ أن احتشد الناس بهذا العدد المهيب وبهذا السكون في هذا الميدان، اتفقت جميع العيون على النظر في اتجاه واحد، وجميع العقول على التفكير في شيء واحد، هل سيُلقي النقيب غانديف أمر إطلاق النار؟ وكأن له القُدرة على قراءة الأذهان، لم يتردد النقيب أو يُفكّر مرّتين قبل أن يُنزل يده بكُل صرامة، فأطلق جنوده النار بلا تردد على الشباب الثمانية المعلقين على خشبة الإعدام. لكن قليلاً ما كان يعرف، أنه ألقى أمر إعدامه هو. زمجر الحشد بغضب وتعالت صيحاته حتى كادت تلمس السماء، واندفع الناس نحو خشبة الإعدام والجنود مثل قطيع من الحيوانات المفترسة التي يستحيل ترويضها، وشعرت ناديا بالأرض تهتز من تحتها ورأت أن بقائها في هذه الزوبعة سيتسبب بموتها المؤكد. غطت وجهها بالوشاح جيداً، ثم شقت طريقها خارج الجمع وهي تغطي بطنها المنتفخة بيديها إلى أحد الأزقة القديمة، ومنه إلى خارج البلدة حيثُ منزلها البعيد، هرباً من سخط أهالي البلدة.
***
كانت بداية العام الرابع لحربٍ شهدت العديد منها طِوال سنواتها الستة وعشرون، لكن المختلف أن هذه الحرب كانت أكبر وأشدّ فتكاً، وتحت رايتِها كان الجميع يُجرّب التحالفات والخيانات. ولمرّةٍ أُخرى كان الجنود الصرب دخلاء في وطنها، عدا أن هذه المرة قد دخلوها ولم تكُن لديهم نية الخروج أبداً. رؤية الجنود الذين يعيثون في أرض بلغاريا فساداً وهُم يهينون ويذلّون الشعب، الشعب نفسه الذي أذاقها الويل بكراهيته، كان منظراً يبرّد القلب، رغم ذلك، لم تتمكّن ناديا إلا من الشعور بالشفقة عليهم. كانت الدولة على أعتاب المجاعة، وكانت تراقبُ من خلف النافذة السّيدة التي تُخبّئ الخبز في طرف ثوبها كي لا يسرقه الدخلاء الصرب أو المزارعون الجوعى، لم تكُن فظائع الحرب جديدة عليها، لكن الجوع قد كان، فمَعَ تنامي النزاع المسلّح على مستوى العالم، استيقظت دول كثيرة من كابوس الجوع لتجده قد صار واقعاً، ضرب بذيوله الطبقة الفقيرة في بلغاريا، ثم بدأ يزحف ببطء نحو الطبقات الثرية. لم تكُن لناديا عائلة ثرية، لم تكُن لناديا عائلة، سوى خالتها دَيَان وزوجها ديمتري الذي اضطر لترك عمله في الصحيفة المحلّية والتحق بالجيش البلغاري على الجبهة الشمالية قبل أشهر قليلة. كان وضعهم الماديّ أقل من المتوسط، لكنّ لخالتها موهبة غريبة في التعامل مع الأرض أعطتهم أفضلية عن مخازن الأثرياء، زرعت الحديقة التي أحاطت بمنزلهم بشتى أنواع الفاكهة والخُضر، كانت ناديا تنبهر بكمية المحصول الذي تنتجه هذه الأشجار القليلة، ولم تبخل أبداً عن تقديم سلّة مشكّلة من كل الأطايب التي تحتويها الحديقة كلما وجدت شخصاً يسرق بضع ثمار يسدّ بها جوعه، كانت عطوفة، وكانت تقول لناديا "إنهم معذَّبون وجَوعى، لا ضرر من معاملتهم بإنسانية" ، تسائلت ناديا كثيراً عمّا إذا كانت والدتها رقيقة القلب مثل صديقتها ديَان، لكن إجابة سؤالها كانت دائماً واحدة، لا، كانت مقتنعة تمام الاقتناع أنه ما من أمٍ رحوم تترك ابنتها مذ كانت طفلة لتربيها صديقتها، حتى أنها سُمّيَت على اسم عائلة دَيان، لم تعرف يوماً والدها، لا اسمه ولا اسم عائلتها الحقيقي، وكانت والدتها كلما جاءت لزيارتها لأيام قليلة في نوڤمبر من كل عام تتهرب من الإجابة على هذا السؤال مكتفيةً بجملة واحدة، "لن تُفيدكِ هذه المعلومة في شيء يا ناديا، نحن نتحدث عن رجل لن تعرفيه أبداً" ، حتى توقفت ناديا عن طرح الأسئلة عليها، كانت غريبة عنها، لم تتمكّن يوماً من الشعور برابط الدم بينهما، وقد توقفت عن مناداتها أمي منذ زمن طويل إذ رأت أن دَيان استحقت هذا اللقب أكثر، كانت تعتبرها امرأة غريبة تأتي كل عام لتبيت عدّة ليالٍ ثم تغيب مجدداً لعام آخر.
هرعت خالتها إلى داخل الغرفة على عجلةٍ من أمرها لتجدها لا زالت جالسة على الهيئة ذاتها منذ الغداء، وجهها يستند على كفها عند النافذة التي تجمعت عليها قطرات المطر لتُصعّب الرؤية من خلالها، "ناديا، صغيرتي، قليلٌ من النشاط! هيّا لا نريد أن نفوّت الصلاة، ليس اليوم على الأقل" ، كانت ناديا تخجل القول أنها لا زالت، وبعد كل هذه السنوات والأعوام، لا تفهم المغزى من الصلاة لشجرةٍ ميتة لم تورق ولو لمرة منذ زمن، تلك الشجرة المريبة التي تملك وجه إنسان على جذعها، تقول الأسطورة أن التلايولوتي قد خُلقَت لتأسر شرور العالم بين جذورها في باطن الأرض، وقد كانت خالتها تأتي بها للصلاة في هذه البقعة من غابة المنطقة الجبلية منذ بداية تشكُّل ذكرياتها، لكن بوجود كُل هذه الشرور الهاربة من قبضة التلايولوتي، كان من الصعب عليها أن تُصدّق أن دعواتها مسموعة أو أنها ذات فائدة على الإطلاق. حدّقت ديان بالسماء حيث الشمس قد بدأت تهبط جهة الغروب، جثت على ركبتيها ورفعت رأسها لتتمكن من النظر مرة أخرى إلى الوجه المنحوت في الشجرة، قالت ناديا بنبرة قد وضح فيها الاستياء "هل هذا نوع جديد من السخرية منا؟" كانت العينان المنحوتتان في الخشب ملوّنتان بالأحمر، وخطٌّ طويل من الطلاء يسيل من إحدى العينين على طول الجذع، قبض القلق على قلب ديان وقد أدركت أنه ليس طلاءً وليس من فِعل أحد القرويين الكارهين لهما، تحسّست الجذع بأطراف أصابعها، كان جافّاً لم تصبه رطوبة، قالت لتُخفي ما خالجها من خوف عن ناديا وبصوتٍ مرتفع "تحتاج التلايولوتي وجهاً جديداً، سنسلخ وجه الفاعل ونقدمه لها كقربان حين نمسكه.. ربما بهذا نكون قد قضينا على أحد شرور العالم" ابتسمت ناديا على تعليق خالتها المشابه لإخوته من التعليقات التي تفضح غرابة أطوارها ثم جثت بجوارها، كانت قد سئِمت الاضطهاد الذي تتعرّضان له لكونهما شامانيّتان كما يدّعون، كانت هذه الكلمة غريبة على مسمع ناديا حين لُقّبَت بها للمرة الأولى، ولم تستطع فِهم المعيب في كونها كخالتها تعبُد ما تؤمن به وما توارثته عائلتها لقرون كونهما الفردين الأخيرين من هذه العائلة بالإضافة إلى والدتها التي وحدها السماوات من تعرف موقعها الحالي، في نظرهم مجرد شجرة مخيفة وعقاقير مريبة وقمر مكتمل، لكنه أعمق بكثير من مجرّد شجرة وعقاقير، إنه إنصات لما لا يُرى لا عبادة لما يُخاف. تمسّحت بجذع الشجرة وتلت صلواتها،
نُصلي للعالم الذي يحتوينا، ليكُن الوسيط بين الجنة والجحيم، للسماء أن تمطر رحمتها، للأرض أن تُنبت خيرها، للشيطان ألّا يُفك قيده وأن يبقى للأبد أسير أفعاله، وللملاك كي لا يضلّ طريقه في الأرض، للإله العظيم الكائن فينا والساكن في قلوبنا أن يُنزل عليها السكينة، وللسلام النائم داخل هاتين العينين أن يصحو حين نكون مستحقين.
عندما بدّد الهدوءَ صوتُ المركبات الحديدية المارّة فوق جسر ستامبولوف، تنهّدت ديان وهي تنهض وتربت على كتف ناديا لتعودا إلى المنزل هرباً من البرد وظلام الليل الذي لم يعُد آمناً، لم يكُن يوماً آمناً لامرأتين بمفردهما، دائماً ما يكون الليل في بلدة فيليكو تارنوڤو مليئاً باللصوص وقطّاع الطرق، وقد ازداد الأمر سوءاً بعد اندلاع الحرب وانتشار الجوع والأوبئة. توقفتا فجأةً حين سمعتا صوت طلقات رصاص دوّى أزيزها في الغابة المظلمة، غطّت ناديا فمها لتمنع صرختها من فضح وجودهما، وتوارتا في الظلام كالظلال، يتحيّنان الوقت المناسب للمواصلة مجدداً نحو البلدة المزدحمة بالسكان حيث -نوعاً ما- الأمان، أصوات ارتطام الخطوات بالأرض الوحلة كان يقترب شيئاً فشيئاً حتى تخطتهم جماعة من أربعة أفراد، يتهامسون في ما بينهم بكلمات لم تلتقطها أذنا الامرأتين، ومن مكانٍ ليس ببعيد، تسرّب صوت ما أصرّت ديان على كونه أنين حيوان جريح، لكن هذا لم يمنع ناديا من جذبها والاندفاع بقلق نحو مصدر الصوت، في تلك اللحظة زمجرت السماء، وضرب البرق الأرض على بُعد إنشات قليلة من الشابة التي تسير بصعوبة بين الشجيرات المتشابكة، فقدت توازنها وكادت تسقط على الأرض من هول المشهد والصدمة التي أصابتها لولا ذراعا خالتها اللذان قد التقطاها قبل أن تفعل الأرض
"هذه علامة!" قالت ديان وقد اعتراها الخوف، "ما هي إلا ضربة برق يا أمي" علّقت ناديا متظاهرةً التماسك، أضاءت الغابة من حولهم من جديد حين ضرب البرق مرةً أُخرى أحد الأغصان ليسقط مباشرةً بجوارهما، وقد استطاعت ناديا أن تلمح من الإضاءة القصيرة للبرق هيئة رجلين مستلقيان على بُعد خطوات قليلة منهما، لم يتطلب الأمر منها الكثير من التفكير لتدرك أن الرصاصات التي مزّقت حاجز السكون منذ قليل قد مزّقت أيضاً جسديهما، ولم تحتج الوقت الكثير كذلك لتتعرف على إحدى الجثتين، فقط كان زبوناً دائم التردد على المقهى الذي تعمل فيه، زبوناً فظيعاً. بذُعر، جذبت دَيان ذراعها مجبرةً إياها على السير في الاتجاه المعاكس "لن نتورط في هذا" قالت بحزم "ستأتي والدتك قريباً، لا نريدها أن تأتي لمنزل فارغ وامرأتين في السجن، أليس كذلك؟" همهمت ناديا موافقةً، ليس وكأنها تهتم أبداً لزيارة والدتها السنوية، لكنها بالطبع لا تريد أن يُزج بها في السجن. عندما بدأت الأشجار من حولهما تصبح أقصر معلنةً بامتنان ابتعادهما عن مسرح الجريمة، قالت ديان لتقطع صمت ناديا التي ظلّ ذهنها شارداً "أرجو أنّ ما يحتلّ تفكيرك الآن أمور تستحق، مثلاً، زوجكِ الذي لا ندري هل سيعود ماشياً على قدميه أم ملفوفاً وسط كومة من الجثث" ارتفع نظر ناديا ليواجه وجه خالتها الذي أبرز ضوء القمر جماله الشاب، وقد أعجزتها الكلمات التي انزلقت بسلاسة من فم دَيان رغم ثقلها عن الردّ، "الطفل الذي يكبر في بطنك كل يوم والطرق التي تسلكها حماتك العزيزة لتجبركِ على إجهاضه.. حماتك، تلك الشمطاء اللعينة، دماؤها ستلوث يدي يوماً ما" كانت دَيان على حق، ولكن ذلك كان آخر ما يشغل تفكير ناديا، فبالرغم من كل شيء، كانت ناديا قادرةً دوماً على جعل ديمتري يقف بصفها، القلق كله إن لم يعُد ديمتري من المعركة الخاسرة التي ذهب إليها راكضاً، تابعت دَيان بمرارة "أو أين سنذهب إن لم يتمكن رجال المقاومة الشعبية من الوفاء بوعودهم؟" وقد كان قلقها في مكانه، فحتى اللحظة، كان أهالي البلدة يلقون اللوم عليهما كلما تطرقت الحوارات إلى احتلال البلاد وتدهور الأوضاع، لا بد أن تشير كل الأصابع إلى ساحرتي التلّ الوثنيتين، لعل ما كان يكبح غضبهم هو المقاومة الشعبية التي أزهرت من بين الركام ووعودهم المستمرة بتحرير البلاد. وبينما كان ذهنها مشغولاً بتفصيل الأحداث، لم تقدِر ناديا إلا على التفكير بأسوأ الاحتمالات.
كانت الرياح محمّلة برائحة غريبة غمرت أنفيهما بينما تدخلان من بوابة البلدة العتيقة، متجاوزتان الحرّاس المشغولين بالشُّرب، تعتقد ناديا أن وجودهما بلا فائدة، فحارسان كسولان وهزيلان مثلهما سيكون من السهل بالنسبة للدخلاء التخلص منهما، وبلدة صغيرة وغير مترابطة مثل فيليكو تارنوڤو لطالما كانت فريسة سهلة للأعداء. انعطفتا يساراً متجهتين إلى منزلهما، وفي أحد الأزقة القريبة كان قد اجتمع ثلاثة رجال يتهامسون في ما بينهم، هذا التجمع الصغير لم يكُن صعباً أن تلتقطه عينا ساحرتي البلدة، وحين التقت عينا ناديا بعيني إيفان الذي يمسح يده في قماش بنطاله باشمئزاز تحت الإضاءة الخافتة لعواميد الإنارة العتيقة بدا أن إحدى العُقد قد فُكّت في عقل ناديا بينما لم يُفكر إيفان كثيراً وهو يرى زوجة صديقه تنزلق خلف الظلال الداكنة للشارع المظلم. نظرت ناديا لخالتها وسألت "هل تعتقدين أن إيفان كان في الغابة منذ قليل؟"
انعقد حاجبا ديان ونظرت باستغراب لناديا التي ارتسم الفضول على وجهها ثم أجابت "مَن إيفان؟" ثم ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها حين توقفت ناديا عن السير، كانت ناديا تعتقد أن خالتها ستؤكد تساؤلاتها، لكنها فاجئتها بالتصرف ببلاهة، أكملت ديان "إيفان من؟ وماذا قد يفعل في الغابة في مثل هذا الوقت؟ .. هل حدث أمر ما في الغابة؟ .. فأنا، لم أرَ أو أسمع شيئاً، هل رأيتِ شيئاً يا ناديا؟" كان هدف ديان الأوحد والوحيد والذي تعيش لأجله هو حماية ناديا، أفنَت ديان عُمراً في تربية ناديا، منذ اللحظة التي وضعت فيها صديقتها مارثا الطفلة في حضنها وعهدت إليها بحمايتها قبل أن تركض هاربة قبل سنوات كثيرة، وقد كان ما رأتاه في الغابة منذ قليل بدايةً لأمرٍ خطير لم ترغب في أن تكونا جزءاً منه أبداً. فهمت ناديا ما أرادتها ديان أن تفهمه فأومأت قائلةً "لا، لم أرَ شيئاَ" .
فوق أحد التلال، حيث المنزل ذو الأسوار القصيرة المحاطة بسياج شائك وأشجار كثيرة قد تداخلت فروعها وتساقطت ثمارها الناضجة على الأرض فامتزجت بطينها، فتحت ديان الباب ودلفت إلى المنزل الذي احتلت البرودة جدرانه، فركت كفّيها ببعضهما مُحاولةً خلق قليل من الدفء ثم التفتت لناديا آمرةً "اجلسي ريثما أُشعل المدفئة" وقد قوبل أمرها بالطاعة، تناثر قليل من الرماد على يديها حين وضعت الحطب الذي يجلبه لهم الرومانيّ المشرّد أوبرينوڤيتش مقابل الطعام، كنوعٍ من الكبرياء وكي يُرضي ذاته التي أبَت أن تتسوّل طعاماً من الإمرأتين، ولكنه كان ينال حصته من الطعام سواء جلب الحطب أم لم يجلبه على أي حال، كانت ديَان متعجبة من كرامته التي فرضت عليه حتى في وضعه هذا في بلاد العدو التي تتعرض لمجاعة، ممنوع من العودة لبلاده، ولو أُمسِكَ به يحاول الخروج من البلدة تحت أي ظرف غير عسكري سيُقتل بلا تردد، ممنوع من العمل، وممنوع من طلب الاستعطاف من السكان، ولو علِمَ النقيب غانديڤ بأمر سرقته الأخشاب من الغابة لغرض مقايضتها بالطعام لزجّ به في السجن، لكن ديَان كانت تطمئنه بأنها ستقف في صفّه لو حدث هذا، وستدافع عنه، فالغابة ليست ملكيّة حكومية كي يعاقَب على الاستعانة بها ليستمر في حياته، بل هي ملك الإله والإله يعطف على أمثال أوبرينوڤيتش، غطّت ناديا أنفها إذ احتلت رائحة الورق المحترق الغرفة للحظات قبل أن تبدأ ألسنة اللهب معركة التهام الخشب، دقائق قليلة انقضت وقد ضاعفت النيران الإضاءة الخافتة لغُرفة المعيشة، كان صوت احتراق الخشب وارتطام الأواني ببعضها مختلطاً بقعقعة الرعد مزيجاً لم تتمكّن ناديا من تمييز ما إن كان مزعجاً أم مناسباً للاسترخاء أمام المدفئة، انحنت قربها أكثر طلباً لمزيد من الدفء وأغمضت عينيها لتحاول دفع الضجر الذي يخالجها بعيداً، كان عقلها شارداً، وفضولها يعود بها إلى ما حدث في الغابة منذ قليل
"يبدو أن مخزوننا من الجبن قد نفذ.. لا بأس، ما زال لدينا بعض الخبز والكثير من الخُضَر.. لنرَ.. هل أطهو شيئاً؟ بقي القليل من اليخنة التي أعددتها للغداء، ما رأيكِ بتناولها مع الخبز وحسب؟" أتى صوت خالتها الهادئ متسائلاً من المطبخ الذي ليس ببعيد عن غرفة المعيشة، في منزلهما الصغير كل الغرف متقاربة وليستا بحاجة للصياح كي تسمع إحداهما الأُخرى، تمتمت ناديا بصوتٍ مسموع "لستُ جائعة" لم تكُن معتادةً على تناول عشاءها باكراً، وكانت ضجرة من الأوضاع الصعبة التي تمرّ بها البلاد والتي تؤثر بشكل مزعج على حياتها، ولو انتظرتا قليلاً لانضمّ إليهما رفيق وحدتهما أوبرينوڤيتش، "بربكِ ناديا.. يوجد طفيلي صغير في أحشائكِ علينا تغذيته.. لا أصدق أنني سأحرص على توفير غذاء جيّد لطفيلي دخيل حتى ينمو إلى كائن حي يتغذى على جسد الفتاة التي ربّيتها ويجلب لها مزيداً من المشاكل.. أنا خالة فظيعة، لكن ما باليد حيلة، سأكون أفظع إذا تركته يجفّ ليموت" ، شعرت ديَان بالذَنب يخدش في كيانها كما يخدش القط المأسور الجدران بحثاً عن مخرج، أُسِرَ داخلها هذا الشعور رغماً عنها منذ اللحظة التي تركت فيها مارثا ابنتها وغادرت، كانت تتمنى أن توفّر لناديا حياةً أفضل من تلك التي كانت ستعيشها في كنف والدتها التي أضحت ضحية حربها الخاصة حتى دفعها الأمر للتخلي عن ابنتها، لكن الحروب المستمرة واللعب السياسية التي تدفع دائماً للتضحية بحقوق الشعب كانتا أقوى من رغبتها بإعطاء الصغيرة ذات الشعر الأحمر والعينين اللوزيتين حياةً ملكية، إلا أن ناديا كانت دوماً سعيدة بالبيت الصغير الذي تعود إليه في نهاية كل يوم وحضن خالتها الذي كان وسيكون لها دوماً مأوى آمن يدفع عنها أخطار العالم ويزمجر في وجه كل من سوّلت له نفسه أذيتها، لم تشتكِ يوماً أو تتذمّر عن كونها أقلّ من الآخرين، حتى اليوم الذي استوعبت فيه أن الجميع متساوٍ في حربه تحت سماء القدر، رغم اختلاف الجبهات والاستعدادات، الجميع يحارب بلا استثتناء، لذا كانت كلما نظرت خلفها لتجد ديان تدعمها بابتسامة تشعر أن حربها أكثر لطفاً، وتشعُر أنها أفضل من الجميع. لم تستطع ديان رغم مواهبها الكثيرة وعمرها الكبير أن تفهم عظمة دورها في حياة ناديا، كانت تنتقص منه دوماً، وتشعر بالذنب على تقصيرها الغير متعمد، وكان ما يؤلمها أكثر هو هذا الطفل الذي تحمله ناديا في أحشائها، سيكون بؤساً جديداً يكبر داخلها، فرد جديد ينمو وتنمو حصته وحصة والديه من المعاناة في هذا العالم التعيس، لماذا لا زال الناس يتكاثرون في هذه النقطة حتى؟ كانت النطفة العالقة في أحشاء ناديا تسبب مصدر قلق كبير لديَان، إذ كانت ترى أن ناديا ليست مستعدة لهذا النوع من المسؤولية
نهضت ناديا من مكانها واتخذت الخطوات القليلة لتصل إلى خالتها التي تخبّط الأواني لتصدر ضوضاء مزعجة، شدت على معطفها وقالت بانزعاج "ليس طفيلي، إنه طفل، جنين" ، رمقتها ديان بنظرات بليدة وأصرّت على تلقيبه بالطفيلي ثم استأنفت ما كانت تفعله قبل أن تقاطعها ناديا "ألا يوجد وصف أكثر لطفاً؟" استنكرت ناديا مجدداً، " لا ينزعج وجهكِ الظريف، سألقبه بالعلَقة" قلبت ناديا رأسها بيأس فأردفت خالتها ضاحكة "لا عليكِ، الأطفال فقط غريبون، هذا الشيء الغريب الذي يعيش في بطنك ثم يكبر ويتغذى على جسدك مثل دودة شريطية، ثم يكبر أكثر ويُعيد ترتيب أعضائكِ ليضغطها في حيّز أضيق لأنه بحاجة إلى مساحة جيّدة لحركته كي يركل بحريةٍ أكبر، وكأن ألم وجوده وحده لا يكفي، ثم يكبر أكثر فأكثر وتكبُر رغبته برؤية نور الشمس وهنا تعلّقين روحكِ بين السماء والأرض وتصبح المهمة التي تتوقف عليها حياتكِ هي الدَّفع! وحينَ يخرج هذا الشيء للعالم يصبح فرداً من مجتمع، مجتمع من الديدان الشريطية المتطورة، ويصبح له حق الانتخاب! الدودة الشريطية تنتخب!" تحوّلت نبرتها الضاحكة إلى استغراب ثم اشمئزاز، وقد نُقِلَ هذا الاشمئزاز إلى ناديا عبر الهواء، وضعت يدها على بطنها وحدقت بها قليلاً وقد غرقت في تحليل كلام دَيان، اعترضت "هذا غير منطقي البتّة" لكن خالتها كانت قد تجاوزت الموضوع وقررت إغلاقه منذ أن أغلقت فمها، ناولتها طبقاً وقد غمرت رائحة اليخنة الشهية أنفها وقالت "لنتناول العشاء فحسب، سأجلب الخبز" ، سبقتها ناديا ووضعت الطبق على المائدة، ثوانٍ وتبعتها خالتها، كانت العاصفة الرعدية في الخارج تزداد سوءاً، وبدا أن العلاقة بين السماء والأرض ليست في أفضل حالاتها هذه الليلة، وكان الجميع يخشى نشوب حريق إثر الضربات المتتالية للبرق على الأرض في الغابة، بصوت مسموع تمتمت ديان بدعواتها كي تنقضي هذه العاصفة على خير ثم رفعت عينيها لترى ناديا تراقب لمعان البرق في السماء الغائمة خلال النافذة، مالت برأسها لتحظى برؤية أفضل للسماء الغاضبة وقد تجمّد الدم في عروقها حين لاحظت الهيئة التي تسير مقتربة من المنزل وسط الظلام، سرت قشعريرة قوية على طول عمودها الفقري عندما سألت ناديا بتململ "هل تعتقدين أنّ ظروف البلاد ستسمح لمارثا بزيارتنا هذا العام؟" ، التفتت لها وقد ظهر الذعر في عينيها مختلطاً بشيءٍ من الهدوء فرضته وهي تضبط نفسها، لوهلة اعتقدت أن ناديا قادرة على رؤية هذا الطيف الذي تلاشى في الظلام وظهر مجدداً خلف ناديا تماماً، جسدٌ مبتلّ ووجهٌ دامٍ خالٍ من الحياة تكاد تعجز عن تمييزه، لسنواتٍ كثيرة كادَت ديان تفقد عقلها لكثرة رؤيتها للموتى وعدم قدرتها على التفريق بينهم وبين الأحياء، أن تُمنح القدرة على رؤية الأرواح أثناء انتقالها للعالم الأخير ليست هبة على الأرجح، لعنة أن تكون البومة بوابة عالم الأرواح تقود للجنون، وقد جعل هذا ديان تعي أن شعبها ليس مختاراً من الإله بل ملعونٌ منه.
نظرت ناديا خلفها لترى الشيء الذي جذب انتباه ديان لهذا الحد لكنها لم تتمكّن من رؤية شيء مميّز، لا شيء أكثر من جدار منزلهم الفارغ إلا من بعض الأغراض التي علّقتها دَيان لتضيف بعض الحيوية له، ابتسمت وسألت وقد اعتراها الفضول "بِمَ أنتِ شاردة؟"، كانت إجابة سؤالها هي الصمت، قالت مجدداً لتفيقها من شرودها "أمي؟" ، لم تأتِها أية إجابة سوى نظرة باردة مخيفة أثارت قلق ناديا، نهضت ديان من مكانها، حملت مصباحاً وسارت بصمتٍ حتى باب المنزل ثم أمرت دون أن تلتفت "لا تتبعيني" ثم أغلقت الباب خلفها بهدوء. لم تتمكن ناديا من إسكات قلقها الذي يحثّها على تجاهل أمر خالتها واللحاق بها، وقد نجح بتحريكها حسب رغبته، هرولت بحذر خلف طيف خالتها الذي تمكنت من لمحه بصعوبة في الظلام حتى دخلتا الغابة، كانت السماء تزمجر بلا توقف وتضرب مناطق مختلفة من الأرض، وكانت ناديا تتوقع أن يضربها البرق في أية لحظة باعتبارها جزءاً من الأرض لكنها كانت تستعين بإنارته المتقطعة لتواصل سيرها وسط الأشجار الكثيفة خلف خالتها، لم تكُن ديان في حالة ذهنية صافية كفاية لتنتبه لابنة صديقتها التي تتبعها، كانت تصب تركيزها كله على موطئ قدمها كي تصل لوجهتها، حين وصلت إلى شجرة التلايولوتي الواقفة بشموخ قرب النهر، وضعت المصباح أرضاً وتوقفت لوهلةٍ أمامه ، حين تمكنت من ملاحظة وجود ناديا استدارت بغضب وقالت لها بحدّة "أخبرتكِ ألا تتبعيني!"
"كنتُ قلقة" بررت ناديا نفسها، كانت غريزتها البشرية تخبرها أن أمراً سيئاً على وشك الحدوث، وعليه فقد اعتراها الخوف، نظرت إليها ديان شزراً وقالت "ليس من المفترض أن تكوني هنا" ، ظلّت نظراتهما معلّقة لدقائق قبل أن تقطعها ديان وتسير حتى تلمس قدمها مياه النهر وانزلقت داخله دون تردد، هلعت ناديا وركضت نحو الضفة وهي تنادي باسم خالتها بذُعر، كادت أن تلقي نفسها في المياه خلفها حتى رأت رأسها يرتفع من المياه على بعد إنشات قليلة، شهقت لتحصل على كمية أكبر من الأكسجين ثم سبحت لتقترب من ناديا، استجمعت قوّتها لرفع الجسد الذي كانت تحمله تحت الماء كي تتمكن ناديا من الإمساك به "وضعتني أمام الأمر الواقع، ساعديني على إخراج هذه الجثة" لم يُخفف هذا من هلع ناديا، بل كان يزيده، لكنها أطاعت أمر خالتها، برُعبٍ غلّفته بشجاعة ترتعش أمسكت ذراع الجثة وجذبتها أكثر للبر حتى تمكنت بمساعدة ديان من إخراجها من الماء، جثت ديان على ركبتيها والتقطت أنفاسها ثم نظرت لناديا بابتسامة حزينة، حدّقت ناديا بالجثة واستغرقت وقتاً حتى تمكنت من تمييزها حين قرّبت خالتها المصباح من وجهها، كانت عيناها مفتوحتين وقد استُبدِلت المقلتان بتجويفٍ حالك استقر فيه بعض من مياه النهر، ووجهها رغم برودته إلا أنه كان يحمل ملامح خائفة، كنائمٍ لا يستطيع الاستيقاظ من كابوس مرعب، فروة رأسها مسحوجةٌ وعنقها منحور وثيابها ملطخة بالدماء والطين، أمسكت ديان يدها وألقت نظرةً على أصابعها حيث الجروح كانت عميقة تكاد تصل العظام، نظرت مجدداً لناديا التي اختفت إشراقة وجهها وظلّت نظراتها ثابتة على وجه المرأة برعب وقالت "لم تكُن علاقتكما جيّدة على أي حال"، كانت محقّة، لم يكُن في حياة ناديا أية أهمية لوجود والدتها، مارثا، فقد اعتادت غيابها منذ زمن، أقنعت نفسها أن والدتها ميتة، لكن حقيقة كونها ميتة بالفعل الآن قد أثار داخلها مشاعر لم تكن تعلم أنها تكنها لها، علقت غصتها في حلقها ولم تتمكن من ابتلاعها، وعجزت دموعها عن الخروج من أسرها، فالتزمت الصمت، كانت لديان مَهمّة مُهمّة متبقية قبل أن تواسي ناديا أو تدفن صديقتها، وصلت يدها لأحد جيوب الثوب المبلل وأخرجت منه قلادة فضية في نهايتها حجر أزرق يلمع بريقه ليخلق حوله هالةً صغيرة من الضوء، وخنجرٌ مزيّن طرفه برأس تنين من الياقوت الأحمر، ابتلعت ديان الماء الذي تجمع في فمها ونظرت للخنجر بحُزن ثم خبأتهما في جيب ثوبها الخاص، حثّت ناديا على النهوض لتساعدها على حمل الجثة وإيجاد مكان مناسب لدفنها، حين بدأت ناديا تستفيق من الصدمة التي تلقتها سألت بأمل يائس وهي تنظر حولها "هل هذا من فِعل الرجال الذين رأيناهم باكراً؟ لا شكّ أن الفاعل ما يزال في مكانٍ قريب، لو بحثنا بالقرب من هنا سنمسك به.."، قاطعتها ديان قائلةً "الفاعل ليس بمكانٍ قريب يا ناديا، الإمساك به يكاد يكون مستحيلاً، لذا دعينا ندفن مارثا كي تجد روحها السلام سريعاً ولنقلق فيما بعد بشأن الفاعل". طأطأت ناديا رأسها وساعدت خالتها بحمل الجثة كي تدفنها في مكان قريب من شجرة التلايولوتي، جلست ديان على الأرض وحاولت حفر قبرٍ بيديها "هل ستحفرين بيديكِ؟" خرج صوت ناديا متفاجئاً فرمقتها بانزعاج، "هل تملكين شيئاً أفضل؟.. لا بأس التربة ليست عنيدة هنا، سأنتهي سريعاً"، نظرت ناديا لجثة والدتها الملقاة على الأرض، ولاحظت للمرة الأولى ثوبها الغريب الذي لم ترَ امرأةً ترتدي مثله من قبل، ومضت في ذهنها لقطات قصيرة عن نساءٍ يرتدين أثواباً كهذه يجلسن في حديقةٍ بهيجةٍ ناضرة تتوسطّها نافورة هائلة من الرخام الأبيض، وقربها يسير بتباهٍ طاووس أبيض له ريشة ذهبية في ذيله، سرعان ما تلاشت هذه اللقطات الأشبه بحُلم يقظة لم يطُل، والتفتت ناديا لواقعها ولخالتها التي تحفر الأرض بكُل طاقتها، جلست قبالتها وغرست يديها الناعمتين في التربة الرطبة لتساعد ديان على الحفر، وشعرت بالدموع تغمر عينيها، كانت ديان تحارب كي لا تفقد رباطة جأشها وتنهار في هذه البقعة من الغابة، كانت تحبس دموعها باستماتة لتمنع نفسها عن البكاء، وفي رأسها كان يتردد صوتٌ مألوف يحذرها أن "لا تقع القلادة في يد ناديا".
____
يُتبع..
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!