1l| طالب جديد
عندما تكون طفل صغير يكون عقلك مبرمج على شيء واحد و عندما لا تجد أن هذا الشيء يعمل فأنت تفقد تصديقك بهذا الشيء تماما
هذا ما حدث معها عندما كانت تدعو الله فى الليالي الباردة كانت تجلس على سجادتها و تصلى فقط لكى ينجو والدها من مرضه المميت و لكن الله لم يستجب لدعواتها
من هنا بدأت فى التشكيك فى وجود الله من الأساس لكنها إلتزمت الصمت
كانت تؤدي كل أركان الإسلام ولكنها لم تجد تغير فى حياتها.. لا دعوات تستجاب ولا بلاء يرد عنها و لا شيء
و بحكم وجودهم فى بلد غير مسلم ترسخت الفكرة فى ذهنا لكنها أبقتها لنفسها
كانت لا تؤمن بوجود الله بالرغم من حفظها القرآن كامل لكنها كانت تتعامل معه على أنه مجرد لغة و كلمات لم تدخل قلبها أبداً
مرت السنوات على هذه الطفلة التى أصبحت فى الجامعة الآن هي تدرس الطب فى إحدى الجامعات العريقة فى فرنسا
هى الطالبة المسلمة المتفوقة التي لا يعرف أحد سرها الدفين
ذلك السر الذي يؤرقها و لم تجد له إجابة مقنعة حتى الآن بالرغم من حفظها القرآن و دراسته
لماذا لم يستجيب الله لدعاء طفلة بكت الليل أيام و أسابيع فقط تدعوا بشيء واحد
.....................
المدرجات شبه فارغة لا يوجد بها سوى بعض الطلاب الذين يراجعون محاضراتهم و يستعدون لبدئ يومهم الدراسي كما العادة
كانت توانا تحدق بكتاب الجراحة بدون أن تقرأ ما أمامها حقاً كانت شاردة الذهن بعد دخول ذلك الطالب الجديد كانت ملامحه مريحه بشكل غريب لشخص مثلها لم يعرف الراحة منذ سنوات
كانت تسمع صوته الهادئ وهو يتحدث بهدوء مع أحد الطلاب الذي كان يسأله عن نفسه
كان على وشك تقديم نفسه لذلك الولد إلا أن البروفيسور دخل القاعه و قطع صوت الهمهمات الخافتة فى القاعة
كان ذلك البروفسور الخاص بالجراحة... كان رجل معروف بمرونته مع الطلاب و هذا جعل الطلاب يتفاعلون معه براحة أكبر
لكونه مشغول و أنه لا يستقبل سوى عدد قليل من الطلبة لتدريسهم كان وجود وجه جديد لافت للنظر
لذا توقف نظره للحظة على ذلك الطالب و أشار له بإبتسامة
"أهلا هل أنت الطالب الجديد؟"
"نعم يا سيدي"
"حسنا لماذا لا تعرف زملاءك عليك قبل أن نبدأ المحاضرة؟"
"حسنا... أنا إياس ولدت فى فرنسا و تربيت بها لكن والدي مصري الجنسية و والدتي فرنسية... و أنا مسلم... تشرفت بكم"
كان طالب صوته هادئ يريح من يسمعه بشعر أشقر اللون و أعين زرقاء
كان مطأطأ الرأس يحاول تجنب النظر للفتيات فى القاعة بينما يتجه للجلوس فى مقعد فى مقدمة القاعة الصغيرة
عندما بدأ الدرس اضطرت توانا للتوقف عن النظر له و التركيز على الشرح بالرغم من أنها ظلت نصف شاردة
كانت المحاضرة عن الأورام الجراحية
كان الطلبة يدونون بصمت على الأوراق التى أمامهم الملاحظات التي يقولها البروفيسور أو يؤكد عليها
كانت القاعة هادئة لا يسمع بها سوى صوت النقر على لوحة المفاتيح و وصوت البروفيسور الهادئ وهو يلقي المصطلحات الطبية عليهم
.........................
بعد إنتهاء المحاضرة كانت هناك فترة راحة ما يقارب الساعة حتى المحاضرة التالية فى ذلك اليوم لذا قررت توانا أنها ستذهب للمكتبة للجلوس قليلا فى الهدوء لعلها تشتت الفراغ الذي تشعر به
عندما وصلت إلى المكتبة ألقت التحية بأدب على أمينة المكتبة و إتجهت إلى قسم الفلسفة الإغريقية لأنه غالباً ما يكون فارغ
لأن الطلبة بالكاد يركزون فى دروسهم بينما الفلسفة الإغريقية صعبة الفهم لشخص غير واعي بما يكفي للقراءة و الفهم
ما كادت تجلس على أحد الكراسي حتى رأته كان يقرأ كتاب لم تسطع رؤية عنوانه لأنه كان على بعد مقعدين منها لذا إنحنت للأمام قليلا بينما تأمل ألا يلاحظها
عندما كانت على وشك قراءة الإسم رفع رأسه عن الكتاب و حدق بها للحظات
هذه اللحظات جعلتها تحبس أنفاسها كانت تبدو مريبة وهي منحنية على الطاولة بهذا الشكل لكن بدلاً من قول شيء غريب أو الهروب وقفت و إتجهت إلى المقعد المقابل له و جلست امامه
كان يثير فضولها فقد بدى من النوع المؤمن بشدة على عكسها تماما بالرغم من أنه لم يبدو مثل الشخص المتشدد فى تدينه كان يبدو.. مرتاح مع إيمانه و يقينه الداخلي بأنه ليس أفضل من يدعو للفضيلة
كانت تحدق به بصمت مما جعله يغلق الكتاب و يضعه على الطاولة يحدق بها فى المقابل
كانت ذات أعين خضراء جميلة و شعر بدا له أشقر غامق فى أشعة الشمس المتدفقة من النوافذ فى المكتبة لكنه كان أغمق على الأغلب أقرب لكونه بني فاتح
إمتد الصمت بينهما لدقائق قبل أن تقطع هي الصمت و تقول
"أنا توانا.. معك في محاضرات الجراحة"
"لقد لاحظتك بالفعل"
"المعذرة؟"
"من الصعب عدم ملاحظتك... وخاصة أنك كنت تحدقين بي كثيراً.. لكن ليس هذا هو السبب حقا في أني لاحظتك..."
"ماذا تقصد؟"
"هل أنت مسلمة؟"
"كيف عرفت بشأن هذا.."
"لقد خمنت.. أنت تبدين..."
قال هذا و توقف للحظة وهو يهز رأسه كأنه يلغي فكرة مزعجة من عقله وهو يبتسم
"العقد فى رقبتك مكتوب عليه محمد.. هذا إسم الرسول صلى الله علىه وسلم"
"أوه.. إنه.. إنه إسم والدي.."
"على أي حال... أعتقد أننا سوف نتقابل كثيراً من الآن فصاعدا فى المحاضرات... أعتقد أني سوف أكون أكثر راحة فى التعامل مع شخص مسلم لذا... هل ستساعدينني يا آنسة توانا لو إحتجت؟"
رمشت للحظات تحاول إستيعاب ما قاله قبل ان تومئ برأسها بعبوس
"حسنا.. سوف أساعدك... هل هذا أول يوم لك فى الجامعة؟"
"نعم... كنت أدرس في جامعة فى مارسيليا قبل ان ننتقل هنا إلى باريس"
"حسنا... أعتقد أني أستطيع مساعدتك فى أغلب الأمور..."
"يبدو أنك تكرهين الفكرة"
"ماذا... أوه لا.. أنت فقط.. إنها اول مرة أقابل شخص مثلك... أعني.. أعني أن أغلب من هم هنا غير مسلمين.."
"أوه... حسنا هذا جيد... إعتقدت لوهلة أنك تكرهينني"
"لا.. لا.. بالطبع لا أكرهك"
....................
كانت المكتبة الهادئة جو مثالي للمذاكرة و التفكير
كانت توانا تقوم بالتركيز فى أحد كتب االتخدير و العناية المركزة بينما و إياس كان يدرس فى أحد كتب الجراحة بصمت
لم يقطع الصمت سوى صوت تقليب الصفحات الخافت
كانت توانا تنظر له بين الحين و الآخر تحاول فهم ما الخطب معه... لماذا مشاعرها مضطربة وهو موجود حولها
ربما لأنه عكسها... لأنه يبدو مؤمن تماما بأن كل ما يحدث له مكتوب عند الله مسبقاً و أنه لا يستطيع تغير قدره و أنه فقط معني بالسعى؟
حاولت تجاهل هذا الإضطراب و الأفكار التي إندفعت فى عقلها فجأة و التركيز على الكتاب أمامها كما فعل هو
عندما رن هاتفها فجأة بصوت عالى مدت يدها لإغلاقه بسرعة وهي تنظر إلى هوية المتصل
"المعذرة يجب أن اجيب على الهاتف"
قالت هذا بتلقائية لإياس وقفت لتخرج و تجيب على الهاتف
اومأ برأسه بالرغم من تأكده انها لم تقصد قول هذا على الأغلب قالتها من باب العادة
عندما خرجت أغلق كتابه وهو يتأمل كتبها الموضوعة على الطاولة بينهما
كان هناك شيء غريب بها.. كانت تبدو مضطربة ليس بسبب الدراسة أو المحاضرات.. بل بسبب شيء أعمق كأنها تخفى سر ما... كأنها تحاول جعل العابم يعتقد أنها بخير بينما هى في الحقيقة تمر بشيء لا يستطيعون فهمه
عادت بعد دقائق قليلة وهي تجلس بصمت فى مقعدها و تعود للدراسة
كان يحدق بها بصمت كأنه ينتظر تفسير لم يكن من حقه ولأنه ليس من حقه لم تعطه تفسير وهو لم يسأل
"لقد حان وقت المحاضرة هل ستأتي؟"
"نعم.. انا قادم"
قال هذا وهو يحمل حقيبته على كتفه و يقف يتبعها بصمت بحكم أنه لا يعرف اماكن المحاضرات ولا القاعات
.................
كانت المحاضرة فى قاعة صغيرة و مضاءة من خلال ضوء الشمس الذي يتسلل من خلال النوافذ الكبيرة
كانت المحاضرة مملة و طويلة جعلت أغلب الطلبة بيدأون بالتملل و أنهم إكتفوا لهذا اليوم لكن البروفيسور لم تستمع لتوسلاتهم وهي تشرح و تقول
"لا يزال لدينا نصف ساعة من الوقت المحاضرة لذا من الأفضل أن تتوقفوا عن التذمر و تركزوا لأن المحاضرة طويلة"
كان إياس يدون ملاحظاته بصمت غير مهتم حقاً بما يقوله زملاءه من حوله لأنه يدرك أن الجدال لن يجدي نفعاً
بعد أن إنتهت المحاضرة أخيراً كانوا يتدافعون للخروج بالفعل من القاعة
عندما خرج إياس كان جوزيف يسير بجانبه بينما يتذمر عن كون المحاضرة طويلة و صعبة
"لا أدري من بين كل الجامعات لماذا اخترت هذه... و من بين كل التخصصات اخترت هذا... بجدية احتاج لإعادة التفكير فى كل أفعالى السيئة فى الحياة حاى يكون هذا عقابي"
"جوزيف توقف عن التذمر.. أنت من إختار هذا لذا عليك تحمل عواقب إختياراتك"
"حسنا... حسنا.. على أي حال.. ماذا ستفعل الآن"
"أخطط للذهاب إلى المكتبة لأني يجب أن أقوم بتنظيم جدولي و أحتاج بعض الكتب"
"أخبرني أنها ليست كتب فلسفة من فضلك"
"لا تقلق انها عن الجراحة"
"بجدية كيف تجد وقت للقراءة و الدراسة؟ انا بالكاد ادرس"
"نعم بالطبع و الإمتياز الذي حصلت عليه العام الماضي كان لأنك بالكاد تدرس يا جوزيف"
"لم أقصد هذا... أعني أنا بالكاد أجد وقت لفعل أي شيء عدى الدراسة"
"أنت فقط من لا تستطيع تنظيم وقتك بشكل مناسب... أو ان الدراسة قد أنهت حياتك خارج إطار الكتب و المحاضرات"
قلب جوزيف عينيه بإنزعاج زائف وهو يقول
"هذا يجرح مشاعري الرقيقة لا يمكنك أن تقولها في وجهي هكذا"
......................
كانت توانا فى طريقها للمنزل تسير بهدوء فى الشوارع التى لم تكن هادئة فى هذا الوقت من بعد الظهيرة لأنه كان وقت خروج الطلاب من المدارس و الموظفين من أعمالهم
لم تكن ترى هذا المشهد المزدحم كثيراً بحكم انها إختارت الطب فقد كانت أغلب محاضراتهم عملية و تأخذ ساعات طويلة. كانت تعود للمنزل فى المساء أغلب الأيام لكن فى أيام المحاضرات النظرية كانت تعود مبكراً مثل اليوم
عندما وصلت إلى منزلها و قبل أن تفتح الباب إندفع نحوها جسد صغير كان أصغر أبناء اخيها الأكبر عيسى
نوح الذي تشبث بساقها وهو يقول
"عمتى توانا قد وصلت!"
صرخه جعل أخته مايا ذات الثمانية عشر عام تخرج من الحديقة الخلفية للمنزل وهى تبتسم
"عمتي إعتقدت أنك سوف تتأخرين فى الجامعة اليوم"
"كانت هذه الخطة لكنها تغيرت... أين هو والدك؟"
قالت هذا وهي تعانقها و تقبل قمة رأسها
كانت مايا ذات شعر بني و أعين زرقاء جميلة
كانت مايا و بالرغم من صغر سنها تجعل توانا تتوقف للحظات عاجزة عن تفسير تمسكها الشديد ببعض الأشياء التي كانت تبدو لها عادية أو بلا هدف
كانت مايا تحافظ على صلواتها بل أنها كانت تقوم الليل فى الكثير من الأيام بالرغم من طبيعة المجتمع الذي نشأت به
لكن مع مرور الوقت إكتشفت أن هذا التعلق بالصلاة لم يكن بسبب تشدد عيسى لأنه كان هو نفسه لا يحافظ على صلواته
لقد كان هذا الإلتزام برغبة منها هى شخصياً
كانت توانا تحسدها أحيانا على هذا... كيف لطفلة بالكاد بلغت الثامنة عشر أن تكون بهذا الجهاد مع نفسها فى حين أن كل ما حولها يدعوها للمعصية
أنا لا أقول أن توانا كافرة أو أنها تعترض على هذا
هى فقط تتساءل هل لو كانت وضعت فى ظروف عير اللتي عاشوها لم تكن لتحمل هذا الشك فى قلبها و عقلها عن وجود الله
هي لم تكن ملحدة يوماً لكن كانت تراودها هذه التساؤلات دوماً منذ ما حدث مع والدها...
هي منذ ذلك اليوم لم تعد كما كانت ولا أحد عرف أو لاحظ
لقد أخفت الأمر عن الجميع حتى أصبح الأمر سرها الدفين و السؤال الذي قد. بجعل الجميع يثور عليها و على أفكارها فقط لأنهم لا يملكون له إجابة
"عمتي؟"
"أوه... نعم يا عزيزتي... و توقفي عن مناداتي بعمتي انت تجعلينني أشعر بأني عجوز"
"لقد شردتي مجدداً"
"ربما قليلاً... أين والدك إذاً؟"
"إنه مع جدتي بالحديقة يعدون المشواة!"
صرخ نوح بهذا وهو يسحب توانا من يدها إلى حيث يوجد والده و جدته
كان عيسى أخ ها الأكبر يشعل المشواة بينما والدتها السيدة سوزان تقوم بإخراج اللحم من الثلاجة
لم تكن والدتها محجبة ولا هي ولا أي فرد من عائلتهم كانت سوزان و توانا متشابهتان جداً من حيث لون الشعر و العيون و البشرة
"أمى لقد عدت"
"أوه الحمدلله لقد أتى عيسى هو و الأولاد و زوجته مريم لتناول العشاء معنا اليوم"
"هذا جيد... سوف أذهب لكي أبدل ملابسي و أتي لمساعدتكم... لكن أين مريم... أخبريني انها لا تقوم بتنظيف المنزل بمفردها مجددا أرجوك"
"لا لا لقد ذهبت لشراء بعض المستلزمات لإعداد العشاء لا تقلقي"
قال والدتها هذا وهي تضحك لطالما كانت تنزعج توانا من أن اليوم الذي تأتي مريم به لمنزلهم بدلا من الراحة تبدأ بتنظيف الأشياء
......................
عندما إنتهى إياس مما كان يفعله فى المكتبة و بعد ان ودع جوزيف كان يستقل سيارت أجرة لكي يذهب للمنزل
وهو فى طريقة أخرج مصحف صغير من حقيبته و أخذ يقرأ فى صورة البقرة
كانت من عاداته أنه كلما كان فى طريق سواء عان يسير أو أنه يستقل حافلة أو أي شيء كان إما ان يقرأ القرآن أو أنه يستمع له على الهاتف
كان يعرف أنه قد لا يمر من هذا الطريق مجدداً و أن هذه الارض التي مشى عليها سوف تشهد له أو عليه يوم القيامة لذا كان يفضل أن تشهد له لأنه يعرف أنه مقصر من نواحى عدة و يحاول أن يجاهد نفسه. و يهذبها لذا كان القرآن ملجأه
عندما وصل إلى منزلهم و توقفت سيارة الأجرة كان يقرأ آية تقول
«و مِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءاتِنَا فِى الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى الأَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ»
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!