وضع القراءة:

الفصل الثالث : الصيد في مدينة الأشباح

الثالث من مارس 2018 :
كان شيلغي قد وصل بسيارته ظهرًا إلى قصر لوينير و قد أتت معه ابنته ، و تمت استضافته في قاعة الضيوف و جاء لوينير على عجلة إليهم ، و بعد أن رحب بهما و تبادل معهم الحديث عن الأحوال ، استأذن لوينير من ابنة خاله ليتحدث مع شيلغي على انفراد ، و في المكتب الخاص بلوينير حيث اغلقا الباب عليهما ، بادر لوينير الكلام لخاله قائلًا :
لوينير : منذ يومين انتظرت لقاءك يا خالي ! مالذي دفعك لتأجل الموعد ؟
شيلغي : أنا لست مثلك يا ولد ! لقد انتظرت حتى تهدأ الأوضاع و بعدها اتحدث معك لنرى ما خطبُك !
لوينير : ألم تسمع بما حدث لي و لرجالي ؟؟؟؟
شيلغي : طبعًا حدث ذلك لك دون أن يقوم أحدٌ بتحذيرك صحيح ؟
اغتاظ لوينير و وضع يده على وجهه مغلقًا عينيه ، و تابع شيلغي كلامه قائلاً :
شيلغي : لم أكن لأتحرك بنفسي بعد كل هذا الوقت لأخبرك بأمر لستُ متأكدًا منه ! حذرتك و بلهجة حادة و صفعتك و لكنك لا تفهم !!! -يخفض صوته- من الجيد أن الأمر كان بهذا الشكل !!
لوينير : ماذا تعني بهذا الشكل ؟ خالي ! منذ متى تخفي عني شيئًا ؟
شيلغي : يا لوينير ، انت لم تصبح ناضجًا بالمستوى الذي ارتضي فيك مشاركتك كل شيء ! ما حدث اليوم كان مثالًا على ظني ، المعلومة عبء ، و ليس كل شخصٍ قادرٌ على حملها !
لوينير : يجب أن أعلم أي شيء يخصه يا خالي ! لن أدعه ينجو بفع،،
يؤشر شيلغي بيده اليسرى ليوقف لوينير عن الكلام ، ثم رمقه بنظرة غاضبة و قال له :
شيلغي : و عن ماذا كنا نتحدث للتو ؟ أرأيت أنك لست بالمستوى الذي يجعلك تدخل الأمور الكبيرة ! ألم تتعظ مما فعله بك !؟
لوينير : ما فعله بي كان على غفلة و غدر ! استغل تميزه بقدرته على النظر فالظلام ، و إلا فقد كان امام فوهة مسدس جيسكي لو لم يغلق النور وقتها ، لكانت جثته الآن في ثلاجة الموتى!
شيلغي : بل أنت الذي كنت ستكون في ثلاجة الموتى ! مالذي يمنعه من قتلك وسط الظلام ؟
لوينير : اهدأ يا خالي ! هل أنت معي أم ضدي ؟ لماذا تضخم أمره لهذه الدرجة ؟
نهض شيلغي و هو يضع عصاه على صدر لوينير و قال بصوت عالٍ :
شيلغي : لأنني أعرف من هو ! لأني أعلم ما يمكنه فعله ! البارحة كان من الممكن أن تكون ليلتك الأخيرة !!!! لقد صليت للرب عشرات المرات حتى تنجو ! و بعد نجاتك تتكلم بهذه الغطرسة و كانك كنت قادرًا على فعل شيء ؟ إن لم تعقل يا لوينير و تعود لرشدك و تطيع ما أقوله لك ! صدقني ستكون نهايتك أكثر سوءًا مما تتصوره !
و بنظرات حائرة بين خاله و الطاولة ، اعتدل لوينير في جلسته و تنهد ثم قال :
لوينير : أنا لست مثلك يا خالي ، لا أعلم ما تعلمه أنت ، لكنني آخذ احتياطاتي في كل خطوة أقوم بها ، فأنا أجهز لذلك الملفوف موقفًا أضعه أمام عصابة الجنرال !
شيلغي : أتعني ، أنك ترمي بالجنرال ذلك الرجل لكي يتخلص منه ؟
لوينير : طبعًا ! و قد أمده ببعض رجالي أن تطلب الأمر .
شيلغي : كلا كلا ، لا تخاطر بذلك ، فحتى لو قدمت له الدعم ، لن تتمكنوا منه ، انسى هذا الأمر الآن يا لوينير ، لا أريد أن أخسر ابن اختي عبثًا هكذا !
لوينير : أإلى هذه الدرجة ؟
سار شيلغي نحو ابن خالته و جلس على المنضدة التي بينهما و قال و هو يشير باصبعه نحوه :
شيلغي : هذا ما أردت سماعه ،، نعم ، نعم يابن اختي ! الأمر إلى هذه الدرجة ، بل و أبعد من ذلك ، لهذا ثق بي و اسمع كلامي ، ان كانت تلك الفتاة من نصيبك فسوف تجمعك الطرق بها عاجلًا أم آجلا ، و ان لم تكن كذلك ، فمن الآن اعتد ان تكون عينك نحو الأعلى ، ابحث عن النساء اللاتي يلقن بك يا لوينير !
ثم نهض و سار نحو خارج المكتب ، و لوينير ينظر إليه بغضب ، ثم قال في نفسه :
لوينير : سيدفع الثمن ، أعدك بذلك يا خالي ! ،،،
وصلت ڤيروزا فالخامسة عصرًا إلى منزل الرجل الملثم ، و قد كانت في يوم الأمس قد جاءت أيضًا و لكنها لم تجده ، ظلت تطرق الباب عدة مرات و لكن لا إجابة ، فحاولت الانتظار في مكانها لبعض الوقت ، و بينما هي جالسة في مكانها مرت بها ليريا و بناتها أفيلا و كارلي و يبدو أنهن في نزهة على الأقدام ، فتوجهن نحو ڤيروزا و بادرت ليريا بقولها :
ليريا : ماذا تفعلين هنا يا فتاة ؟
ڤيروزا : ها ؟ خالة ليريا ! مرحبًا مرحبًا -تصطنع ابتسامة-
ليريا : ماذا عندك في هذا المكان ؟
اضطربت ڤيروزا من نظرات ليريا و بناتها الشاكة فيها ، ثم ردت بقولها :
ڤيروزا : أنا فقط انتظر صديقة لي هنا ، لدي بعض الأمور لأتحدث معها بها !!
ليريا : في هذا المكان !
أفيلا : لماذا أنتي محمرة الوجه يا ڤيروزا ؟
ڤيروزا : أنا ؟ ما هذا الكلام يا أفيلا ! -ابتسامة مصنطعة-
ليريا : أجل أجل ، لندعك مع صديقتك التي تريدين التحدث معها ، سنلتقي قريبًا ! -تهدد بملامحها-
و قبل أن تغادر ليريا و بناتها ، تفاجئت ڤيروزا بقدوم مجموعة من الرجال على بعض ملابسهم علامة المنجل و على رأسهم جيسكي و دولفر ، ارتعبت ڤيروزا عندما رأتهم و قالت لليريا :
ڤيروزا : حسنًا هيا بنا لنذهب من هنا يا خالة
و قبل ان تحاول سحب ليريا للذهاب سمعت جيسكي و هو يقول :
جيسكي : مالأمر أيتها الحسناء ؟ هل أعجبك الوضع هنا ؟ ،، أخرج ! ان كنت رجلًا فاظهر لنا الآن !
ليريا : لحظة لحظة مالذي يحدث هنا ؟ من أنتم و لماذا تصرخ هكذا ؟
أصبحت ڤيروزا مضطربة و خائفة و بقيت تحتمي خلف ليريا بينما بناتها بقين ينظر دون فهم لما يحدث أمامهن، و اندفع جيسكي نحو باب المنزل و اخذ يطرق بقوة و يهدد بأنه سوف يكسر الباب اذا لم يخرج ، ثم قالت أفيلا :
أفيلا : ما قصتك أنت ؟ لماذا تهاجم المكان و كأنك فالغابة ؟ أليس لديك احترام للآخرين ؟
جيسكي : هووو ! انظروا الى الطفلة انها تتحدث بشكل كبير ! -يضحك-
ليريا : ما تفعله الآن هو ترويع للآمنين ! خذ رجالك من هنا و ارحل و إلا سيكون عليك تحمل العواقب ! -تهدده باصبعها-
جيسكي : -يضحك- حقًا ؟ دعنا نرى مالذي يمكنك فعله ايتها الصفراء !
ثم اقترب منها شيئًا فشيئًا ، و وقف أمامها و عينيها في عينيه ، ثم قال لها :
جيسكي : ياللغضب الذي في عينيك ، حقًا اريد ان اعلم ماذا يمكنك ان تفعلي !
ليريا : ستعرف قريبًا ، خذ رجالك و ارحل الآن !!!
جيسكي : ألا ترين أيتها السيدة ، أنك أخذتِ دور إلقاء الأوامر أكثر من اللازم ؟ -يضيع يديه خلفه-
ليريا : كلا ، و لكن معك امرأة تعمل في مكتب المدعي العام قسم حقوق الإنسان ! ولا يمكن ان تعلم الى مدى يمكنني ان أسبب لك الإزعاج !!!!!
ضحك جيسكي باستهتار و هو رافعٌ رأسه للأعلى ، و نظر لها نظرة محتقرة و قال لها :
جيسكي : لا يهمني من تكونين ، لكنني أُقدم لك نصيحة لأجل بناتك ،، لا تعبثي معي !
ثم أمر رجاله فقاموا بضرب الباب عدة مرات حتى كُسر ، و اقتحم الرجال المنزل و ليريا تصرخ عليهم بأن يتوقفوا ، و ما هي إلا لحظات حتى سُمع صوت اطلاق النار عشرات المرات ! و صرخت ڤيروزا بهلع واضعة يديها على فمها و عينيها نحو ليريا ، التي لم تعد تفهم ما يحدث و لم تقدر على قول شيء فبقيت واقفة تسمع الصوت و تنظر لجيسكي الذي كان يدخن سيجارته بهدوء ، و بعد عدة دقائق خرج دولفر و معه الرجال قائلًا :
دولفر : تم التنظيف بنجاح -يضحك-
جيسكي : هه ، لم يدم دوره البطولي طويلا ، هذه عاقبة اللعب معنا -ينظر لڤيروزا- ، هيا بنا لنرى الجائزة !!!
و غادر الرجال و هم يهتفون و يضحكون على مرآى من ڤيروزا و ليريا و بناتها ، اللواتي دخلن في حالة هلع و رعب مما رأينه ، و بمجرد ان ركبوا سياراتهم و غادروا اندفعت ڤيروزا نحو المنزل و لحقت ليريا بها ، و اتجهت ڤيروزا مباشرة نحو الصالة لتجد أمامها المنظر المروع الذي جعلها تصرخ بأعلى صوت قبل أن تسقط على ركبتيها، دخلت خلفها ليريا لتجد ڤيروزا جاثية على ركبتيها أمام جثة الرجل الملثم التي اصبحت مملوءة بالثقوب بسبب الطلقات التي اخترقته، راع المنظر ليريا و بقيت واقفة لوهلة تنظر برعب و اضطراب ، بينما كانت ڤيروزا تبكي بمرارة و تصرخ محترقة بمنظر الرجل الذي لم تعرفه جيدا و لم تفهم أسباب أفعاله و لكنها تتذكر انه انقذ حياتها و سمعتها في أكثر يوم صعب مر بها في حياتها ،،،،، و فورًا رفعت ليريا هاتفها لتتصل بالشرطة و بلغتهم بالمنظر الذي أمامها و ما كان قبله ، و بعد ان انهت اتصالها دنت ليريا نحو ڤيروزا و و احتضنتها و قالت :
ليريا : هيا بنا انهضي ، سوف تصل الشرطة و الإسعاف في اي لحظة لاتخاذ إجراءات التحقيق، انها جريمة قتل دنيئة كفاعليها ،،،
نهضت ليريا بڤيروزا التي لم تتوقف عن البكاء و الشهيق و هي تنظر بعينيها اللتان لم ترى مثل هذا المنظر طوال حياتها ، و كانت تضع رأسها على صدر ليريا و تكتم فمها بيديها ، قالت ڤيروزا لليريا بصوت مرتجف بالبكاء :
ڤيروزا : لم يكن له أي ذنب ، سوى أنه أنقذني من أولئك الأوغاد ، لم يكن يريد سوى العيش بهناء ،، بما تبقى من جسده ، لماذا يموت بهذه القسوة ؟
ليريا : لا أعلم مالقصة التي تورطتي فيها يابنتي ، لكن مرارة بكائك على شخص لا تعرفينه جيدََا ليست من فراغ ، لقد فعل من أجلك شيئًا تستحقه دموعك ، دعينا نخرج الآن و ،،
ڤيروزا : لم يكن يستحق ما حدث له ، لم يستحق ذلك أبدًا !
خرجت ليريا بڤيروزا و كان رجال الشرطة قد وصلوا و معهم الإسعاف ، تمت مباشرة الجريمة و بقيت ليريا و بناتها و ڤيروزا جالسات بالقرب من المنزل بانتظار استجواب ميداني من المحققين ، و لحسن الحظ فقد كان المحقق المباشر للحادثة هو يوندر سفاين ، الذي لم يكن متوقعًا أن يقابل ليريا في موقف كهذا.
تم نقل الجثة التي صارت في كيس جثة محمول من أربعة رجال متوجهين نحو سيارة الإسعاف ، كانت ڤيروزا تنظر بعينين دامعتين لهذا المنظر بلوعة و قهر ممزوجين بالغضب ، لم يخرج من مخيلتها ذلك المنظر الذي كان فيه الرجل الملثم ممددًا على الأرض مضرجًا بدمائه ، أغلقت عينيها و ذاكرتها تعود بها لكل لحظة عاشتها مع هذا الملثم ، تلك اللحظات التي كانت تتسم بالغموض و الحيرة و بعض الأمان ، لقد مات و ترك لها عشرات الأسئلة التي لا إجابة لها ، لن تستطيع بعد الآن أن تعلم من هو ، و ما اسمه ، و من أين له بتلك القوة فالظلام ، لكنها توقفت عند أمر واحد ،، لماذا لم يفتح الباب لها عندما طرقت ؟ مالذي منعه ؟ هل كان يعلم بقدومهم ؟ كيف اقتدر على رجال لوينير في قصره ؟ اصطدمت بعشرات التساؤلات وسط حزنها ، و في وسط تفكيرها قاطعتها كارلي قائلة :
كارلي : ڤيروزا ! ڤيروزا ألا تسمعين ؟
ڤيروزا : آآ أجل ، ماذا هناك ؟؟؟؟
كارلي : والدتي كانت تنادي عليك و معها رجال شرطة !
نهضت ڤيروزا و مسحت عن دموعها ، و سارت نحو ليريا و سفايت على عجل ، اثناء سيرها نحوهما قالت ليريا لسفاين :
ليريا : لا تحاول الضغط عليها ، مما علمته من كلامها يبدو انها تُكن له بعض الإمتنان ، المنظر كان فظيعًا عليها ،،
سفاين : لا بأس ، هو سؤال واحد فحسب..
توقفت ڤيروزا و عيناها نحو الأرض أمام المحقق سفاين ، و قبل أن يشرع في سؤاله ، قالت له و عيناها جاحظتان بنظرة مرتبكة :
ڤيروزا : لقد ، طرقت الباب عدة مرات ! لقد كان فالداخل و لم يستجب لي !
تبادل سفاين و ليريا النظرات باستغراب ، ثم قال سفاين :
سفاين : أعلم أنك ما زلتي متأثرة بما حدث لذا لن أطيل ، أردت أن أعلم سبب مجيئك لمنزل الرجل إذا أمكنك إجابتي
ظلت ڤيروزا صامتة لبعض لحظات ، قبل ان تجيب المحقق بقولها :
ڤيروزا : كان لديه دين علي ، سعيت لسداده ،،، -تنهد- الرجال الذين قتلوه ، لهم علاقة بالثري لوينير فوركبيرد ! هذا ما يجب ان تعلمه .
سفاين : لوينير ؟ صاحب القصر الذي يجاور ساحة الملك لودفيغ ؟
ڤيروزا : يجب ان تجدوهم ، يجب أن يدفعوا الثمن!
و على نظرات من الجميع غادرت ڤيروزا بهدوء متجهة نحو بيتها ، ثم أخذت ليريا بناتها و بقي سفاين يقوم بعمله في مكان الجريمة ، و لكن في خضم انشغاله بأعمال التحقيق ، جاءه اتصال بمجرد أن انتهى منه ، تحرك على عجلٍ دون أن يعلم أحد أين وجهته التي لأجلها ترك ساحة الجريمة وراءه دون إتمام عمله فيها.
فالثامنة مساءًا ، كان جيسكي قد وصل لقصر لوينير و معه دولفر و كانا قد بشراه بقتل الملثم الغامض الذي باغتهم قبل عدة أيام ، كان الخبر كالصاعقة على لوينير الذي طار فرحًا و علا ضحكه ، و قرر دعوة جيسكي و دولفر على مأدبة عشاء في قصره احتفالًا بهذا الإنتقام ، و بعد أن أتم الخدم تجهيز العشاء و جلسوا على الطاولة و تبادلوا أطراف الحديث إذا بالخال شيلغي يدخل على عجل و هو يعرج نحو لوينير ، نهض لوينير و هو ينظر لضيوفه و لخاله ، الذي امسكه من ياقته و قال غاضبًا :
شيلغي : ما هذا الذي فعلته !!؟؟؟؟
لوينير : مـ ماذا هناك ؟ مالذي تتحدث عنه !؟
شيلغي : هل حقًا هاجمت منزل ذلك الملثم ؟؟؟ هل حقًا فعلت ذلك ؟
لوينير : لكن يا خالي ! لقد قضينا عليه ! -يضحك- لقد وعدتك ! مالذي يخيفك ؟
جيسكي : سيدي ، لقد باغتناه على غفلة و قضينا عليه ، رددنا له دينه كما باغتنا هو ،
شيلغي : سحقًا لكم ! أنتم حقًا لا تعلمون شيئًا !
لوينير : و ماذا هناك هذه المرة يا خالي !؟ مالذي تعلمه ولا نعلمه قل لي !
نفض شيلغي ابن اخته بعيدا عنه ، و تراجع و هو يضع يده على جبينه ، مما اثار قلق لوينير الذي هب نحوه قائلا :
لوينير : ماذا بك ؟ هل انت بخير ؟
أشار شيلغي بيده موقفًا لوينير ، ثم نظر له بغضب و قال :
شيلغي : قد ندفع جميعنا ثمن هذا ، الأمر ليس كما يبدو لكم !
ثم أعرض عنهم و غادر ، و بقي الجميع في أماكنهم صامتين لعدة لحظات ، ثم نهض جيسكي و سار نحو لوينير و قال له :
جيسكي : مالذي يتحدث عنه خالك ! لما هو قلقٌ إلى هذا الحد !؟
لوينير : لا أعلم لا أعلم ، لكن هناك شيء ما يعرفه ولا يتحدث عنه ! انه يقلقني باستمرار ولا يقول ما لديه !
جيسكي : اهو متعلق بذلك الملثم ؟
لوينير : نعم ، يقول انه غير عادي و له سجل خطر و لا يخبرني ، يبدو و كأنه خائف من عواقب قتله !
جيسكي : هه ، عذرًا و لكن من الظاهر ان خالك في آخر عمره ، لا يوجد أحد يثير قلقنا في هذه الساحة ، و إذا كان له ظهر يريد الثأر له فعليه أن يعيد حساباته قبل الإحتكاك بنا ، لتخبر خالك بهذا .
بدا على لوينير بعض التوتر ، و لكن بعد كلام جيسكي المتغطرس ارتاح نسبيًا له ، فأنهوا عشائهم و ذهبوا لصالة الترفيه و أكملوا حفلتهم بالشراب و الضحك و اللعب .
الرابع من مارس 2018 :
كانت ليريا مشغولة البال منذ فارقت مكان الجريمة مع بناتها ، و خططت للقاء ڤيروزا فاليوم التالي لتعلم أصل الأمر الذي وقعت فيه ڤيروزا ، و بعد الثانية ظهرًا خرجت لتقابل ڤيروزا بعد ان اتصلت بها و تواعدت معها باللقاء في مقهى على قرب من كاتدرائية العذراء ، وصلت ليريا للمقهى و وجدت ڤيروزا بانتظارها و عليها علامات الحزن ، فجلست قبالها و قالت لها :
ليريا : هل انتي بخير ؟
نظرت ڤيروزا لها بصمت ثم اشاحت ببصرها نحو الأرض ، كان اسفل عينيها عليه بعض العلامات الدالة على قلة النوم ، ثم تنهدت و قالت :
ڤيروزا : لست أعلم ، لست قادرة على معرفة مالذي يجب أن أشعر به ، أشعر أنني أتلاشى من الداخل ،،
ليريا : كيف بدأ الأمر معك ؟
عادت ڤيروزا للصمت و النظر للأسفل ، غارقة في تفكيرها بما يجب أن تقوله ، أو بالأصح بما تستطيع قوله ، ثم بدأت بالكلام عن قصة أخيها و ورطته ، و كيف لجأت للثري لوينير الذي يملك المنزل الذي تقطنه أسرتها ، ثم بدأت بالبكاء بصمت حين شرعت فالكلام عن لحظات تعرضها لمحاولة الاغتصاب من لوينير و كيف هربت منه و سلمت المال لأخيها ، ثم هدأت قليلًا عند حديثها عن هروبها من رجال لوينير و وصلها لمنزل الرجل الملثم ، و كيف عاشت لحظات الخوف و الرعب حين دخل المنزل و اكتشف وجودها ثم دخول الشرطة للمنزل ، و قصت ما حدث مع الملثم و استقباله لها و غرابة طبيعته و كيف اخبرها عن سبب تلثمه بالكامل جراء احتراقه بالكامل ، و انتهت عند قصة اختطاف رجال لوينير لها المرة الاولى ثم استفاقتها امامه ، ثم اختطافهم لها مرة اخرى و كيف انقذها ببراعة منهم ، لينتهي الأمر به مقتولًا في منزله ،
بقيت ليريا مدهوشة مما سمعته ، لم تستطع ان تجيبها مباشرة بتعليق عما حدث ، عادت ڤيروزا للبكاء ، و قالت و هي تمسح عينيها :
ڤيروزا : أتعلمين مالذي يحرقني ؟ كيف تم قتله بهذه البرود و أنا من كنت السبب ! لقد قتلوه لأنه أنقذني ! لقد مات أحدهم لأنه حاول حمايتي ! كيف سيمكنني أن أكمل حياتي مع هذا الضمير الذي لا يتوقف عن حرقي ؟
ليريا : لا يمكنك فعل شيء حيال هذا يا عزيزتي ، ربما لم تعرفي من هو و لم تسنح لك الفرصة ، لكنه قدم نفسه بوضوح قبل موته ، لم يكن لأحد أن يتمنى أن يحدث له مثل هذا ، لكنه واجه كل ذلك و هو على علم بما سيحدث له !
نظرت فيروزا باستغراب و قالت :
ڤيروزا : كيف تعلمين أنه كان يعلم ما سيواجهه ؟
ليريا : ألم تنتبهي أنه كان فالداخل ؟ و لم يقم بفتح الباب لك بعد ما قمتي بطرقه ؟
نهضت ڤيروزا باضطراب ، لم تفكر في هذا الأمر و لو لوهلة ، و هي تضع يديها على فمها و تنظر بعينين دامعتين ، قالت لليريا :
ڤيروزا : كـ كلا ! كلا !
و بينما بدأت تجهش بالبكاء نهضت ليريا و احتضنتها و عينيها تدمع ، و قالت هي تضم رأس ڤيروزا لصدرها :
ليريا : لا يمكننا التحكم بمصير أحد ، بعض الأشخاص في حياتنا يذهبون و يتركون وراءهم أثرًا لا يمكن محوه ، حتى لو كان هذا الأثر يثير أحزاننا ، سنبقى نتذكره ولا نعلم مالذي علينا أن نشعر به ، لا شيء ستتذكرينه بخصوصه ، إلا أنه مات من أجلك ،،،، فعلى الأقل هو استطاع أن يحمي احدًا حتى لو لم يكن يعرفه ، بينما أنا ، لم أستطع حماية صغيري -تبكي-
و تعانقت المرأتان بمزيج من الدموع قبل أن يقاطعهما صوت يقول :
،،ياله من حزن يجمع الناس ،،
نظرت ليريا و ڤيروزا ، فإذا به ذلك الذي كذب في وجه ليريا قبل ست سنين قائلًا أن ابنها قد قُبض عليه لأجل مصلحة أمن بلاده ، هيرلي آكروخ !
أصيبت ليريا بالذهول ، و أفلتت ڤيروزا عنها و هي تنظر للرجل ، الذي كانت لحيته قد غطت وجهه ، يرتدي ملابس مدنية و يضع قبعة بائع الصحف ، اقترب من المرأتين و يديه في جيبه و بادرهن قائلًا :
آكروخ : لا داعي لهذه النظرات ، محكوميتي انتهت قبل عدة أشهر لأنني حصلت على تخفيض للمدة بسبب حسن سلوكي فالسجن ، لست هنا لأثير أي مشاكل !
ليريا : أكان تعلم حسن السلوك صعبًا قبل دخولك السجن ؟
آكروخ : لتجلسي يا سيدة ليريا ، أريدك في أمر يخصك ، يجب أن تسمعي ما سأقوله الآن! ليريا : حقًا ؟ تظنني سأسمع منك و أنت الذي كنت تكذب بوقاحة أمام القاضي يوم المحاكمة ؟
آكروخ : آهه صحيح ، لقد تغير كل شيء عن ذلك الحين ، ستسمعينني حتى النهاية ،،
ڤيروزا : حـ حسنٌ علي الذهاب الآن ،،
و قبل أن تحمل ڤيروزا حقيبتها أمسكت ليريا بيدها و قالت :
ليريا : هل ما ستقوله لي ، يتعلق بإبني ؟
آكروخ : بل بزوجك !!!!! بيسمارك غولدباخ !
ابتلعت ليريا ريقها و عينيها تبحلقان بآكروخ بنظرات تنم عن الصدمة ، و قالت له :
ليريا : بيسمارك !؟ ماذا تقول ؟؟؟
آكروخ : لتجلسي أولًا ، فلربما ما ستعلمينه الآن يجيب عن تساؤلاتك ،،
نظرت ڤيروزا إلى ليريا فوجدتها متصلبة في مكانها من التوتر و الصدمة ، امسكت بيها و حاولت إجلاسها فجلست بعد محاولة ، ثم جلست بجوارها و قالت لها :
ڤيروزا : أأنتي على ما يرام ؟ ماذا هناك ؟ و من هذا ؟
كانت ليريا تنظر بحالة مشدودة نحو آكروخ ، و بعد لحظات قالت :
ليريا : هيا تكلم ! قل ما عندك !
أشعل آكروخ سيجارة ، و حين رفعها ليدخنها أسقطتها ليريا من يده ، و قالت بغضب :
ليريا : قل ما عندك الآن !
نظر لها ببرود و أغلق عينيه ، ثم شبك أصابعه ثم تنهد و قال :
آكروخ : تعلمين أنني كنت فردًا مأمورًا في قسم الشرطة ، و لم يكن لدي علم عما كان يدور فالأنحاء فلا صلاحية لنا فالتحقق من الأوامر الرسمية الموجهة لنا ، لكن ،، عندما فقدتي وعيك لدينا ، شعرت بأن الأمر سيخرج عن سيطرتي فاتصلت بالدائرة الإستخباراتية الخارجية (BND) و طلبت منهم توصيلي بمصدر الطلب ، لم أعرف من هو ،، لكنه قال لي ،، إذا خرج أمر القضية عن سيطرتي فإنه سيودي بحياتي و حياة خليلتي التي كانت معي وقتها ، لم يكن لدي استعداد للمخاطرة فطلبت منه توجيهي ، فكان منه أن أخبرني بما فعلناه لك حين نقلناك للمشفى و دبرنا تمديد نومك مع الممرضة ثيمي بعد تهديدنا لها ،،
ليريا : أين أخذتموني خلال اليومين السابقين لوصولي للمشفى ؟؟؟؟؟؟؟
آكروخ : ليس لدي ما أخسره ، لذلك لا يوجد لدي داعٍ للكذب ، لقد أخذناك إلى منزل فانكريس ، الذي كان خائفًا طوال الوقت من صنيعنا ، لقد استمر بتنشيقك الديسفلوران مدة يومين قبل توصيلك للمشفى ، و لكن لان ذلك المشفى متواضع ولا يوجد به مواد مخدرة قوية ، اضطررنا لتعليم الممرضة بتعريضك لأبخرة أكسيد الكربون حتى تبقى حالتك الصحية غير مستقرة فينشغل المشفى بك عن استدعاء الجهات المختصة للتحقيق في أمرك ، في نفس الوقت ، كنا قد أوصلنا ابنك لمرفق چيه في أيه حيث يستلمه شخص هناك ، و هنا انتهى عملنا و وصلنا أمر نقلنا لولاية أخرى في غضون شهر ، لكن التحقيقات كانت على عجل فتم الوصول لنا مبكرًا ،،
كانت ليريا مشدودة بشدة نحو كلامه حتى تكاد لا ترمش ، و ڤيروزا تكتف ذراعيها و عليها علامات التوتر ، تابع آكروخ كلامه قائلًا :
آكروخ : فاليوم الذي حدث فيه إلقاء القبض على ابنك ، كانت لدينا وثيقة صادرة من الدائرة الاستخباراتية الخارجية (BND) و لم يكن عليها اسم المرسل ، تلك الورقة كان مكتوب فيها مرسوم بالقبض على فتى بالثانية عشر من العمر تم رصده و هو ينشر معلومات مكذوبة و منشورات عدائية لدولة ألمانيا و بعضًا من رموز النازية ، أعتقد أنك كنتِ على علم بهذا !
ليريا : لقد ، لقد كان طائشًا ، و على كل حال لم يكن من العدل القبض عليه دون احضار والديه !
آكروخ : هاه أعلم أعلم ، لقد كانت جريمة نكراء تستحق كل ما صدر بحقنا ، لكن مالم تعلميه يا سيدة ليريا ، هو ان ذلك الخطاب لم يكن سوى مرسوم ظاهر للوصول للفتى !
ليريا : ما معنى ذلك ؟؟؟؟؟؟؟
آكروخ : بعد ان اخذنا ابنك كنا سنقوم بإرساله نحو النيابة ، لكن وصلنا اتصال من الدائرة الاستخباراتية من شخص لم أعلم من هو ، كان ذو صوت جهور و يبدوا كبيرًا فالعمر ، تحدث إلي قائلًا أين هو الصبي ! و بعد أن أخبرته باستعدادنا لارساله للنيابة رفض ذلك و تحدث بنبرة غاضبة ! و اخبرنا بانه علينا تسليمه للمرفق الإصلاحي چيه في أيه و هناك سيكون بانتظارنا شخص ما ، قاطعته و تسائلت عن سبب هذا الإجراء الغريب ! فأخبرني بأن أقوم بعملي و إلا سيلحقني الضرر و لعائلتي ، فاغلقت الخط على قلق و اتصلت بعشيقتي و حذرتها من فتح الباب لأي أحد ، تابعنا عملنا كما حدث و أنهينا تسليمه ، و تعلمين ما حدث بعد ذلك إلى يوم المحاكمة ، لم أكن أعلم عما حدث لابنك بعد ذلك الا بعد ان تكلم المراقب الذي من المرفق الإصلاحي و الذي تمت تصفيته أمامنا !
كانت ڤيروزا منهمكة بالسماع من آكروخ بنظرات الخوف و الاضطراب ، و احيانا كانت تنظر
إلى ليريا لترى ردة فعلها على كلام آكروخ، لم تكن ڤيروزا تستوعب ما تسمعه ، فقد كان الكلام الذي تسمعه يصدمها في كل مرة ينكشف لها ما حدث للراحل ليونارد ،، ثم تسائلت ليريا قائلة :
ليريا : و ما علاقة كل هذا بزوجي ؟؟؟؟
آكروخ : -تنهد- بعد صدور حكم السجن في حقي ، تم نقلي للمرفق الإصلاحي الذي أُخذ ابنك منه ، و مكثت فترة أحاول الاعتياد على الوضع و كان لي بعض الرفاق فالقسم الذي وضعوني فيه ، اكتشفت أن أحد النزلاء معنا كان موظفًا في دائرة الاستخبارات الخارجية ! فحاولت الاقتراب منه لأعلم سبب سجنه ، تحدثت معه لعدة أيام حتى علم أنني على ارتباط بما حدث في قضية ليونارد ، و عندما سألته مباشرة عن سبب سجنه وقتها ، قال لي أنه رفض أمرًا عندما كان موظفًا في قسم الإتصالات الإدارية و كان قد جاءه خطاب إلقاء القبض على صبي فالثانية عشر من العمر ! و هذا الكلام كان قبيل حادثة القاء القبض ببضع اسابيع ، فقد رفض أن يصادق و يرسل مرسومًا كهذا لأنه متعارض مع حقوق الإنسان في ألمانيا ! و قد تم استدعاءه ليقابل مسؤولًا رفيعًا فالدائرة رفض أن يقول اسمه ، أخبره بأن ليونارد هو مجرد وسيلة للوصول لأبيه !
نهضت ليريا فزعة و قالت :
ليريا : ماذا تقول ؟ الوصول لأبيه ؟
آكروخ : قال بأن الدائرة تحقق في تحركات زوجك منذ سنين ، و اكتشفوا أنه واقع في بعض المشاريع الغير قانونية التي تسعى لمحاربة جهود منظمة الصحة العالمية و مركز السيطرة على الأمراض CDC ! و من ضمن ما قيل لذلك الموظف أيضًا ، أن بيسمارك كان يقوم بالتجارب على الأطفال لاستخلاص الخلايا الجذعية منهم ! و أن ذلك كان يحدث في جمهورية الصين الشعبية ! و لهذا وصلهم طلب عاجل من وكالة الإستخبارات الأمريكية CIA بالوصول له بأي طريقة لمعاقبته على جرائمه و لكن
ليريا : هذا هراء ! أنت لا تتحدث عن زوجي بيسمارك ! لا يمكن أن يكون كذلك هذا هراء !
آكروخ : حتى أنا لا أعلم ما هي صحة هذا الكلام ، لكنني أخبرك بأن الأمر أكبر من كون القضية داخلية في ألمانيا ، و الذي زاد حيرتي هو كلامه عن ابنك ، قال بأنهم احتجوا بأنه سيكون مجرد وسيلة للوصول لأبيه ، لكن سعيهم للحصول عليه كان شديدًا أكثر من سعيهم للوصول لأبيه ، ثم يوم المحاكمة نكتشف بأن قضية ابنك هي اختطاف و تجارة أعضاء بشرية !
ليريا : رباه مالذي سمعته للتو ! -تبكي- رباه ما كل هذا !
آكروخ : كان يجب أن أخبرك بما سمعت ، و لأنني سأبقى أتصارع مع وجداني بسبب أنني كنت متورطًا في جريمة كهذه ، فعلى الأقل لتعلمي ما يجب أن تعلميه فقد يفيدك مستقبلًا
قالت ڤيروزا باضطراب :
ڤيروزا : ألم تعلم أي شيء عن مصير والد ليونارد ؟
آكروخ : كلا ، ربما فعلا قاموا باستدراجه لكي يعود من سفرته التي خطط لها ، و ربما لا علاقة للقبض على ابنه به ، لكن هناك طالما أن الاستخبارات الامريكية ضالعة فالأمر ، فلا عجب أن يكون هناك جرائم فالوسط ، لقد علمنا دائمًا أن من يسير عكس التيار العالمي ، سيكون مصيره التصفية ، ربما بيسمارك ليس كما سمعت و لكن ، هناك شيء كان يقوم به يعد ضد التوجهات العالمية في مجال السيطرة على الأمراض أو التجارب على البشر ، لان لديه سجلًا من السفر للصين فهذا ما جعله مثيرًا للشكوك !
بقيت ليريا صامتة عدة لحظات و عينيها تذرفان الدموع ، فبينما هي كانت تطير بظنونها أن أسوأ احتمال يكون بيسمارك سافر لأجل هو خيانتها ، إذا بها تكتشف أن الأمر خطير إلى درجة سعي الاستخبارات الأمريكية خلفه ، لقد أوقعها كلام آكروخ في دوامة من التفكير و الخوف لا علم لها بنهايتها ، ثم نهض آكروخ من مكانه و قال :
آكروخ : أتمنى حينما تشاركي هذه المعلومات مع أحد ألا تذكري اسمي ، أريد أن أعيش ما بقي من عمري أُكفر خطيئتي ، ، ،
ذهب آكروخ ، و بقيت المرأتان في صدمة مما سمعتاه ، الطبيب الشهير المناضل ضد التوجهات العالمية الخاطئة لصحة الإنسان ، و الذي برع في عشرات البحوث العلمية و الجينية لخدمة الصحة البشرية ، ربما هو أشد شرَّا ممن يدعي محاربتهم ، لا توجد أي إجابات واضحة لكل تساؤلات ليريا ، لكنها باتت تعلم أن القضية التي دفنتها قبيل 7 سنوات ، هي فالحقيقة ما زالت ظلالها تطل على حياتها ،،،، مسحت دموعها و نظرت لڤيروزا التي كانت غارقة فالتفكير بملامح قلقة ، قالت ليريا لها :
ليريا : أعتذر منك يابنتي على جعلك تعيشين هذا الموقف ، كان لابد لك أن تسمعي هذه الحقيقة معي ،، لانك اقرب الناس لابني و اكثر من يحبه بصدق .. و لانني خشيت ألا أتحملها ،،
ڤيروزا : خالتي ، اذا كان كلام ذلك الرجل صحيحًا عن السيد بيسمارك ، فلماذا اخذوا ابنه في تجارة أعضاء بشرية ؟ ما العلاقة ؟
ليريا : رأسي مملوء بالتساؤلات الشائكة ، احتاج للجلوس مع المحقق سفاين لعله يرشدني في هذا الأمر ، بدت لي الأمور أكثر غموضًا بعد كلامه ،، لكنه مشغول الآن بجريمة الرجل الملثم ،،
ڤيروزا : ماذا سنفعل الآن ؟
ليريا : عودي لمنزلك الآن ،، بعد أن التقي بالمحقق سأخبرك بالمستجدات ،
وافقت ڤيروزا على كلام ليريا ، فتوادعتا و غادرت ڤيروزا نحو منزلها و برأسها أطنان من الهموم و الأفكار ، فلم تكن تتوقع أن تكون قضية ليونارد بهذا الحجم و تلك الخطورة ، وصلت منزلها و والدها كان بالإنتظار و عليه علامات الغضب ، فبادرها قائلًا :
تيلمر : أين كنتي ؟؟؟
ڤيروزا : مـ ماذا هناك ؟
تيلمر : أجيبي على سؤالي !
ڤيروزا : مالذي حدث يا أبي !؟ هل أنت تحقق معي الآن ؟
تيلمر : لا أعيد كلامي ، من أين أتيتي !
ڤيروزا : لن أجيب قبل أن تخبرني سبب تساؤلاتك !
تيلمر : ببساطة يأتي اتصال من شخص لا تحبينه ! يخبرني بانك في مكان تحدث فيه جريمة قتل !
توقفت ڤيروزا برهة لتفهم ما قاله ، ثم قطبت حواجبها و اغمضت عينها ، و قالت :
ڤيروزا : نعم ، كيف لم أفكر ! القذر لوينير كان لا بد أن يكون وراء الأمر !!!!
تيلمر : أي أمر ؟؟؟
ڤيروزا : هل تعلم من أين أخذت المال الذي انقذت به اخي ؟ من لوينير صحيح ؟ ،، لقد طاردني طوال فترة غيابي عنكم و لاحقني بالشرطة و انقذني الملثم الذي أخبرتكم عنه ! هل تعلم أنهم قتلوه اليوم ؟ هل تعلم أنه استعان بعصابة الجنرال لقتله ؟ كيف تفتح اذنك لهذا المجرم ؟
تيلمر : لم يخبرني بذلك ! قتلوه ؟ كيف هذا !
ڤيروزا : و أمام ناظري ، دخلوا منزله و رموه بوابل من الرصاص و خرجوا و تركوه بين دماءه ، هل لأنه أنقذني منهم فقط ؟
بدا على تيلمر الاضطراب و التوتر فعاد للخلف و جلس على احد الكراسي ، و اخذ يحك جبينه بطرف يده و هو يقول :
تيلمر : في كل مرة نعيد الكرة و نثق به ، يأتي بما هو أسوأ ! تبَّا ،،
جلست بجواره ڤيروزا و قالت :
ڤيروزا : والدي ، أرجو منك ألا تفكر مرة أخرى في محاورتي بأي شأن يخصه ، لأنني لن أشفق عليه حتى و لو رأيته يموت فالطريق ! قلبي يتسع لرحمة الجميع ، إلا الأوغاد الذين ينتهكون حياة البشر ،
ثم نهضت و غادرت نحو غرفتها و بقي تيلمر غارقًا في همه .
كانت ليريا قد وصلت لمكتب المدعي العام ساعية لمقابلة سفاين ، و الذي كان في غرفة مدير الإتصالات و عندما دخلت عليه كان يبدو عليه التوتر ، طلب سفاين من ليريا إغلاق الباب و الجلوس للتحدث معها ، و فورا أخبرته بأنها قابلت هيرلي آكروخ الذي أنهى محكوميته منذ فترة قريبة ، و سردت له ما قاله من ادعاءات أصابتها بالحيرة و الجنون ، و بعد أن انتهت من كلامها الذي ظل سفاين يستمع بصمت دون أي مقاطعة ، قالت له :
ليريا : مالأمر ؟؟؟ لما أنت صامت هكذا !؟
تنهد سفاين و كان يركز مرفقيه على ركبه و مشبكًا اصابعه فاعتدل في جلسته ثم قال :
سفاين : أنا على علم بكل ما قلته للتو يا سيدة ليريا ، لكن هذا ليس كل شيء !
ليريا : ليس كل شيء !!!؟؟؟؟؟ ماذا هناك ؟؟؟؟؟؟
تبادل سفاين النظرات مع مدير الاتصالات ، ثم قال مدير الاتصالات بارتباك :
مدير الاتصالات : سيدة ليريا ، الأمر أنني علمت بضع معلومات من مسؤول رفيع في دائرة الإستخبارات الخارجية ، ذلك الرجل هو زوج اختي و قد جلست معه عدة مرات لاستدرجه بالكلام ، مازال يعرف الكثير عن هذا الأمر إلا أنني استطعت الحصوا على بعض المعلومات منه ، و لكن بطريقة قد أندم عليها لاحقًا ،،
نظرت ليريا بغرابة نحوهما ، ثم قالت لسفاين :
ليريا : هل ستخبرانني بما علمتموه أم ماذا !!؟؟؟
سفاين : لقد تهور يالوت بشكل مؤسف ،، لا أعلم مالذي سيحدث له بعد الآن ،،
يالوت : فالحقيقة لقد أخذت ضمانة لي على حياتي ، لكنني لا أعلم من يقف خلفه و ماذا يمكن أن يفعل ، لكن إلى حد الآن لا أظن أنه استطاع معرفة هويتي ،،
ليريا : هل يمكنني معرفة ما حدث !؟ أم أن هذا سر أمني ؟؟؟
سفاين : نعم هو سر أمني و خاص بيننا ، ستعلمين أنتي لأن القضية تخصك فقط ..
يالوت : زوج اختي يملك معلومات تبدو خطيرة ، انه و بلا شك على علاقة مع جهات خارجية ، هناك قضية تشغل بعض المنظمات الدولية الأمنية بالتعاون مع وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) بخصوص نتائج حول مشروع سري للتعديل على الجينوم البشري ، و لا زال التحقيق مستمرًا فيها دون نتائج ، يظن البعض أن زوجك بيسمارك كان على علاقة بذلك المشروع بطريقة ما ، و لم نستطع الوصول لدليل يثبت أو ينفي ذلك و لكن ،،، زوج أختي يعلم بعض الأمور بخصوص زوجك و ذلك المشروع ، و قد حاولت التقرب منه عدة مرات لأعلم منه بعض ما يعلم فلم يكن يصارحني إلا بالقليل ، و لهذا اضطررت لإتخاذ خطوة خطرة فقمت بتغطية وجهي بقناع و لأنني أعرف منزله جيدًا تسللت ليلًا و داهمته في غرفته و معي مسدس ، و تحت التهديد أجبرته على التحدث عما يعرفه ،،،، -يتنهد- لقد قال بأن بيسمارك كان على اتصال مع شركة مختصة بالمختبرات و التجارب الحيوية فالصين و كان لديهم عدة مشاريع لتعديل الجينات ، و كان اهمها مشروع في مدينة ووهان لاستصناع طفرات جينية بالفيروسات الوبائية ! و هذا كان جريمة خطيرة اذا ما تم و نجح باعتباره سلاحًا بيولوجيًا ،، ثم عندما سألته عن التعديل على الجين البشري ، اخبرني ان التجارب حسب المعلومات التي توصل لها قد باء كثير منها بالفشل و ثمن ذلك أرواح الذين تمت التجربة عليهم !!!
تأثرت ليريا كثيرًا و لكن ليس بقدر المرة السابقة أمام آكروخ ، فهذه المرة كانت تسمع و هي مستعدة لأن تعلم شيئًا سيئًا عن زوجها ، لكن ما لم تستوعبه من كلام يالوت هو الأرواح التي أُزهقت في سبيل التجارب على البشر ، فهي و إن ظنت السوء به لم تتوقع أبدًا أن يكون غير مبالٍ بأرواح البشر ، بقيت صامتة لعدة لحظات ، ثم قالت بصوت مضطرب :
ليريا : ما مدى صحة كل ما قلته للتو !!!!؟؟؟؟
يالوت : ليس لدي شيءٍ استدل به سوى كلام زوج اختي ، هو على علم كبير بخفايا هذه القضية و يحتمل أنه يعرف المزيد ، بعد أن انتهيت منه كنت قد سجلت صوته في هاتفي بالكامل تحسبًا لما قد يفعل حين يكتشف أمري ، بيسمارك غولدباخ محاط بشكوك عديدة و نحتاج للوقت لمعرفة المزيد عن أمره ،
ليريا : هل يمكن أن تكون المخابرات الأمريكية خلف اختفاءه ؟؟
سفاين : من أين استنبطتي هذا الاحتمال ؟ هل هو كلام آكروخ ؟؟؟
ليريا : زوجي كان دائمًا في سجال و صدام مع المنظمات الصحية الدولية ، لربما كان كل هذا سعيًا منهم لتشويه صورته و التخلص منه بمبرر أمام الجميع !
سفاين : المخابرات الأمريكية تقف خلف الأمر ، لكن المعطيات التي نعلمها عن البروفيسور بيسمارك لا يمكن غض الطرف عنها ، و السؤال الذي يشغلني حقًا ، إن كان ما يقوله روتل صحيحًا ، فمن أين علمه ؟ من الذي يزوده بهذه المعلومات !
نهضت ليريا و هي تنظر للأرض ، ثم نظرت لسفاين و يالوت و قالت :
ليريا : طوال حياتي ، عشت مع زوجي و ظني به كان مثاليًا دومًا ، لقد وقفت معه و ساندته في عشرات المواقف و المواجهات التي كان يحارب فيها توجهات منظمة الصحة العالمية الخاطئة ، و لطالماً كان في ندواته و محاضراته يتكلم بنبرة مثالية و إنسانية مدافعًا عن حياة البشر و صحتهم ،، لقد كنت بجواره دائمًا و لم أرى منه أي فكرة أو تصرف أو علامات ، لها علاقة بما سمعته اليوم !
سفاين : سيدة ليريا ، أتفهم شعورك بأنه زوجك و شريك حياتك طوال ذلك الوقت ، و لكن في عملنا تعلمين أنه لا مكان للعواطف ، ما زلنا في منتصف الطريق و لا شيء يبدو واضحًا تمامًا و لذلك ،، عليكِ ألا تنغمسي في أفكارك كثيرًا فربما يظهر لنا غير ما سمعنا ، كل شيء يبدو متشابكًا و كأن أحدهم يريد خلط الأمور ببعضها ،،
يالوت : ماذا تقصد يا سيد سفاين ؟
سفاين : بالنظر لما قاله آكروخ عن شريكه بالمرفق الإصلاحي وقت تنفيذ محكوميته و بما سمعناه من نسيبك ، لدينا بعض الأمور المتناقضة بخصوص بيسمارك ، فمرة قيل بأنه أشرف على مشروع لتعديل جينات البشر ، ثم يقال أنه فقط كان على علاقة بمشاريع متعلقة بتصنيع طفرات جينية بالفيروسات و البشر ، و نرى سعي الاستخبارات الأمريكية بشدة وراء هذا الأمر و سفر البروفيسور للصين أمر لا نجد له تفسيرًا بشكل كاف ، ربما هذا يفتح علينا إحتمالات خارج توقعاتنا !
ليريا : بمعنى ؟؟؟؟
سفاين : هناك كاذب في هذا الأمر ! إما أن آكروخ ادعى ما قاله ، و إما أن نسيب يالوت هو الذي كذب فيما قاله ،، و إما ،،،، و إما أن الجميع ينقل معلومات مغلوطة بقصد أحدهم !
يالوت : ربما سنعلم أكثر إذا وصلت الاستخبارات الأمريكية لمعلومات جديدة ، ما رأيك ؟
سفاين : أولئك الأوغاد لن يفيدونا بشيء ، سيحاولون احتكار كل ما يعرفونه لهم ، ربما هم يعرفون شيئًا آخر غير الذي نعلمه ، و لكننا سنساوم على معلوماتنا في حال أتوا لطلب معلومات جديدة !!
ليريا : بما أن القضية فيها انتهاكات لحقوق الإنسان فلا شك أن الاستخبارات الأمريكية سوف تستعين بالأمم المتحدة للوصول لغايتها هنا ! ألا يمكن أن يتسبب ذلك بجعلها قضية دولية !!؟؟؟ إن حدث ذلك فسوف يمس سمعة ألمانيا دوليًا بشكل مضر ،،
سفاين : كلامك صحيح سيدة ليريا ، لكن القضية أصبحت دولية سلفًا و ما تفعله الاستخبارات الأمريكية خير دليل ، لكننا سنعلب اللعبة بقوانيننا و نرى مالذي سيصلون إليه ، ما يتعلق بالبروفيسور سيبقى سرًا بيننا الثلاثة و لن نتحدث به لأي مخلوق ، إذا جد جديد لديكم نجتمع هنا لمناقشته ،
ليريا : ماذا ،، لو كان بيسمارك حيًا ؟؟؟
سفاين : لن استغرب حقًا ، تداعيات الأمر تستوجب توقع شيء كهذا ، لكن الذي ما زال يشغل بالي طوال السنين السبعة الأخيرة ، لماذا قتلوا ليونارد و في قضية بيع أعضاء بشرية ؟ ما علاقة ليونارد بكل هذا ؟ أحقًا كانت هناك مساعي إنتقامية من البروفيسور لدرجة قتل ابنه بهذه الطريقة ؟
ليريا : الوصول لهذه النقطة ، ربما يفتح الطريق لنا لمعاقبة من كانوا وراء ذلك ، و لإيجاد كل الأجوبة التي بدأت منذ حدوث القضية ، لن أترك هذا الأمر بعد الآن !
سفاين : سأوكل لك مهمة صغيرة ، ستفيدك جدًا ، و لكنني أوصيك بالهدوء و الحذر ،،،،
السادس من مارس 2018 :
كان سفاين يقوم بمراجعة بعض السجلات في مكتبه بعد الواحدة ظهرًا ،، و اذا به يفاجئ بدخول ليريا و هي مرتبكة و أنفاسها تتلاحق ، نهض مضطربًا و قال لها :
سفاين : مالأمر ليريا !؟ أهناك خطب ما ؟؟؟
ليريا : لقد عدت للتو من المرفق الإصلاحي چيه في أيه لأقابل ذلك الرجل الذي قابله آكروخ ، بعد أن سلمت بياناته لمراقب المرفق أخبرني أنه قد مات مقتولًا منذ شهر على الأقل !!
سفاين : مقتولًا ؟؟؟؟؟ ألم تعلمي سبب الوفاة !!؟؟؟
ليريا : قالوا لي أنه وُجد ميتًا في إحدى دورات المياه و على ظهره طعنات بمفك البراغي ! و لم يتوصلوا للفاعل حتى الآن !
سفاين : مالذي يحدث بحق السماء ؟؟؟؟ لم يتمكنوا من إمساك الفاعل طوال شهر كامل ؟ المرفق ليس كبيرًا إلى هذه الدرجة !!!!!!
جلست ليريا و حاولت الهدوء و التقاط الأنفاس بينما انهمك سفاين في تفكيره ، ثم قالت :
ليريا : مالذي تفكر به ؟
سفاين : ما أخشاه هو أن يكون هناك خائن داخل إدارة المرفق !
ليريا : خائن ؟ لما قفزت هكذا باستنتاجك ؟
سفاين : لا يمكن أن ينجو فاعل لجريمة كهذه في مكان ضيق كهذا ، المرفق تحت مراقبة جيدة و لا أذكر أن هناك جرائم قد حدثت به إلا قلة كانت قد انتهت و اغلقت ملفاتها منذ زمن ، لا يمكنني أن أفكر بتفسير غير هذا ، تذكري الرجل الذي قُتل أمامنا فالمحكمة ، لقد كان عميلًا أيضًا و استضاف ابنك لعدة أيام قبل تسليمه ،،
ليريا : إذن ! المرفق يحتاج إلى تفتيش و تحقيق ، هذا ما تريد الوصول له ؟؟
سفاين : نعم ، و لكن يجب أن يحدث ذلك على غفلة حتى لا يأخذ الخائن استعداده ، بدأت أتيقن أن هناك أيادي دخيلة على منظماتنا الحكومية تعمل لصالحها ، و هذا اختراق أمني خطير يجب إيقافه عاجلًا !
فجأة يطرق أحدهم الباب ، فيتبادل سفاين و ليريا النظرات مستغربين من طرقة الباب العالية الصوت ، ثم يأذن سفاين بالدخول و يدخل عليهم رجل يبدو كبيرًا فالعمر ، بتسريحة شعر للخلف و شعر مختلط بالبياض و وجه نحيل بحواجب عريضة و لحية خفيفة ، و يرتدي ملابس رسمية على صدره وسام شرفي لدائرة الاستخبارات الخارجية الألمانية !! نهض سفاين من كرسييه باضطراب ، و توجه نحو الرجل الذي دخل و وقف أمامه بنظراته متفحصة ، ثم قال له و هو يشير له باصبعه :
سفاين : أنت ! أنت ،،،
الرجل : شارل روتل ! نفس الرجل الذي تفكر به !!
سفاين : ياللعجب ! ما هذه المفاجأة العظيمة يا سيد روتل ! بعظمتك و حضرتك تكرمنا بهذه الزيارة الميمونة !
نهضت ليريا بسرعة و وقفت بجوارهما و هي تنظر لروتل بغضب و قالت :
ليريا : أنت ! أنت الذي كنت وراء موت ابني ! أنت
روتل : على رسلك يا امرأة ! لا يمكنك كيل الاتهامات هكذا دون أدلة ، لم آتي للحديث في هذا الشأن أصلا !
سفاين : سيد روتل ، أنت متهم بعديد الإتهامات و الشكوك مثارة حولك بشكل بارز ! هل لديك تفسير لكل واحدة منها ؟
سار روتل نحو الكرسي الأيسر عن المكتب و جلس ، ثم مد يديه نحو الكرسيين الآخرين اشارة لهما ليجلسوا ، جلست ليريا أولًا و قالت بغضب :
ليريا : من الذي أصدر الأمر بالقبض على ابني !؟ لن نتحدث في أي شيء قبل معرفة هذا !
روتل : طبعًا ليس أنا ، و لست عالمًا بخفايا هذا الأمر بوضوح ، لكنني جئت لأحذرك يا سفاين -يشير باصبعه- من أمور لا تعلم عنها شيئًا !
سفاين : هل هذه طريقة للخروج عن موضوع اتهاماتك ؟ عن أي أمور تتحدث ؟
روتل : كونك محققًا جنائيًا هذا لا يخولك أن تقوم بعمل الاستخبارات الخارجية ، ما تفعله سيوذي بحياتك قريبًا اذا لم تتوقف !
ليريا : هل أنت تهدده الآن حقًا ؟
روتل : كلا ، أنما جئت أنصحه نصيحًا شديدة اللهجة ، مما قد يتعرض له اذا لم يتوقف ، فهل ستدعاني أكمل كلامي أم ماذا !
سفاين : تفضل مشكورًا ! -يمد يديه-
روتل : لدينا علم بكل ما يحدث هنا ، و أعلم أن شقيق زوجتي هو من داهمني في منزلي قبيل عدة أيام ، لكن لا بأس فأنا أغفرها له لأنه سعى من أجل أمن بلادنا ، و لكنه جاهل ولا يعلم حقيقة الأمر الذي نحن بصدد العمل في شأنه ، فلتسمعاني جيدًا و ليكن هذا الكلام لكما فقط ، و سوف تؤتمنان عليه بعد الآن و ستتحملان عاقبة التحدث به ،،، هل كلامي واضح ؟؟
سفاين : ماذا هناك إذن ؟
روتل : لقد جئت إلى هنا لأحذرك من تعرضك للهجوم أو الإعتداء بتدبير من المخابرات الأمريكية ! و أنت ما زلت تغوص في هذا الأمر و تحصد المعلومات من هنا و هناك و تعرض القضية للتفشي و هذا سيضر بالجميع !
سفاين : و لماذا تهاجمني المخابرات الأمريكية ؟؟؟؟؟؟؟
روتل : لديك معلومات هامة عن قضية بيسمارك و ابنه و لكنك لن تشاركها أي فرد من خارج ألمانيا ، نثق في ولائك و أمانتك و لكنك لا تعي مدى الإختراق الذي يحدث في جهات ألمانيا الحكومية ، الـ(CIA) لن تترك أي أحد له علاقة بالأمر إلا و يجب أن يتعاون معهم و لو على حساب بلاده ، و أنت الآن ضمن قائمة المهددين بالتعدي عليه اذا لم يتجاوب مع أول محاولة لاستدراجك للحديث عن حقائق ما تعلمه !
سفاين : و كيف عرفت كل هذا ؟
روتل : يبدو لي أنك تجهل حقيقة عمل المخابرات الخارجية ، لقد وصلوا إلي منذ زمن و اضطررت للتظاهر بأني خائن لدولتي و بلادي ، و مازلت اتشارك معهم بعض المعلومات الأمنية الهامة بمقابل أن أكون على علم بما يتطور في هذه القضية ، و المكتب الإتحادي و مكافحة التجسس جميعها تدير عملي فالخفاء ، جميعنا نعلم أن ألمانيا هي دولة في حقيقتها شبه مستعمرة تابعة لأمريكا منذ الحرب العالمية الثانية ، و هذا يجعل كثير من الجهات الحكومية فالحقيقة بها شيء من الانقياد للأوامر الأمريكية سواء من وكالة الاستخبارات (CIA) او مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) و التي تسعى لخدمة مصالحها تحت شعار المصالح الدولية !
ليريا : كيف لك أن تعلم كل هذا و لا تعلم عن قضية ابني !
روتل : هناك فرد داخل دائرتنا يعمل لصالح جهات خارجية مجهولة ! حتى الاستخبارات الأمريكية لم تعلم حقيقة أمره ، و كذلك الأمر مع بيسمارك ، فلا أحد يعلم مالذي حل به و من قام بأخذه ، و لو كانت الـ(CIA) وراء الأمر لكنت علمته حتمًا ، لكن الواقع أن العديد من المنظمات الدولية بمعاونة مكتب التحقيقات الفيدرالي و المخابرات الأمريكية ما زالت تسعى على قدم و ساق للوصول لحقيقة هذا الأمر
سفاين : هل من المعقول أن هؤلاء جميعًا يتحركون لأجل قضية بروفيسور مختطف و صبي مقتول في صفقة تجارة أعضاء بشرية ؟
روتل : حسنًا ، أخبرتك أنني لا أعلم أي شيء عن مقتل الصبي فجريمته تبدو مستقلة و لم أرى شيئًا من الـ(CIA) يظهر اهتمامهم أو علاقتهم بقضيته ، لكن اختطاف بيسمارك له علاقة بمشروع مجهول قيل أنه كان في دولة الصين الشعبية ، أعتقد أنكم تعلمون هذا الأمر و لكن ،،،
سفاين : و لكن ؟
روتل : هناك معلومات تستحوذ عليها الـ(CIA) بخصوص حقيقة ذلك المشروع ، هناك معلومات قد توصلوا لها و هي ما سببت حالة الاستنفار الدولية لدرجة إرسال جواسيس لدولة مثل ألمانيا للحصول على أي معلومة ، يتحدثون عن شيء مثل نتائج لذلك المشروع ، و حسب مزاعمهم يعتقدون أن هناك علاقة بين المشروع و بين ظاهرة بدأت مؤخرًا و هي عبارة عن فرد أو أثنين ، لديهم خصائص تفوق البشر شوهدوا بمناطق نزاع عسكرية يقاتلون بشكل منقطع النظير ، اذ ان المشاهد التي توصلوا لها تثبت أن ما رأوه ليس بشرًا عاديًا ، و في نفس الوقت هناك حديث عن أمراض مستصنعة وراثيًا قد تستخدم كسلاح بيولوجي اذا لم يتم التوصل لها مبكرًا ، لهذا هم منتفضون بقوة للوصول بأسرع وقت ممكن لأصل هذا الأمر !
ليريا : هل يمكن أن تكون الصين مسؤولة عن ذلك ؟
روتل : لا يوجد دليل على تورط حكومتهم في هذا الأمر ، بل حتى أن استخباراتهم تقول بأنه لا يوجد مشروع مثل هذا على أرض الصين و لو كان لعلموه أولًا !
سفاين : لم أتصور أن الأمر جاد إلى هذه الدرجة !
روتل : و دعني اخبرك شيئًا آخر ، أن لا استبعد أبدًا أن تكون مساعي أمريكا في هذا الأمر هي لأجل الحصول على معلومات المشروع و استثمارها عندهم ! كما فعلوا مع النازيين حين انتهت الحرب العالمية الثانية!!!
سفاين : أنت محق ! هذا ليس غريبًا على الأمريكيين أصلًا !
روتل : لهذا جئت لأعطيك نصيحة مهمة ، ابتعد عن هذا الأمر و لو مؤقتًا ، عندما يحين الوقت ستعلم كل شيء كما يجب ! و انتِ يا سيدتي ، سأعيد لك كلامي ، لا علم لي بحقيقة قضية ابنك الراحل ، أمره مايزال لغزًا محيرًا لأن تجارة الأعضاء البشرية لا تحدث هكذا أصلا !
سفاين : اذن تساورك نفس شكوكي بأن أمره لم يكن طبيعيًا ؟ حتى أن الشاهد الأهم بالقضية تم قتله و انتحر القاتل مباشرة بعدها !
روتل : سيكون من الضروري عمل تفتيشات واسعة بالمؤسسات الحكومية لمعرفة الخائنين بها ، و الخائن الأكبر الذي يقع في دائرتنا الاستخباراتية هو ما يشغلني كثيرًا ، و لا يمكنني توقع حركته القادمة ، و الآن اعتذر عن إن أطلت عليكم ، فلتنتبهوا لأنفسكم جيدًا ،، -ينهض-
نهض خلفه سفاين و لحق به ليودعه عند الباب ، ثم بعدما اغلق و اتجه نحو ليريا قال :
سفاين : ما رأيك ؟
ليريا : تظنه صدق في كل ما قاله ؟
سفاين : دومًا أبقي مكانًا في عقلي يحتفظ بالشكوك ، لكنني لا أملك دليلًا ضده حاليًا ،،
ليريا : في حياتي كلها ، لم أعش لحظات شائكة و غامضة كهذه التي أعيشها الآن !
سفاين : لستِ وحدك ، يبدو أننا جميعًا نعيش هذا الشعور ، حتى الأمريكيين يبدو أنهم يعيشون حالة غموض تقض مضاجعهم !
عندما خرج روتل من مكتب المدعي العام و استقل سيارته ، انشغل في تفكيره طوال الطريق و و لم يقاطعه إلا اتصال هاتفي كان من رقمٍ مجهول ، و لما فتح الخط سمع قائلًا يقول له :
المتصل : سيدي ، لقد شوهد على الحدود الأوكرانية البلاروسية !
انتفض روتل من مكانه و رد بقوله :
روتل : من تقصد ؟؟؟؟
المتصل : هو يا سيدي ! لا يمكنني التحدث أكثر كما تعلم !
روتل : ها أجل أجل آآ و أين تحديدًا ؟؟؟؟؟؟
المتصل : شوهد عند حدود نهر بربيات من قبل حراس الحدود ،،
روتل : بريبيات ؟ نهر المدينة المهجورة قبيل تشيرنوبل ؟؟؟؟
المتصل : نعم
روتل : ماذا كان معه ؟ هل يتنقل بواسطة شيء ما ؟
المتصل : كلا ، شوهد و هو يتخطى الحدود ركضًا بسرعة عالية من بلاروسيا إلى أوكرانيا
روتل : حسنًا حسنًا يكفي ذلك ، جزيل الشكر لك ،،
ثم أغلق الخط و بدأ بالبحث في جهات اتصاله و اتصل مرة أخرى ، و بعد إجابة اتصاله قال له :
روتل : أيًا ما كان عملك ، ستوقفه و تقابلني فورًا !
الثامن عشر من مارس 2018 :
وصلت رحلة المحقق فويتر الخاصة في مطار ريفنا قرب مركز مدينة ريفنا في الشمال الغربي من أوكرانيا ، و كان معه أربعة من أفراد منظمة أكاديمي متجهين لمقابلة نائب وزير الخارجية الأوكراني سيرهي كيسليتسا في مبنى الإدارة العسكرية ، و بعد أن تم الإجتماع تحدث فويتر لسيرهي على انفراد عن سبب قدومه فقال :
فويتر : كما تعلم يا سيد سيرهي أننا في أمريكا نسعى لضم أوكرانيا إلى حلف الناتو لحمايتها من أي عدوان محتمل من الروس ، و هذه المساعي هي من أكبر الروابط بين الولايات المتحدة و أوكرانيا لهذا لدينا الكثير من المصالح المشتركة التي ستمدد علاقاتنا الدولية على المدى الطويل بشكل جيد ، و لذلك كلانا يعمل بجد للتعاون مع الآخر في أي أمر يمكنه التعاون فيه ، و سبب قدومي اليوم ممثلًا من وكالة الإستخبارات الأمريكية (CIA) هو أمر طارئ أشغل المجتمع الدولي الأمني منذ فترة يتعلق بمشروع سرّي قيل أنه حدث فالصين ارتبط بالتجارب على البشر و الفيروسات ، ما زلنا في خضم التحقيق وراء هذا الأمر و لم يتضح لنا الكثير بعد ، و لكن رصدت مخابراتنا بالتعاون مع عدة دول من الاتحاد الأوروبي مرور مطلوب دولي مجهول يُعتقد أنه نتيجة لذلك المشروع بسبب الخصائص الغريبة و الفريدة التي يتمتع بها ، و قد أطلقنا عليه إسم (متحور MUTANT) !
سيرهي : متحور ؟؟؟ لماذا ؟؟؟ لدي علم بهذا المتسلل لكن لما تقول بأنه متحور ؟
فويتر : إن أول ظهور له كان في نهاية 2017 على الحدود الصينية التايوانية ، و هذه معلومة سرية تم التكتم عنها مع الأطراف المتعاونة حفاظًا على سير التحقيق الدولي كما يجب ، لقد قضى على ثكنتين عسكريتين لوحده ! و لم يستطع أي فصيل عسكري على تلك الحدود أن يسيطر عليه و اختفى بعد فترة ، ثم عاود الظهور عدة مرات في عدة أماكن ذات نزاع عسكري ، و خلال ربطنا للأحداث بالتحقيق لم نجد تفسيرًا غير أنه قد يكون من ذلك المشروع الذي كان يجرى على البشر ، فربما يكون متحورًا بشريًا هو الأول و الوحيد من نوعه في هذا العالم و لهذا نسعى للقبض عليه حيًا قدر الإمكان .
سيرهي : من أين وصلت لكم معلومات ذلك المشروع ؟؟ و هل لحكومة الصين علم به ؟
فويتر : بدأ الأمر منذ عدة سنوات عندما وصلت إلى المخابرات الأمريكية وثائق من شخص متوفى من الصين ذكر فيها أمورًا حول مشروع تجارب ذو أعمال متعددة ، لم يؤكد لنا أنه كان فالصين و لكن المعطيات بعد ذلك و خصوصا وجود مختبرات قادرة على هذه التجارب فالصين و ظهور المتحور على الحدود الصينية أول مرة كلها معطيات جعلتنا نعتقد بشكل شبه مؤكد أنه حدث فالصين ، التحقيق ليس متوقفًا على البحث عن هذا المتحور بل لدينا شكوك بأنه تم استصناع أسلحة بيولوجية و منظمة الصحة العالمية تكثف جهودها للوصول لأي مكان يظهر فيه مرض وبائي لمعرفة نوعه ، لكن ذلك المتحور البشري هو من يقلقنا حاليًا و لا ندرك مدى و حجم قدراته و مالذي يسعى له .
سيرهي : حسنًا بما أنه قد دخل إلى أراضينا فقد أصبحت مسؤولية القبض عليه علينا ، أهذا صحيح ؟
فويتر : كلا كلا لا تشغل بالك ، لم آتي لأطلب منكم ذلك خصوصًا في ظروفكم الراهنة مع الروس ، لكنني جئت لأُعلمك بأننا بصدد تنفيذ عملية عسكرية داخل أراضيكم !
سيرهي : هل ستنفذون عملية القبض على المتحور بأنفسكم ؟
فويتر : بعد اجتماعي ببعض مسؤولي منظمة أكاديمي توصلنا بأن ذلك المتحور لا يمكن التعامل معه بشكل روتيني ، لهذا جهزنا له إحدى فرق المرتزقة من فيلق يعمل فالأراضي الأفغانية ، تم استدعاء 4 أفراد اشتهروا بصيد أصعب المطلوبين و كل عملياتهم ناجحة ، هم من سنخولهم هذه المهمة بتغطية من قواتكم الخاصة على بعد كاف للمحافظة على سير العملية كما يجب ، و هذا هو المطلوب منكم فقط اضافة الى أمر آخر ،،
سيرهي : و ما هو ؟
فويتر : لن يعلم أحد غيرك بهذه العملية ، حتى جنودك فقط سينفذون أوامرك و كل ما يعلموه أن هناك فرقة تقوم باكتشاف أمني بالمنطقة بأمر من الولايات المتحدة ، و سأكون مسرورًا اذا تم كل هذا كما اتفقنا عليه ،
سيرهي : حسنًا ، يبدو أننا نتفق بشكل جميل فلم أكن أتوقع أنكم ستتولون الأمر بأنفسكم حتى هنا ! عمومًا يسرني العمل معك لإنهاء هذا عاجلًا ،،
نهض الطرفين و تبادلا المصافحة و خرج فويتر بعدها ليقابل أفراد أكاديمي الذين أتوا معه و الذين كانوا بالانتظار في صالة الضيوف الخاصة بانتظار فويتر ، و عندما وصل إليهم فويتر نهضوا جميعًا و قال لهم فويتر :
فويتر : لقد تم الأمر ، ستبدأ مهمتكم الآن و عليكم أخذ احتياطاتكم ، كولفر انت هو القائد خلال المهمة و يمكنكم التواصل مع القوات الأوكرانية اذا احتجتم لها
كلاوفر : و لماذا سنحتاج الأوكران ؟ إنها مهمة سهلة يا سيدي !
فويتر : لا تتساهل في هذا الأمر أبدًا ، أعلم أنكم غير عاديين و أقوياء للغاية ، لكنه سيكون تجربة جديدة لكم و عليكم الحذر
كلاوفر: لتطمئن اذن ، تعلم أننا لم ننهي أي مهمة لنا دون نجاح ، بالمناسبة أين ستكون ؟
فويتر : نطاق تحرك ذلك المتحور بات محصورًا حاليا في بريبيات مدينة الأشباح المهجورة ، و هذا يعني أنكم ستضطرون للبس الأقنعة الحامية ، لأن الهواء هناك به نسبة عالية من السيزيوم و هي خطيرة على البشر ، ضعوا الأقنعة الواقعة و انطلقوا مع الطائرة التي خصصناها لنقلكم إلى هناك ، و بمجرد تحديد مكانه بالضبط سيتم إنزالكم مظليًا و بعدها تبدأون مهمة القبض عليه ،،
كلاوفر : هل من إرشادات حول القبض عليه ؟
فويتر : إذا تعذر الإمساك به حيًا ، اقتلوه و أحضروا جثته ، يجب أن يحضر بأي ثمن إلينا و لو كان مقطعًا إربا إربا !
كلاوفر : حسنًا ، كل شيء بات واضحًا سيدي ، هيا بنا يا قوم ! هيا بنا للصيد في مدينة الأشباح السامة ..
غادر الأربعة من الصالة نحو المروحية العسكرية من طراز بوينغ CH - شينوك 47 ، تحدث فويتر في نفسه قائلًا :
فويتر : هؤلاء الأربعة مشهورون بلقبهم ( الملاقط ) لا يوجد أحد قد أفلت من قبضتهم إلى يومنا هذا ، لكنني متوجس حقًا مما سيحدث ،،
كانت فرقة الملاقط مكونة من ثلاثة رجال هم كلاوفر و ميث و جونز و امرأة واحدة و هي ڤانديلا ، و جميعهم متخصص فالقتل و القنص و الاغتيال على مدى عشرات السنين حتى أن تسميتهم بالملاقط سببها سرعة صيدهم للهدف حتى لو كان فالأراضي التي فيها صراعات عسكرية بطريقتهم الخاصة التي تشبه الالتقاط من وسط الركام و الفوضى ، و بينما كانت الرحلة في طريقها نحو المنطقة المهجورة كانت الفرقة تقضي وقتًا مرحًا بالمزاح و الضحك و كأنهم ذاهبون في نزهة صغيرة ، و بعد اقل من ساعة وصلت المروحية الى مدينة بريبيات و نفذت الإنزال على بعد 5 كيلو مترات تقريبًا من مدينة الملاهي القديمة وسط المدينة ، كانت الفرقة قد انتهت استعدادها و ارتدى افرادها بدلاتهم و أقنعتهم ، و بعد أن أقلعت المروحية بدأوا بالسير و النظر حولهم ، في هذه المدينة التي شهدت الإنفجار الشهير لمفاعل تشيرنوبل عام 1987 و أدى إلى ألاف الوفيات و اضطرار سكان المدينة للنزوح عنها إلى الأبد بسبب انتشار الإشعاعات النووية مما جعلها غير آمنة للسكن حتى الآن ، مشهد المدينة بات كئيبًا للغاية و أشبه بمدينة أشباح من عالم الخيال ، الأشجار الطويلة تحف الأبنية و الأبراج ، سيارات قديمة صدئة و بالية واقفة في مكانها منذ ذلك اليوم ، أبنية شائبة و محطمة خالية من سكانها ، ولا صوت سوى صوت الرياح التي تعبر من منافذ الأبنية و تهز الأشجار الطويلة التي تعانق تلك الأبنية ، توقف ميث صاحب الملامح الآسيوية و قال لهم :
ميث : حسنًا ، كيف سنعثر عليه وسط هذه المدينة المدمرة ؟
كلاوفر : لا عليك فقد أخذنا آخر احداثيات مناطق تحركاته ، أنه خلف الأبنية التي من جهة الشمال و لن يكون أبعد من ذلك النطاق ، هيا دعونا نبدأ عملنا
جونز : نعم فهذا المكان قبيح جدًا ولا يروق لي ، بدأت أسأم مبكرًا !
كلاوفر : هيه يا جونز كلنا نعلم أن بائس منذ تمت مضاجعة فتاتك -يضحك-
جونز : حتى أنني نسيت الأمر ! هل تظن أن هذا المكان ملائم لهذا الكلام ؟ تبَّا لسخافتك !
أخذ كلاوفر و ميث يضحكان من سخط جونز ، بينما كانت ڤانديلا قد تحركت و بيدها جهاز استشعار عن بعد طورته منظمة أكاديمي ، و عندما سمعت ضحك كلاوفر و ميث صرخت قائلة :
ڤانديلا : أيها الملعونون هل هذا وقت اللعب ؟ مالذي تفعلونه الآن ؟
كلاوفر : ڤانديلا تبدو غاضبة أيضًا لأنها تشعر بأنها منبوذة - يضحك-
ڤانديلا : كلاوفر ! عندما ننهي مهمتنا سنعلم من المنبوذ ، هيا نبدأ فجهازي بدأ باستشعار بعض الحركات بالقرب من هنا !
جونز : أين ؟
أشارت ڤانديلا نحو الشمال تجاه صف طويل من الأبنية المهجورة ، فقال كلاوفر :
كلاوفر : إذن فريستها قد وصلت !
ميث : لا تتسرع هيه ! دعنا نخطط جيدًا أولًا !
جونز : أولًا علينا الوصول له بمسافة كافية ، سنعرف تحركاته و ما يفعله ، اذا امكننا التواصل معه كان جيدًا ،،
كلاوفر : أوه حقًا ؟ منذ متى نقوم بصيد فرائسنا بهذه الطريقة ؟ ڤانديلا ؟
ڤانديلا : أرى أنهم محقون في حذرهم ، السيد فويتر حذرنا بشدة من التهور و الإندفاع !
ميث : لقد قالوا بأن هناك احتمالًا كبيرًا بأنه متحور جيني ! لم أفهم تمامًا و لكن يبدو أنه شخص تم التعديل عليه ليصبح ذو قدرات أعلى !
جونز : حسب السيد فويتر قال بأن المشروع قد فشل و لم ينجو إلا هذا الشخص ، و لأنه ظهر فالصين زاد الشكوك حول نظرية أنه متحور ، سنعرف ذلك الآن لهذا دعونا نتحرك ،
انطلق الأربعة ركضًا نحو الأبنية المهجورة ، كانت أبنية أشبه بأبنية الجامعات مصطفة بجوار بعضها بما يزيد عن 7 أبنية و ارتفاع 11 طابقًا ، و الأشجار الكثيفة تحيط بالمنطقة بالكامل حتى أن بعضها علا على تلك الأبنية ، دخل الملاقط نحو المبنى و تحركوا بهدوء يتقدمهم كلاوفر و معه ڤانديلا التي توجههم بجهاز الاستشعار الذي معها ، كانت الساحات السفلية للمبنى مملوءة بالحطام و قطع الزجاج و بعض الخردوات المبعثرة فكانت تعرقل سرعة تحركهم ، و ما إن وصلوا للجهة المقابلة للمبنى حتى اصطدموا بجدار من الأغصان و أوراق الشجر تحول دون خروجهم ، ما دفعهم الى إيجاد طريق من خلال الأدوار العليا ، صعد كلاوفر الى الدور الثاني ليطلع على المحيط بالخارج من بين جذوع الشجر ، فتوقف مكانه و بقي ينظر ، ثم لحق به البقية و فاجأتهم ڤانديلا بقولها :
ڤانديلا : إنه قريب جدَّا ! اقل 25 مترًا هيا خذوا جاهزيتكم !!!
كلاوفر : ذلك هو !!!
اقتربوا جميعًا من كلاوفر الذي كان يقف على حافة شرفة بالطابق الثاني و أمامه عديد الجذوع و الأغصان ، نظروا إلى ما ينظر إليه كلاوفر ، على جذع إحدى الأشجار على بعد لا يزيد عن 18 مترًا ، هناك على الشجر شخص أسود بالكامل من رأسه إلى قدميه و يضع حزامًا مملوءًا بالأدوات و على ساقيه بعض الحقائب الصغيرة المغلقة ، كان يجلس على جذع الشجرة كما تجلس القطة رافعًا رأسه للأعلى ، طوله لا يزيد عن 175 سنتي مترًا و يبدو جسده بحالة عضلية ممتازة بمعرفة حجمها من خارج البدلة السوداء اللامعة ، و كان وجهه مغطى بزجاجة سوداء دائرية كفاية لتغطية وجهه إلى رأسه ، نظر جونز إليه من خلال المنظار ، و قال لفرقته :
جونز : أنه غير طبيعي منذ أول وهلة ! ماذا يظن نفسه فاعلًا بهذه الجلسة !؟
ميث : ما رأيكم ؟ هل نقوم بقنصه من هنا أم نقترب منه أكثر ؟
كلاوفر : الأولوية هي المجيء به حيًا ، لهذا يجب أن نقترب أكثر ، و لكن من خلال هذا الشجر يبدو الأمر صعبًا جدًا ،
ميث : لا بأس ، سأحاول استغلال رشاقتي فالقفز بين الجذوع فهي متقاربة بما يكفي ،
ڤانديلا : حسنًا خذ حذرك ، يجب ألا ينتبه لك أولًا!
كلاوفر : إذا نجحنا في هذه المهمة ، سنكون أبطالًا قوميين لأمريكا كلها بل المجتمع الدولي ، الجميع يسعى خلف هذا المتحور و نحن أول من وصل له ، هيا بنا يا رفاق لنفوز بما نستحقه !
نزع ميث حقيبته و قفز نحو أقرب جذع يواليه قرب المبنى ، و تتالت قفزاته بهدوء و سلاسة و في كل قفزة يقترب أكثر من ذلك الشخص ، و عندما صار قريبًا للغاية تواصل معه كلاوفر عبر اللاسلكي و قال له :
كلاوفر : أنه أمامك تمامًا ! انتبه !!!
كان ذلك الشخص جالسا بوضعية جلوس القطط رافعًا رأسه للأعلى ، و حتى عندما صار ميث عند الشجرة التي تقابله لم يبد أي تحرك ، كان الجميع يراقب بتوتر و قلق وقوف ميث الذي فاجئهم و قال للشخص الذي أمامه :
ميث : مرحبًا !
أصيب الجميع بالجنون و الغضب من فعله ، قال جونز :
جونز : مالذي يفكر به هذا المختل !؟؟؟ هل يظن أنه في مقابلة شخصية!!؟؟؟؟؟
لم يبد ذلك الشخص أي ردة فعل و بقي كما هو ، فأعاد ميث كلامه مرة أخرى و قال :
ميث : مرحبًا ؟ هل تسمعني ؟
و مرة أخرى لا توجد أي ردة فعل ، فتجرأ ميث و قفز لنفس الجذع الذي عليه ذلك الشخص ، و اخذ يقترب منه خطوة خطوة و هو يقول :
ميث : لم آتي لإيذائك ، أريد التعرف عليك فقط ! هل تسمعني ؟
اخذت الانفاس تتسارع من رفاق ميث و هم يرونه على هذا القرب الخطر من ذلك الشخص ، وصل ميث للشخص مباشرة و قام بلمسه ! فتحرك جسده و كاد يسقط فأوقفه ميث ، و الذي تحسسه بيده ثم قال :
ميث : كلا ! إنه ، إنه ،،،،!!!!!
اصيب رفاق ميث بالذهول و هم يرونه قد أمسك جسد ذلك الشخص ، و قال كلاوفر :
كلاوفر : إنها حقًا نقطة لصالحه ، يالها من جرأة مبالغة أن يفعل شيئًا كـ
فقاطعه صراخ ميث الذي قال :
ميث : حاذروا جميعًا إنها دمية ! قد يكون ،،،
ثم ينفجر الطابق الثاني بشكل مرعب أمام ناظري ميث ! و الذي صرخ بأسماء رفاقه ، ثم تحرك نحو الأشجار التي بالقرب من الطابق الثاني و قد تسلح سلاحه ، و عند اقترابه نظر للأشجار التي حول الطابق الأول فرآى رفاقه مشتبثين بالأغصان يحاولون النزول للأرض بحذر ، انطلق نحوهم و أمسك ڤانديلا و نزل معها للأرض وسط الأغصان الكثيفة و لحق بهما جونز و كلاوفر ، كان كلاوفر قد أصيب بشظية في جبينه و لكن أنقذه قناع الغاز الذي يضعه ، قال جونز :
جونز : كونوا على حذر ! إنه يعلم بقدومنا منذ البداية !
ڤانديلا : مالذي يفعله في هذا المكان بحق السماء !
ثم انتبه كلاوفر للأعلى فوجد ذلك الشخص ساقطًا نحوهم ! فصاح بهم ليبتعدوا فاندفعوا جميعًا لداخل الطابق الأول ! و انفجر المكان الذي تحركوا منه ! ثم نادى كلاوفر قائلًا :
كلاوفر : إلى الجميع ! عملية الصيد قد بدأت ! انتشروا حاصروا المكان بسرعة هيا !
ڤانديلا : لا تبتعدوا كثيرًا ! إنه خطير جدًا و لا يمكن توقع ما سيفعله ،،
ميث : هذا غير معقول ! هذا الشخص غير طبيعي إطلاقًا ! كيف نفذ ذلك السقوط الحر ؟؟
جونز : حاذروا ذلك هو !
و إذا به يظهر من خلفهم و هو يقف وقفة مستعرضة ، و يمسك بيده اليسرى مسدسًا من نوع غريب ، و في يده اليمنى كرات رمادية اللون بحجم أصغر من كرة التنس بقليل ، ثم قال كلاوفر له :
كلاوفر : من تكون يا هذا ؟ لماذا تهاجمنا ؟
ميث : نريد التحدث معك أولًا ! هلا سمعتنا رجاءًا !
و بعد صمت لعدة لحظات ، رفع الشخص يده اليمنى و بها الكرات ، و افرد اصبعه السبابة و أشار بها يمينًا و يسارًا بمعنى لا ، ثم قال كلاوفر :
كلاوفر : انهارت جميع المفاوضات منذ بدأ الهجوم ، لنأتي به ميتًا !
ثم انطلقت ڤانديلا تجاهه و انحنت نحو الأسفل و وجهت سلاحها و قبل أن تطلق النار اسقط ذلك الشخص احدى الكرات في يده فانفجرت بدخان كثيف و أطلقت ڤانديلا النار عدة مرات نحو مكانه و توقفت في محلها لتحاول النظر وسط الدخان ، ثم سمعت كلاوفر يقول :
كلاوفر : ها هو انه يهرب نحو الدرج !
انطلق كلاوفر و جونز وراءه و قفز ميث نحو الشجر المحيط بشرفات المبنى ليصعد ، ثم تبعتهم ڤانديلا ركضًا و كان الدخان متمددًا نحو الدرج الذي ركض نحوه ، ثم توقف كلاوفر و قال عبر اللاسلكي :
كلاوفر : هل تراه ؟
ميث : مازلت اتتبع الجهة التي ركض منها ، ربما سار نحو الجهة المقابلة من المبنى لأنها مفتوحة ، ها ! ذلك هو انه واقف عند الطابق الثالث سأصعد نحوه ،،
اوصت ڤانديلا جونز و كلاوفر بالحذر و ذهبت هي نحو مكان آخر ، و فالطابق الثالث وصلت ميث لذلك الشخص الذي كان يمسك مسدسه بيساره ، ثم قال له :
ميث : لقد أهدرت على نفسك فرصة الحوار ، مازلت لا تعلم مالذي ينتظرك منا !
رفع ميث سلاحه و يراقب يدي ذلك الشخص ، و أخذ يقترب منه ببطء و الشخص أمامه دون أن يرفع سلاحه ، ثم أطلق ميث النار نحو ساق ذلك الشخص و لكنه تحرك فورا ، و انطلق نحو ميث موجهًا له ضربة على الوجه بأسفل مسدسه ، تفادى ميث الضربة و حاول إطلاق النار عن قرب لكن ذلك الشخص لكم بيده اليمنى يد ميث ففقد مسدسه و تراجع للخلف ، حاول إخراج مسدس آخر و لكن هجم ذلك الشخص مرة أخرى بركبته فتصدى ميث بصعوبة لذلك الهجوم ، و عاود الشخص هجومه مرة اخرى ليضرب بأسفل مسدسه من الأعلى فيتجنب ميث الهجوم و يسدد ركلة نحو وجه مهاجمه لكنه تفادها بسرعة فهبط للأسفل و ركل ساق ميث التي يقف عليها ليسقط أرضًا ، و قبل أن ينقض ذلك الشخص يتعرض لوابل من الطلقات العشوائية فيتشقلب للخلف عدة مرات و يخرج من شرفة المبنى نحو الأشجار ، نهض ميث ليرى وصول كلاوفر و جونز اللذان باغتا ذلك الشخص بهجومهما ، ثم قال ميث لهما :
ميث : ما زلت لا أصدق ما حدث للتو ! لقد دخل معي في صراع مباشر و لم يطلق النار رغم أنه أفقدني سلاحي !!!!!!!!
كلاوفر : هل يستهزأ بنا هذا اللعين ؟؟؟
ميث : لا أعلم ، لا يبدو طبيعيًا كأنه أبكم أو لا يعي ما أمامه ، لكن علينا أن نأخذ أمره بكل أبعاده ،،
جونز : ڤانديلا تحركت لتقوم بعملها ، نحن سنحاصره و نضيق الخناق عليه ، استخدموا كل أسلحتكم و هاجموه بنية القتل !
ميث : لقد شاهدته يخرج من تلك الشرفة ، يبدو أنه يكمن كمينًا ما ، أنه يتصرف و كأنه يعلم المنطقة بالكامل !
كلاوفر : هيا لكي لا نضيع الوقت ، تحركوا
تحرك كلاوفر و جونز نحو المكان الذي خرج منه و الذي يطل على ساحة المبنى الخلفية المملوءة بالشجر و الأغصان ، خرج ميث من جهة أخرى ليصعد لمكان أعلى و استمروا جميعًا فالبحث عن عنه بين الأغصان دون جدوى ، فرجع جونز و كلاوفر نحو المبنى خشية أن يباغتهم بهجومه ، و بعدها تواصل ميث مع كلاوفر عبر اللاسلكي قائلًا :
ميث : لقد وجدته ، إنه فالطابق الرابع بالجهة الأخرى التي ليست عند الشجر الكثيف ، انه يقوم بشيء لا أفهمه ، و كأنه يجهز شيئًا كسلاح ، فلتتوجهوا نحو مخارج الطابق الرابع بهدوء ثم تحركوا نحو الشق الأيمن من المبنى و هناك سنقضي عليه ،،
و بالفعل قاموا بتنفيذ التحرك كما وجههم إليه ميث ، كان ميث يراقبه في مكانه طوال وقت انتظاره لهم ، و فجأة بعد عدة دقائق يوجه ذلك الشخص سلاحه نحو مكان ميث فيطلق النار عدة مرات ، اختبأ ميث خلف الحائط بمجرد رؤيته موجهًا للسلاح نحوه ثم عاود النظر مرة أخرى فلم يجده ، و بينما كان كلاوفر يصعد نحو الطابق الرابع بهدوء ، خرج أمامه ذلك الشخص مباشرة فأطلق كلاوفر النار عدة مرات عشوائيًا فلم يصبه بسبب انحناءه بسرعة و تحركه نحو اليسار ثم انطلق مرة اخرى نحو كلاوفر فأطلق النار عليه مباشرة فأصابه في صدره و سقط للخلف ، و اقترب كلاوفر بسرعة ليكمل إطلاق النار ففوجئ بقدم ذلك الشخص تركل وجهه بقوة فيسقط هو للخلف حيث ركله ذلك الشخص عن طريق التشقلب من الأرض للخلف ، نهض كلاوفر فلم يجد ذلك الشخص أمامه و قال :
كلاوفر : اللعنة ! ماهو هذا الشخص بالضبط !
و كان جونز قد اقترب من الجهة الثانية يترصد من خلف جدار الدرج ، ثم سمع عبر اللاسلكي كلاوفر و هو يقول له :
كلاوفر : هل ترى ذلك الوغد في طريقك!؟
جونز : كلا ، مازلت بانتظاره عند الدرج،،
كلاوفر : حاذر ، انه غير عادي و خطر جدا !
و بينما كان جونز يترصد ذلك الشخص ، اذا به يراه يركض في ساحة الطابق الرابع نحوه ، فوجه نحوه المسدس و بدأ باطلاق النار عليه فأخذ ذلك الشخص يقفز يمنة و يسرة بسرعة غير طبيعية فلم يصبه جونز بأي طلقة ، ثم ألقى ذلك الشخص كرة رمادية نحو مكان جونز فانفجرت بدخان كثيف و تراجع جونز نحو الدرج نزولًا للطابق الثالث و استخدم جهازه للتحادث مع كلاوفر قائلًا :
جونز : انه هنا ! بداية الطابق الرابع عند الدرج الأيمن..
وصل ميث لدعم جونز من الأسفل و عندما قابله قال ميث :
ميث : ما هذا الدخان؟!
جونز : لقد ألقى قنبلة دخانية ، لا أعلم مكونها لكن لحسن الحظ انني أرتدي قناعًا للغاز،،
كلاوفر : علينا أن نستخدم طريقتنا الخاصة !
جونز : حسنا يبدو لي ذلك أيضََا ! دعني أجهز لذلك
تحرك الاثنين في اتجاهين متعاكسين من بعد الدرج الذي يوصل للطابق الرابع، و كان ميث يراقب عن كثب بعد أن وصل إلى الجهة اليسرى، و بعد ان زال البخار و لم يكن هناك أي أثر لذلك الشخص أوصى جونز زملاءه بأن يذهب أحدهم للطابق الخامس و هو سينزل للثالث و يبقى الأخير فالرابع، ثم نظر ميث من خلال النوافذ العريضة فوجد ذلك الشخص واقفََا على الشجر و هو يرفع يده اليسرى مصوبََا سلاحه نحو مكانهم، استغربوا جميعََا من صنيعه و قال ميث :
ميث : مالذي يصوب إليه !!! هل يظن أنه قادر على الإصابة من هناك!!!!!!!
ثم نظر جونز حوله و نزع القناع بشكل جزئي و استنشق، ثم اغلق القناع و قال بصوت عال :
جونز : يجب الابتعاد عن المكان بسرعة لقد،،،
أطلق ذلك الشخص النار نحو مكانهم ليشتعل الطابق الرابع بالكامل و يتبع ذلك عدة انفجارات متقاربة، تصاعد الدخان الكثيف من كل جوانب الطابق الرابع و كان ميث قد قفز نحو الشجر، و أما الاثنين الآخرين فقد هرعا نحو الطابق الثالث و تعرضا لبعض اثار الانفجار بخدوش طفيفة، ثم سمع جونز صوت خطوات فتسلح و قال لزميله :
جونز : احذر ! ها هو قادم !
كلاوفر : سوف تدفع الثمن أيها المسخ اللعين -صارخََا-!!
توقف صوت الخطوات و نزل كلاوفر بسرعة نحو الطابق الثالث موجهََا سلاحه، لم يجد ذلك الشخص في طريقه و كان جونز قد لحقه، ثم يأتي إرسال من ميث يقول فيه :
ميث : لقد رأيته ينزل للطابق الثاني سأقوم بمحاصرته هناك فالحقا بي فورََا سننهي أمره بانقضاضنا الخاص!
و بينما كان ذلك الشخص يتحرك بشكل عادي فالطابق الثاني، اذا به ميث يظهر أمامه و هو يرفع يديه للأعلى قائلََا :
ميث : توقف ! توقف رجاءََ !! أنا استسلم -يجثو على ركبتيه- لا تفعل شيئََا أرجوك!
سار ذلك الشخص بهدوء نحوه، و كان ميث يبتلع ريقه و يتصبب عرقََا، ثم توقف الشخص و أخذ ينظر حوله، و بيده اليسرى سلاحه، ثم اقترب بهدوء و رفع مسدسه نحو ميث الذي بدأت ضربات قلبه تتضاعف، ثم قال باضطراب :
ميث : أرجوك لا تؤذني، استسلم لأنني لا أريد الموت توقف و سوف أخبرك كل شيء عنا!
بقي ذلك الرجل واقفََا ثم استدار نحو النوافذ الكبيرة المطلة على الشجر و فجأة أصابت وجهه رصاصة قادمة من إحدى النوافذ و قد جعلته يسقط للخلف، ثم اندفع جونز و كلاوفر نحوه و نهض ميث و خرجت ڨانديلا من النافذة التي خرجت منها الرصاصة، أخرج الجميع جهاز الصعق الكهربائي و أطلقوه نحوه فأخذ يرتجف بقوة و غطاء وجهه مخدوش و تظهر فيه التماسات كهربائية، ثم أخرجت ڨانديلا قنبلة يدوية من نوع MK2 المطور إلكترونيا و ألقتها نحوه و قامت بالعد من واحد إلى ثلاثة ثم قفز الجميع عكس مكان ذلك الشخص لتنفجر القنبلة بشكل مدوي مرتكز على مكان الذي فيه الشخص، بعد عدة لحظات انهار السقف جزئيََا على المكان الذي فيه الشخص و بقي الجميع متحصنََا في زواية الطابق لحتى توقف الإنهيار، ثم اقتربوا شيئََا فشيئََا من بعضهم بجوار النوافذ المطلة على الجانب الذي ليس فيه الشجر، و كانت هناك نيران مشتعلة فوق بعض حطام السقف المنهار، و بعد اجتماعهم قال كلاوفر :
كلاوفر : ياله من وغد ! حقََا إنه متحور بشري، فلتمت ميتة الكلاب أيها الخنزير!
زال الدخان المتصاعد و ظهرت قطع الحطام و من بينها يد ذلك الشخص، كان الجميع يقف قبالة النوافذ و خلفهم ذلك الحطام ينظرون للمنظر الكئيب فالخارج في لحظات صمت أشبه بمحاولة استيعابهم نجاحهم، ثم قالت ڨانديلا للجميع :
ڨانديلا : علينا الإسراع في نقله، لم اعد أحتمل هذا القناع أكثر،، لتخرج كيس الجثث يا جونز هيا
ميث : ما زلت متعجبََا، لأول مرة نعيش خوفََا كهذا ! لم نفهم بعد سبب سلوكياته و تصرفاته الغريبة، يبدو متمكنََا بشكل غير معقول و لا أدري استطعنا اصطياده!
كلاوفر : كان قنصك يا ڨانديلا في وقته تمامََا، استغربنا من اختفائك فجأة و لكن إجابتك كانت في محلها!
جونز : هذه عاقبة اللعب معنا، فالحقيقة لم يكن هناك أي خوف لأننا اعتدنا على اصطياد الأشياء النادرة و لعب دور المفترس!
هل تظن أنكم حقََا، تلعبون دور المفترس؟؟؟!!!!
سمع الجميع هذا الصوت من خلفهم و بمجرد التفاتهم ينفجر المكان عليهم فيقذفهم الانفجار إلى الساحة الخارجية المقابلة المبنى، سقط الجميع أرضََا من ارتفاع الطابق الثاني و تناثرت الحجارة عليهم و حولهم، و قد تكسرت أقنعتهم و أصيبوا بجروح بالغة، نهض ميث و هو يلهث و رأسه ينزف فحاول إيقاف النزيف بقطعة من معطفه و بدأ ينادي عليهم، زال الدخان و ظهر جونز و هو ممسك بكلاوفر و لكن ما صدمه هو أن كلاوفر قد فقد ذراعه و قدمه و ينزف بشدة، و كانت ڨانديلا مستلقية على الأرض قد سمعت صراخ ميث فحاولت النهوض و لكن كانت مصابة بضربة على الجمجمة سببت ارتجاجََا نسبيََا أخل بتوازنها، ثم قال ميث لهم :
ميث : ماذا كان هذا الآن!!؟؟ لقد فقدت طرفيك يا كلاوفر؟؟ كيف حدث هذاا؟؟
كلاوفر : - يلهث- لا أدري،، لقد، لقد حدث فجأة و كأنه هجوم انتحاري!
جونز : لكن لم نسمعه و هو يخرج من تحت الحطام! هل يكون هناك أحد آخر؟؟
ميث : ڨانديلا هل أنتِ بخير؟ يجب أن نعالج كلاوفر فالحال!!
حاولت ڨانديلا و نهضت و هي تضع يديها على ركبتيها و قالت :
ڨانديلا : لا، لا يمكنني التحرك جيدََا، اشعر انني غير متزنة أبدََا! و لكن س،،،
استغرب الجميع من صمتها حيث صارت تنظر للأعلى نحو المبنى خلفهم، و التفت الجميع لينظر فرأوا حركة بين الدخان، فصرخ ميث قائلََا :
ميث : من هناك؟؟؟!!!!! أخرج يا هذا!!!
ثم خرج من الدخان ذلك الشخص، و لكنهم أصيبوا بذهول و هلع، فلم يكن ذلك الشخص فقط، بل كان هو و معه 5 آخرين على نفس شاكلته بأطوال مختلفة، كان ميث يرتجف و جونز و كلاوفر لا يصدقان ما يرونه، ثم قالت ڨانديلا بصوت عال :
ڨانديلا : من تكونون؟؟؟؟؟ أيها الجبناء اللعينون!!
يجيبها أحد أولئك الستة بقوله :
الشخص : نحن المتحورون!!!!!!!!
ميث : هذا، هذا محال! هذا محال!!! كيف يمكن هذا!!!؟؟
و بعد صمت لعدة لحظات قال كلاوفر و هو يتوجع :
كلاوفر : هذا مستحيل! كيف يمكن أن يكون في هذا العالم ستة متحورين أحياء؟ كيف!!!!!؟؟؟؟؟؟؟؟
ثم قال أحد الأشخاص :
الشخص : حان الوقت لينال الآثمون عقابهم، على يد الزبانية!!!!!!!،،،،،،
2 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.