وضع القراءة:

الفصل الاول

🦋*الفصل الاول*🦋
هناك الكثير من الوعود والكلمات الجميلة التي ننطق بها عندما نكون في أعلى قمم السعادة، حين تبدو الحياة أكثر إشراقًا، فنعد من نحب بأننا سنبقى، وسنفعل المستحيل من أجلهم، وسنضحي بكل ما نملك لأجل سعادتهم.
لكن الأيام وحدها تكشف صدق تلك الوعود، فالكلمات يسهل أن تُقال، أما التضحية فلها لغة أخرى لا يجيدها إلا الصادقون. فهي لا تُقاس بما يُقال، بل بما يُفعل؛ لأن الأفعال وحدها هي التي تمنح الكلمات قيمتها، أو تسلبها معناها.
وها هي "صدفة" تضحي بأثمن أحلامها، وهي تطوي شهادتها الجامعية بعدما أنهت سنتها الأولى، وتضعها في مغلف ثم تخبئه داخل الدرج مع بقية الأوراق المهمة. ليس لأنها لم تعد تملك القدرة على إكمال تعليمها، بل لأن من كان قدوتها في الحياة، وأكثر من شجعها على تحقيق حلمها حتى على حساب صحته، قد رحل، تاركًا إياها تتخبط بين أحلامها وحياتها. أما حلمها الحقيقي الآن، فأصبح أن تدبر شؤون منزلها، وتؤمن علاج والدتها دون أن تحتاج إلى أحد.
ستبذل قصارى جهدها، وستعمل ليلًا ونهارًا إن تطلب الأمر، من أجل والدتها فقط. فشهادتها الحقيقية أن تبر والدتها، وتؤمن احتياجاتها، ولو كان الثمن التخلي عن أحلامها. فلتذهب أحلامها إلى الجحيم، ما دامت سترى ابتسامةً حنونة على وجه والدتها.
كانت تلك الأفكار تدور في ذهنها، حتى قطعها صوت والدتها الواهن:
- صدفة، حبيبتي... أين أنتِ؟ وبمَ أنتِ منشغلة؟ ألم تسمعيني؟
ابتسمت وهي تتجه إليها مسرعة وقالت:
- بلى يا أمي، سمعتك. وكيف لا أسمعك؟ كنت فقط أنهي ما بيدي، وأتيت إليكِ حالًا.
جثت على ركبتيها أمامها، وقبّلت يدها وقالت:
- ماذا تريدين يا أمي؟
مسدت والدتها على رأسها وقالت:
- لا يؤمر عليكِ ظالم، يا ابنتي. هاتفتني خالتك صباح قبل قليل، وتريد أن تتأكد من رأيك قبل أن تترك العمل لتعملي مكانها.
تنهدت صدفة ثم أجابت:
- نعم يا أمي، سأذهب إليها بعد أن أنتهي من ترتيب المطبخ.
طالعتها والدتها بأسى، وترقرقت الدموع في عينيها، ثم قالت:
- يا بنيتي، لماذا تفعلين هذا بنفسك؟ أنا لا أريد سوى سعادتك، فأنتِ كل ما أملك في هذه الحياة. أخشى أن تكون هذه التجربة شاقة عليك، فهي المرة الأولى التي تعملين فيها.
ابتسمت صدفة وقالت برفق:
- يا أمي، أظن أنها المرة الخمسون، وربما أكثر، التي ترددين فيها هذا الكلام. أنا ابنتك، ومن تربيتك أنتِ وأبي، وأعدك أنني سأتحمل كل شيء من أجل سعادتنا.
قبّلتها، ثم نهضت لتكمل عملها في المطبخ.
بعد أن انتهت، بدلت ملابسها، وخرجت لتقضي بعض حاجات المنزل، ثم تتوجه إلى خالتها صباح.
صعدت السلالم وهي تلتقط أنفاسها، فقد سارت أكثر من نصف ساعة، ثم صعدت خمسة طوابق في تلك الحارة الشعبية التي تشبه حارتها.
طرقت الباب، وما هي إلا لحظات حتى فتحت لها الخالة صباح، واستقبلتها بابتسامة دافئة.
- أهلًا وسهلًا يا حبيبتي، تفضلي، اجلسي.
جلست وهي ترتب طرف فستانها بعفوية.
أحضرت لها صباح كوبًا من الماء البارد، فشربته وهي تقول:
- شكرًا يا خالتي. متى سأبدأ العمل؟
ابتسمت صباح وسألتها:
- هل أنتِ مستعدة؟
ابتسمت صدفة بدورها وقالت:
- إن شاء الله، أحتاج فقط إلى دعواتك ودعوات أمي.
ابتسمت صباح بحنان وقالت:
- إن شاء الله، يوفقك الله ويسعدك أنتِ ووالدتك. فوالدتك ليست صديقة فحسب، بل هي بمنزلة أخت لي، ولها فضل كبير عليّ. وأردت مساعدتكما، ولم أجد أفضل من هذا العمل أقدمه لك. كما تعلمين، سأذهب لأقضي ما تبقى من عمري مع ولدي، فقد استقر في الخارج، ويريدني إلى جواره.
ربتت صدفة على كفها وقالت:
- أسأل الله أن يبارك في عمرك يا خالتي، وأن يرزقك فرحة أحفادك.
نهضت وهي تقول:
- غدًا، إن شاء الله، سنلتقي عند العنوان الذي أعطيتني إياه، وسأكون هناك في الموعد. سأتصل بك عندما أقترب.
أومأت صباح برأسها وقالت:
- إن شاء الله.
عادت صدفة إلى منزلها، الواقع في الطابق السادس، أو بالأحرى فوق سطح البناء، حيث غرفة واحدة وصالة صغيرة، ومطبخ في إحدى الزوايا. فقد انتقلت للعيش هناك بعدما باع والدها منزلهم قبل عام ونصف، وقبل وفاته بشهرين، من أجل إجراء عملية لوالدتها، ودفع رسوم دراستها الجامعية. فقد كانت طالبة في كلية الطب، تدرس اختصاص أمراض النساء والتوليد.
وضعت مشترياتها على الرخامة الصغيرة، ثم ألقت نظرة إلى والدتها التي كانت تغط في نوم عميق، فبعض الأدوية التي تتناولها كانت تسبب لها النعاس.
أعدت الغداء، ثم تناولت الطعام مع والدتها بعدما استيقظت.
وهكذا انقضى يومها.
وأخيرًا، ارتمت على وسادتها، وهي تفكر في الغد وما يحمله لها، ثم غاصت في نوم عميق.
استيقظت على صوت المنبه الذي ضبطته لتبدأ يومها الجديد.
**********************************
خرج من الحمام الملحق بغرفته، وهو يرتدي ثيابه على عجل. نظر إلى ساعته، فلم يتبقَّ على موعد طائرته سوى ساعة ونصف. كان سيغادر إلى الخارج لإنهاء بعض الأعمال الخاصة بشركات العائلة.
انتهى من ارتداء ملابسه، وألقى على نفسه نظرة أخيرة في المرآة، ثم قال مخاطبًا نفسه:
- لا تقلق، ستتهافت عليك الشقراوات والسمراوات أيضًا.
كان واثقًا من وسامته، ويعلم أن يونس الحريري محط أنظار الجميلات. ومع ذلك، كان ما يزال يبحث عن الفتاة التي رسمها في خياله، رغم أنه لم يعرف يومًا ما الصفات التي يريدها فيها. ورغم خطبته منذ شهر إلى نادين، فإنه كان يعلم يقينًا أنها ليست الفتاة التي يبحث عنها.
خرج برفقة سائق العائلة متجهًا إلى المطار. كانت عائلته تعلم بسفره، وقد اعتادت تلك الرحلات المتكررة، فهو في كل الأحوال لن يتأخر أكثر من ثلاثة أو أربعة أيام.
وبينما كان ينتظر إشارة المرور حتى تفتح، لفتت انتباهه فتاة لم تتضح ملامحها، لكن ركضها السريع كان كفيلًا بأن يجذب أنظار الجميع، لا أنظاره وحده.
اقتربت من الشارع الرئيس لتتمكن من العبور قبل أن تغلق الإشارة. والحق يقال، كانت فتاة جميلة، قصيرة القامة قليلًا، ذات بشرة بيضاء وشعر بني.
ابتسم وهو يراها تبتعد، وقال في نفسه:
- يبدو أنني لست المتأخر الوحيد.
---
التقطت أنفاسها بعدما عبرت الشارع، ثم واصلت ركضها على الرصيف.
كان حولها رجال وفتيات يركضون، لكن شتان بينها وبينهم. فهم يمارسون رياضة الصباح، أما هي فكانت تركض حتى تصل إلى عملها في الموعد المحدد.
لم يكن في جيبها ما يكفي لاستقلال سيارة أجرة، لذلك جاءت بالحافلة، ثم نزلت عند آخر محطة، وهي الأقرب إلى المكان المقصود.
واصلت ركضها وهي تدخل ذلك الحي الراقي... بل الراقي جدًا، حيث تتجمع منازل أصحاب المال والنفوذ.
راحت تتأمل الفلل الفخمة والمباني الجميلة باندهاش، وعيناها تجولان بين الأسماء المدونة على البوابات الرئيسية، حتى وصلت إلى العنوان الذي تبحث عنه.
وقفت تقرأ الاسم المكتوب بجوار البوابة:
(عماد الحريري).
التقطت أنفاسها، ثم أخرجت هاتفها من حقيبتها الصغيرة واتصلت بصباح.
أجابتها صباح فورًا:
- أين أنتِ يا صدفة؟ لقد تأخرتِ.
قالت صدفة وهي تحاول استعادة أنفاسها:
- أنا أقف أمام المنزل.
أخبرتها صباح أن تتجه إلى الجهة الخلفية، وأن تدخل من الباب المخصص للخدم والطوارئ، فامتثلت لما طلبته منها.
*********************************
التقت بصباح، فأخذت تشرح لها طبيعة عملها.
- أول ما ستقومين به هو تحضير أطباق الإفطار، وستساعدك كريمة ونهلة.
التفتت صدفة إلى المرأتين، وبدا لهما أنهما في منتصف الأربعينيات، لذلك لم تجد بينهما فتاة من جيلها.
أشارت صباح إليهما وهي تقول:
- كريمة هي الطاهية هنا، وأنا ونهلة نتولى جميع أعمال المنزل، ونساعدها في تحضير الطعام.
ثم أخذت تشرح لها أماكن أدوات التنظيف، وأضافت في النهاية:
- عندما ينزل الجميع إلى الطابق السفلي لتناول الإفطار، ستبدئين أنتِ ونهلة بتنظيف الغرف، ومسح الأبواب، وكل شيء يجب أن يكون نظيفًا ولامعًا. وستكون نهلة إلى جانبك في الأيام الأولى حتى تتعلمي العمل.
أومأت صدفة برأسها، فربتت صباح على يدها وقالت:
- وفقك الله يا ابنتي. الأيام الأولى ستكون صعبة، لكنك ستعتادين عليها.
وما هي إلا لحظات حتى دخلت سيدة المنزل، وألقت نظرة على العاملة الجديدة، ولم يرق لها الأمر أبدًا، فهي لا تفضل أن تعمل في منزلها فتيات صغيرات في السن.
فكيف إذا كانت شابة جميلة؟ وهي أم لثلاثة شبان، وقد سمعت كثيرًا من القصص التي نشأت بين السادة والخادمات، فبعض الفتيات يستغللن جمالهن للإيقاع بالأثرياء، وهي في غنى عن مثل هذه المشكلات، فمكانتها وسمعتها بين سيدات المجتمع تعنيان لها الكثير.
نظرت إلى صباح بعبوس وقالت:
- من هذه يا صباح؟ ألم أخبرك بقوانيني في هذا المنزل؟
تلعثمت صباح وهي تجيب:
- سيدتي فاتن، صدفة بحاجة ماسة إلى العمل، وهي ليست كما تظنين. وقد شرحت لها جيدًا ما يجب عليها فعله.
ثم التفتت إلى صدفة وقالت:
- كما أخبرتك من قبل، لن تصعدي إلى الطابق العلوي إلا بعد أن تتأكدي من أن الجميع على مائدة الطعام.
أومأت صدفة برأسها، وهي تحبس دموعها من أسلوب تلك المرأة.
سألتها فاتن وهي تتفحصها:
- كم عمرك يا فتاة؟
أجابت بصوت خافت:
- اثنان وعشرون عامًا.
قلبت فاتن عينيها بضيق، فهذا آخر ما كانت تحتاج إليه في صباحها. لكنها لم تكن قاسية إلى الحد الذي يدفعها إلى قطع رزق الفتاة، وقررت أن تراقبها، فإن رأت منها ما لا يعجبها، ستتصرف لاحقًا.
ثم سألتها:
- هل ما زلتِ تدرسين؟ فأغلب الفتيات في مثل عمرك طالبات جامعيات.
ابتلعت صدفة غصتها وأجابت:
- نعم، لكنني أجلت دراستي في السنة الثانية.
هزت فاتن رأسها، ثم قالت لصباح:
- علميها عملها جيدًا، فلا ينقصني المزيد من المتاعب، فأنتِ تعلمين أنني بالكاد أسيطر على ضغط دمي.
قالت صباح مطمئنة:
- لا تقلقي يا سيدتي، سيكون كل شيء كما تريدين، بل أفضل.
وقبل أن تغادر، احتضنت صباح صدفة وهمست لها:
- انتبهي لنفسك، وتذكري دائمًا أننا لا نشبه هؤلاء الناس، ولا هم يشبهوننا. اعملي وكأنك صماء بكماء، ولا تتحدثي إلا إذا طُلب منك ذلك.
انقضى يومها الأول وهي تشعر بأن ذراعيها قد تخدرتا من شدة التعب، فالمنزل كبير جدًا، ويتسع لعدد من الناس يفوق سكان حارتها.
مرت ثلاثة أيام، وبدأت تعتاد العمل، وتتجنب النظر إلى السيدة فاتن، خاصة بعدما علمت من نهلة أنه لا يجوز لها تقديم الطعام أثناء جلوس أفراد العائلة على المائدة.
أخذت أدوات التنظيف، وصعدت إلى الطابق العلوي، وبدأت بتنظيف الغرف المفتوحة.
ثم دخلت غرفة لم تدخلها من قبل، فأخبرتها نهلة:
- هذه غرفة السيد يونس، الابن الأكبر للسيد عماد والسيدة فاتن.
وبدأت صدفة تتعرف إلى أفراد العائلة؛ ثلاثة أبناء، وابنتان، إحداهما هي الابنة المدللة كما كانت نهلة تطلق عليها، أما الأخرى فمتزوجة وتقيم مع زوجها وطفلها في إحدى الدول الأجنبية.
استنشقت رائحة الغرفة، فامتزج عبير العطر برائحة الأثاث، بعدما بقيت النوافذ مغلقة طوال الأيام الثلاثة الماضية. واليوم كان عليها أن تهوي الغرفة، وتنظفها، وتجهزها قبل عودة صاحبها في المساء.
انتهت هي ونهلة من تنظيف المنزل، وكانت صدفة تضع اللمسات الأخيرة في المطبخ عندما نظرت إلى ساعتها، لتكتشف أنها تأخرت ربع ساعة عن موعد انصرافها.
دعت الله أن تجد وسيلة نقل عند أقرب محطة، ثم جمعت أغراضها، وودعت المرأتين، فكلتاهما تقيمان في مسكن ملحق بالمنزل.
وكان أكثر ما طمأن السيدة فاتن أن صدفة لا تقيم في المنزل، بل تأتي صباحًا وتغادر في الخامسة مساءً، كما أنها تلتزم بجميع التعليمات التي تُلقى إليها.
كان هذا يومها الثالث، ولم يرها أحد من أفراد العائلة بعد، وكل ما يعلمونه أن صباح تركت العمل، وحلت محلها خادمة جديدة.
وكانت تسترق النظرات أحيانًا إلى صبا، الابنة المدللة، وهي تنزل الدرج بأبهى إطلالاتها. كانت تقاربها في العمر، وربما تكبرها بقليل، وتتمتع بقوام جميل تتمنى كثير من الفتيات امتلاكه.
ودون أن تشعر، راحت تقارن نفسها بها. فهي لا ينقصها الجمال، وإنما تنقصها الحياة بكل ما فيها.
هزت رأسها لتطرد تلك الأفكار، ثم أسرعت في طريقها كعادتها، فقد بدا لها أنها تقضي ما تبقى من حياتها وهي تركض.
***************************
أغلقت الهاتف بعد أن اطمأنت على وصول يونس، ابنها الأكبر، بعدما علمت أنه سيصل بعد قليل إلى المنزل.
ثم صعدت إلى غرفتها لترتاح قليلًا، لكن من أين تأتي الراحة وهي تستمع إلى السيناريو نفسه بين ابنها الأوسط ياسين وزوجته هيفاء؟ فمن يرى حالهما الآن يظن أن الشجار صار عادتهما اليومية.
استمعت إلى صوت ابنها يصرخ:
ألم أنبهك من قبل؟ إياك أن تعبثي بهاتفي مرة أخرى! أريد أن أعرف كيف عرفتِ الرمز؟ هذه هي المرة العاشرة التي أغيّره فيها.
أتاه صوت زوجته بصراخ مماثل:
ليس من شأنك كيف عرفته، ولا تحاول أن تغيّر الموضوع. أخبرني، من هذه الفتاة التي تراسلك وتطلب رؤيتك على وجه السرعة؟
طرقت فاتن باب الغرفة.
ادخل.
قالها ياسين، فهو يعلم أنها والدته، وليست هذه المرة الأولى التي تأتي فيها بعد سماع شجارهما الذي أصبح روتينًا يوميًا.
دخلت وهي تقول:
ياسين، لقد سمعت أصواتكما وأنا على الدرج. ما كل هذا يا بني؟
ثم نظرت إلى زوجة ابنها، التي بدأت تظهر عليها علامات الحمل، وقالت برفق:
وأنتِ يا ابنتي، لمَ لا تنتبهين إلى نفسك؟ ألا ترين حالتك؟ لا ينبغي أن تتعبي.
أجابتها هيفاء باكية:
قولي هذا الكلام لابنك يا عمتي. لم يراعِ مشاعري وأنا حامل، وبدل أن يهتم بي، انظري ماذا يفعل.
رد ياسين بضيق:
وماذا فعلتُ يا ست الحسن والجمال؟ كل ما أطلبه ألا تتدخلي في خصوصياتي. أخبريني، هل سبق أن عبثتُ بهاتفك؟ أنا أحترم خصوصيتك، ويجب عليكِ أن تفعلي المثل.
أنهت فاتن الجدال قائلة:
سيصل يونس بعد قليل، ووالدك أوشك على العودة أيضًا. لا أريد أن يسمع كل من في المنزل شجاراتكما اليومية. احتوِ زوجتك يا بني، ولا تنسَ أنها حامل، فاهتم بها قليلًا.
ثم تركتهما وغادرت إلى غرفتها.
أما هيفاء، فدخلت الحمام تغسل وجهها وتجمع شتات نفسها، كما تفعل بعد كل شجار مع ذلك المستهتر. وكيف سيصبح أبًا بعد أربعة أشهر وهو ما يزال بهذا القدر من اللامبالاة؟
خرج ياسين صافعًا الباب خلفه، متجهًا إلى موعده مع تلك الفتاة التي تراسله. ولم تكن سوى صديقة قديمة من أيام الجامعة، كان بينهما شيء من الإعجاب والانجذاب، لكنه انتهى يوم تزوج هيفاء، ابنة الحسب والنسب، كما أراد والداه.
كان يونس هو المرشح الأول لذلك الزواج، لكنه أخبرهما أنه غير مستعد للزواج في الوقت الحالي، فوقع الاختيار على ياسين.
ولأنه يعشق كل ما هو جميل، فقد أعجب بهيفاء منذ أن رآها في الحفل الذي جمع العائلتين وعددًا من عائلات المجتمع المخملي. كانت جميلة ورقيقة وخجولة، وهي صفات نادرة في نظره.
ولا ينكر أنه أحبها، وما زال يحبها، وأنها ستصبح أم طفله. لكن الطبع غلّاب، ويعلم الله كم يجاهد نفسه، فما باليد حيلة، فالفرص تأتيه من حيث لا يحتسب.
**********************************
كان منشغلًا بهاتفه، ينتظر أن تُفتح الإشارة، وهو جالس بجانب السائق.
انتبه إلى صوت أبواق إحدى السيارات، فرفع رأسه، ورأى الفتاة نفسها التي رآها قبل بضعة أيام، تركض أيضًا لتعبر الشارع قبل أن تُفتح الإشارة. مرت أمام سيارته، ولم يرَ سوى جانب وجهها، إذ لم تلتفت إلى أحد، وكل ما كان يشغلها أن تعبر الطريق بسلام.
تجاوزته، لكنه ظل يتابعها بعينيه، ثم ابتسم وقال في نفسه:
يا لها من صدفةٍ جميلة.
فاق من شروده على رنين هاتفه، فرأى اسم المتصل: نادين.
إنها خطيبته، التي لا يكنّ لها مشاعر العاشقين، بل مشاعر احترام ومودة، كما يفعل مع معظم الأشخاص المحيطين به.
كان يقنع نفسه بأن الحب سيأتي بعد الزواج، وحتى إن لم يأتِ، فهو لم يظلمها ما دامت ستقترن باسمه.
أجابها:
نعم يا نادين، كيف حالك؟
نعم، أنا في طريقي إلى المنزل.
أخبرته أنها ستأتي في المساء مع والدتها لزيارتهم، فرحب بها بحفاوة.
---
لم تصل في الوقت المحدد للحافلة، فقد فاتتها، وستنتظر ساعة كاملة حتى موعد الحافلة التالية.
أخذت تلعن الظروف التي أخرتها عن موعدها.
ستتأخر كثيرًا على والدتها، وبعد ساعة سيحل الظلام، فشمس يناير تغيب منذ وقت العصر... هكذا حدثت نفسها.
أخذت تمشي مسرعة نحو مركز الحافلات الرئيسي، ثم إلى بيتها.
دخلت المنزل، وكان الظلام قد اشتد قليلًا. ولم تنتبه إلى أن هاتفها ما زال على الوضع الصامت، فهي ما إن تدخل منزل الحريري حتى تجعله صامتًا، وقد أخبرت والدتها بذلك حتى لا تقلق إن اتصلت بها ولم تجبها. لكن اليوم تأخرت قرابة ساعتين عن موعد عودتها، فضربت جبهتها على غبائها.
استنشقت رائحة الطعام وقالت:
أمي، لماذا أعددتِ الطعام؟ لماذا لم تنتظريني حتى آتي وأعدّه؟
خرجت والدتها وهي تقول:
لماذا تأخرتِ يا بنيتي؟ لقد أقلقتِني عليك.
شرحت لها سبب تأخرها، ثم ذهبت لتستحم حتى تتناولا الطعام.
نظرت الأم إلى أثرها بحسرة على حال وحيدتها، ولكن ما باليد حيلة. فهي تطمئن عليها في هذا العمل أكثر من أي عمل آخر، وتعلم أن ابنتها ستضحي وتعمل في أي شيء حتى لا ينقصهما شيء.
وحيدتها حملت نفسها فوق طاقتها، لكنها، بالطبع، ستساعدها حتى وإن أخفت الأمر عنها.
فهي تقوم ببعض أعمال الخياطة دون أن تعلم ابنتها، وتحاول إخفاء كل شيء قبل عودتها، باستثناء ماكينة الخياطة التي أصبحت قطعة أساسية من أثاث المنزل.
*********************************
الساعة التاسعة مساءً، والجميع يلتف حول المائدة يتناولون طعامهم، وكان برفقتهم أيضًا نادين ووالدتها.
تساءل يونس:
أمي، هل تركت السيدة صباح العمل؟
أومأت فاتن برأسها بمعنى نعم.
فعاد يسأل:
وهل استلم أحد مكانها؟
أجابته لتُنهي هذا الحديث:
نعم يا حبيبي، لا تشغل بالك بهذا الأمر.
أكمل طعامه بعدما اطمأن على تلك السيدة الحنونة، وأنها غادرت منزلهم كما أتت، فلم يرَ منها أحد سوءًا، ولم تتلقَّ هي أيضًا أذى من أحد.
انتهوا من تناول الطعام، وتجمعوا في الصالة، وكانت هناك نظرات نارية متبادلة بين ياسين وزوجته، لاحظها صالح، الأخ الأصغر بين الشباب، ويبلغ من العمر ثمانيةً وعشرين عامًا، وبعده آخر العنقود صبا، وتبلغ خمسةً وعشرين عامًا.
فأخذ يلقي تعليقاته كعادته.
رفع ياقة قميصه يحركها ببطء، وقال لأخيه:
ارحمونا يا أخي، أشعر بالاختناق من تلك النظرات المتبادلة بينك وبين هيفاء.
ضحك الجميع على ما قاله، فهم جميعًا يعلمون بحال ياسين وزوجته، كحال القط والفأر، لا أحد منهما يستسلم للآخر.
استأذنت نادين قائلة:
يونس، هل يمكننا أن نتحدث قليلًا؟
أومأ لها، وأشار بيده نحو غرفة المكتب في الأسفل.
تقدمته ودخلت الغرفة.
وفور دخوله، أغلقت الباب، واحتضنته بشدة وهي تقبل خده، وقالت:
اشتقت إليك يا حبيبي.
تشنج جسده، فهو إلى الآن لا يتقبل أن يلمسه أحد بهذه الطريقة، ولا يحب تلك الملامسات. لكن بطبعه الحنون، لا يحب أن يكسر خاطر أحد، فبادلها العناق، ثم أبعدها برفق وقال:
وأنا أيضًا افتقدتك.
وضعت يدها على خصرها بطريقة كوميدية وقالت:
واضح جدًا، والدليل أنك أنت من طلب أن نتحدث قليلًا.
ابتسم لدعابتها وقال:
اعذريني يا نادين، فأنا مرهق جدًا، ولم أنم جيدًا طوال الليلة الماضية.
تحسست خده وهي تقول:
سلامتك يا حبيبي. اصعد لترتاح، فأنا وأمي سنغادر بعد قليل، ويبدو عليك الإرهاق.
ربت على كتفها وهو يقول:
شكرًا لك يا نادين، فأنا أحب الشخص المتفهم، الذي لا يفسر كل حديث بسوء.
ربتت على كفه فوق كتفها وقالت:
لا عليك يا حبيبي، خذ وقتك وارتح، لكن عدني أننا سنخرج معًا في أقرب وقت.
ابتسم وأجاب:
إن شاء الله.
قالها وهو يفتح الباب ويخرج، ثم استأذن وصعد إلى غرفته.
دلف إلى الحمام، وأنعش جسده بحمام دافئ، ثم صلى فرضه، وأغلق هاتفه، وتمدد على فراشه الوثير، وأخذ يفكر في حياته مع نادين.
هل يظلمها... أم يظلم نفسه قبلها؟
كان يعلم أن خطبته تمت دون أي تخطيط منه، فكل ما قاله لوالديه حينها: افعلوا ما يحلو لكم.
فهو قد جرّب حظه مع الحب من قبل.
أحب تلك الفتاة الرقيقة الهادئة، خلود، وصارحها بمشاعره، فاعترفت له أنها تبادله الشعور نفسه.
وحين أخبر والديه برغبته في خطبتها، رفضا الفكرة، وأخبراه أن هذا الحديث سابق لأوانه، وأن عليه أن يصبر حتى يتخرج، فكلية الهندسة تحتاج إلى تركيز وجهد كبيرين.
استمرت علاقتهما عامين، حتى اكتشف أخوها الأمر، فقام بفصلها من الجامعة. وحاول يونس مع أهله مرارًا، لكن الرد كان دائمًا نفسه:
ليس هذا وقت الزواج، وعندما تتخرج سنخطبها لك.
وما هي إلا شهر واحد، حتى وصله خبر زفافها من ابن عمها، فهم من عائلة شديدة المحافظة، ولا يتهاونون أبدًا في مثل هذه الأمور.
ابتسم وهو يسترجع ذكراها، وتمنى لها حياة سعيدة.
فهي الآن تعيش خارج بلدتها، وآخر ما وصله عنها أنها أنجبت ولدًا، وأسمته آسر، وهو الاسم الذي كانا قد اتفقا عليه قديمًا لأول مولود لهما.
مرت سنوات طويلة على ذلك.
ومنذ ذلك الحين، لم يجرب الحب مرة أخرى.
صار يكتفي بنظرات الإعجاب التي يتلقاها من الفتيات، أما نادين فلم تبخل عليه بحبها. وهو يعلم جيدًا أنها تحبه، ويتمنى لو استطاع أن يبادلها الشعور نفسه، لكن ما للقلب سلطان، فالحب يأتي دون موعد أو تخطيط.
كل ما يعلمه أنه لم يرفض طلب والديه، خاصة في الآونة الأخيرة، بعد زواج أخيه ياسين، إذ لم يعودا يكفان عن الحديث في هذا الأمر، الذي أصبح شغلهما الشاغل.
يونس، ألا ترى أن أخاك الأصغر تزوج، وسيصبح أبًا؟ أما آن لك أن تفكر في حياتك؟ لقد قاربت الخامسة والثلاثين.
وكانا قد أضافا إلى عمره سنة كاملة، فقط ليزيدا عليه الضغط، بينما عمره الحقيقي في بداية الرابعة والثلاثين.
نفض تلك الأفكار عن رأسه، ثم غاص في نومٍ عميق.
***************************الحادية عشرة مساءً، كان صالح يقف بسيارته على الطريق المقابل لتلك البناية السكنية في أحد الأحياء المتوسطة، يراقب أضواء الشقة الواقعة في الطابق الثاني، على أمل أن يرى صاحبة العينين الزرقاوين الفاتنتين... الشرسَتين.
فمنذ أن تلقى منها صفعةً ذات يوم، عندما كان ينتظرها أمام المستشفى الحكومي الذي تعمل فيه ممرضة، بعد محاولاتٍ عديدة للحديث معها، وهو لا يستطيع نسيانها. يومها ركض خلفها وهو يناديها، لكنها لم تتوقف، ودون وعي منه أمسك بيدها لتلتفت إليه، فلم يشعر إلا بصفعة قوية استقرت على خده. وقف بعدها مشدوهًا يراقبها وهي تغادر دون أن تنطق بكلمة.
حينها أدرك أنها فتاة شرسة، وليست كما سمع عنها من أصدقائه، حين وصفوها بأنها فتاة طامعة تلقي شباكها على الأثرياء لتخرج من كل علاقة بغنيمة لا بأس بها.
وكل ما عرفه عنها أنها مخطوبة لابن عمها، لكن ذلك لم يكن يعنيه بشيء. كل ما يريده هو أن يأخذ ثأر تلك الصفعة، ثم يتركها تنعم بحياتها مع ابن عمها.
***************************
دلفت "صدفة" من الباب المخصص للخدم، وارتدت ذلك المريول فوق ثيابها، بعد أن ألقت التحية على كريمة ونهلة، ثم باشرت عملها معهما.
وبعد أن تأكدن من نزول الجميع إلى مائدة الإفطار، صعدن لتنظيف الغرف. دخلت "صدفة" غرفة يونس ورتبتها، ثم دخلت إلى الحمام لتنظفه.
في تلك الأثناء، نهض يونس متجهًا إلى شركة والده، لكنه انتبه في اللحظة الأخيرة أنه نسي ساعته في غرفته، فعاد إليها.
كانت "صدفة" قد انتهت من تنظيف الحمام، وهمّت بالخروج، لكنها سمعت حركة في الغرفة.
انقبض قلبها.
لا بد أنه يونس... صاحب الغرفة.
يا إلهي... ماذا أفعل؟ كيف سأخرج؟
ومن شدة ارتباكها، سقطت من يدها الماسحة الصغيرة التي كانت تنظف بها المرآة.
انتبه يونس إلى الصوت القادم من الحمام، وبعد أن ارتدى ساعته، اقترب من الباب وسأل:
- نهلة، هل أنتِ في الداخل؟
لكن لم يصله أي رد.
أما "صدفة"، فكانت تربت على وجهها بخفة وهي تحاول أن تهدئ نفسها، لا تدري ماذا تفعل، خاصة عندما سمعت طرقاتٍ خفيفة على باب الحمام.
1 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.