🦋الفصل الثاني🦋
*الفصل الثاني*
أحيانًا تُجبرنا الظروف على أن نتظاهر بالقوة، في الوقت الذي نكون فيه بأمسّ الحاجة إلى الاختلاء بأنفسنا، لنعيش ضعفنا بصمت، بعيدًا عن أعين الجميع، دون أن يرانا أحد.
وهذا تمامًا ما كانت تعيشه صدفة، بعدما استمعت إلى طرقاتٍ متتالية على الباب، أعقبها صوتٌ رجولي يهتف:
- نهلة، هل أنتِ في الداخل؟
أخذت نفسًا عميقًا، ثم أجابته بصوتٍ مهزوز حاولت قدر الإمكان أن تجعله طبيعيًا:
- أنا العاملة الجديدة... ليست نهلة.
عقد حاجبيه عند سماعه ذلك الصوت الأنثوي المتلعثم، ثم قال بهدوء:
- حسنًا، أردت فقط أن أعرف من في الداخل. أكملي عملك.
سمعت صدفة صوت الباب وهو يُغلق، وحينها أطلقت زفرة ارتياح طويلة. فلو رآها، لنالت توبيخًا جديدًا من السيدة فاتن.
---
- هل انتهيتم من تجهيز صالة الطعام؟ لا أريد أي تقصير، كما تعلمون، السيد يونس لديه ضيوف على الغداء.
قالتها كريمة لصدفة ونهلة، بينما كانتا منهمكتين في ترتيب الأطباق.
أجابتها صدفة:
- نعم يا خالتي، كل شيء جاهز.
ترددت قليلًا، ثم أضافت بتردد:
- خالة كريمة... هل يمكنني أن أنصرف في موعدي المحدد؟ كما تعلمين ظروفي، ويجب ألا تفوتني الحافلة.
ابتسمت كريمة بحنان وقالت:
- لا تقلقي يا بنيتي. فقط أسرعي في إنهاء ما بيدك، وانصرفي في موعدك. أنا ونهلة سنتكفل بالباقي.
أومأت لها صدفة بابتسامة امتنان.
اكتملت تحضيرات الطعام على أكمل وجه، وغادرت صدفة المنزل مسرعة. كانت قد تأخرت خمس دقائق، ولم تجد وسيلة لتعويضها سوى الركض حتى لا تفوتها الحافلة.
---
كان يونس يقود سيارته، وإلى جانبه صديقه مازن. فقد اجتمع الأصدقاء اليوم في منزل يونس.
قال مازن وهو يغمز بعينه ممازحًا:
- يبدو أن الحب يشغلنا دون أن نشعر.
رمقه يونس بنظرة جانبية وقال:
- حب؟! عن أي حب تتحدث؟ وأنت تعلم كل شيء.
قال مازن هذه المرة بجدية:
- وهل أنت راضٍ بهذا الوضع؟
هز يونس كتفيه، ثم قال بتنهيدة:
- لا أعلم... كل ما في الأمر أنني لم أشأ أن أكسر خاطر أمي، فهي أكثر شخص متمسك بهذا الزواج.
عقد مازن ذراعيه وقال بضيق:
- ولو طلبت منك والدتك أن تترك نادين، هل كنت ستفعل؟
أجاب يونس بعد لحظة صمت:
- أمي لن تطلب مني شيئًا كهذا. ثم إنك تعلم أنني لم أحب أحدًا... أو دعنا نقول إنني جربت الحب مرة وفشلت. ونادين فتاة جيدة، ولا أرى فيها شيئًا يدفعني إلى رفضها. ولو رأيتها غير مناسبة لي، لرفضت الأمر من البداية...
بتر كلماته فجأة، وقد وقعت عيناه على فتاة تركض بكل ما أوتيت من سرعة، متشبثة بحقيبتها. لم يتبقَّ سوى سبع ثوانٍ على إغلاق إشارة المشاة. راقبها من بعيد حتى وصلت إلى الجهة الأخرى بسلام.
لم تتضح له ملامحها عن قرب، لكنه عرفها.
إنها... فتاة الإشارة الراكضة.
*****************************
تعجب مازن من صديقه بعدما لزم الصمت فجأة، لكنه فهم الأمر على نحوٍ خاطئ، وظن أنه لا يرغب في مواصلة الحديث. لذلك أخرج هاتفه واتصل بصديقهما الثالث، نائل، ليسأله أين أصبح، وهل سيأتي هذه المرة، أم سيعتذر كما فعل في المرة السابقة.
---
بعد الغداء، كان الجميع جالسين في الركن المخصص للجلسات الشتوية، ما عدا صبا، التي ادعت أنها ليست جائعة.
تقدمت نهلة نحوهم وهي تقدم أكواب الشاي، بينما كانت كريمة خلفها توزع أطباق الكيك.
لم تمضِ دقائق حتى انتهت الأطباق، فصاح ياسين:
- أريد المزيد!
ولم يكن نائل أقل منه حماسًا، فهو، كما يلقبونه دائمًا، يأكل الأخضر واليابس.
تقدمت نهلة مجددًا، ووضعت قطعًا أخرى في أطباقهم.
ابتسم يونس وقال:
- سلمت يداكِ يا ست نهلة، الكيك لذيذ جدًا. وضعي لنائل بعض القطع في علبة ليأخذها معه.
ابتسمت نهلة وأجابته:
- العفو يا سيد يونس، لكنني لست من صنعه، بل العاملة الجديدة.
ضحك نائل وقال بسرعة:
- إذًا اشكروها بالنيابة عني، ولا تنسوا أن تضعوا لي نصيبي أيضًا.
انفجر الجميع ضاحكين من مزاحه، ثم انصرفت نهلة.
بعد دقائق استأذنت هيفاء وصعدت إلى غرفتها، فصادفت صبا في الممر.
سألتها:
- ألم يغادروا بعد؟
أجابتها هيفاء:
- لا، يبدو أنهم سيسهرون قليلًا.
دخلت صبا غرفتها وهي تتضور جوعًا، فقد عادت منذ وقت قصير من النادي الرياضي ولم تتناول شيئًا. لكنها فضلت البقاء في غرفتها حتى لا تضطر إلى مواجهة نظرات مازن.
كانت تفهم تلك النظرات جيدًا، لكنها تتظاهر دائمًا بأنها لا تعني شيئًا. لذلك كانت تتعامل معه برسمية، وأحيانًا تتعمد المبالغة فيها، رغبةً في قطع أي أمل قد يتعلق به.
فهي، رغم اعترافها بأنه رجل وسيم وأنيق، وطبيب ناجح، ووضعه المادي ممتاز، وأنه قد يكون حلمًا لكثير من الفتيات... لم تكن تشعر تجاهه بأي انجذاب.
---
ودع يونس أصدقاءه على أمل أن يتكرر اجتماعهم قريبًا، فصحبتهم كانت من أجمل ما بقي له منذ أيام الجامعة.
تنهد مازن بأسى، فقد مر شهر ونصف منذ آخر مرة رأى فيها صبا، وكان يأمل أن يراها اليوم، لكنه سيغادر كما جاء.
أخرج نائل علبة هدايا صغيرة مغلفة، ثم ناولها ليونس وهو يقول:
- هذه هي الصورة التي وعدتكم بها. صنعت منها ثلاث نسخ.
أعطى نسخة ليونس، وأخرى لمازن، ثم غادرا.
---
- ما بك يا رجل؟ تكاد تفضحنا!
قالها نائل لمازن.
جفل مازن من السؤال المفاجئ، ثم استدار إليه متسائلًا بعينيه قبل أن ينطق:
- ماذا تقصد؟
ابتسم نائل ابتسامة واسعة وقال:
- منذ أن دخلنا منزل يونس، وعيناك لا تتوقفان عن التجول في كل مكان.
رفع مازن حاجبيه وقال بتوجس:
- ماذا تقصد؟
قهقه نائل وهو يجيبه:
- أقصد ما فهمته أنت. نظراتك يا صديقي تكاد تفضحك.
لطم مازن جبينه وقال:
- إلى هذه الدرجة؟
- وأكثر.
قالها نائل ضاحكًا، ثم أردف:
- وللعلم، أنا عرفت منذ مدة طويلة، وكنت فقط أنتظر أن تخبرني بنفسك.
تنهد مازن وقال:
- وماذا أقول؟ أقول لك إنني أحب أخت صديقي، وهي تصغرني بعشر سنوات؟ والأسوأ من ذلك أنها لا تعاملني إلا بمنتهى الرسمية كلما رأتني.
سأله نائل:
- ولماذا لا تصارحها؟ على الأقل ستعرف رأيها. ثم إنها ليست صغيرة كما تتخيل، بل شابة ناضجة.
هز مازن رأسه رافضًا وقال:
- وإن رفضت؟ أو علم يونس بالأمر؟ سيظن أنني أزور منزله لأجل أخته، لا لأجله. لا... دع هذا الموضوع الآن. أحتاج إلى أن أفكر جيدًا.
أومأ نائل برأسه، ثم واصلا السير بصمت.صعد يونس إلى غرفته، ثم فتح المغلف وأخرج الصورة، ووضعها على الطاولة الجانبية بجوار سريره. ابتسم وهو يتأملها، فنائل لا يفوت فرصة لصنع ذكرى جميلة تجمعهم وتبقي صداقتهم حية.
---
خرج صالح، كعادته، في تلك الساعة المتأخرة من الليل.
أوقف سيارته على جانب الطريق، وأطفأ جميع أنوارها، ثم ثبت نظره على الشقة المقابلة. كانت أنوار الغرفة المطلة على الشارع ما تزال مضاءة، فأخذ يراقبها على أمل أن يراها.
تعجب من نفسه.
لماذا يفعل هذا؟
ولماذا يهتم بفتاة لا يعرف حتى اسمها؟
لكنه لم يستطع إخراجها من رأسه. فليس صالح الحريري من تتجاهله فتاة بعد أن تصفعه، ثم تمضي وكأن شيئًا لم يكن.
لقد اعتاد أن يلفت الأنظار أينما ذهب، وخاصة في الجامعة، فهو معيد، وهذه أول سنة له في العمل.
أما عالم رجال الأعمال والمال فلم يكن يومًا يستهويه، ولذلك ترك أمر الشركة ليونس وياسين، فهما الأجدر بإدارتها.
انتظر قرابة الساعة، لكن شيئًا لم يحدث، سوى أن أنوار الغرفة انطفأت.
نظر إلى ساعته، فإذا بالوقت قد تجاوز منتصف الليل بقليل.
أدار محرك سيارته، وعاد إلى منزله خالي الوفاض.
---
في صباح اليوم التالي، كانت نهلة تضع آخر الأطباق على مائدة الإفطار، حين سأل عماد:
- لماذا لا أرى العاملة الجديدة؟ مضى أكثر من خمسة عشر يومًا، ولم أرها مرة واحدة. ألم تتعرفوا إليها بعد؟
نظرت نهلة إلى فاتن بتوتر، لا تعلم بماذا تجيب.
فقالت فاتن بسرعة:
- الجميع هنا يعرف عمله، وهي تقوم بتنظيف الغرف في الطابق العلوي، أما الطعام فمن اختصاص كريمة، كما تعلم.
أومأ عماد برأسه، ولم يعلق، فآخر ما كان يشغل باله هو تفاصيل أعمال المنزل، لكنه استغرب فقط أنه لم ير العاملة الجديدة طوال تلك المدة.
في تلك اللحظة نزلت هيفاء، فسارع ياسين إلى الإمساك بيدها، وسحب لها الكرسي لتجلس.
ابتسم صالح بسخرية وقال:
- أرى أن في منزلنا هدنة سلام هذه الأيام.
زجره عماد قائلًا:
- وعلى أمل أن نعقد هدنة معك أنت أيضًا.
وأضافت فاتن:
- قريبًا إن شاء الله.
قطب صالح حاجبيه، وأشار إلى نفسه متعجبًا:
- أنا؟
قهقه يونس وقال:
- نعم أنت، فسيحين دورك قريبًا، وستدخل إلى هذا البيت عروس جديدة.
تظاهر صالح بعدم الفهم وقال:
- عروس جديدة؟ تقصد نادين؟
وقبل أن يجيب يونس، سبقه ياسين قائلًا:
- لا يا حبيب أمك، عروسك أنت.
انتفض صالح وقال بصوت مرتفع:
- أنا لا أفكر بالزواج الآن، وعندما أفكر سأخبرك يا أمي قبل أي أحد، وسأقول إنني أريد هذه الفتاة وسأتزوجها. أما أنتم، فانسوا أي خطط أخرى.
ثم أضاف:
- وعندكم يونس ونادين، دعوهما يكملان زواجهما أولًا.
ضحك يونس وقال:
- اهدأ يا رجل، ثم لا تشغل بالك بي وبنادين، فنحن لم يمضِ على خطبتنا سوى شهر ونصف.
نظر إليه صالح بابتسامة ساخرة، فرسم على وجهه حركات مضحكة، فضحك يونس ولوح له بيده بمعنى: اذهب من هنا.
تبادل عماد وفاتن النظرات.
يبدو أن صالح ليس سهل المراس كما كانا يتمنيان، فطبعه المتمرد بدأ يظهر منذ أن رفض العمل معهما في الشركة.
---
صعد صالح إلى غرفته يجمع أغراضه قبل الذهاب إلى الجامعة.
وفي تلك اللحظة، خرجت صدفة من غرفة ياسين وهيفاء بعدما انتهت من تنظيفها، وأغلقت الباب خلفها.
تجمدت في مكانها عندما وجدت نفسها وجهًا لوجه أمام شاب وسيم لا تعرفه.
لكن ذاكرتها أسعفتها سريعًا، فقد رأت قبل قليل لوحة مرسومة له داخل غرفته.
إنه صالح... أصغر أبناء العائلة.
رمقها بنظرة متفحصة من رأسها حتى قدميها، وقد بدا عليه الاستغراب.
أهذه هي العاملة الجديدة؟
فتاة صغيرة... وجميلة إلى هذا الحد؟
كيف لم يرها طوال الأيام الماضية؟
خفضت صدفة بصرها، وتجاوزته بصمت، بينما بقي هو يراقبها بدهشة.
ولأول مرة فهم سبب إصرار والدته على إبعادها عن الأنظار.
ابتسم بخبث وهو يحدث نفسه:
- إذًا... سأعبث قليلًا مع أمي.
---
نزل إلى الطابق السفلي من جديد، وأطلق صفيرًا وهو يغمز لوالدته:
- ست فاتن، منذ متى وأنتِ توظفين فتيات جميلات؟ ذوقك رائع، ليتك تكثرين من هذا النوع، على الأقل تصبح في البيت طاقة جميلة، لا في الجامعة فقط.
رمقته فاتن بنظرة حادة وقالت:
- اخرس يا ولد، ولا تتدخل في شؤون العاملات.
تدخل ياسين مستنكرًا:
- فتيات جميلات ماذا؟ عمَّ تتحدث؟
وضع صالح يده على صدره متصنعًا الصدمة وقال:
- لا تقل لي إنك أنت أيضًا لم ترها! يا رجل، الفتاة معنا منذ رحيل صباح، ونحن لا نعلم!
ثم أمسك بيد أخيه وقال:
- تعال، سأريك بنفسك.
وكان ياسين مرحبًا بالفكرة أكثر مما ينبغي، فنهض سريعًا وسار خلفه.
وسط ذهول الجالسين، ونداءات فاتن الغاضبة التي لم يستجب لها أحد.
قاالت هيفاء باستياء
- انظروا إلى ابنكم، لم يحترم مشاعري، ولا حتى وجودكم، وذهب ليرى الخادمة الجميلة دون أي اعتبار لي!
ضحكت صبا وقالت، لتزيد الأمر اشتعالًا:
- بصراحة، لا ألومهما. لقد رأيتها قبل أيام، واندهشت أنا أيضًا من جمالها.
التفت إليها يونس بحدة وقال:
- صبا، اصمتي.
ثم أردف بنبرة أكثر هدوءًا:
- الفتاة تعمل هنا، وليس من اللائق أن يكون حديثنا عنها بهذه الطريقة.
---
دفع صالح أخاه برفق عندما وصلا إلى باب المطبخ وقال:
- ادخل، وانظر بعينيك، ثم احمد الله على نعمه.
قالها وهو يضحك، ثم ابتعد.
تنحنح ياسين قبل أن يدخل، متذرعًا بأنه يريد كوبًا من الحليب لهيفاء.
لكن عينيه وقعتا على صدفة، فتأملها للحظات، الأمر الذي زادها خجلًا.
تناول كوب الحليب من نهلة، التي رمقته باستغراب، فمن النادر أن يدخل أحد من أبناء المنزل إلى المطبخ.
هزت كتفيها، وعادت إلى عملها.
خرج ياسين وهو يحرك يده أمام وجهه بمبالغة، ثم وضع الحليب أمام هيفاء وقال ضاحكًا:
- من اليوم سأعد لك الحليب بنفسي، يبدو أن أجواء المطبخ أصبحت جميلة جدًا هذه الأيام.
زجره يونس، وقد فهم مقصده تمامًا:
- هذه الفتاة أمانة في بيتنا، فالزم أنت وأخوك حدودكما، وإلا سأريكما من هو يونس.
- **********************كانت الساعة تشير إلى الخامسة والربع مساءً، وكانت صدفة تقف بهدوء على الرصيف، تنتظر إشارة المرور لتتمكن من العبور.
كان يونس يقود سيارته وبرفقته والده، وما إن لمحها واقفة حتى خفف من سرعته. ظل يقترب بسيارته وعيناه معلقتان بها، دون أن يحيد بنظره عنها. كانت تلك المرة الأولى التي يراها فيها واقفة، لا تركض كما اعتاد أن يراها.
تحولت الإشارة إلى اللون الأخضر، وكانت سيارته قد وصلت إلى حافة الرصيف. وحين رآها عن قرب، أدرك أنها فتاة جميلة ذات ملامح رقيقة وهادئة. لكن في لمح البصر عبرت أمامه واختفت، بينما بقي يتابعها بعينيه دون أن يشعر.
انتبه على صوت والده وهو يحثه على متابعة السير.
- ماذا يشغل بالك يا بني؟ هل كل شيء على ما يرام؟
أومأ يونس برأسه مطمئنًا والده، ثم أكمل طريقه.
---
دلفت نادين إلى ذلك المطعم الشهير بأبهى إطلالة لها، وجالت بعينيها في المكان تبحث عن يونس بعدما اتفقا على تناول العشاء خارج المنزل.
ما إن لمحها حتى لوّح لها بيده، فاتجهت نحوه وعلى وجهها ابتسامتها الجميلة. بالنسبة إليها، كان هو الرجل الذي اختاره قلبها.
نهض يونس لاستقبالها، صافحها، ثم احتضنها بخفة، قبل أن يزيح لها الكرسي المقابل ليجلسها.
- كيف حالك يا نادين؟
- الحمد لله. كما تعلم، أغلب وقتي أقضيه مع والدي في الشركة.
أومأ متفهمًا وقال:
- الحال من بعض.
زمّت شفتيها بضيق وقالت:
- إذًا فلنغيّر هذا الحال. تمت خطبتنا منذ ما يقارب الشهرين، ولم نخرج معًا سوى مرتين أو ثلاث.
ابتسم بخفة وأجابها:
- لكِ ما تريدين. أنتِ حددي الموعد، وأنا سأنفذ.
ابتسمت، ثم اقترحت عليه أن يتمشيا قليلًا قبل أن تعود إلى منزلها.
---
- هل ستخرجين في هذا الوقت من الليل يا صدفة؟ دعي الأمر إلى الغد، وبعد انتهاء دوامك اذهبي وأحضري الدواء.
قالتها فاطمة، والدة صدفة، بعدما رأت إصرار ابنتها على الخروج لإحضار الدواء.
ابتسمت صدفة وقالت:
- يا أمي، يا حبيبتي، ما زالت الساعة التاسعة والنصف فقط، وقد بحثت عن صيدلية مناوبة في الموقع، وهي ليست بعيدة.
ثم أضافت بنبرة عاتبة:
- وأنتِ، لماذا لم تخبريني عندما انتهى دواؤك؟ مضى يومان وأنتِ لم تقولي شيئًا.
اقتربت منها وأمسكت بيديها.
- أمي، لا يصح هذا. يجب أن تهتمي بصحتك، وإن لم يكن من أجلك، فمن أجلي أنا.
ثم قبّلت رأس والدتها وقالت:
- ساعة واحدة وأعود إلى المنزل.
تنهدت فاطمة وقالت بقلة حيلة:
- انتبهي لنفسك يا بنيتي.
---
كانت نادين تشبك أصابعها بأصابع يونس، وتسير إلى جواره، يتأملان واجهات المحلات ويشتريان بعض الأغراض بين الحين والآخر.
وفجأة، وقع بصر يونس على فتاة دخلت إحدى الصيدليات القريبة.
إنها تشبه كثيرًا فتاة الإشارة...
توقف مكانه للحظة، ثم أشار إلى نادين قائلًا:
- اجلسي قليلًا على ذلك المقعد، سأجلب مسكنًا للصداع، أشعر أنني لست على ما يرام.
نظرت إليه بقلق وقالت:
- سلامتك يا حبيبي. اجلس أنت، وأنا سأحضره.
ابتسم لها برفق وقال:
- لا داعي لأن تتعبي نفسك. دقيقتان وأعود.
ثم اتجه مباشرة نحو الصيدلية التي دخلتها "فتاة الإشارة"، كما أصبح يسميها في داخله.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!