وضع القراءة:

الفصل الأول :تجاويف الصمت

في ركنٍ منسيٍّ من صالة البيت الريفي المتواضع، كان "إيان" يجلس على أريكة خشبية متهالكة، وقد أمال رأسه إلى الخلف مسندًا إياه إلى الجدار الحجري البارد. عيناه معلّقتان بالسقف الخشبي المتآكل، كمن يحدّق في فراغ لا نهاية له، بينما امتدت ساقاه أمامه باسترخاء ثقيل، في وضعية تفيض بالانطفاء أكثر مما توحي بالحياة.
كان البيت غارقًا في شبه عتمة؛ لا هي ليلٌ كامل، ولا نهارٌ مكتمل. تفوح جدرانه الحجرية برائحة الرطوبة العتيقة، وكأن المكان نفسه يصرّ على الاحتفاظ بذاكرة الزمن. كل شيء فيه ساكن، حتى الصمت... كان له وزنٌ يضغط على الأنفاس.
​أبقى عينيه معلّقتين بالسقف. وحتى عندما تتابع طرقٌ خفيف على الباب، لم يلتفت؛ وظلّ ساكناً في مكانه كأن الحركة عبء لا يطيقه. وعلى الطاولة المقابلة، استقرت دمية خشبية صغيرة كانت "إيليرا" قد تركتها في آخر زيارة لها، مغطاة بطبقة رقيقة من الغبار المعتم.. وبجانبها، استقرت قصاصة من ورقة قديمة؛ مجرد صورة باهتة عثرت عليها إيليرا عند أطراف الوادي المهجور وألقت بها إليه قبل أيام، دون أن يستجيب لفضولها، أو يعير الأمر أدنى اهتمام. مرّت عيناه على الدمية للحظة خاطفة، ثم أشاح بنظره سريعاً، وكأنه يخشى أن يطول التحديق فينبش في صدره ما لا يحتمل.
دُفع الباب ببطء محدثًا صريراً خافتاً، ودخل "أوزريك". توقف، يتأمل جمود المشهد، قبل أن ينطق بصوت هادئ يكسوه الأسى:
- ما زلت هنا يا إيان؟
لم يحرّك إيان رأسه، وعيناه شاخصتان نحو الجدار، كأنهما لا تريان شيئًا.
- قدماي لا تطاوعانني... كيف أراها تُدفن؟
​تقدّم الآخر خطوة إضافية داخل الغرفة، واكتسى صوته بنبرة من الحزم المرير:
- ابدأ بالخطوة الأولى... اذهب وودّعها.
​شدّ إيان قبضته بقوة حتى ابيضّت مفاصل أصابعه، وهتف بنبرة مخنوقة:
- لا أستطيع... لو دخلت هناك سأموت معها
​تجمّدَ الحديثُ لبرهة، قبل أن يقترب أوزريك ويثبّت كفه فوق كتف صديقه المثقل:
- هيا بنا.
​تسمّر إيان في مكانه لثوانٍ بدت دهراً، ثم وضع كفّيه على حافة الأريكة محاولاً النهوض. تعثر جسده في المحاولة الأولى، فأخذ نفساً عميقاً يملأ به رئتيه المتعبتين، ودفع جسده مرة أخرى حتى استقام واقفاً يستند إلى الجدار كي يستعيد توازنه، قبل أن يهمس مستسلماً:
- هيا بنا.
​خارج حدود البيت، استقبلتهما قرية "إيلدون" بوجهها الرمادي الشاحب. امتد طريق ترابي بين بيوت حجرية متراصة كأجساد باردة، بينما كان الضباب الكثيف يبتلع الأزقة الضيقة، حتى بدت القرية خارج حسابات الزمن.
​وصلا أخيراً إلى البيت الذي تجمّع فيه أهل القرية. عند العتبة الخارجية، كانت والدة إيان، "ناتريسا"، تقف منكسرة بين النسوة المتشحات بالسواد. ما إن أبصرت طيف ابنها حتى اقتربت منه بخطى واجفة، وأمسكت بيده المرتجفة:
- إيان...
​سألها بنبرة خاوية، مجردة من أي تعبير:
- أين هي؟
​خفضت ناتريسا رأسها، وضغطت على يده برفق، ثم همست بصوت متهدج:
- ادخل... إنها في الداخل.
​خطا إلى الداخل.
​كان الحزن الرابض في حواف الغرفة أثقل من الهواء نفسه. الوجوه مطفأة الملامح، والهمس معدوم؛ فالجميع يدرك تماماً ماذا تعني الطفلة "إيليرا" في حياة هذا الشاب المنكسر، وكيف كانت النور الوحيد وسط الخراب.
​هناك، في الغرفة الداخلية، كانت مستلقية بهدوء سحيق. كفن أبيض ناصع يغطي جسدًا صغيرًا غضًا، بدا في رقته كأنه لم يُخلق ليعرف الموت أصلًا. حتى في رحيلها الأخير، احتفظت ملامحها بسكينة آسرة.
​اقتربت خطى إيان، فشعر فجأة بغصة تخنق أنفاسه. لم تكن هذه مجرد جثة باردة... بل كانت الملامح تتداخل أمام عينيه المشوشتين؛ لم يرَ وجه الطفلة الراحلة وحده، بل لاحت له تفاصيل وجهٍ آخر غائب، وجهٍ حفر غيابه ندبة قديمة في روحه.
​قطع ذلك السكون صوت والدها المتعب وهو يحاول مغالبة دموعه:
- لنبدأ...
​وبعد وقتٍ قصير، وسط المقبرة الموحشة الواقعة على أطراف "إيلدون"، كان الموكب يتحرك تحت سماء ملبدة بملامح رمادية. لا بكاء يمزق السكون، فقط وقع خطوات ثقيلة تطأ تراباً رطباً.
وقف إيان شاخصاً يراقب الجسد الصغير وهو يُنزل إلى جوف الأرض، وكان صوت حبات التراب وهي تتساقط فوق الخشب أشبه بصفعة أخيرة تعلن نهاية لا رجعة فيها.
​وحين سُوّي القبر تماماً بالتراب، وبدأ المشيعون بالانصراف فرادى، بقي إيان وحده متسمراً أمام الشاهد.
ثم حدث شيء لم يكن ينبغي أن يحدث...
​لسعة جليدية باردة اجتاحت مؤخرة رأسه فجأة، جعلت قشعريرةً تسري في جسده. التفت حوله بذعر خفي، لكن الضباب كان يزداد كثافة، حاجباً الرؤية عن كل شيء.
وفجأة.. شقَّ سمعه صوتٌ يقطر صِغَرًا ورعبًا:
- إيان... ساعدني...
​تجمّد الدم في عروقه.
​كان الصوت نقيًّا، بنبرة طفولية مألوفة حد الألم، ينبعث من داخل رأسه مباشرة.
​التفت بسرعة مباغتة نحو أوزريك الذي كان يقف على مقربة منه مراقباً صمته:
- هل سمعت ذلك؟!
​نظر إليه أوزريك باستغراب وقلق شفوق:
- ماذا؟
​نظر له إيان قليلاً ثم حرك رأسه نفياً:
- لا... لا شيء.
​في طريق العودة، لم يتكلم إيان. كان عقله يصارع في حلبة مظلمة فكرة واحدة مجنونة: أن ما سمعه مستحيل.. مجرد وهْم صنعته الصدمة، وانهيار داخلي لعصبه المثقل.
​لكن في أعماقه، كان هناك صوت آخر يرفض هذا التفسير العقلاني، يهمس له بلوعة: "هي لم ترحل.. ربما ما زالت عالقة هنا بطريقة ما لا يدركها عقلك البشري".
مرّت أيام قليلة على الفاجعة، ولم يتبدّل في القرية شيء؛ بقيت غارقة في رتابتها الرمادية. أما إيان، فغدا كطيفٍ غائب؛ يخرج مع خيوط الفجر الأولى، ويعود مع الغسق دون أن يلحظه أحد. صار ينسى أدواته في الحقول، ويتوقف في منتصف تقطيع الأخشاب، محدقًا في الفراغ لساعات. وفي بعض الليالي، أخذ يسمع أنفاسًا خفية تتردد خلفه، رغم يقينه بأنه يقف وحيدًا. المشكلة لم تكن أن شيئًا يراقب بقايا حياته... بل أنه بدأ يعتاد وجوده.
وفي أحد الأيام، جلس برفقة أوزريك قرب أطراف الغابة الكثيفة، يقسمان حطب الشتاء. كان الصمت الثقيل ممتداً بينهما، لا يكسره سوى الصوت الحاد لضربات الفأس وهي تهوى على الجذوع.
​رمى أوزريك فأسه جانباً فجأة، وكسر هذا الجمود قائلاً بضيق يحاول إخفاء خوفه على صديقه:
- إلى متى ستبقى هكذا؟
​أجابه إيان بنبرة خافتة وموجزة دون أن ينظر إليه:
- ماذا؟! أنا على ما يرام.
​أطلق أوزريك ضحكة ساخرة خفيفة تحمل الكثير من الأسى، ثم التفت إليه بقوة:
- هذا الانكسار لا يشبهك... مرّ عليك الموت من قبل، فما الذي تغيّر الآن؟
تصلب جسد إيان، واستقرت الفأس في يده دون حراك. رفع رأسه ببطء، وحدّق في أوزريك بنظرة حادة.
- لا تفتح ذلك الباب يا أوزريك.
​اقترب أوزريك منه خطوة، وانخفضت نبرة صوته لتصبح مواسية:
- كنت أذكّرك فقط... أنت تعرف كيف يلاحقنا الموت، وسبق أن نجوت.
خفض إيان نظره إلى الأرض وعيناه تتوقدان بجحيم مستعر من الأفكار. لم يكن قادراً، ولا مستعداً، ليشرح لأوزريك ما يمر به. كيف له أن يفسر لصديقه أن صوت الطفلة الراحلة ما زال حياً يعيش داخل جمجمته؟
​كان ثمة شيء في أعماقه يتشبث بتلك الأصوات بشراهة، حتى إنه لم يعد يدري أكان يخشى الجنون... أم يخشى أن يصحو منه.
​في تلك الليلة، وحين عاد إلى غرفته المظلمة، لم يعد الصمت ملاذاً آمناً.. بل أصبح فخاً ممتلئاً بها.
​تسلل الصوت مجدداً، حاداً وهامساً:
- إيان.. أنقذني!
غطّى أذنيه بكفيه وضغط بكل قوته، لكن الصوت كان ينبعث من مكان لا يمكن الهروب منه. كلما أغمض عينيه، ازدادت وضوحًا. لم يكن الظلام مخيفًا في حد ذاته، بل ما يتحرك داخله. وهناك باب في رأسه... يخشى أن أحدًا ما وجد مفتاحه بالفعل. تسارعت أنفاسه، وشعر بجدران الغرفة تضيق حتى كادت تسحقه بثقلها. ثم... وسط تلك الفوضى والضجيج الداخلي، ظهر شيء آخر تمامًا.
​لم يكن الحضور خارجيًّا، بل انبثق من زاوية وعيه البعيدة؛ في عمق عقله المظلم، شعر بحضور ثالث.
​شعر ببرودة مفاجئة تقضم أفكاره، وثقل غريب استقر في داخله. خلف جفنيه المغلقين، تخلّق طيف لامرأة.. لا ملامح واضحة لتقاسيم وجهها، مجرد ظل أسود داكن يقبع بهدوء مريب داخل وعيه. لا صوت، لا بكاء، ولا حركة. كانت تحدق به ببرود من مكان سحيق مجهول داخل عقله، كأنها ليست جزءًا من هذا الصخب العاطفي، بل حضور يراقب كل شيء.
​ارتجف جسد إيان بالكامل، وسرت برودة الموت في أطرافه.
​ولأول مرة منذ رحيل إيليرا، لم يعد متأكدًا إن كان ما يعيشه الآن مجرد حزن وفقد.. أم أن شيئًا آخر بدأ يتشكل داخله بصمت.
​حينها فقط، شعر أن الكابوس لم يبدأ بعد.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.